بحب آخر فصل علشان التعليقات فيه بتبقى كتيرة أوي والكل بيقول رأيه في الرواية حتى الصامتين
بعضكم وعدني بريفيو لما الرواية تخلص وانا أطالب بهذا الريفو، صحيح الرواية لسه مخلصتش بس على الأقل خلصنا الجزء الأول والرواية دي بجد أهم رواية انا عملتها بسبب واقعيتها انا نفسي كتبت شخصيتي جوا الرواية، ومش هقول مين طبعًا
طبعًا لسه فاضل على رمضان أكتر من ١٥ يوم فـ لحد العيد كتير ٤٥ يوم أو أكتر حتى وهتنسوا الرواية، فأنا قررت ننزل كام فصل علشان الأحداث متنسيش بس مش هنزل كتير ولا بمواعيد، هنبدأ بمواعيد بإذن الله بعد العيد
بالنسبة لأمتى هنزل أول فصل فأنا هاخد إستراحة الأول وبعدها نشوف وانتوا وكرمكم لو شوفت ريفيوهات تفرحني عن رأيكم في الرواية في جروبات الفيس وعد أنزل أول فصل قبل ما رمضان يبدأ
انا بنزل بإنتظام ومفيش غير مرة او اتنين طول الرواية اعتذرت فيها عن الفصل فأعتقد ريفو ترويجي كده مش خسارة فيا، واوعوا تنسوا المنشن ليا طبعًا
الفترة الجاية استنوا مني اقتباسات كتير علشان حسيت أغلبكم قفل من الرواية من وراء اقتباس شروق ويونس وحبيت أوضح إن الاقتباس ده بعيد أوي في الجزء التاني واللي هيكون أحلى من الأول بكتير
مش هكدب وأقول مفيش فيه مصايب بس أوله عكس أول الجزء الأول هنا بدأنا مصيبة نور وتوالت الكوارث، التاني بقى هناخد فيه مش أقل من ١٥ أو ٢٠ فصل أحداث عائلية وكوميديا وأفراح وهناخد جولة في الصعيد زي ما اخدنا في إسكندرية
وكفاية حرق كده واسيبكم في الفصل الأخير، تعليقات كتير بقى ❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هبطت من سيارة ابن عمتها إسماعيل بمساعدة والدتها وشقيقتها لتقف أمام مبنى ضخم لم تره قبلًا إلا في التلفاز، كل الأحداث التي تمر بها لم يسبق وأن مرت بها، فقط كانت تشاهدها في الأفلام والمسلسلات، ووالله لو كانت تعلم أن الدنيا بكل هذا الظلم ما برحت منزلها
أسندتها والدتها حتى تصعد الدرج الذي أمامهم وخلفها والدها وأعمامها كلهم وزوج عمتها وعمتها أسماء فلم يتركوها في مثل هذا اليوم، شعرت بالطمأنينة قليلًا بوجودهم وأن لها ظهر ولكنها أرادت أن ترى الدفاع
أرادت أن ترى المحامي الذي سيدافع عنها ومن وعدها بأنه سيخرجها من هذه القضية، أرادت أن ترى حمزة بين الموجدين ولكنه على الأرجح سيتأخر مثل يوم تحقيق النيابة
توقفوا بداخل المحكمة لكن لم يلجوا للقاعة بعد فلازال هناك بعض الوقت أمامهم، اقترب علي من عثمان الذي كان موجود هو أيضًا ومعه زوجته وابنته رحمة التي ستكون شاهدة :
-حمزة ولدك فين؟! هيتأخر زي ما اتأخر يوم تحقيق النيابة
نفى عثمان وهو يدعوهم للجلوس في مكان ولا يقفوا في المنتصف هكذا :
-هو هنا بقاله نص ساعة مع كام زميل ليه وبيخلص الإجراءات ما هى مش هتدخل علطول
جلست نور على المقاعد الموجودة ثم همست لوالدتها قائلة بنبرة متوترة :
-ماما عايزة أشرب
-تشربي؟! حاضر دقيقة
جلست براءة مكان خالتها التي اتجهت إلى حسن تطلب منه أن يحضر زجاجة ماء، فمالت قليلًا على نور قائلة بنبرة خافتة :
-أقولك على حاجة تفك التوتر عنك شوية
نظرت لها الأخرى بإنتباه فأكملت الأخرى وعلى شفتيها بسمة عابثة :
-تعرفي حمزة الليل كله سهرانة جنبك في المستشفى من برا أوضتك ومروحش
أكملت عائشة على حديثها إذ كانت تجلس بجانب نور على الناحية الأخرى :
-حتى سمعت ماما قالت لبابا كده وكل لما تطلع تلاقيه قاعد ومعاه حسن وصِعب عليها قوي وكل مرة تقوله روح روّح وحسن معانا ميرضاش ويقولها مش مآمن لسعيد غانم ممكن يبعت حد يعمل لنور حاجة
ارتفعت بسمة على وجه نور وشعرت بمشاعر مختلطة سببت لها فراشات داخل معدتها وقد ارتفع نبضها لشعورها بالسعادة، الآن فقط علمت مكانتها عند حمزة فما كان ليجلس في البرد ويسهر الليل كله إن لم تكن غالية على قلبه، ما كان ليهتم بأن يحرسها بنفسه إن لم يكن يخاف عليها ويحبها
اعتدلت في جلستها وقد أدعت الجدية حتى لا تظهر أمامهما كـبلهاء عاشقة :
-طب سيبوني في الهم اللي انا فيه دلوقتي
ارتفع إحدى حاجبي براءة بتهكم قائلة :
-طب ماشي خليكي في الهم اللي انتي فيه، وحمزة هناك أهو
رفعت نور نظرها سريعًا تبحث عنه بعينيها فقالت براءة ضاحكة عليها :
-كارفة للواد وانتي هتموتي عليه؟! عجبت لك يا زمن
ضحكت عائشة وقد ضربت كفها بكف براءة فحدقت بهما الأخرى بغيظ ثم نادت على والدتها قائلة :
-يا ماما قَومي الإتنين دول من جنبي جابولي صداع
واستقامت براءة بالفعل قبل أن تأتي خالتها صفية ثم اقتربت من يوسف الذي يتحدث في الهاتف متسائلة :
-يوسف هو ابن عمك هيجي أمتى؟؟
انتبه لها الآخر وقد أغلق الهاتف مع يونس ثم أجابها :
-هو أصلًا هنا بس بيخلص الإجراءات ومعاه يونس
آماءت الأخرى وكادت تعود لمكانها ولكنه استوقفها متسائلًا :
-براءة طب بالنسبة لينا إحنا هنأجل ولا ايه؟؟
-نأجل ايه؟!
-خطوبتنا كان المفروض تبقى بعد خطوبة رقية بحاجة بسيطة بس يعني اللي حصل ده هيأجل الموضوع أكتر
ارتبكت براءة وظهر عليها هذا ليس عليها أن تعطيه كلمة، فالكلام في هذه الأمور يكون مع والديها لذا قالت منسحبة :
-مش عارفة يا يوسف اسأل بابا
استوقفها مرة أخرى ووقف أمامها قبل أن تذهب قائلًا :
-طب هو انتي هتسافري معاهم لما يسافروا؟! انا سمعت عمي محفوظ بيقول إنهم هيسافروا بكرة بعد إعفاء نور إن شاء الله يعني، وهياخدوها معاهم فهل انتي هتسافري كمان
نفت براءة هذا مجيبة عليه بما تعلم :
-لأ انا مش هسافر علشان لسه سنة الإمتياز مخلصتش بس نور هتسافر وشروق كمان علشان الإمتحانات عندها اتلغت بعد المصايب اللي حصلت هناك وعائشة مش عارفة علشان أصلًا امتحاناتها لسه مخلصتش وأول إمبارح راحت الكلية والله أعلم عملت ايه في امتحانها
-طب انتي هتفضلي قاعدة في الشقة مش كده؟!
