الفصل 70 | من 83 فصل

في مدينة الإسكندرية الفصل السبعون 70 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

المشاهدات
18
كلمة
7,190
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜

كانت عينيها تدور بين والدها وعمها وبين حمزة الذي يحاول إقناعهما بأن يذهبوا إلى أسيوط بما أنهم قد عقدوا القران، تتمنى أن يقبل والدها وفي نفس اللحظة تتمنى أن يرفض ففكرة أن تذهب مع حمزة إلى المدينة الواسعة بمفردهما مربكة

حتى وإن كانا براءة ويوسف معهما بالطبع سينشغلان مع بعضهما وينفرد حمزة بها، إنها فكرة مخيفة وليس فقط مربكة فهى لا تثق في جنون حمزة أبدًا

عاد حمزة بملامح مستبشرة وليست بائسة فأحتل القلق أوصالها خاصة عندما قال ليوسف :

-يلا يا يوسف هات مراتك علشان نلحق نروح ونرجع

نظرت بسرعة نحو والديها اللذان أخذا يقتربان منها ثم قالت والدتها بجدية شديدة :

-نورهان هتروحي من جوزك تتفسحوا شوية وترجعوا بس خلي بالك انتوا كتبتوا كتاب بس

جملة تحذيرية منها تحمل الكثير من المعاني التي تخجل بالإفصاح عنها بالطبع فأكتفت بهزة مطيعة منها فقال علي :

-لو حصل حاجة اتصلي علينا وخلي بالك من نفسك انتي وبنت عمك

شعرت بحمزة يقف بجانبها ثم قال ببسمة متسعة يوجهها إليها :

-يلا

ابتعدت عنه قليلًا فليست مرتاحة بعد لفكرة أن التلامس بينهما أصبح مباحًا ثم استمعت لوالدها يقول :

-حمزة خلي بالك من البنت ولو حسيتوا إنكم تهتوا اركبوا أي حاجة للنزلة ونورهان وبراءة عارفين هيركبوا ايه علشان ترجعوا تاني

-مش محتاجين نركب اتوبيس أو ميكروباص إحنا رايحين بعربية ابن عمتي

ختم حديثه مشيرًا لسيارة رمادية تقف على جانب الطريق فقالت صفية بعدم إرتياح :

-بس انتوا متعرفوش الطريق هتسوقوا لهناك ازاي

-التكنولوجيا مقالتش حاجة هنعرف الطرق كلها من على جوجل ماب

لم يظهر على والديها سوى البلاهة وهذا لأنهما أمّيين ولا يفقهان في التكنولوجيا الحديثة إلا القليل فشرحت هى قائلة :

-قصدوا هيمشوا على الطرق اللي على النت، خريطة أسيوط بكل حاجة فيها موجودة على جوجل وانا وبراءة حافظين الطريق من هنا لأسيوط من أيام الكلية

لا تزال إمارات عدم الراحة ظاهرة عليهما ورغم هذا ربتت صفية على كتف ابنتها قائلة :

-طب خلوا بالكم من نفسكم ومتنسيش اللي قولتلك عليه

آماءت لها نور ثم نادت على شقيقتها التي تلتقط بعض الصور هى وفتيات العائلة بباقة الزهور الخاصة بها وباقة براءة التي تتحدث مع والديها وعلى الأرجح يتلوان عليها نفس الوصايا :


-عائشة هاتي شنطتي وهاتي البوكية ده انا متصورتش به قد ما اتصورتوا به انتوا

اقتربت منها وأخذت الحقيبة التي لا تستطيع أن تفارقها مهما حدث وأخذت الباقة ثم قالت :

-بقولك ايه ما تجيبي الكوتشي اللي انتي لبساه وتاخدي الهاي هيلز ده

نظرت عائشة لحذاء نور المرتفع ثم قالت :

-بس الجذمة دي هتبقى ضيقة عليا

-يعني انتي اللي رجليكي أقصر من رجليا بتقولي ضيقة انا أعمل إيه؟! حاسة صوابعي اتنوا من جوا يا عائشة ولسه أكيد هنلفوا تاني في أسيوط أما انتي مروّحة "راجعة البيت"

