الفصل 69 | من 83 فصل

في مدينة الإسكندرية الفصل التاسع وستون 69 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

المشاهدات
18
كلمة
7,030
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜


وكأنها ذاهبة لآداء إختبار يحدد مستقبلها كله فدقات قلبها تقرع كما الطبول وهذا بالإضافة إلى آلام أصابعها بسبب الحذاء الأبيض الذي اشترته كي يليق على الفستان

عدلت حجابها الأبيض الذي يرفرف بسبب الهواء فقد أصرت على أن تركب مواصلة ولا تسير في شارعهم المشمس وكأنهم يسيرون في صحراء، ولم توافق والدتها ولكن رضخت في النهاية تحت بند هى عروس ولها حق الدلال

شعرت بوالدتها تُمسك بكفها ثم قبلته بحنو فردت لها هذه القبلة مبتسمة لها ابتسامة صادقة لتقول صفية :

-مالك خايفة؟!

همهمت بإيجاب ثم أضافت :

-اممم وكمان الهيلز ضيق قوي على صوابعي

-زي بعضه كده كده هتقلعيه في الجامع

-بابا وصل هناك

-تلاقيه من بدري ايوه هناك هو وعمامك، ده خلاص قربوا يصلوا العصر

نظرت نور نحو شقيقتها التي تحدق في هاتفها بتركيز شديد وعندما رأت ما تبحث عنه قالت :

-متدوريش على فلاتر رقية هتصور بالكاميرا بتاعتها

-هى جات؟!

-ايوه جات عشية مع جوزها وأولاد عمتهم التانيين

تحدثت صفية موجهة حديثها لعائشة :

-اتصلي على خالتك وبراءة كده شوفيهم وصلوا ولا لسه

-لسه طالما براءة العروسة يبقى اعرفي إن إحنا هنكتب الكتاب العشاء مش العصر

نطقت بها نور ساخرة من تأخير ابنة عمها، وبعد قليل وصلن أمام الجامع القابع على الطريق السريع تمامًا لتهبط نور من "التوكتوك" الذي اوصلهن إلى هنا، ورغم أن نور ليست أول مرة ترى هذا الجامع لكن انتابتها حالة من الهلع وكأن هنا سيتم إعدامها

كان صوت أحد الشيوخ يقيم الصلاة بمن بالداخل ورجال عائلتها ورجال عائلة هواري جميعهم يصلون الآن لأن عقد القران سيكون بعد صلاة العصر، حاولت أن تتنفس بشكل طبيعي ولكنها غير قادرة لشدة التوتر الذي أصابها

حتى أنها لم تنتبه لتحرك والدتها وعائشة إلى الطابق الثاني الموجود به النساء في المصلى الخاص بهن، بل كانت تقف على بعد من باب مصلى الرجال تراهم ساجدون منشغلون بالصلاة بينما هى عقلها يعمل أسرع من آلات تكرير البترول رغم شرود ملامحها المخيف

فقط بعد دقائق معدودة ستكون شرعًا زوجة حمزة عثمان هواري الذي ساقها القدر إليه في بلده التي تبعد عنها مئات الكيلو مترات، تلك البلد التي رفضت والدتها رفضًل قاطعًا أن تذهب إليها وتسكن بعيدًا عنها لأجل العمل


سبحان من جعل ناهد تقترح عليها أن تأتي لتعمل هناك بسبب عجز في المعلمين

سبحان من جعل والدتها توافق بعد محاولات إقناع دامت أسبوع كامل

سبحان من جعل المدير يوافق على عملها رغم أن لا أحد يجد عملًا بسهولة هذه الأيام

سبحان من جعلها تسكن في نفس البناية التي يسكنها حمزة وليس في شقة عمتها أسماء

سبحان من كان يجمعها مع حمزة ويجعلهما يتعاملان مع بعضهما ليُغرم هو بها

سبحان من جعلها تقع في قضية معقدة لينقذها حمزة منها ويظهر أمام والديها بشكل بطولي جعلهما يستحسنانه في نظرهما

كل هذه هى تدابير القدر، كان زواجها من حمزة مكتوبًا في قدر كلًا منهما ووالله لو أتى لها أحد منذ ثلاث سنوات أو أكثر وقال لها أنها ستتزوج وتسكن بعيدًا عن بلدها، كانت لتقول أن هذا لن يحدث فهى سترفض الغربة بعيدًا عن والديها بل ووالديها لن يتقبلا الأمر أبدًا

وها هى بعد دقائق ستكون زوجة الرجل الذي قالت له بلسانها الارتباط بها كالحبال البالية سيُقطع في أي لحظة، وها هى الحبال ستتتحول إلى سلاسل حديدية وتكون زوجة حمزة على سنة الله ورسوله

تحركت من مكانها أخيرًا صعدت إلى الطابق الثاني لتستقبلها ناهد بالأحضان والبقية بالمباركات، أصبحت تنتقل من حضن هذه إلى تلك وتقابلهن بمجاملة فالتوتر لا يجعلها تركز في شئ، استقرت أمام رقية وقد عناقتها بعناق حقيقي قائلة بلوم :

-أهلًا باللي ست شهور مسمعناش فيهم صوتها حتى مجاتش فرحي

ابتسمت لها نور بسمة هادئة ثم قالت :

-ربك يعلم كنت تعبانة ازاي ده انا دراعي اتكسر تاني قبل ما نفك

لم تشأ رقية أن تتطرق لمواضيع تضايقها لذا قالت وهى تجهز كاميرتها :