-لأ طبعًا مش هقعد وحدي هاروح عند عمتي أسماء
نادى حسين على ابنته عندما رآها تقف مع يوسف فنظرت بسرعة نحوه ثم عادت بنظرها إلى يوسف قائلة :
-ابويا هيعلقني سلام
تحركت من أمامه بسرعة بالتزامن مع ظهور سعيد غانم وزوجته وابنه وبرفقتهم المحامي الذي كان موجود يوم تحقيق النيابة، استقام علي واخوته له وفي رأسهم شئ واحد فقط وهو أن هذا الوغد كان على وشك أن يضيع في شرف ابنتهم
اقترب منهم محفوظ وإسماعيل وعثمان حتى لا يختلقوا مشكلة معهم في وسط المحكمة ولكن علي أبى أن يمر الأمر هكذا فقال بنبرة خشنة قوية وهو يحاول إبعاد ذراع إسماعيل الذي يمسك به :
-لو فاكر الموضوع عدى كده فالحساب بيجمع وكل اللي عملته في بتي هيتردلك
توقف سعيد ونظر إليه بقوة فقام المحامي بدفعه أمامه بخفة قائلًا :
-سعيد باشا متردش عليه، كأنك مسمعتش حاجة
تحرك معه بالفعل ليبصر حمزة قادم من بعيد برفقة شابين آخرين يعرف أن أحدهما يكون ابن عمه والآخر لا يعلم من هو
ابتسم له حمزة وقد غير طريقه نحوه ووقف أمامه قائلًا ببسمة بلاستيكية :
-اتصلت على حضرتك إمبارح بس مردتش كنت عايز أقولك حاجة مهمة أوي
انتبه الآخر لما قد يقوله فقال :
-تقولي ايه؟؟
-كنت هقولك لو راجل تعالي خدها زي ما قولت، صحيح مجتش ليه خدتها يا سعيد باشا ولا انت مش قد كلامك؟!
ابتسم له سعيد بسمة جانبية ثم قال :
-انا مش عارف انت بتتكلم عن ايه؟!
رد له الآخر نفس البسمة مقتربًا منه خطوة قائلًا :
-لا يا باشا عارف بس عامل أهبل، كنت برضو عايز أقولك جهز مبلغ حلو كده وممكن يكون بالملايين بما إنك غني ما شاء الله، ومش هقولك المبلغ ده ليه هخليك تتفاجئ جوا
تخطاه متجهًا إلى نور والبقية وقد انقلبت ملامحه إلى الهدوء وما إن وقف أمامهم حتى قال دون النظر إليها مباشرةً فهو يعلم إن نظر إليها لن ينزع عينيه عنها :
-خمس دقايق وهندخل، الشهود كلهم جاهزين ودفاع سليم هو اللي هيبدأ فمهما تسمعوا جوا منهم محدش ينفعل أبدًا، دي محكمة يعني مفيش صوت فيها خالص
-طب انا هقول حاجة لما أدخل
نطقت بها نور متوجسة فنقل حمزة عينيه نحوها محدقًا في ملامحها المرهقة، لقد بهتت ملامحها من شدة التعب كما أن الكدمات على وجهها لا يزال لها أثر، تنحنح منظفًا حلقه ثم قال :
-لو القاضي طلب منك تتكلمي اتكلمي ولو انا حسيت إن السؤال مش هتقدرى تجاوبي عليه هجاوب انا
ارتفع نداء العسكري عليهم فانقبض قلب نور بشكل تلقائي متمسكة في ذراع والدتها فربتت الأخرى عليها قائلة بحنو :
-متخافيش يا ماما هتطلعي منها إن شاء الله قومي يلا وقولي يارب
استقامت معها الأخرى مناجية ربها بينها وبين نفسها ثم ولجت مع عائلتها إلى قاعة المحكمة وقد وجدت بها عائلة سليم وعدد من الناس اتو لرؤية المحاكمة، وعدد من الصحافة من أجل أن يعلموا الحكم وينشروه على الأخبار لروي فضول الرأي العام
جفلت عندما أمسك بذراعها عسكري متجهًا بها نحو القفص الحديدي الموجود في القاعة، لتنظر بسرعة وفزع نحو حمزة والآخر هدأها قبل أن تتحدث :
-اهدي ده إجراء لازم تدخلي القفص وكمان سليم هيدخل، انا مش عايزك تخافي
-لأ انا خايفة
نطقت بها بخوف وهى تطلب منه فعل شئ، لكنه ليس بيده شئ فهذا إجراء ضروري وسليم ليس المتهم فقط بل هى أيضًا، جذبه العسكري معها بخفة وأدخلها القفص ثم ولج خلفها سليم وكلاهما بنفس مشاعر الخوف والتوتر، كلاهما يجربان هذا لأول مرة، كلاهما يتعرضان لهذا الموقف لأول مرة، كلاهما متهمان ولكن أحدهما ظالم والآخر مظلوم
أحضر العسكري مقعد وجعلها تجلس عليه نظرًا لحالتها الصحية بينما بقى سليم واقفًا، جلست نور بخوف تكاد تجزم أن جسدها يرتعش من الرهبة والرعب النفسي الذي تعيشه لرابع مرة على مدار هذا الأسبوع
الأولى حين تحرش بها سليم
الثانية حين وضعوها في الحجز
الثالثة حين هددها سعيد بالفضيحة والإعتداء
وها هى الرابعة في المحكمة متهمة بقضية إعتداء على طالب قد تُسجن بها لخمسة عشر عامًا
اقتربت منها عمتها ووالدتها لتعطي لها أسماء منديلًا ثم قالت بحزم رغم حزنها وخوفها على ابنة أخيها :
-أمسحي عينيكي وامسكي نفسك شوية وإن شاء الله إن شاء الله هتاخدي براءة وترجعي معانا
مدت صفية يدها من داخل القضبان الحديدية ومسحت على رأس ابنتها قائلة :
-متخافيش يا نورهان ومتبكيش انتي اللي على حق مش هما
-مـحكـمـــــة
نطق بها أحد العساكر المكلف بنطق هذه الكلمة لكي تصمت القاعة بأكملها وينتبه الجميع لحضور القاضي والمستشارين، ابتعدت أسماء وصفية وجلسا في أماكنهما تاركين نور ينبض قلبها برعب وفزع، ومن قوة نبضاته بدأ صدرها يؤلمها، ومع كل كلمة ينطق بها القاضي يزداد خفقان قلبها
بدأ وكيل النيابة والذي يكون موجودًا في المحاكمات دائمًا وكان قوله لا ينحاز لأي طرف بل ينطق بما تدور حوله القضية :
-سيدي القاضي نحن أمام قضية مهمة وليست أول قضية ولن تكون آخر قضية طالما النفس الأمارة بالسوء في نفوس البشر، سليم سعيد غانم متهم بالتحرش جنسيًا بعدد فتيات ما بين سن الثالثة عشر إلى الخامسة عشر وآخرهم معلمته وقد قُدمت دعوة ضده بأنه فعل هذا في الفصل أثناء أداء إختبار للصف الثالث الإعدادي، وعلى الصعيد الآخر نور علي صفوان وهى المعلمة التي تدعي أنه تم التحرش بها من قبل طالب في الصف الثالث الإعدادي وقد قدمت دعوة ضدها بأنها تغري الشباب مختبئة أسفل الحجاب والعفة وقد قال سليم أنها حاولت إغراءه في وسط الفصل أثناء انشغال الجميع بالاختبار وقد قام بدفعها وإسقاطها أرضًا بعيدًا عنه لتقوم بقلب الآية عليه وانهالت بالضرب عليه مدعية أنه قام بالتحرش بها
نظرت نور إلى سليم بصدمة من الظلم والافتراء الذي يقال عليها وهى من تنتفض إن لمسها رجل، تحدثت بنبرة مصدومة وهى ترمق سليم بنظرات حارقة :
-انا أغريتك!! ده انا حافظة كتاب ربنا وعمري ما احتكيت براجل في حياتي؟!
طرق القاضي بمطرقته فصمتت نور مقهورة بينما قال القاضي بصوت مرتفع :
-سليم سعيد غانم المهدي، الدفاع يتقدم
استقام المحامي الخاص بسليم من مكانه واقترب من منصة الدفاع ثم حمحم منظفًا حلقه وقال :
-كمال سيف الدين المحامي حاضر مع المتهم سليم سعيد غانم، سيدي القاضي دايمًا بنسمع إن واحد اتحرش بواحدة أو عاكسها بس إحنا دلوقتي قدام حالة مختلفة تمامًا، قدام معلمة بتستغل الطلاب وتشبع شهواتها بإغراءهم ومستخبية تحت حجاب وشكل لطيف وخجل زائف، وموكلي واحد من الضحايا اللي عملت معاهم كده لتتجرأ في نص اللجنة الإمتحان على فعل هذا، ولما صدها موكلي قلبت الترابيزة عليه وقالت اتحرش بيا وانهالت عليه بالضرب وتم تصويرها والفيديو نزل على مواقع التواصل الإجتماعي يا سيادة القاضي
سحب حاسوبه المحمول وقام بتشغيل ذلك الفيديو وعرضه على القاضي والمستشارين ثم أحضر عدة أوراق وقدمها لهم أيضًا ثم قال :
-وده تقرير طبي عن حالة موكلي وعندنا شهود تثبت إن المدعوة نور قامت بإغراءهم اتمنى من سيادتك تسمع شهادتهم
نظرت نور إلى من دلفوا وقد كانوا طلاب في المدرسة التي تعمل بها ولكن لم يسبق أن تحدثت معهم من الأساس حتى تغريهم، توقف أحدهم أمام منصة الشهادة ليقول القاضي له :
-قول والله العظيم هقول الحق
ردد الفتى خلفه قائلًا :
-والله العظيم هقول الحق، انا خالد ثابت خيري في سنة تالتة إعدادي والمس نور جات المدرسة من حاولي تلات شهور بس مش من أول الترم، هى هادية زيادة عن اللزوم ومش بتحب تتكلم مع حد، عمري ما كنت أشك إنها تعمل كده بس عملت
-عملت ايه؟!