-مين قالك إني مروّحة انا رايحة مع شروق علشان هيجيبوا الشبكة دلوقتي

رفعت نور قدمها من على الأرض بتألم ثم قالت :

-طب أرجع البيت ألبس كوتشي وبعدين أرجع، والله ما هقدر استحملها

نظرت عائشة حولها لبنات أعمامها ثم قالت :

-بصراحة ولا واحدة لابسة كوتشي عليه القيمة علشان تبدلي معاها انا شايفة إنك تتعايشي مع الوضع لحد ما ترجعي

همت نور بالصياح بها أنها لن تتحمل ولكن قاطع هذا نداء حمزة عليها وهو يقف إلى جانب تلك السيارة الرمادية ومعه براءة ويوسف فتحركت نحوهم مستسلمة تدرك أنها لن تتحمل هذا الحذاء كثيرًا وللأسف لن تستطيع خلعه هناك

وقفت إلى جانبهم فقال حمزة محدثًا يوسف بالتزامن مع إلقاء المفاتيح له :

-يلا يا يوسف انت هتسوق

رمقه الآخر بإستنكار فلما سيقود هو :

-ما تسوق انت يا حمزة انا عايزة أقعد وراء

فتح حمزة الباب الخلفي للسيارة ثم قال بنبرة شبه تهديدية :

-أقسم بالله ما حد هيقعد وراء غيري، ثم انا سواقتي وحشة وكلكم بتذِموا فيها يلا بقى انت زي الشاطر سوق

أشار لنور بأن تصعد فقالت براءة بإستنكار :

-وانت هتقعد معانا وراء ليه؟؟

-لأ السؤال هو انتي هتقعدي معانا ليه ما تقعدي مع جوازك قدام

نظرت براءة نحو يوسف والذي أشار لها بأن تأتي وتجلس إلى جانبه بينما اقتربت نور من حمزة قائلة بصوت منخفض :

-بلاش تقعد جنبي يا حمزة اطلع أقعد قدام

-متخافيش مش هعمل حاجة وهقعد مؤدب

-بس يا كداب

نطقت بها بعفوية راقت له فقال ضاحكًا :

-انا فعلًا كداب ادخلي بقى

ولجت نور مستسلمة لتجلس في آخر المقعد ملتصقة بالباب وما إن رأى حمزة هذا حتى ضحك بخفة معطيًا لها العذر بأنها لم تعتد عليه بعد، جلس مبتعدًا كما هى تريد ثم أغلق الباب قائلة :


-يلا يا يوسف شغل جوجل ماب على تليفونك واتكل على الله

قام الآخر بتشغيل السيارة بالفعل بعد أن فتح موقع خرائط جوجل على هاتفه حتى لا يضيعوا فقالت براءة وهى تنظر أمامها :

-حاسة والله أعلم إننا هنضيعوا من وراكم

-لأ إن شاء الله مش هنضيع

أراح حمزة ظهره على المقعد عكس نور التي بدت متشجنة في جلستها فمد يده دون تردد وأمسك بكفها الذي ارتعش داخل كفه الضخم، نظرت نور نحوهه متوترة ثم قالت دون أن تحاول سحب كفها منه فيجب أن تعتاد عليه ولا تهرب منه :

-هو انتوا محددين هنروح فين ولا سايبينها بالبركة

نظر يوسف نحو براءة التي كانت تصب تركيزها في باقة الزهور القابعة فوق قدميها :

-انتوا تعرفوا مكان حلو نتعشى فيه ولا أعتمد على جوجل

همهمت براءة بتفكير تعصر عقلها لتذكر الأماكن التي كانت تذهب إليها مع صديقاتها أيام الجامعة :

-أعرف ايوه فيه مطعم كان قريب من الكلية بتاعتي اسمه مطعم صلصة تقريبًا كنا نمشوا نص ساعة علشان نوصلوا

نظر يوسف نحو حمزة ثم قال :

-ابحث كده عنه يا حمزة

بحث الآخر عنه بالفعل على هاتفه دون أن يفلت كف نور من يده :