-تعالي بقى آخدلك كام صورة لحد ما مرات اخويا تظهر، بس بصراحة تحفة فستانك يا نور شيك وبسيط ومفيش فيه افورة اليومين دول، تحسي إنك أميرة كده طالعة من قصص زمان

ابتسمت نور تنظر إلى فستانها الذي اختارت تصميمه بعناية وعندما لم تجد مثله جاهز قامت بخياطته وشراء ما يلزمه، كان فستانًا أبيضًا من الشيفون وله بطانات متعددة، ضيق من الخصر وينزل بإتساع شديد، إذ كانت تعشق نور الفساتين الشيفون المتسعة

لم يكن لامعًا بشدة بل فقط مكتفي ببعض الورود المنتشرة في الأسفل وقد لفت الحجاب ووضعت عليه طوق ورد ابيض ويغطي صدرها وظهرها كاب ابيض من الشيفون، لم يعجب والدتها وشقيقتها هذا الكاب ولكنها أصرت عليه حتى تكون مستورة

فارغت فمها بذهول عندما وجدت رحمة تقترب منها ومعها باقة ضخمة من الورد الأحمر ملفوفة في قماشة بيضاء من الستان وبين الورود بطاقة مغلقة


أعطت رحمة لها الباقة قائلة :

-حمزة أشترى ده ليكي وقال محدش يقرأ الكارت غيرك

أخذت منها نور الباقة ولا تزال مذهولة من حجمها وعندما شمتها علمت أنه ورد طبيعي وفي حياتها لم ترى كل هذا الكم من الورد فما بالكم أن هناك من اشتراه لها :

-انا عمري.... عمري ما حد جابلي ورد بلاستيك وده... ده ورد طبيعي؟!!

التقطت رقية صورة لملامحها المندهشة هذه قائلة ببسمة :

-يوسف وحمزة وصوني أصور كل لحظة، المفروض آخد تلات أربع آلاف على الفوتوسيشن ده بس يلا لله

أمسكت نور بالبطاقة لتجد جميع الفتيات أصبحن فوق ظهرها وعلى رأسها حتى يقرأن ما المكتوب فقد حذر حمزة أن يقرأ أحدهم البطاقة قبل نور، تبسمت نور ضاحكة على حركتهن ثم قرأت المكتوب بعينيها

"أعجبك جمال الباقة ولكنها لا تنافس جمالكِ فما من منافسٍ لجمال عينيكِ زوجتي"

صِحّن الفتيات على جمال ما كتبه فخجلت نور وأغلقت البطاقة بسرعة لتقول رحمة ببسمة واسعة :

-هتسمعي كتير من الرومانسية دي، ده حمزة عاملك نوتة مخصوص ليكي

رفعت نور رأسها لتبصر باقة أخرى بجانب عبلة لكن نوع آخر غير الذي معها ولون آخر :

-هو البوكية ده لبراءة؟!

أجابتها رقية وهى تُقربها من النوافذ المطلة على الشارع حتى تحصل على إضاءة طبيعية للصور :

-ايوه لبراءة المتأخرة تعالي كده علشان اخدلك كام صورة

فعلت نور ما قالت مبتسمة في كل الصور وكم كانت رقية محترفة في الأمر وكأن هذه مهنتها، وصلت براءة مع والدتها وشقيقتيها وقد حدث نفس الأمر من الاحضان والمباركات لتشير براءة بإعجاب نحو الباقة التي تحملها هى قائلة :

-حلو ده عايزة اتصور به

-بتاعك أهو

اقتربت منها عبلة وقد أعطتها باقة من الجوري الزهري ووسطهم بطاقة أخرى لكن لم تسمح براءة لأحد أن يقرأ معها فقالت دعاء صائحة :

-يا بت متبقيش رخمة خلينا نشوفوا كتبلك ايه

أطبقن عليها جميعًا حتى رقية معهم يقرأن ما كتبه يوسف

"مش عارف بتحبي ورد نوعه ايه بس انا بحب الجوري الوردي هيبقى حلو مع الفستان الأبيض"

-اخويا عفوي والله اللي في قلبه قاله

نطقت بها رقية بنبرة ضاحكة ثم عادت لنور حتى تلتقط لها عدة صور بينما أخذن الفتيات يثنين على على جمال فستان براءة إذ كانت ترتدي فستان كامل من السيتان الأبيض مع حزام به ذيل يصل إلى الأرض ويجر خلفها قليلًا


ليس به الكثير من التطريزات ولم يكن متسع من الأسفل مثل فستان نور، ولكن الذيل أضاف له لمسة جميلة، فيليق الفستان كثيرًا في جسد براءة الأنثوي

انسحبت نور منهن عندما أتى دور براءة في إلتقاط الصور، فتحركت هى نحو النافذة الكبيرة الفاصلة بين مصلى النساء في الطابق الثاني ومصلى الرجال القابع أسفلهم تمامًا

وقد كانت النافذة مغطاة بالخشب المليئ بالفراغات الواسعة التي يمكن الرؤية منها وعليه زجاج عازل للصوت حتى لا يصل صوت النساء هنا للرجال

وقفت بجانب الحائط حتى ترى من بالأسفل دون أن يلحظها أحد، علت بسمة على وجهها ترى عمها حسين وعبد الجواد يتفقان مع الشيخ وبجانبهما يقف يوسف وحمزة يرتديان ملابس متشابه بفارق اللون