وأجابه الآخر دون النظر إلى نور ولو بنظرة حتى :
-في آخر الحصة كنت بسألها على كام سؤال وكان الكل خرج من الفصل ولقيتها بتبص ليا بطريقة مش كويسة وبدأت تلمس دراعي أوي وتتكلم كلام غريب انا نصه مفهتهوش بس مكنش كلام كويس كان كلام وحش مش هينفع أقوله
أدمعت عينيها وارتفعت وتيرة تنفسها بقهر تسمعهم يفترون عليها بل ويحلفون بالله أنها قامت بإغراءهم والتحدث معهم بكلمات هى نفسها قد لا تفقه معناها
أغمضت عينيها بقوة وضغطت بكفها على جرحها لا تريد أن تسمع المزيد من الإفتراء، لا تريد أن ترى أعين والديها المتحسرة عليها، لا تريد أن ترى نظرات سعيد الشامتة بها، لا تريد أن ترى نظرات الشفقة من باقي العائلة، ولو تستطيع إيقاف هذه المحاكمة ستفعل
ليتها تنازلت من البداية حين طلبت منها شقيقة سليم هذا، لَما كانت في هذا المكان الآن، في وضع إتهام، تستمع لإتهامات تلقى عليها ما كانت لتفكر بها فقط لا أن تسمعها
شعرت بدوار يلفحها ونفسها يضيق وهى تستمع إلى القاضي يوجه حديثه لسليم :
-سليم المُدرسة نورهان عملت معاك ايه في الفصل؟!
نظر لها الآخر بطرف عينيه ثم قال وهو ينظر أرضًا مدعي الحرج :
-لمستني بطريقة مش كويسة في منطقة حساسة فزقتها وقامت ضربتني بعصايا خشب وانا محستش بحاجة غير لما جات الإسعاف
فارقت بين جفنيها عندما استمعت إلى القاضي يناديها :
-نورهان علي صفوان مين عمل فيكي كده؟؟
نطق بها وهو ينظر إلى حالتها المزرية فقالت الأخرى دون أن تتنظر نظرة من أحد، بل رمقت سليم بجانبها بكره وحقد، لم تحقد على أحد في حياتها قدر حقدها الآن على سليم :
-أبوه عمل كده قال للستات في الحجز يضربوني، كسروا دراعي وقطعوا شعري وضربوني بسكينة في جانبي وقبل ده كله قالولي، شكلك على نياتك ومش بتاعت مشاكل بس إحنا قبضنا بقى علشان نبعتلك رسالة تهديد ولازم ننفذ اللي قبضنا علشانه
-انا اعترض يا حضرة القاضي
نطق بها المحامي الخاص بسليم بإعتراض فسمح له القاضي بسماعه ليقول الآخر بجدية شديدة :
-اللي بتقوله ده كذب وافتراء على سعيد غانم والد سليم، هما الستات في الحجز ضربوها فعلًا بس لما استجوبهم الظابط في القسم قالوا إن نور هى اللي تطاولت عليهم علشان كده ضربوها وهما اخدوا جزاتهم على ده وتقدر بنفسك تستجوب مأمور القسم، وكمان الكلام ده اتذكر عند وكيل النيابة وحققوا مع الستات
قلب القاضي في الأوراق أمامه عن القضيتين ثم قال برسمية :
-عايز تقول حاجة كمان قبل ما الدفاع التاني يبدأ
أغلق الآخر قلمه ثم قال بنفس جديته حديثًا جعل نور ترتعش خوفًا :
-عايز أقول اللي زي المعلمة دي مينفعش يبقوا معلمين ونآمن ولادنا عليهم، كنا بنخاف من المعلمين الرجالة في الأول ودلوقتي هنخاف على ولادنا من الرجالة والستات طالما أمثالهم موجودين في المجتمع، لذا يا سيادة القاضي انا بطالب بتوقيع عقوبة قاسية عليها على ما فعلته في حق هؤلاء الطلاب والمراهقين وقد تركت لهم عقد نفسية لن ينسوها، ومين عارف كام طالب وولد حاولت الأستاذة دي إغراءه
قبضت على ملابسها بقوة تشعر أنها على شفا جرفٍ من الإنهيار، وعقلها قد طرح على نفسه سؤال، ماذا سيحدث إن تم سجنها؟!
سوف يتدمر مستقبلها وليس هى فقط بل مستقبل شقيقتها التي ستكون شقيقتها رد سجون، تصبح وصمة عار في العائلة وعلى والديها إلى أن تموت، لن ينظر إليها أحد حتى إن قضت عقوبتها وخرجت
رفعت نظرها إلى حمزة لأول مرة منذ بدأت المحاكمة لترى ملامحه جامدة تمامًا وكأنه لا يبالي بكل ما قيل، حسنًا ولما قد يبالي فهى من ستسجن وليس هو، وقد يتركها تمامًا ولا يهتم لها إن خسرت القضية
-دفاع نورهان علي صفوان يتقدم
استقام حمزة من مكانه عندما أتى دوره ليتقدم بهدوء يحسد عليه إلى منصة الدفاع، ماررًا من الجانب المحامي الآخر فابتسم له ولم يمنع نفسه من قول هذا :
-احييك على الدفاع ده كنت ممتاز بصراحة وده متوقع من محامي بخبرة زيك، بس أسمع بقى دفاعي انا اللي أصغر منك بخبرة وسن واتمنى تقيمني
تبدلت ملامحه تمامًا حين وقف على المنصة ليقول بصوت مرتفع مرتديًا ثوب المحامي الذي لا يتعامل بشخصيته إلا في قاعة المحكمة فقط :
-حمزة عثمان هواري حاضر مع المتهمة نورهان علي صفوان، سيدي القاضي قبل ما أبدأ بالدفاع عن موكلتي هقول حاجة تدور حول أحداث القضية، التحرش لو كان سببه الجهل، فلماذا يتحرش المعلم والأستاذ الجامعي والدكتور؟ لو كان سببه الفقر، لماذا يتحرش رجل الأعمال؟؟ ولو كان سببه تأخر الزواج، لماذا يتحرش المتزوج وأب البنين والبنات؟ ولو كان سببه الكبت الجنسي، لماذا يتحرش ذو 14 سنة، لو كان سببه لباس المرأة، لماذا يتم التحرش بالمنتقبة والمختمرة؟! التحرش الجنسي لو كان سببه جسم المرأة و قوامها المثير لماذا يتم التحرش بـ الأطفال؟! إحنا قدام قضية متكررة لا هى الأولى ولا الأخيرة وانا بصراحة عمري في حياتي ما سمعت واحدة اتحرشت، يمكن موجود بس نادر وعايزك تبص على موكلتي يا سيادة القاضي بقى ده شكل واحدة تغري طالب ولا تتحرش به
-وهى بالشكل يا متر؟!