-امم بس ده مش على النيل، إحنا عايزين حاجة على النيل

أخذ حمزة يبحث عن مطاعم أسيوط الشهيرة المطلة على النيل ثم قال :

-فيه مطعم اسمه Nile Valley

آماءت براءة سريعًا متذكرة هذا الاسم :

-ايوه عرفاه ده قريب برضو على كلية التمريض

بحث يوسف عن اتجاهات ذلك المطعم الذي قالوا عنه ثم قال :

-محتاجين ساعة وربع علشان نوصل

وزفر حمزة بعدم رضا قائلًا :

-بس هما قالوا بعد العشاء نرجع وفاضل على العشاء بس تلات ساعات ونص يعني بالمجمل الطريق رايح جاي لوحده ساعتين ونص يعني هنقعد هناك بس ساعة؟!

-معلش يا حمزة أحسن من بلاش ولما نكون في إسكندرية هنعرف نلف أكتر من كده

انشغل يوسف في التحدث مع براءة عن أسيوط وعن أيام الجامعة بها بينما كانت تتابع نور كل شئ بصمتها المعتاد فقبض حمزة على يدها حتى تنتبه له ثم قال محدقًا في اناملها النحيفة التي تغوص في كفه :

-إيدك حلوة وصوابعك رفيعة لا هى طويلة ولا قصيرة

ابتسمت نور له دون رد فقرر هو أن يبدأ الحوار حتى يرفع عنها الحرج وبين كل دقيقة والأخرى يحاول الاقتراب منها أكثر حتى يلغي هذه المسافة بينهما :


-ضوافرك صغيرة ونضيفة زي العيال انتي معندكيش ضوافر أصلًا

-لسه قصاهم الصبح مش بحب أطولهم

تحسس اظافرها النظيفة ثم رفع نظره إليها هاتفًا بتعجب :

-انتي فيكي العجب والعجاب، اول مرة أشوف بنت ضوافرها مش طويلة أو مش حاطة مُنوكير في ضوافرها حتى ولو اللون مش ظاهر

حاولت أن تجذب منها يدها التي يحتجزها بين كفيه ولكن الآخر أبى بعناد مرسلًا إليها نظرة بأن لا تحاول فزفرت مستسلمة ثم أجابت :

-المُنوكير بيفسد الوضوء والضوافر الطويلة مش مستحبة لازم يتقصوا على الأقل مرة كل أسبوع، انا اعترف مش مهتمة بيهم زي باقي البنات

ضحك حمزة بخفة متذكرًا اظافر شقيقتيه ثم قال :

-رحمة ضوافرها طويلة تحسيها ضوافر قطط وغادة لحد ما خلفت لؤي كانت بتطول ضوافرها، كانت في خناقتنا بتخلي رقبتي ودراعاتي شوارع

تبسمت نور في وجهه وهو بدوره أطال النظر لعينيها التي استحلت اللون العسلي الفاتح وكأنهما طبقان من عسل النحل وهذا بسبب الشمس التي بدت تميل للغروب فأصبحت أشعتها تنعكس في عينيها

خجلت نور من تحدقيه لعيونها فأخفضت رأسها كما المعتاد للتفاجأ به يرفع وجهها له بكل جرأة ثم قال :

-انا مش كاتب الكتاب علشان تنزلي راسك بصي ليا يا نور عايز أشبع من عينيكي قبل ما أسافر هتحرم منهم أسبوعين لحد ما تيجوا إسكندرية بقى

لم تتحمل عينيه التي تتفرس ملامحها بشغف وتركيز بل أصبح قريبًا منها ولا تدري كيف وهو كان بجانب الباب وهى على الجانب الآخر، لم تجد ملاذًا غير إغماض عينيها فقهقه حمزة قهقهة صاخبة جعلتها تفتح عينيها بدهشة ثم قالت وهى تغتلس النظر ليوسف وبراءة في الأمام :

-بس يا حمزة فضحتنا فيه غيرنا قاعد

نظر حمزة سريعًا إلى يوسف الذي تجاهل قهقهته وأكمل حديثه الشيق مع براءة التي أيضًا ادعت أنها لا تهتم بهما :