إذ كان يرتدي حمزة بنطال أسود وقميص ناصع البياض عليه صدرية سوداء أو ما تدعى عندهم هنا "سديري"، ويوسف نفس الشئ ولكنه اختار اللون الكحلي وليس الأسود، ولكن الأسود يليق مع حمزة كثيرًا خاصةً خصلاته الحالكة التي هى أجمل ما به

بالله أول شئ ستفعله بعد عقد القران هى أن تخلل أصابعها داخل خصلاته الناعمة المغرية هذه، ولكن.... ما هو أول ما سيفعله حمزة عندما يعقدا القران؟؟

أما بالأسفل
امتلأت مقدمة الجامع برجال العائلتين، فقد اكتفوا بالأقارب حتى لا يكون هناك زحام شديد، جلس الشيخ الذي سيعقد لهما وأمامه دفتره الضخم وبجانبه قد

جلس يوسف على اليمين وحسين على اليسار في إنتظار هبوط براءة من مصلى النساء مع والدتها، بينما كانا الشهود هما إسماعيل وحسن الذي أصر إصرارًا عجيبًا على أن يشهد هو لبنات اخوته

ظهرت رقية ومعها كاميراتها ثم وقفت في أحد الأركان تسجل لحظة دخول براءة فكاميراتها الحديثة قادرة على إلتقاط صور ثابتة وتسجيل أفلام

اقترب عمر من زوجته ووقف إلى جانبها فلا امرأة غيرها الآن ولم يحب أن ينظر أحدهم إلى زوجته رغم أن ولا رجل رفع عينيه لها بإستثناء حمزة الذي قال لها :

-تسجلي كل حاجة يا رقية معتمد عليكي إعتماد كلي

-وانا مش هقبل أقل من ألفين جنيه من كل واحد فيكم انا ضهري وجعني ولسه كتب الكتاب مبدأش

مال عمر نحوها قليلًا ثم قال بهمس :

-لو تعبتي شوفي حد غيرك يصور وارتاحي انتي علشان حامل

ابتسمت رقية بحب له ثم قالت بنفس النبرة :

-لأ محدش يصور كتب كتاب اخويا غيري، انا بس بهزر معاهم

رفعت كاميراتها بإستعداد عندما ظهرت براءة تسير بإستحياء وعلى يمينها والدتها وعلى يسارها والدة براءة، بينما تسير شروق خلفهن تمسك بباقة الزهور لشقيقتها وعلى ثغرها بسمة متسعة سعيدة لها


طلب منها الشيخ الجلوس إلى جانب والدها ففعلت وعلى رأسها وقفت شروق ووالدتها تتلو الآيات القرآنية بإستبشار لابنتها وكي تحصنها أيضًا، أخرج الشيخ منديلًا ثم طلب من يوسف وحسين أن يقبضا كفهما ببعض ثم وضع عليهما المنديل

نظر يوسف نحو براءة مبتسمًا لها بسعادة جارفة ثم أخذ يردد ما ينطق به الشيخ بصوت مرتعش قليلًا من هول الموقف، أجل هو سعيد بل يكاد يطير من فرط سعادةٍ يجرب طعمها لأول مرة، ولكن الموقف يصيبه بالتوتر وهو رجل فما الذي تشعر به براءة الآن

أما الأخرى كانت متماسكة منذ بداية اليوم ولكن ما إن خطت إلى الجامع وتضاربت مشاعرها لدرجة أنها تتعرق بشدة رغم وجود أجهزة المكيف في الجامع، مالت شروق قليلًا لها ومسحت جبينها بخفة بالمنديل حتى لا يفسد مكياج براءة

اعتدلت كما كانت ثم ألقت بنظرة سريعة نحو يونس، حاولت أن تتجاهله ولكنها لم تستطع وقد همت بإبعاد عينيها عنه ولكن جذب انتباهها هذه البسمة التي يرمقها بها، لم تكن بسمة مستفزة أو ساخرة حتى أنها تعجبت أن يكون رد فعله على تجاهلها له هكذا

فرجل بشخصية يونس تتوقع منه الشجار خاصةً أنه أتى لها المنزل مع عائلته وهى كانت في المقرأ وبعدها ذهبت للخياطة، حتى أن والدتها اختلقت شجار معها لأنها ذهبت للخياطة وتركت الناس ينتظرون في المنزل حتى رحلوا

وأجبرتها على الإتصال من عبلة ويونس والاعتذار منهما، لقد اعتذرت لعبلة بالفعل ولكنها تجاهلت يونس، ما قاله كسر كبريائها وهى لا تفهم حتى لما ثار عليها بتلك الطريقة وكأنه اكتشف عليها ذنب

ضيقت عينيها عندما رأت حركة شفتيه لها لكنها لم تفقه ماذا يقصد فهى فاشلة في قراءة الشفتين وهو قال جملة وليس كلمة واحد لذا حركت شفتيها بعصبية بجملة "مش فاهمة حاجة"

ضرب يونس جبينه بإصبعه ثم نظر حوله للموجدين الذين يلقون بتركيزهم كله مع الشيخ لذا أشار لها وهو يضم أربع أصابع هامسًا بكلمة "البطاقة"

عقدت حاجبيها لا تفهم عن أي بطاقة يقصد، مهلًا هل يقصد بطاقته هو التي في محفظته؟!