نطق بها المحامي الآخر بنبرة ساخرة فقال له حمزة مبتسمًا بإتساع :
-صح معاك حق والله عمرها ما كانت بالشكل، سيادة القاضي إحنا قدام قضيتين ضد بعض مش عارفين مين الصادق ومين الكذاب مين اللي اتحرش بالتاني وزي ما سليم عنده شهود إن المُدرسة نورهان بتغريهم انا عندي شهود يثبتوا إن نورهان طول فترة وجودها في المدرسة محترمة ومهذبة ومش بتاعت مشاكل، المدرسين والمدير وكمان الطلاب يشهدوا بكده، أقربهم ليها هاجر حاكم زميلة ليها في المدرسة وكانت بتقضي معظم أوقات الفراغ معاها وهى كانت موجودة في نفس اللجنة ونفس الفصل يوم ما حصل حادثة التحرش اتمنى تسمع شهادتها
نادى القاضي على هاجر باسمها الثلاثي فاستقامت الأخرى من مكانها وتقدمت نحو منصة الشهادة ملقية بنظرة داعمة نحو نور، وما إن وقفت على المنصة حتى قال القاضي :
-قولي والله العظيم هقول الحق
-والله العظيم هقول الحق
-ايه هى معرفتك بالمدعوة نورهان وهل شهدتي عليها أي تصرف من المتهمة به
نفت هاجر كلامه هاتفة بصدق :
-انا اتعينت جديد في المدرسة واتصاحبت على نور علشان هى شبهي هادية ومش بتحب تختلط بالكلام مع حد ومكنتش أصلًا بتتأخر لما الحصة تخلص دي بتطلع قبل الطلاب وأغلب قعدتنا في الفسحة مع بعض وعمري ما شوفت عليها حاجة من الإتهامات دي، نور بني آدمة محترمة وكل الطلاب والمدرسين يشهدوا بده، حتى هى كانت بتنصح البنات بالحجاب الصحيح، ولو شافت ولد وبنت بيختلطوا جامد ببعضهم بتقولهم إن ده حرام ومينفعش
-ايه اللي شوفتيه في اللجنة لما حصلت حادثة التحرش
نظرت الأخرى إلى سليم بغضب ثم قالت :
-انا كنت واقفة جنب طالب سألني على سؤال في الإمتحان واخدت بالي إن نور اتحركت ناحية سليم وسألته سؤال وهى باصة في ورقته وكانت بعيدة عنه وكانت هتمشي بس هو نادى عليها تاني وشوفته بيشاور ناحية الولد اللي جنبه في الكرسي التاني، انا مفهمتش الإشارة دي ولما نادى الولد ده عليا عمل نفسه اتكعبل وزق نور على سليم كأنه بيسند عليها
ازدردت لعابها بصعوبة ثم أكملت بضيق شديد احتل صدرها :
-زنقوها وسطهم هما الاتنين واتحرشوا بيها انا شوفتهم، نور وقعت على الأرض مصدومة وانا كنت هتخانق مع الولدين دول وهما انكروا وقالوا كانت هتقع وسندوها مش زي ما سليم قال دلوقتي، بعدها هى قامت وفي ايدها عصايا خشب كانت واقعة جنب الدروج ومن قهرها قعدت تضرب فيهم زي ما باين في الفيديو اللي انتشر
-مين هو الولد التاني ده اتذكر بس سليم في المحضر
وهنا تحدث حمزة مكملًا مرافعته إذ قال :
-الولد التاني ده يبقى سمير جوزيف ملاك طالب في تالتة اعدادي واتذكر في المحضر بس هو خاف وهرب من المدرسة ومعرفوش يجيبوه حتى من العنوان اللي اتذكر في ملفه في المدرسة، لما البوليس راح هناك قالوا إن العيلة كلها نقلت من غير سبب ومحدش يعرف عنوانهم الجديد ونظرًا لحالة والد سمير المادية هو ميقدرش ينقل فجأة كده إلا إذا
ترك جملته معلقة ونظر نحو سعيد غانم ثم أضاف :
-ظهرله حد يساعده على النقل أو اداه فلوس علشان يختفي هو وعيلته خاصةً ابنه سمير
-انا بعترض يا سيادة القاضي هو كده بيتهم والد موكلي
نطق بها المحامي الآخر فرفض القاضي هذا الإعتراض قائلًا :
-إعتراضك مرفوض، كمل يا متر
ابتسم حمزة ثم نظر إلى القاضي مكملًا :
-انا بطلب من سيادتك تسمع شهادة الشاهد اللي هيدخل دلوقتي وانا متأكد إن شهادته هتغير مجرى القضية
نظر حمزة نحو باب القاعة مثله مثل باقي الموجدين حتى نور وسليم انتبهوا للشاب الذي دلف مع العسكري والذي ما إن رآه سليم حتى دب الفزع أوصاله بخوف من القادم، فهذا سمير والذي قام والده بإخفاءه هو وعائلته حتى لا يشهد بما حدث في الفصل وأنه هو من أشار له بأن يدفع نور نحوهه
ابتسمت نور بأمل وقد استقامت من مكانها فشهادة سمير أهم من شهادة البقية وهى من ستخرجها من هذا المأزق، وهذا بالطبع إن شهد بما حدث
توقف سمير على منصة الشهادة وهو ينظر إلى سليم في القفص بخوف ولكن خوفه الأكبر كان من حمزة ويونس
تحدث القاضي وهو ينظر إليه بتركيز :
-انت سمير جوزيف ملاك؟؟
آماء الآخر بصمت فأكمل القاضي :
-قول والله العظيم هقول الحق
-والله العظيم هقول الحق
-ايه اللي حصل يا سمير في الفصل وهل تعرف المُدرسة نورهان
حدق الآخر في نور من خلف القضبان ثم إلى حمزة الواقف بجانبه :
-انا معرفهاش كانت جاية ضمن المراقبين علينا من مدرسة تانية، كنت في اللجنة قاعد بحل الإمتحان وشوفت المُدرسة دي قربت من سليم وسألته عن حاجة في الإمتحان معرفش هى ايه، سليم نادى عليا وشاورلي بحركة إن ازقها عليه وانا عملت كده فعلًا وزقتها عليه
أكمل سمير سرد ما قد حدث دون الكذب في كلمة فقد أتاه هذا المحامي المدعو حمزة أمس هو ورجل شرطة وقاموا بالقبض عليه لأنه تحرش بمعلمة، قال له الشرطي أن مدة العقوبة قد تكون هينة إن قال ما حدث بالضبط دون كذب وها هو يدلي ما حدث لعل العقوبة تكون هينة كما قال
انتهى من الشهادة وقد استمع القاضي والمستشارين لباقي الشهود، مثل رحمة والمدير وكم طالبة قد تحرش سليم بهن، ليس جميع من تحرش بهن سليم قد حضرن فأغلبهن رفضن الشهادة بسبب الخوف ولكن البعض أصر على الشهادة وقول الحق دون الخوف من سليم وغيره
تحدث حمزة بجدية شديدة وهو يخرج فلاشة وجهاز حاسوب يكمل مرافعته :
-سيادة القاضي دي تسجيلات إمبارح لأكتر من كاميرا في إحدى شوارع ميامي وظهر فيهم موكلتي ومعاها بنت عمها وعمها ماشيين في الشارع وحصلت خناقة كبيرة وأتجمع الناس ووسط ده حد فتح باب جراج وشد نور وظاهر في التسجيلات بنت عمها وهى بتحاول تسحبها منهم فزقوهم هما الاتنين جوا وبعدها ظهر سعيد غانم هو وزوجته نزلوا من عربية ودخلوا العمارة نفسها وبعد ربع ساعة أو عشر دقايق خرجت موكلتي في حالة من الرعب هى وبنت عمها، حتى إنها وقعت على الأرض وفضلت تصرخ وتبكي
عرض المشهد أمام القاضي والمستشارين فجذب سعيد كتف المحامي له هامسًا بغضب :
-كمال اتصرف انا كده هاروح في داهية
وهمس له الآخر بضيق شديد غير متوقع هذا من حمزة فهو لا يعلم شئ عما فعله سعيد البارحة :
-اعمل ايه يا سعيد باشا، ازاي متقوليش على اللي عملته ده، لو رجعتلي كنت قولتلك بلاش المحامي ده دماغه سم وواضح عنده ناس في البوليس وقلب الموضوع علينا اهو لما عرف يوصل للولد اللي اسمه سمير
ابتسم حمزة لهما وقد كان يتابع حديثهما الهامس هذا ثم قال بصوت مرتفع :
-وعلى نفس الفلاشة يا سيدي القاضي تسجيل للـ حصل في العشر دقايق وده لأن بنت عم موكلتي سجلت كل كلمة اتقالت جوا وأحب كل اللي موجود في القاعة خاصةً الصحافة يسمعوا اللي حصل من سعيد غانم تاجر الدهب وهو بيهدد موكلتي بالإعتداء لو متنازلتش عن القضية
نظر نحو سعيد مبتسمًا له بمزاح سوداوي يرى وجهه الذي شحب بشدة هو وزوجته وابنته، حتى عاصم صُدم مما يسمع :
-شكلك جديد في موضوع التهديد ده يا سعيد باشا، هو حد يهدد حد في الصبح كده وفي وسط ميامي، طب كنت خطفتها على الصحراوي وفتشتها كويس قبل ما تهدد، معلش بقى تعيش وتاخد غيرها
ارتفع صوت زوجة سعيد وهى تترجى نور أن تتنازل عن القضية ثم أرتفع صوت سعيد المهدد لها، ابتسمت نور محدقة في ملامح سعيد وقد انتفض قلبها من شدة السعادة على نصر الحق لها بعد ظلم شديد عاشته وكرهت الحياة بسببه
جلس المحامي كمال مكانه، يستمع للتسجيل مثل باقي مَن بالقاعة، والآن لا فرصة لنجاة سليم ولا حتى سعيد، نظر عاصم إلى والده لا يصدق ما سمعه الآن، فحتى هنا مصدومة مما سمعت، أجل يعلمان مدى جبروت والدهما لكن لم يصل به الأمر قبلًا لتهديد فتاة بالإعتداء والفضيحة حتى ينقذ ابنه :
-بابا انت كنت هتفضح البنت بجد؟!