-هما مش فاضيين لينا أصلًا خلينا في حالنا إحنا

حرر يدها أخيرًا حتى يأتي بشئ أسفل المقعد فخبأت هى يديها بحركة عفوية وكأنها هكذا ستمنعه من الإمساك بهما، رفع حمزة صندوق هدايا ضخم لا تدري من أين أتى به ثم وضعه على قدميها بعدما أبعد باقة الزهور، هاتفًا بحماس :

-افتحيه

بالطبع هذه هدية لها غير باقة الزهور التي على الأرجح ثمينة بشدة، رفعت عينيها له هامسة بسعادة رآها في عينيها وهى تقول بعدم تصديق وكأن هذه أول مرة يحضر أحدهم لها هدية :

-البوكس ده كله ليا

همهم بإيجاب مستمتعًا بكل لحظة يقضيها معها لتقول نور وكأنها محرجة من فتحها هنا :


-افتحها هنا؟!

-آه أصلًا الطريق طويل خلينا نستغله شوية، هناك يا دوب نلحق ناكل

رفعت نور الغطاء وظنت أنها ستجد هدية واحدة على حجم الصندوق ولكنها تفاجأت بوجود العديد من الأشياء داخل الصندوق الممتلئ بكرات الفوم الصغيرة الملونة

جذبت أول شئ قابلها وكان علبة هاتف بإصدار حديث فقالت مذهولة :

-بس انا معايا تليفون

-تليفونك إصدار قديم ده أحسن وأحدث

تركت العلبة على جنب ثم مدت يدها تجذب شئ آخر لتجد دمية محشوة صغيرة باللون الأبيض على شكل دب فضحكت لرومانسيته قائلة :

-تصدق وتآمن بالله طول عمري نفسي في دبدوب بس أمي كانت بتقول لأ عندها وسواس إن عيونها بيتمثل فيها الجن وطبعًا أفلام الرعب خوفتني منهم أكتر، بس ده شكله صغير وحلو

تلمست فوره الناعم ثم قبلت أنفه الصغير في حركة عفوية منها فقال حمزة متهكمًا :

-عجبت لك يا زمن جه اليوم اللي أحسد فيه دبدوب

ضحكت نور خجلة ثم قالت بمزاح :

-عادي علي بن أبي طالب كان بيغير من المسواك اللي بتستخدمه فاطمة الزهراء

مدت يدها وأخرجت شئ آخر لتصيح بعدم تصديق مبصرة سماعة الرأس على أحدث نوع :

-يا لهوي انت جاي تحققلي أحلامي النهاردة

رمقها بإستفهام فقالت الأخرى شارحة له :

-سنين اتحايل على أمي أجيب واحدة حتى ولو من فلوسي وهى عمرها ما رضيت

-بس انتي كنتي بتشتغلي ليه مجبتيش واحدة

-كانت هتكسرها فوق رأسي لو عرفت، أصل بعيد عنك أمي من النوع الدكتاتوري لو مكنتش الحاجة ليها فايدة وتعيش خمسين سنة لقدام متوافقش إننا نجيبها، ويا ويلها اللي تجيب حاجة هى قالت عليها لأ حتى لو كان كيس اندومي

-لأ وبعيد عني ليه، عندي نفس النوع بس الكلام ده يمشي على رحمة بس متقدرش تمشيه عليا انا وكريم، ثواني عايز اسمعك حاجة بتفكرني بيكي

جذب منها السماعة وأوصلها بهاتفه على أغنية محمد منير التي سمعها في حفل الزفاف، هم بوضعها فوق رأسها لكن وجد ملامحها قد انقلبت وبسمتها اختفت فتراجع قائلًا :

-مش بتحبي تسمعي أغاني علشان حرام صح وانتي خاتمة القرآن

-للأسف عارفة إنها حرام وبسمعها

بدا الحرج في عينيها رغم هدوء ملامحها فقال مخفضًا السماعة قليلًا :

-طب ليه بتسمعيها وعارفة إنها حرام

تنهدت بعمق وكأنها تحمل ذنبًا على عاتقيها وهى تقول :