أعادت رأسها أمامها عاقدة الوجه وسبته في سرها فبدلًا من الإعتذار منها يسأل عن محفظته ذلك الوغد

تقلص جبينها بتعجب تبصر عدد من البطاقات أمام الشيخ منها بطاقتي حسن وإسماعيل، مهلًا هل طلبوه للشهادة وهو أعتذر لأن بطاقته ليست معه، فالبطاقة بالفعل داخل المحفظة التي معها

تبًا فحتى المحفظة ليست معها الآن فقد تركتها في المنزل داخل خزانتها، نظرت له مرة أخرى ثم قالت بحركة الشفتين :

-مش معايا

رأته يتنهد بضيق ثم مال نحو حمزة وهمس له بشئ جعله ينظر إليها هى فنظرت أمامها بسرعة بحرج مدعية التركيز مع الشيخ الذي ختم حديثها لتنطلق زغروطة من والدتها تبعها الكثير والكثير من الزغاريط من الطابق الثاني إذ كُن يتابعن النساء من النافذة عقد القران بأكمله


استقام يوسف وأول من عانقه كانت والدته التي تقف خلفه ثم والده فأعطت رقية الكاميرا لعمر وهرولت لأخيها وعانقته قائلة بسعادة :

-مبروك يا يوسف مبروك

اقترب يونس منهما وضمهما معًا أسفل ذراعيه قائلًا بقهقه رجولية :

-أخيرًا جوزتكم انتوا الاتنين وارتحت من همكم

وعلى الجانب الآخر حدث نفس الشئ إلىٰ أن براءة قد زرفت الدموع وهى في أحضان والدها فقالت فايزة تضحك على ابنتها الباردة التي كانت تشك أنها بدون إحساس :

-يا اختي عشت وشوفتك هتبكي، يعني طلع عندك دم؟!

ابتعدت براءة قليلًا من بين إطار والدها ثم قالت وهى تمسح طرف عينها من الدموع :

-حتى في كتب الكتاب بتتريقي عليا، طلق الست دي يا عم والشيخ أهو لسه قاعد

أعطت شروق الباقة لوالدتها ثم ضمت براءة قائلة بصوت مازح :

-هتبكي المسكرة تبوظ وتبقى خلقتك معفنة، تقلي قلبك لسه فاضل أسبوعين تقرفينا فيهم في البيت

وقبل أن تتحدث براءة وجدت شروق أدارتها سريعًا لتبصر يوسف أمامها تمامًا مبتسمًا بإتساع فأكتسحها الخجل وخرجت منها جملة سريعة دون أن تدرك ماذا تقول :

-احترم نفسك ومتعملش حاجة تكسف

ضحك يوسف بخفة وحرج ثم اقترب منها متخطيًا المساحة الشخصية، ورفع ذراعيه محيطًا بهما جسدها، ثم ضمها بخفة إلى صدره وقد كان التوتر هو سيد الموقف

براءة شعرت بالخجل الشديد من والدها وأعمامها فجميع الموجدين رجالًا، ويوسف هذه أول مرة له يعانق فتاة فالأمر كان له مربكًا، لذا لم يستغرق عدة ثواني ثم أبعدها عنه هامسًا بخفوت :

-جميلة يا براءة

حدقت به الأخرى بعينين سعيدين يغزوهما الخجل ثم عكست عينيها عنه فجذبها يوسف من ذراعها والتقط باقة الزهور من شروق ثم نظر نحو رقية مشيرًا إليها :

-يلا

رفعت الأخرى حاجبيها بتعجب ثم أشارت نحو حمزة الذي كان يتحدث مع والده :

-يلا ايه والواد ده مش هيصور كتب كتابه

تحدث الشيخ الجالس أرضًا وهو يفتح صفحة جديدة في دفتره الضخم :

-العروسين التانيين

تحرك حمزة من مكانه وجلس إلى جانب الشيخ بحماس شديد وقد جلس علي في المقابل له في إستعداد لتدوين ما اتفقوا عليه إلىٰ أن تصل ابنته، اما في الطابق الثاني تحركت ناهد مع نور التي بدا عليها التوتر والقلق الشديد وخرج منها هذا على هيئة ضغطات قوية على ذراع والدتها فقالت صفية مربتة عليها :

-يا بت اهدي ضوافرك هتدخل جوا دراعي

-فين ضوافري دي انا معنديش ضوافر


خرجت عائشة تحمل باقة الزهور الحمراء وهى تشمها بإعجاب شديد وخلفها قد خرجت رحمة وغادة، بينما ظل البقية في الداخل يتابعن من النافذة، هبطت نور الدرج وهى تضغط على أصابع قدميها داخل الحذاء الضيق تحاول تحمله قليلًا إلىٰ أن ينتهي اليوم

خلعته أمام المسجد ثم ولجت رفقة والدتها وناهد، تنظر إلى المكان المكتظ برجال العائلتين ورقية أخذت دور المصور، بينما براءة ويوسف يقفان بجانب بعضهما في أحد الأركان ويوسف متمسك في ذراعها وكأنها ستهرب

سقطت عينيها على ذلك الوسيم الذي سيكون زوجها خلال عدة دقائق، يجلس أرضًا بجانب الشيخ لتقودها والدتها نحوهم ثم جعلتها تجلس إلى جانب والدها، وما إن تركت يد والدتها حتى أمسكت طرف جلباب والدها تخفف عن نفسها التوتر

وحتى الآن لم تقابل عيني حمزة رغم أنها تشعر أن عينيه مصوبة نحوها هى فقط، بدأ الشيخ حديثه بالبسملة وكانت هذه أول مرة تسمع بها هذا الحديث الحنيفي الذي يردده والد العروس والعريس، بينما يقبض كلًا منهما على كف الآخر أسفل هذا المنديل الأبيض