نطقت بها هنا بذهول شديد ولم تتلقى الإجابة منه لا هو ولا والدته التي كانت تجلس في حالة من الصدمة والقهر فالآن لن تفقد ابنها فقط بل وزوجها كذلك
تحدث عاصم بغضب مُزج بالذهول وهو يحادث والده :
-طب كنت فكرت الأول اللي هتخلي راجل يعتدي عليها ويفضحها دي مش بنت زيها زي بنتك، ذنبها ايه هنا تتاخذ بظلمك ووساخة ابنك، مسمعتش قبل كده عن جملة دان تدان يا سعيد باشا
-بس يا عاصم اسكت
نطق بها سعيد وهو بالكاد يستطيع التنفس فقال عاصم بغضب شديد وقد خرج عن طور هدوءه تمامًا :
-لأ انا مش هسكت على الحق تاني، في المرة الأولى سكتت البنت وخافت من أهلها وأديه أهو وراء القضبان وهيتحبس وهتتحبس انت كمان، لو كنا رجعناه في المرة الأولى مكنش حاجة من دي حصلت
استقام من مكانه ثم صاح بقوة خالعًا عنه ثوب الشيطان الأخرس :
-ســــيادة القاضي انا عايز أقول حاجة
استقامت معه والدته تمنعه من التحدث بشئ آخر يدين سليم أكثر :
-عاصم انت هتعمل ايه؟؟
أبعد عاصم يدها عنه بعنف ثم قال مبتعدًا عن مقاعد الجلوس تمامًا :
-ابعدي ما هو سكوتك ده هو اللي وصله للحالة دي، فضلتوا تلموا وراه لحد ما خلاص مبقاش فيه فرصة عنده للرجوع تاني
طرق القاضي بمطرقته بقوة حتى يصمت من بالقاعة :
-ايه الهرجلة دي لو سمحت أقعد مكانك
تقدم عاصم نحو منصة الشهادة ولم يستمع له بل قال بجدية وكم صعب عليه ما سيقول، فحتى ان كان سليم وغد حقير فللأسف هو شقيقه :
-انا عايز أضيف حاجة يا سيادة القاضي علشان اخلص ضميري، إحنا فشلنا في تربية سليم ويمكن السجن هو اللي يربيه، سليم فعلًا متحرش ومش أول مرة يتحرش بواحدة وانا نقلته من مدرسة محمد رجب في ميامي علشان هو اتحرش بطالبة هناك، ومؤخرًا اكتشفت إنه رفع مستوى التحرش وكان هيعتدي على اختي طليقتي وماسك عليها صور متفبركة علشان متبلغش عنه
نظر إلى سليم من وراء القضبان بخيبة أمل كبيرة ثم استرسل :
-ومين عارف كام واحدة عامل معاها كده، وكام واحدة ساب ليها ذكرى سودة مش هتنساها، وده كله وهو لسه ١٨ سنة، اخويا لازم يتحبس يا سيادة القاضي علشان يتربى ويبقى عبرة لغيره
تشاور القاضي مع المستشارين قليلًا ثم قال وهو يوجه حديثه إلى محامي سليم :
-هتضيف حاجة يا متر؟!
نفى كمال برأسه فالقضية هكذا انتهت ولا حاجة لإضافة كلمة أخرى :
-لا يا سيادة القاضي
وسأل القاضي حمزة نفس السؤال ليقول الآخر وهو يعدل من معطفه الأسود :
-ايوه يا سيادة القاضي أعتقد بعد اللي سمعناه من شقيق المتهم كده إتاكدنا إن سليم ترك عقله للشيطان واستباح حرمة الأجساد من أجل إشباع شهوة فانية، وبعد برضو سماع التسجيل اللي يثبت إن والده سعيد غانم حرض السيدات في الحجز على ضرب موكلتي ضربًا مبرحًا سبب ليها كسر في ذراعها، وجرح غائر في جانبها وآخر في جبينها، وكدمات في أنحاء جسدها ووجهها هذا غير الحالة النفسية التي أصبحت صفر بعد أن هددها بالإعتداء عليها وتصويرها وفضحها، وكل ده علشان ينقذ ابنه الفاسد من السجن، لذا ارجو من سيادتكم تطبيق عقوبة مشددة على كلاهما ليوكنا عبرة لمن يظلم ويستبيح حرمة الغير، بل وإلزام سعيد غانم بدفع تعويض مادي كبير على ما سببه لموكلتي من آلام جسدية ونفسية، وتوقيع محضر رسمي أنه لن يتعرض لها مرة أخرى بهدف الإنتقام أو ما شابه، انا كده خلصت يا سيادة القاضي
تحفزت الآذان وقرعت القلوب فور أن اختتم مرافعته، أصبح ميزان القضية غير معتدل الآن فتُرى من سيكسب هذه القضية ومن سيكون الخاسر، لكن الخسارة ليست هينة ابدًا فمن سيخسر هذه القضية ويقع عليه الحكم سيخسر مستقبله أيضًا
-الحكم بعد المداولة
هتف بها القاضي بصوت مرتفع وأخذ يتشاور مع بقية المستشارين، بينما هي سلمت أمرها للخالق فما عاد بأيديهم شئ ليفعلوه سوى انتظار حكم القاضي، فإما يكون الحكم لصالحها هي ويسجن ذلك النتن ابن سعيد غانم أو يكون لصالحه هو وحينها ستسجن هى وتخسر حاضرها ومستقبلها تمامًا
ابصرته يقترب منها بخطوات متمهلة إلى أن استقر أمامها يفصلهما هذه القضبان الحديدية فهتفت خائفة بصوت هامس فقد عم الصمت المحكمة في انتظار الحكم :
-هو... هو لو الحكم وقع عليا انا، ممكن... ممكن اتحبس كام سنة!؟
ضحك بخفة عليها فهل بعد كل هذا لا تزال ترى أنها ستُسجن :
-لأ انتي مش هتتحبسي انا قدمت دليل قوي، وبشهادة الشهود القضية بقيت معانا، اوعي تخافي
-في حالة خسرت يا حمزة ممكن اتحبس كام سنة قولي بالله عليك
وضع يده على القضبان ناظرًا إلى عينيها الباكية وقد تورم جفنيها من شدة البكاء ليقول بصوت قوي رغم خفوته وكم بدا واثقًا من براءتها :
-انتي مش هتتحبسي ولا يوم، ابن سعيد وأبوه هياخدوا جزاؤهم وهدفع ابوه دم قلبه تعويض على كل اللي عمله فيكي هو وابنه
ورغم أنها تعلم أنها ناجية ولكن وسواس بداخلها يقول ان الأمور ستنقلب، وكم بدت في حالة سيئة بطريقة آلمته وهي تقول :
-انا مش عايزة تعويض انا عايزة براءتي بس
لثاني مرة منذ تعرف عليها تجرأ وامسك بكفها حتى هي نفسها لم تنتبه بسبب بكائها وانشغال عقلها، ليقول بهدوء مخيف وعينيه اتجهت إلى سعيد بشماتة، يراه في عالم موازي وكأن هموم الدنيا أصبحت فوق رأسه، ومن يراه الآن لا يرى شكله يوم تحقيق النيابة :
-حقك هيرجع يا نور وزي ما وعدتك هخليه يدفع تمن اللي عمله من عمره وفلوسه
-مــحــكـمــة
حاولت سحب يدها من يده لكن الآخر كان مشددًا عليها بطريقة غريبة وقد أدار رأسه ناحية هيئة القضاة ينتظر بنطقهم للحكم، فإن حصلت نورهان على البراءة ستكون أهم قضية في حياته المهنية بأكملها، فهذه القضية أصبحت رأي عام وهنيئًا لمن سيكسبها
ولكن لا ينتظر هو هذا المكسب فكل ما يريده هو براءة نور
دعت صفية لابنتها وعائشة لشقيقتها، بكت والدة سليم على الخسارة القادمة، ارتفع التوتر في القاعة بأكملها يستمعون للقاضي وهو يقول بصوته الثابت القوي :