-بجاهد والله علشان أبطلها بس عاملة زي الإدمان برجعلها تاني مهما حاولت أبعد، مفيش بني آدم خالي من الذنوب وده واحد من الذنوب اللي انا بعملها بس بحاول أبطلها والله لما ياكلني الندم قوي، وبفضل استغفر لعل وعسى ربنا يتوب عليا


-علفكرة انتي كده لسه في أمان إنك تخافي تعملي الذنب وتضعفي في لحظة شيطان وتعمليه وترجعي تستغفري وترجعي تعملي الذنب في لحظة ضعف تانية وتخافي ربك وتندمي وتستغفري تاني انتي كده من ضمن الأوابين، تقريبًا كده في آية سمعتها من الشيخ عن الأوابين دول في خطبة الجمعة

-وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكٌلِ أوَّابٍ حَفِيظٍ، ما هو ده اللي بيخليني أندم وأرجع وادعي ربنا يتوب عليا من البلاء دِه

ابتسم حمزة لأنها تحفظ الآية عن ظهر الغيب ثم قال متسائلًا :

-انتي بتسمعي الأغاني كتير

-لما اشتغل في البيت، اكنس أو أمسح، اغسل المواعين، أنشر الغسيل بسمعها كتسلية لما اشتغل

-طب ايه رأيك تبعدي عن السبب اللي يخليكي تسمعي أغاني

-قصدك التليفون؟؟

-محدش يقدر يستغنى عن تليفونه انا عارف، قصدي لو على تليفونك أغاني أمسحيها بحيث ميبقاش قدامك الأغاني فمتسمعيش

ابتسمت له نور بسمة غريبة تعجب لها حمزة فقال :

-فكرة فعالة صح؟!

-فعلًا فعالة ونفذتها يطلع عشر مرات قبل كده، ياكلني الندم قوي فأمسحي كل الأغاني وأقول دي آخر مرة مش هسمع تاني، ألاقي على النت اغنية عجبتني، مقطع حلو، هوب التليفون يتملي أغاني تاني ورجعت ريما لعادتها القديمة وأندم تاني واستغفر تاني ولفينا بينا يا دنيا وانا على الحال ده لحد دلوقتي وبدعي ربك يتوب عليا، اللي مصبرني بس اني بتوب مغرقتش خالص

ضحك حمزة وقد مال قليلًا للأمام ثم اعتدل رافعًا خصلاتها التي سقطت على وجهه فركزت نور عينيها على شعره وكأنها هرة أبصرت فأر يتأرجح أمامها، رفع السماعة على أذنيها ثم قال :

-معلش اسمعي دي من غير موسيقى بس عايزك تسمعي الكلمات دي

وضعت السماعة على رأسها كما يريد ثم قالت متسائلة :

-أغنية لمين؟؟

-محمد منير

-فظيعة أغاني محمد منير

-انا أحلى

نطق بها وكأنه طفل يشتكي أن والدته تدلل طفل آخر أمامه ولكنها لم تسمعه بسبب بدئ الأغنية التي سبق وسمعتها من قبل ولكن هذه المرة سمعتها على تفكير حمزة وكأن محمد منير يشرح ما يعيشه حمزة معها من ثقل ودلال وتعب ولوعة الحب

أبتسم حمزة وصدى الأغنية يصل إليه، فأسند رأسه على ظهر المقعد وهو يفكر مليًا في حب هذه الفتاة الذي استوطن قلبه وكأنه محتل أبى إستقلال الأراضي التي سيطر عليها

لا يصدق حتى الآن أنه بات له الحق في لمسها والنظر لعينيها وضمها والجلوس إلى جانبها، ترى متى ينقضي الثلاث أشهر التي حددهم مع علي بصعوبة بعد أن كان يريد أن تكون فترة الخطبة ليست أقل من عام


متى تنقضي حتى تنير هذه الجميلة منزله وتصبح حرمه وأنيسته

الآن بات يحسد يوسف مرة أخرى لن سيتزوج بعد أسبوعين وهو بعد ثلاثة أشهر ...