شعرت بوغزات في معدتها لفرط السعادة والتوتر وكل تركيزها مع حديث الشيخ وهو يوجه حديثه لحمزة قائلًا :

-قول يا ابني اني توكلت علي الله تعالي و اطلب منك زواج موكلتك البكر نورهان علي صفوان لنفسي وبنفسي علي كتاب الله وسنة رسوله

ردد خلفه حمزة ولم يقل حماسه بل يزداد والبسمة مرسومة على وجهه من هذه الأذن إلى هذه الأذن ليوجه الشيخ حديثه لـ علي قائلًا :

-قول يا علي، إني توكلت على الله تعالى وقبلت زواجك لابنتي وموكلتي على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صل الله عليه وسلم، وعلى الصداق المسمى بيننا عاجله وآجله، وعلى شهادة الشهود والله خير الشاهدين

ردد علي خلفه ولم يكن سعيدًا ولكنه يحاول إدعاء الهدوء فأي رجل سيسعد لأن ابنته ستتزوج وتذهب من البيت، أي أب يتمنى هذا اليوم لابنته ولكن لم يكن يعلم أنه بكل هذه الصعوبة

ختم الشيخ حديثه رافعًا المنديل الأبيض من على كفيهما :

-زواج مبارك إن شاء الله، العروسين يمضوا هنا

تعالت الزغاريط للمرة الثانية بالتزامن مع جذب حمزة للعقد ثم مضى على خانته باسمه الرباعي من ثم أعطى القلم لنور ودفع نحوها الدفتر، أخذت منه الأخرى القلم بأنامل مرتعشة ثم حدقت في العقد مطولًا وأول ما وقع نظرها عليه هو توقيع حمزة المنمق بخط جميل بشدة نظرًا لخطها هى الذي ستوقع به الآن

وضعت سن القلم أسفل خانتها ولكنها توقفت ولم تحركه فقال حمزة الذي كان يراقبها بكثب أسفل زغاريط النساء من حولهما :

-عايزة ترجعي في كلامك ولا ايه!؟

رفعت عينيها الكحيلة له ثم نفت بهزة بسيطة وخطت اسمها ببطء شديد حتى لا يظهر خطها سيئًا فقال حمزة بفقدان صبر :


-حلزونة بتكتب، إنجزي يا نور صبري نفد

كتبت اسمها الرابع ثم تركت القلم وظلت تحدق في الورقة بعدم إستيعاب مع مشاعر متضاربة تجربها لأول مرة في حياتي حتى أنها لم تشعر بوالدتها التي هبطت لمستواها وعانقتها وقبلت وجنتيها مرددة لها عبارات المباركة الكثيرة

ساعدتها عائشة على الوقوف لتتنقل من أحضان هذه إلى تلك ونفس العبارات تتلى على مسامعها حتى شعرت أن الأصوات أصبحت متداخلة مع أصوات الزغاريط الكثيرة ليهدأ كل هذا عندما جعلوها تقف أمام حمزة الذي طالعها ببسمة سعيدة محدقًا في كل تفصيلة بها من رأسها إلى اخمص قدميها

بئسًا لا تستطيع أن تقول له أن يغض بصره عنها فهو زوجها الآن

ثقلت أنفاسها بل لا لم تثقل هى انقطعت تمامًا عندما اقترب منها وعانقها العناق الأول ضاغطًا على جسدها بين أحضانه، اغمضت عينيها حتى لا ترى نظرات الجميع المسلطة عليهما وانصهر وجهها لشدة الخجل الذي احتلها

لا تعلم كم مر من الوقت لكن عناقه له أخذ وقتًا لدرجة جعلت أنفاسها تضطرب ليلفح عطره الثقيل انفها وهذا ما جعلها شبه تختنق، لكن ما زاد خجلها بالفعل هو أصواتهم حولها يمازحون حمزة قائلين

-خلاص يا حمزة محدش هياخدها منك

-كفاية يا ابني انت نعست ولا ايه

وبعناد طفولي شدد عليها أكثر يرمق الجميع بعناد أن يفصله أحد عنها ولم يبتعد إلى عندما صاحت هى بعد أن فشلت جميع محاولاتها في التنفس من ثقل عطره وقوة ضمه له :

-خلاص مش عارفة اتنفس

أبعدها عنه ببطء فأخفت هى وجهها أسفل كفها تتدعي أنها تعدل حجابها وقد همت بالتحرك، ولكن هيهات أن يتركها هو اليوم إذ إمسك بكفها وشدد عليه وجعلها تقف بجانبه فقال يونس بصوت مرتفع يمازح :

-خلاص لزق مين هيعرف ياخدها منه دلوقتي

تعالت الضحكات في المسجد لتقول رقية تشير إلى أربعتهم قائلة :

-يلا علشان ناخد الفوتوسيشن وبعدين اقعدوا براحتكم إن شاء الله تقعدوا للفجر

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

ظلت تحدق في باقة الزهور التي تحملها بإعجاب واضح حتى أنها أرادت أن تأخذ وردة منهم لنفسها لكن قد تضيق شقيقتها التي تلتقط الصور بداخل المسجد مع زوجها الآن لذا أخرجت هاتفها وهمت بإلتقاط صورة لها مع باقة الزهور الجميلة هذه

أتت بالفلتر المفضل لديها ثم رفعت الهاتف وقد ساهم ذراعها الطويل في أخذ صورة جميلة بها مع الباقة، التقطت عدة صور على نفس الوضعية لتنقلب بسمتها للتعجب عندما وجدت دخيلًا في الصورة يستند بكتفه على الحائط وعينيه عليها هى