-وبعد رؤية الأدلة وسماع الشهود حكمت المحكمة حضوريًا وبإجماع الآراء، أولًا بمعاقبة المتهم سليم سعيد غانم المهدي بالسجن خمسة عشر عامًا مع الأشغال الشاقة نظرًا لأنه تعدى السن القانوني، ثانيًا القبض على المدعو سعيد غانم المهدي في سرايا المحكمة إلىٰ التحقيق في قضيته وهى تهديد وترويع المدعوة نورهان علي صفوان بالضرب المبرح والتهديد بالإعتداء والإشهار بها، وإلزامه بدفع تعويض مادي لها قدره خمسة مليون جنيه على ما سببه لها من أضرار نفسية وجسدية، ثالثًا الإفراج عن المدعوة نورهان علي صفوان من كل القضايا التي أُسندت لها، رفعت الجلسة
حالة من الهرج والأصوات المرتفعة دقت في جميع أركان القاعة، تراجعت نور للخلف ومن شدة سعادتها زرفت عينيها الدموع، ولأول مرة في حياتها تعلم ما هو معنى جملة دموع الفرحة
ابتعد حمزة للخلف عندما تقدمت عائلتها من القضبان يهنؤها على البراءة والأخرى لا تزال تبكي في مكانها فصاحت بها براءة قائلة :
-بطلي نكد هو انتي مظلومة تبكي منصورة تبكي
تقدم عاصم من القضبان محدقًا في شقيقه الذي جلس أرضًا بعدما فشلت قدميه في تحمل هول ما سمع، وجده يبكي وهذا طبيعي لكن فيما سوف يفيده البكاء وهو من وضع نفسه في هذا المأزق
وقع يده على القضبان وقد هبط للأسفل حتى يكون في نفس مستواه ثم قال :
-لو كنت رجعت لما ضربتك وحبستك في الأوضة مكنتش هتبقى هنا، لو عرفت تسيطر على شيطانك مكنش زمانك بتبكي كده
رفع الآخر رأسه له هاتفًا بنشيج هستيري :
-عاصم خرجني من هنا وانا والله مش هعمل كده تاني
اقتربت والدته من القضبان ووقفت خلف عاصم ولكنها لم تستطع النطق بكلمة، فقط تبكي بصوت مرتفع فضمتها ابنتها وحاولت أن تكون هى الأقوى وسط انهيار الجميع :
-سليم جه الوقت تتعلم من غلطك خلاص مبقاش فيه في ايدينا حاجة تاني
فتح العسكري الباب حتى يخرجهما ويترحلا للنيابة من أجل الإفراج عن نور وترحيل سليم إلى السجن، جذب العسكري ذراع سليم ووضع القيود الحديدية في يديه، وقبل أن يجره حتى يقف كانت نور تهبط إلى مستواه ثم قالت بنبرة أنثى مجروحة خرجت من صميم قلبها :
-يا رب اللي عملته فيا انت وأبوك يتردلكم في أغلى الناس عندكم وتشوفوهم بيتظلموا زي ما ظلمتوني
تخطته وأكملت طريقها للخروج من القفص لتستقبلها والدتها بعناق قوي تحمد ربها بصوت مرتفع على نصر ابنتها
حدق عاصم وهنا بهم لثواني معدودة ليقول عاصم بجمود خارجي وداخله قد انتفض لجملة نور، فهل سيأتي يوم ويرد ما فعله سليم ووالده في ابنته الصغيرة :
-هنا هاتي ماما ويلا نمشي، خلاص هى كده خلصت
رحل هو وشقيقته ووالدته بينما بقى سعيد مكانه مع المحامي حتى ينظر في المصيبة الثانية التي حلت على رأسه، فبينما كان يريد إخراج ابنه من مصيبته وجد أخرى أكبر حلت عليه هو من دعوات تلك المظلومة من بطشه عليها
اقترب كريم من شقيقه وقد احاط كتفه بسعادة ثم قال :
-مبروك القضية يا حمزة انا بعد كده هحضر كل مرافعاتك كلها، ده انا حسيت ان بتفرج على شخصية جديدة منك يا راجل مش حمزة بتاع المقالب اللي أعرفه
ابتسم له الآخر مربتًا على ظهره ثم قال بهمس وكأنه سيستشيره في الخطوة المتهورة المقدم عليها :
-بقولك ايه اتجنن واطلبها ولا استنى!؟ بس عامةً انا لو استنيت هياخدوها الصعيد والبنت هتروح مني
وإن كنتم تظنون أن كريم بالعقل الذي سيجعله يعود عن خطوة مجنونة كهذه فأنتم مخطئون إذ قال كريم وهو يدفعه للأمام :
-لأ جنان بجنان اضرب على الحديد وهو سخن يا متر متستناش، وبخبث ها
خرج حمزة من القاعة ليجد نور تحدق بتوتر في عسكري قد وقف أمامها حتى يأخذها مع سليم، ولا هى ولا أهلها يفهمون ماذا يجري فاقترب هو قائلًا :
-متخافوش يا جماعة هى هتروح النيابة وهتاخد إفراج من هناك بس هتركبي البوكس مع سليم للأسف، بس متقلقيش هكون هناك قبل ما توصلي
تقدمت الأخرى مع العسكري بكرامة وبجانبها سليم ويده مقيدة رفقة عسكري آخر، وما إن خرجوا من المحكمة حتى تفاجؤا بمجموعة كبيرة من الصحافيين أخذوا يتدافعون حتى يحصلوا على معلومة
اقتربت رقية بخطوات واسعة من نور والتي تراجعت للخلف قلقة من هذا المشهد :
-نور نور اوعي تجاوبي على أي أحد انا ساعدتك ورفعت كفتك على السوشيال ميديا، خليني انا بس اللي أعمل معاكي لقاء صحفي وتـ
لم يدعها يونس تكمل حديثها وجذبها من معطفها بعنف قائلًا :
-يا مستغلة يا حقيرة سيبي البنت في حالها هى ناقصة
تحدثت رقية بسرعة بصوت مرتفع لا تريد أن تفوت فرصة كهذه لتكون صاحبة أول لقاء صحفي مع القضية التي قلبت الرأي العام لأسبوع كامل :
-نور هتخليني انا اللي أعمل معاكي لقاء صحفي صح؟!
ورغم أن الأخرى لم تفهم ماذا تريد إلىٰ أنها آماءت لها بحسنًا ثم اقتربت من سيارة الشرطة التي هى على شكل صندوق، وهنالك قد كان حمزة في انتظارها وقد تخطى أعمامها والصحافة حتى يستطيع أن يبارك لها بنفسه على البراءة
ابتسمت له بإمتنان وشكر حقيقي ثم قالت وهى تتوقف أمامه :
-شكرًا يا حمزة على كل حاجة وعلى إنك فضلت معايا ومخلتنيش اتنازل
فقط هذه النظرة كل ما كان يريد، رغم أن الكدمات لا تزال على وجهها وحالتها سيئة إلىٰ أن وجهها قد أضاء بسعادة نصرة المظلوم، ابتسم لها بحب خالص ثم قال :
-انا يا دوب اترافعت وجبت سمير بعد ما سعيد خفاه، أغلب الشكر المفروض يبقى لبنت عمك علشان من غير التسجيل كان صعب جدًا تثبت اللي عمله سعيد فيكي
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بخفة ثم قالت ولا تزال البسمة مرتسمة على وجهها :
-انت برضو عملت كتير، جبت سمير واقنعت البنات يرفعوا محاضر ضد سليم وخليتهم يشهدوا إنه اتحرش بيهم ويرفعوا فيدوهاتهم حتى يعني لو مكنوش ظاهرين بس ده كله خلى الناس تعرف ان انا مظلومة، كلكم وقفتوا جنبي بس انت اللي اتكلمت وجبت البراءة، انت اللي كنت مصر إني متنازلش مع إني خوفت والله وكنت هتنازل، حتى لما كنا في القسم خوفت من أخته بس انت برضو عملت المحضر، مع إني لو اتنازلت وقتها لا كنت اضربت ولا اتكسرت ولا اتفضحت على السوشيال ولا اتهانت بس يلا قدر الله وما شاء فعل
-وانتي لو كنتي اتنازلتي من الأول مكناش هندخل الحيوان ده السجن ولا كان هيبقى معاكي دلوقتي خمسة مليون جنيه
رمشت نور بأهدابها بعدم إستيعاب على جملته الأخيرة ثم قالت بنبرة متلعثمة :
-وهو يعني هيتـ... هيدفع فعلًا المبلغ ده كله تعويض؟!!