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

مر أثني عشر يومًا على عودتهم من الإسكندرية ولا يصدق أنه عاد أخيرًا لهوائها المنعش والبحر وجهاز التكيف ولا يفسد مزاجه كل صباح إلا هذا الصوت

تقلب في مكانه بضجر يستمع لنداء بعيد لوالده ولكن هل يترك الفراش المريح والهواء الرطب المنعش الذي يتسلل من جهاز التكييف القابع فوق رأسه، لا والله لن يفعل

ولج عثمان إلى غرفة ابنيه ليجد فراش فارغ مرتب بشكل نظامي، والآخر فوضاوي مبعثر من كل إتجاه ويستكين فوقه جسد حيوان الكسلان المدعو كريم الذي يسهر للساعة الثانية على مبارات كرة القدم ويظل خاملًا حتى الظهيرة

زفر بضيق ثم أغلق جهاز المكيف فحين يشعر كريم بالحرارة سيستفيق من تلقاء نفسه، اقترب من الفراش ووكزه بيده قائلًا :

-قوم يا كريم الساعة سبعة

همهم الآخر بكلمات لا معنى لها فقال عثمان بضيق :

-قوم يا كريم مش اتفقنا بعد ما نرجع من الصعيد تنزل تدريب في الشركة، عدى أكتر من عشر أيام على رجعونا ولحد دلوقتي مشوفتش وشك في الشركة وكل يوم تقولي الصبح وتفضل مقتول للضهر على السرير

-حاضر حاضر..... هقوم

خرجت منه هذه الكلمات المتقطعة الخافتة بدون وعي حتى يحل والده من على رأسه فقط، اقترب عثمان من جهاز الراوتر الموضوع بجانب الشاشة تمامًا وبسببه يسهر كريم إلى الثانية صباحًا وتلك الصغيرة رحمة تسهر على المسلسلات الكورية وعندما تكلمها والدتها تصيح قائلة أنهم في إجازة

خلع الجهاز بأكمله ثم نظر نحو كريم الذي لا يزال في سُبات البط فقال بنبرة قوية :

-كريم قدامك نص ساعة وألاقيك هناك وانت عارف العنوان ماشي

-ماشي

-اكيد هتقولي ماشي ومش هتيجي زي كل يوم

همهم بها بحنق ثم خرج من الغرفة وأعطى الراوتر لزوجته التي لا تزال مستيقظة ثم قال :

-خدي ده أخفيه خالص ويا انا يا عيالك في البيت ده، ابقى أشوف واحد ولا واحدة يسهر لبعد عشرة كده

أخذت منه ناهد الراوتر دون مجادلة فقد أكثر أولادها في السهر بالفعل خاصةً ابنتها رحمة التي لا ترفع كوبًا من الأرض وليل ونهار على الهاتف، تبًا لجيل الإنترنت البائس هذا :

-هو حمزة لسه نايم؟! قالي اصحيه بدري النهاردة

-حمزة لسه نازل شغله قالي عايز ينجز كل حاجة وراه علشان يتفرغ اليومين اللي جايين علشان فرح يوسف وعلشان خطيبته جاية إسكندرية


أشار نحو غرفة كريم ثم قال :

-تصحى الواد ده

-مش بقدر عليه

-تصحيه يا ناهد علشان ينزل تدريب بقى كفاية مرقعة

آماءت مستسلمة وهى تعلم أنها لن تقدر على ذلك الكسول ثم قالت :

-ماشي هاروح أسخنلك فطار علشان تلحق تمشي بس أدخل أصحى رحمة الأول

-مش هلحق الدنيا زحمة أوي الصبح يا دوب ألحق أوصل علشان محتاج اتكلم مع دكتور فؤاد النهاردة بدري

خرج وأغلق الباب خلفه فاتجهت ناهد إلى غرفة ابنتها طاردة النوم من عينيها حتى تخرج حيوان الكسلان هذه من غرفتها، فتحت الغرفة بعنف وذلك لم يؤثر على تلك الخمولة لتنادي عليها بصوت مرتفع :

-رحمة قومي ورانا شغل كتير

جذبتها من ذراعيها وجعلتها تجلس فهمهمت الأخرى بضيق تفرك خصلاتها البُنية القصيرة التي تستمر في قصها بطريقة لا تتجاوز كتفيها، حاولت فتح عينيها وهى تسمع والدتها تعد عليها ما سيفعلوه اليوم _من المفترض_