استدارت بسرعة لتقابل نظرات يونس الهادئة وقبل أن تهم بالتحدث قال هو :

-خلاص كفاية كده ولا ايه


نظرت إلى هاتفها تتساءل إن كان يقصد الصور أم ماذا ليقول الآخر على نفس هدوءه :

-أعتقد كفاية زعل لحد كده والله ما اقصد اللي قولتله يومها

حل الجمود على ملامحها ضامة الباقة إلى صدرها تحدق في ملامحه ثم قالت دون مقدمات :

-انا عايزة نفركش انت مش من ذوقي يا يونس

وكأنها أخبرته أن يسير عاريًا في الشارع، هذه نفس الصدمة التي ظهرت على وجهه حتى أنه شعر بإهانة لرجولته لذا انقلبت الصدمة لغضب وعندما رأت شروق هذا قالت بجدية شديدة :

-شايف الكلام بيوجع ازاي، هو مش بيوجعك لما يطلع منك بس بيوجع اللي قدامك، أقدر دلوقتي أقولك مش قصدي اللي قولتله ويمكن تسامح بس مش هتنسى، انا دلوقتي قولتلهالك ومحدش واخذ باله معانا بس انت قولتهالي قدام بنات عمي وكسفتني قدامهم

رقت ملامحه متقبلًا عتابها بهدوء ثم قال :

-ليه مردتيش ولا مرة عليا في التلات أيام اللي فاتوا

-سيباك تفكر في اللي قولته يمكن تحس فعلًا إن اختيارك غلط وعايز تنسحب

-شروق كلامي مقصدوش، طلع مني وقت عصبية، انا طلعت عصبيتي كلها فيكي

-انت بتقدملي سبب تاني علفكرة، إنك بني آدم عصبي وبتطلع غيظك في اللي قدامك من غير مراعاة مشاعره، ومين هيكون قدامك بعد الجواز غيري؟!

تنهد يونس ولم يعترض ولم يبرر بل قال :

-مش المفروض في الخطوبة كل واحد يفهم التاني ويبقى صريح معاه، انا بقولك أهو من سلبياتي إني عصبي

أدارت شروق وجهها فلم يكن هذا ما تنتظره منه ولكن لا مفر إن بدأ فيجب أن تختم هى ولن تجد فرصة مناسبة أكثر من هذه فالجميع منشغل الآن :

-خلاص كمل الصراحة، واحد انا بالنسبة ليك أي واحدة اختارها أبوك وأمك علشان تخطبها؟! اتنين اللي قولتله يوم الفرح قولتله ليا ليه يا يونس ومتقوليش علشان كنت متعصب وطلعته فيكي، علشان انت اتعصبت عليا أكتر في الحمام

صمت يونس مليًا ثم أجاب :

-واحد انا محدش يعرف يجبرني على حاجة، بابا وماما لما قالوا ليا نخطبلك شروق قولتلهم ماشي علشان انا عايزك يا شروق لو قالوا على واحدة تانية كنت هرفض علشان مش عايز اتجوز واحدة انا معرفهاش

أصابها الحرج من وقع كلماته ولكن حاولت إدعاء الجدية والصمود حتى تسمع باقي كلامه إذ أكمل قائلًا :

-اتنين اتعصبت عليكي علشان كنت غيران

-غيران من ايه وايه علاقة بأن الفستان كان أزرق بالموضوع

تبًا هى تتذكر كل كلمة قالها وبالطبع لن يخبرها بعقدته أنه يخاف أن تعجب برجل آخر فتتركه كما فعلت غيرها، فهذا يعد شك بها والثقة هى أهم ما بالعلاقة لذا قال محاولًا إدعاء الثبات والصدق :


-علاقة إن الفستان كان أزرق علشان سمعت راجل بيعاكسك، قال الفستان الأزرق عليكي طلقة وانا غيرت عليكي علشان كده انفجرت فيكي

نظر إلى عينيها حتى لا تعلم أنه يكذب أو يقول نصف الحقيقة بينما شروق ظلت تحدق في مقلتيه بتركيز تحاول أن ترى اهتزاز بسيط يدل على إرتباكه، وعندما شعر يونس أنه يفشل في الثبات قال محركًا مقلتيه نحو الفستان الذي ترتديه محاولًا تنفيذ ما قالته رحاب ابنة عمه :

-الفستان ده عليكي أحلى من الفستان الأزرق

نظرت شروق إلى ما ترتدي إذ كانت ترتدي جيب أسود متسع يعلوه قميص نسائي باللون الوردي الغامق من السيتان، رفعت رأسها له هاتفة بتعجب :

-دي جيبة وبلوزة مش فستان؟!

-بجد؟؟!

نطق بها محرجًا من غبائه ولكن قُصر القميص جعله يظن أنه ملتصق بالجيب وظنهما قطعة واحدة، هو فقط أراد أن يقول لها كلمة حسنة يكسب بها وُدها ولكن غبائه وجهله في أمور النساء أفسد الأمر

تسللت بسمة إلى ثغر شروق ترى لأول مرة حرجه إذ رفع كفه الضخم يحك جبينه مخفيًا وجهه، حسنًا على الأقل قال لها كلمة جميلة في حقها

-كده اتصالحنا؟؟

نطق بها محاولًا معرفة إن كانت نيتها قد صفت إتجاهه أم لا، بينما ظلت شروق على وضع الصامت تحرق في أعصابه ثم قالت وكأنها تمُن عليه، تلك الخبيثة بارعة في إثارة إستفزازه :

-المرة دي بس علشان انا قلبي طيب

قلب الآخر عينيه متمتمًا بينه وبين نفسه :

-تلات أيام منشفة ريقي وفي الآخر تقولي قلبي طيب، جاتك وجع في قلبك زي ما وجعتي قلبي

آمالت شروق رأسها قليلًا تراه يتمتم بشئ لا تسمعه فهتفت بحدة طفيفة :

-هو انت بتشتمني في سرك؟!