-آه طبعًا المحكمة حكمت بكده وهجيبهم منه بس لازم نعملك حساب في البنك علشان مستحيل لو رجعتي الصعيد ترجعي بالمبلغ ده كله، انتي مليونيرة دلوقتي
ضحكت بعدم استعاب لا تصدق أنها قد تنظر لهذا الرقم حتى :
-لأ انا مش مصدقة لحد دلوقتي لسه في مرحلة الصدمة
صعد سليم سيارة الشرطة بينما مد العسكري يده لها حتى تصعد هى أيضًا فحدقت في يده مطولًا ولم تمد يدها، أصبحت تعاني رهاب من جميع الرجال بعد ذلك الحادث، لذا استندت بنفسها على إطار السيارة وتحاملت على جرحها حتى تصعد بنفسها لتشعر بذراع حمزة رفعتها للأعلى عندما كادت ان تنزلق قدمها
جلست بسرعة داخل السيارة وقد تراجعت للخلف بعيدًا ترمق حمزة بتوتر فقال الآخر ببسمة بسيطة :
-نورهان ابقي اتكلمي مع دكتورة نفسية عن الموضوع علشان شكله هيسبب ليكي عقدة نفسية و
ترك جملته معلقة ثم نظر نحو عائلة نور القادمة من بعيد بعد أن عطلتهم الصحافة بأسئلتهم المزعجة :
-وابقى خلي بنت عمك تروح معاكي علشان ظهرت في الكاميرا وهى مرعوبة من شكل الدم فهى كمان تقريبًا جالها أزمة نفسية من اللي شافته، وعلى الأقل متبقيش لوحدك
-ايه طيب هتفضل تتكلم مش نروح نطلع البنت قبل ما توصل النيابة ولا تستنى هى هناك
نطق بها حسن بقنوط يراه منذ فترة يتحدث مع نور بعيدًا عنهم، استدار حمزة له فور أن رحلت السيارة تحمل نور وسليم، ثم قال بضيق يحاول رسم بسمة متهكمة على وجهه :
-هو انت ليه نقرك من نقري مش من حقي أبارك ليها على الأقل كده بصفتي المحامي بتاعها، هو انت ليه محسسني إن بعمل كبيرة من الكبائر أومال لو مكنتش دخلت البيت من بابه وطالبها من ابوها مرتين
رد له حسن نفس بسمته المتهكمة قائلًا :
-إن شاء الله هيرفضك للمرة التانية علشان انت مش سالك
اكتفى حمزة بهمهمة مغتاظة ثم تحرك نحو على ورسم على وجهه بسمة جادة ثم قال :
-مبروك البراءة
صافحه علي بحرارة ممسكًا بكفه بكفيه الإثنين ثم قال بنبرة صادقة :
-متشكر خالص يا حمزة على وقفتك دي، مع إني قولت مش هتقدر على القضية بس طلعت كدها
ابتسم حمزة سعيدًا لإطراءه هذا بينما قال عبد الجواد مكملًا خلف أخيه إذ قال بنبرة جادة خشنة :
-شوف كل أتعابك هتتكلف كام وإحنا هدفعوها
وهنا تنفس بقوة مستعدًا لخوض تجربة مجنونة، أجل الوقت ليس وقته أبدًا ولكنه يريد ربط رباط رسمي بينه وبين نور قبل أن تعود إلى بلدها :
-انا مش عايز أتعاب خالص، إحنا أهل وأتمنى يعني نبقى أكتر من كده
لم يفهم علي تلميحاته أو ربما فهمها ولكنه أدعى عدم الفهم :
-يعني ايه؟!
وقبل أن يطلبها منه مباشرةً قد سبقه عمه محفوظ في الكلام، ممسكًا بذراعه :
-يعني انت هتفضل تتكلم وتسيب البنت في النيابة هناك؟؟ خلي الكلام ده بعدين
دفعه أمامه نحو سيارته ثم جعله يصعد بها عنوة، من ثم استدار هو إلى باقي العائلة قائلًا :
-ارجعوا انتوا مع عثمان ومحمد وانا وحمزة هنجيبوها ونيجوا
ولم ينتظر منهم إجابة ولا رد إذ صعد من الناحية الأخرى ثم أمر حمزة بالتحرك :
-يلا أطلع
رمقه الآخر بعدم رضا فقال محفوظ بنبرة أكثر جدية :
-يلا يا حمزة أطلع قبل ما حد يجي يركب معانا انا عايز اتكلم معاك، مش انت عايز تتجوز نور انا يا سيدي هجوزهالك اطلع بقى
أخرج حمزة مفاتيحه مستسلمًا وتحرك بسيارته ثم قال بجدية :
-انت قولت كده علشان أمشي ولا بتتكلم بجد
-لأ بتكلم بجد بس مكنش ينفع الهبل اللي كنت ناوي عليه ده وعثمان قالي لما طلبتها تاني، مش معنى إنك تكسفه قدام الكل إنه هيوافق
اعترض على حديثه هذا مخرجًا كل ما في جعبته فقد سئم هذه العقد الصعبة :
-بس بابا قال إن الطريقة دي خلت أبوه يوافق على جوازك من بنته يا عمي، انا مش راضي أصلًا عن رفضه ليا، ايه يعني انا ساكن في إسكندرية، هو انا هاخدها ومسافر الصومال؟! والله لو قالت في يوم عايزة أروح لأهلي هاخدها بنفسي ليهم مش هحرمها منهم
ربت محفوظ على فخذه ثم قال بخبرة رجل كسىٰ الشيب رأسه :
-سيب الموضوع ده عليا انا ومرات عمك إحنا عارفينهم أكتر وهنعرف نقنعهم وكونك كسبت القضية وخرجتها منها ده رفعك في نظرهم، بس المهم نور موافقة بيك لأن لو هى مش موافقة يبقى تنسى خالص الموضوع ده
حدق الآخر في مرآة السيارة على الطريق بجانبه ثم قال :
-قالت لو موافقوش أهلي انا عمري ما هوافق يعني هى موافقة بس موافقة أهلها أهم
-خلاص تمام انا وراء علي لحد ما يوافق بس خليك عارف إن الموضوع مش هيبقى كن فيكون، هى لسه خارجة من حالة زفت ما يعلم بيها إلا ربنا ونفسيتها اكيد في الأرض، يعني محتاجة شهور علشان ترجع كويسة فيا ابن الحلال هتستناها
وآماء له حمزة بلهفة ثم أجابه بنبرة صادقة :
-استناها ولو حتى هتفضل سنة كاملة لحد ما تبقى كويسة بس يا عمي اضمن إنها هتبقى ليا انا خايف تروح مني، وبعد ما تاخد التعويض ألف واحد هيقول اتجوزها طمعًا فيها، انا عايز كلمة من أبوها علشان ميفكرش يديها لحد غيري
واكتفى محفوظ بإماءة بسيطة له ثم قال :
-خلاص سيبها عليا يا حمزة انا هاخد منه الكلمة دي قبل ما يسافروا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
"بعد المحاكمة بيومان"
جلست بتعب داخل سيارة سفر من التي تحمل عدد أحد عشر راكب، والتي ستنقلهم إلى محطة القطار، وها هم سوف يعودوا إلى الصعيد مرة أخرى بعد ثلاثة أشهر ونصف، ومرت في هذه الفترة بالكثير من المشاكل جعلتها تكتسب خبرة ومناعة وعقد نفسية
لا تعلم ما هو شعورها بالضبط أهي سعيدة لعودتها إلى قريتها الصغيرة، أم حزينة لأنها ستترك أناس أحبتهم هنا فكما يقولون من عاشر قومًا أربعين يومًا صار منهم وهى عاشرتهم أكثر من ثلاثة أشهر
أم ربما هى خائفة من رد فعل الناس معها عندما تعود إلى بلدها التي يعشق نساءها الحديث والتأليف، ويا حبذا حين يخص الموضوع فتاة مرتبطة بفضيحة أو كارثة
ربما هى تشعر بكل هذه المشاعر، وبالإضافة إلى ذلك هى لن تنسى أيًا مما عاشته هنا منذ أول يوم انقلب بها القطار حتى يوم المحاكمة
جلست شروق إلى جانبها داخل السيارة فهى ستسافر معهم وتبقى براءة من أجل إكمال عام الإمتياز وعائشة من أجل إنهاء اختباراتها، ولكنهما ستجلسان مع عمتهما أسماء وقد أغلقوا الشقة وأعادوا المفتاح لعثمان
تنهدت بعمق وهى تنظر إلى البحر من خلال النافذة لربما تكون المرة الأخيرة التي تراه بها، لا تزال السيارة متوقفة أمام البناية وحسن يقوم بربط حقائب السفر بالأعلى بإحكام حتى لا تسقط
بينما كان والديها يتحدثان مع عثمان وحمزة في شئ يجعلها متوترة فهى لا تدري ما هو هذا الموضوع الذي يجعل حمزة مرتاح البال منذ يومين عكس توقعتها، فهى قد توقعت ان يحزن لسفرها، لكن وكأنه يضمن أنها ستعود ثانيةً، وفي الواقع على جثتها أن تخطو مرة أخرى لهذه المدينة
طرق الزجاج بجانبها وقد كان يوسف أو ربما يونس لا تدري، ولكنه مد يده بهاتف شروق ونظارتها ثم قال موجهًا حديثه لشروق بجانبها والتي علمت بسهولة أنه يونس :
-خدي موبايلك والنضارة
أخذتهم منه الأخرى محدقة بهما بتعجب ثم قالت :
-انت جبتهم منين وبعدين ده كسر التليفون قدامي؟!