-انتي هتتبلي عليا انا مشتمتش

لازالت ترمقه بهذه النظرات المتشككة فقال :

-سيبي بوكية الورد ده علشان هنمشي

-نمشي نروح فين؟؟

-عند أقرب جواهرجي علشان نجيب الشبكة، وسامحيني بقى مش هنلحق نعملها علشان ماشيين بكرة

لم تخرج من صدمتها في أنهم سيأتون بخاتم الخطبة اليوم دون أن تعلم هى إلا وولجت إلى صدمة أنهم عائدون إلى الإسكندرية غدًا دون أن يقوموا بحفل خطبة لها مثل باقي الفتيات :

-لأ استنى براحة علشان مش فاهمة حاجة، انتوا مش كنتوا ماشيين يوم السبت باين؟؟ بكرة لسه الجمعة

-حصلت مشاكل في العمارة ومحدش موجود خالص في إسكندرية كلنا هنا حتى ولاد عمتي جم فلازم نرجع


ظهر الحزن على وجهها فظن أنها ضاقت لسرعة الأحداث الخاصة بخطبتها هى فقال محاولًا قدر المستطاع أن يظهر لطيفًا :

-متزعليش علشان مش هنلحق نعمل خطوبة إن شاء الله هعوضهالك لما تيجي إسكندرية يوم ١٠/ ٨ في فرح يوسف اللي هو بعد أسبوعين تقريبًا

لم يقل الحزن في وجهها فبدت بالفعل ضائقة فقال يونس بلطف نادر الظهور عليه لكنه أراد بالفعل التخفيف عنها :

-متزعليش يا شروق

-ليه الكروتة دي طيب ما نعمل خطوبة بعدين

-بعدين أمتى مضمنش أقدر آخذ أجازة اجي الصعيد تاني ولا لأ، وعد اعوضهالك هناك

تنهدت شروق بضيق مكبوت ثم قالت :

-طب اشوف ماما وبابا الأول

-ما أبوكي وأمك بيتكلموا مع بابا وماما علشان هنطلع دلوقتي

-دلوقتي دلوقتي؟!

-آه دلوقتي دلوقتي إحنا مسافرين بكرة الصبح مفيش وقت

أشارت الأخرى نحو يوسف وبراءة اللذان لا يزلان يلتقطان الصور لأن براءة لا يعجبها العجب :

-طب هتسيبوا يوسف لوحده في يوم زي ده

-ده على أساس إننا سايبينه في الصحراء!؟ ثم مين قالك انه هيجي معانا ده هيروح مع براءة أسيوط في فسحة سريعة بما انهم كتبوا الكتاب

رمقته الأخرى بإستنكار شديد قائلة بتعجب :

-لوحدهم؟!

-لأ حمزة ونور كمان رايحين

-لوحدهم!!؟

تعجب يونس إصرارها هذه الكلمة فقال متسائلًا :

-ايه لوحدهم ما هما أربعة، محتاجين عشرين يعني علشان يروحوا معاهم؟؟

-أولًا أخوك وابن عمك ميعرفوش حاجة هنا، ده لما كانوا بيعملوا التحاليل كانوا ماشيين ورانا هيروحوا أسيوط الواسعة ازاي؟! ثم ازاي يروحوا وفاضل ساعة والشمس تغيب عمي علي وبابا مش هيوافقوا براءة ونور يروحوا معاهم من غير حد كمان معاهم

قلب الآخر عينيه ضجرًا لا يدري اين الخطأ فقال :

-لو على الإقناع فحمزة عنده اسلوب إقناع دبلوماسي هيعرف يقنعهم، ولو على موضوع أنهم ميعرفوش حاجة هنا فإن شاء الله عنهم ما عرفوا، وانا قولتلهم هتوهوا وهما مسمعوش الكلام خليهم في حالهم بقى علشان نفضى لحالنا إحنا، يلا نمشي

هم بالإستدارة فقالت شروق بسرعة موقفة إياه :

-تجيبلي بوكية زي ده

نظر الآخر لعينيها المتسعة وبدت وكأنها تنتظر إجابته على أحر من الجمر فتأنى يونس في الإجابة، إن قال لا سيكسر بخاطرها مرة أخرى حتى وإن كان بالنسبة إليه الأمر تافه، ابتسم لها ثم هز رأسه موافقًا :


-تمام هجيبلك اللي عايزاه

رأى على وجهها بسمة سعيدة وكأنها لا تصدق موافقته، عجبًا حمزة كان محق أقل شئ يسعد النساء، وكلمة خاطئة في ساعة غضب تقلبهن إنقلابًا شنيعًا

والٰها انتباهه ثم قال بجدية شديدة :

-أي حاجة عايزاها قوليلي عليها ماشي، بلاش موضوع انت لو بتهتم كنت عرفت انا عايزة ايه ،خليكي مباشرة معايا يا شروق

آماءت له بإيجاب ثم هتفت مترددة :

-طب بما إنك مش هتعمل خطوبة فده يضمن إنك مش هتجيبلي أي حاجة من اللي بيجيبها العريس لخطيبته

-زي؟!

ترددت شروق في التحدث حتى لا يأخذ عنها انطباع انها مادية أو ما شابه، هى فقط تريد أن تجرب ما يحصلن عليه الفتيات حين تتم خطبتهن وعندما رأى منها يونس التردد قال :

-قولتلك خليكي مباشرة معايا

عقدت الأخرى أناملها وهى تتحدث قائلة :

-المفروض تجيبلي تليفون جديد وخط جديد وشوية حاجات كمان، هو انت أول مرة تخطب ولا ايه؟؟

ابتسم يونس ثم عقد ذراعيه تمام صدره ولم يشعر بالضجر من التحدث معها :

-مع إن معاكي موبايل بس اكيد نفسك في إصدار جديد وانا هجيبلك اللي تختاريه، زائد لا مش أول مرة اخطب خطبت تلات مرات قبل كده ومـ

قاطعت شروق حديثه بصيحة مصدومة إذ قالت :

-خطبت تلات مرات يا مفتري!!؟

-هو انا اتجوزتهم يعني، خطبت وفركشت عادي يعني

ذمت شروق شفتيها بطريقة لطيفة أعجبت يونس قليلًا وما أعجبه هو غضبها هذا إذ قالت بنبرة مغتاظة :

-بس كان لازم تقولي إنك خطبت قبل كده، لازم تبقى صريح في الحاجات دي، على الأقل أعرف انت فركشت ليه ما يمكن فيك

أمسكت آخر كلمة قبل أن تنفلت من لسانها فابتسم يونس بسمة جامدة ثم قال :

-يمكن فيا عيب صح؟! عامةً مفيش بني آدم خالي من العيوب وانا هقولك وبصراحة في التلات مرات فركشت ليه، بس قبلها انا مجاش في بالي أقولك وانتي مسألتش زي ما انا برضو مسألتش نفس السؤال ومش مهتم أعرف الإجابة علشان الحاجات دي تعتبر ماضي ومش لازم نقلب فيه

تنهد ببطء ثم قال بعد أن ألقى نظرة سريعة حوله ووجد أن البعض من العائلة لا يزال يجلس في الجامع لأن حمزة ويوسف لم ينتهوا بعد :

-أول واحدة هى اللي فركشت ومن غير ما تقولي كمان علشان كنت في الكلية وعرفت من اخواتي ولما سألت عن السبب عرفت إنها سابتني علشان واحد أغنى اتخطبتله بعد أسبوع واحد بس من الرسالة اللي بعتتها لاختي ان كل شئ نصيب... حتى مكلفتش نفسها وكلمتني انا

لاحظت شروق أن ملامحه تحولت للتهكم والضيق وهو يتحدث عن هذه الفتاة التي لا تعرفها وكأنه كان يمتلك مشاعر لها ضيعتها الأخرى بتخليها الفظ عنه، أكمل يونس نافضًا الأفكار المتعلقة بعايدة من رأسه إذ قال :

-تاني واحدة بنت خالتي انا اللي سبتها مرتاحتش ليها وانا أصلًا مش بطيق أمها ولولا ماما وزنّها مكنتش وافقت عليها من الأول

-ليه ده حتى أمها خالتك

-اهو كده مش بقبلها لا هى ولا بناتها ولا جوزها، ولولا إنها اخت ماما الوحيدة ملهاش غيرها كنت خليتها تتبرى منها

تضايقت الأخرى لتحدثه بهذه الطريقة عن خالته لذا قالت حتى يكمل ويتخطى هذه الفقرة :

-طب والمرة التالتة

-هى اللي فركشت بقى وقالتلي بالنص أنت بني آدم استفزازي وعصبي ومش بتهتم بيا وبمختصر انت لا تطاق يا يونس

ضمت شروق ضحكة كادت أن تنفلت منها قائلة :

-طب والله معاها انت لا تطاق فعلًا

ورمقها الآخر ساخرًا ثم قال :

-أومال انتي طايقاني ليه؟!

-علشان بحبـ

صمتت بسرعة وقد وضعت كفها على فمها بعنف وكأنها تعاقبه على تسرعه هذا، ثم رفعت عينيها ببطء نحو عيني يونس تراه يطالعها بملامح مندهشة سرعان ما أخذت تتحول تتدريجًا إلى بسمة ماكرة فقالت بسرعة :

-دي طلعت غلط، زلة لسان عمر ما لسانك قال حاجة غلط متقصدهاش

نفى يونس بهزة من رأسه ولا تزال البسمة تتسع على وجهه ثم قال :

-انتي بتحبيني يا شروق

وما كان من الاخر غير هزة سريعة متوترة تنفي تسرعها الأهوج فتعالت ضحكات يونس جاذبة انتباه جميع الموجدين فصوت يونس كان مرتفع فقالت شروق وقد زاد عليها الخجل أضعافًا :

-يا لهوي اسكت اسكت فضحتنا

لم تجد ملاذًا غير الفرار وقد ساعدها نداء حسن عليها بأن تأتي فركضت نحوه سريعًا تشعر أنها أكبر بلهاء أنجبتها البشرية، فكيف تعترف له هكذا بكل تسرع أنها تحبه، الآن سيثقل عليها أكثر ذلك الأرعن الذي لا يزال يضحك حتى الآن وكأنها أخبرته بنكتة...

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...