-ما انا صلحته ليكي وهما كانوا معايا بعد ما فريق البحث الجنائي نضف كل حتة وكانوا دول موجودين في أوضة أدوات النضافة اللي كنتي مستخبية فيها، بس مجتش فرصة يعني ارجعهم ليكي علشان الدربكة اللي حصلت دي
تبسمت له شروق وشكرته بشدة وهى تمسح نظارتها حتى ترتديها فحمحم يونس بخشونة يريد قول شئ ولكن لا يدري ما هذا الشئ الذي سيقوله ولما حتى سيقوله :
-هترجعي تاني إسكندرية في الترم التاني
اختلق هذا السؤال منتظرًا إجابتها فقالت الأخرى بعدم إهتمام :
-مش عارفة أصلًا هكمل في الكلية ولا لأ، شكلي هحول على كلية تاني وتبقى في أسيوط مش عايزة لا أسافر ولا أطلع برا بلدنا تاني، كفاية اللي حصل على كده
-يعني مش هترجعي إسكندرية تاني؟!
نفت برأسها فابتأس يونس لهذه الإجابة دون أن يُظهر، وشعر أنها قد تكون بالفعل آخر مرة يراها بها لذا قال بهدوء شديد :
-ترجعي بالسلامة واتمنى تكوني عرفتي إن بلدنا فيها رجالة مش زي ما كنتي فاكرة
ختم حديثه ورحل من أمامها ثم ولج إلى البناية دون أن ينتظر مع البقية ويودعهم معهم، بينما ظلت شروق لدقيقة كاملة تستوعب مغزى جملته الأخيرة، وسرعان ما قد فهمتها فهو يرمي للحديث على أول لقاء بينهما
ليته انتظر حتى تجيب عليه وتخبره أنها كانت مخطئة ولكنه رحل دون إهتمام لذا تمتمت بتهكم قائلة :
-رخم بس...... حلو
همست بآخر كلمة بينها وبين نفسها حتى لا تسمعها نور التي كانت تستمع للحديث من البداية لأنها كانت تجلس في المنتصف بينها وبين النافذة
ارهفت التركيز لنور عندما تساءلت بنبرة خافتة تقطع الصمت والإنتظار :
-شروق هو انتي ازاي عرفتي تتخطي كل اللي عشتيه ولا كأنه حصل؟؟
انتظرت منها إجابة ولكن لم تتلقى سوى الصمت منها فأعادت السؤال مرة أخرى بصيغة مختلفة :
-انا مش عايزة أروح عند دكتور نفسي علشان ماما مش هتوافقي، انا عارفة ردها على الموضوع ايه
-ومين قالك إني عرفتي اعديه، انا اصلًا جاتلي فوبيا من الدم
نطقت بها شروق بنبرة مختنقة، معترفة أنها لم تتخطى بعد كل ما عاشته، ولكن نور محقة لن يدعوهما يتواصلا مع طبيب نفسي لذا عليهما دفن الأوجاع والتعامل وكأن شيئًا لم يكن، ففكرة الذهاب لطبيب نفسي غير مقبولة بالنسبة لعائلتهم ولن تحدث وهذا تفكيرهم وعليهما تحمل هذا
أضافت ببؤس شديد وهى تحدق في مياه البحر المقابلة لها من النافذة يفصلهم الطريق السريع :
-حتى مش عارفة لما نرجعوا البلد هيحصل ايه وكلام الناس، هنرجعوا نتعاملوا ازاي طبيعي زي الأول، مرت عمك اللي أقسم بالله لو فتحت بوقها بكلمة عليا ولا عليكي زي ما طلعتني ملبوسة لأطلع عليها العفاريت اللي ركبتهالي
ورغم حالة البؤس التي حلت عليهما فجأة إلىٰ أن نور أجابتها بنبرة موافقة وقد علت بسمة ساخرة على شفتيها :
-انا برضو شايلة هم كلام الناس لما نرجعوا بس معتقدش إن إحنا هنشوفوا أسوء من اللي شوفناه هنا، تفتكري يا شروق إحنا اللي نحس ولا البلد هى اللي منحوسة؟!
فكرت مليًا في الأمر ثم تنهدت وقالت مقتنعة كليًا بالإجابة :
-لا البلد هى اللي منحوسة علشان كده مش هعتبها تاني، ولو قولت عايزة أسافر ادوني على راسي بأي حاجة
- +1 حرفيًا
نطقت بها ضاحكة ليبدأ الجميع في الصعود إلى السيارة، وبعد وداع وسلامات انقضت بصعوبة تحركت السيارة نحو محطة إسكندرية، شعرت بحزن عميق بداخلها لأن حمزة لم يودعها
أجل كانت تنتظر وداعه، أجل تعلقت به وتعلق قلبها بسحر كلماته وأفعاله، أجل قالت أنها لا تود العودة لهذه المدينة مرة أخرى ولكن منذ متى وينصاع القلب لكلام العقل
تنهدت بضيق وهى تخرج هاتفها تعبث به قليلًا حتى ينقضى الطريق لتجد رسالة من حمزة على تطبيق الواتساب يقول بها
"يخربيت السرعة طلعت أجيب حاجة نزلت لقيت العربية مشيت من غير ما أقولك مع السلامة ولا اديكي هدية الوداع حتى، بس معلش في خطوبة يوسف وبراءة انا هاجي الصعيد، أمتى بقى الله أعلم بس هاجي إن شاء الله وهطالب بيكي من أبوكي يارب يوافق بقى انا تعبت"
وضعت يدها على فمها تخفي بسمتها التي اتسعت على وجهها من هذه الأذن إلى هذه الأذن، لا يزال متمسك بها حتى الآن، ورغم أنها في البداية كانت تعلم أن حمزة مرفوض ولا أمل في أن يكون زوجًا لها، ولكن الآن ومن صميم قلبها تتمنى أن يرضى والديها على هذه الزيجة
ولكن عليها أن تثقل عليه قليلًا لذا أرسلت
"مع السلامة يا حمزة ومتبعتش رسايل تاني، اتقي الله فيا واستنى الحلال أحسن"
وبعد دقيقة أرسل لها رسالة أخرى جعل الفراشات تحلق في معدتها، ولحسن الحظ تجلس في المقعد الاخير لذا وضعت رأسها على ظهر المقعد الذي أمامها تخفي وجهها تمامًا حتى لا تُفضح أمام الجميع، تقرأ رسالته مرارًا وتكرارًا دون ملل
"حاضر هستنى الحلال، وهستنى تبقي كويسة وأحسن، استنيني زي ما انا هستناكِ يا نور❤️"
يــتـبــع.......
أراكم قريبًا لو في العمر بقية، أمتى الله أعلم بس على لقاء قريب إن شاء الله ومتنسوش الريفيو حقي ورأيكم في الرواية👀❤️
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!