-قومي عايزين نغسل الغسيل وننضف المطبخ والحيطان ونلم السجاد ونمسح البيت كله والحمام عايز نضافة شاملة

-ليه يعني هو بكرة العيد!؟

-لأ مش بكرة العيد بس علشان تقومي وبابا شال الراوتر خالص وريني هتقعدي على مسلسلاتك تاني ازاي

رمقتها رحمة بأعين ناعسة ثم قالت :

-هو ايه ده اومال لو مكناش في أجازة، حرام عليكم اتقوا الله ده انا بنتكم

ظلت ناهد تحدق بها في جمود ولم تتأثر فسقطت رحمة للخلف ظنًا أن والدتها قد رحلت فصاحت بها الأخرى بطريقة مفزعة :

-هو انتي هتنامي تاني بقولك قـــــومي

ركلت الأخرى الفراش بقدميها بتذمر ثم صاحت :

-طب سيبيني أنام شوية وبعدين هصحى نعمل كل حاجة

-لأ قومي دلوقتي يعني دلوقتي

لم تتلقى منها غير النظرات الغير راضية فجذبتها ناهد من على الفراش ودفعتها أمامها قائلة :

-قومي مش فالحة غير تسهري للفجر وتنامي للعصر وتنقطيني انا

زفرت رحمة بتعب وهى تسير مجبرة أثر دفع والدتها لها لتقول ناهد وهى تقف في ممر الغرف :

-ادخلي أوضة اخواتك هاتي الهدوم الوسخة كلها، يــــلا اتحركي

ولجت رحمة إلى غرفة اخويها بعدما لم تجد إستجابة لمن بالداخل ليقابلها الهواء المنعش الرطب وهذا ما جعلها تبتسم كالبلهاء فغرفتها لا يوجد بها جهاز تكييف مثل هذا :

-هو انا دخلت الجنة ولا ايه

نظرت حولها وقد كانت الغرفة تعثو في الفوضى بإستثناء مكتب حمزة وأرفف الكتب الخاص به وفراشه الذي يرتبه قبل أن يذهب لعمله كل يوم، وقعت عينيها على كريم الغافي على الفراش في سبات عميق حُرمت هى منه للتو


مدت رأسها لخارج الغرفة لتجد والدتها تجمع الغسيل من غرفتها فعادت كما كانت وأغلقت الباب بالمفتاح ثم سقطت على فراش حمزة تتململ بنعاس وهى تقول :

-سوري يا ماما بس انا مش هسيب التكييف ده لكريم لوحده واتسحل انا في شغل البيت في الأجازة

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

تحرك بخطى سريعة خارج قاعة المحكمة تاركًا موكله يتحدث مع عائلته ومعارفه بعد حكم البراءة، فبعد أن نجت نور من القضية وبرأها أمام المجتمع أخذ هو شعبية في الإسكندرية بسبب نجاحه خاصةً أن القضية كانت رأى عام فحتى المحاميين الكبار كانوا يتابعونها

حصل على فرص عمل كثيرة مع المحاميين الأكثر خبرة منه وهو لم يرفض فالعمل كمحامي يتطلب الخبرة والسمعة والصيت، والأهم من هذا كله الذكاء والقدرة على حل الثغرات في القضايا وهو يتمتع بِحِث شارلوك هولمز الذي كان يعشق القراءة عنه فأصبح يفكر كما المجرمين والمحققين

وهذه قضية قد وكلها له أحد المحاميين ليرى ماذا سيفعل بها وهو لم يخذله ونجح بها بجدارة، فتح هاتفه الذي اهتز كثيرًا في جيبه على الوضع الصامت أثناء مرافعته بالداخل ولكنه لم يرد لإنشغاله

اتسعت البسمة على وجهه مبتعدًا قدر الإمكان عن الأصوات ثم ضغط على زر الإتصال عندما وجد مكالمة فائتة من "زوجتي الجميلة"

استمع لرنين الجرس ثم أتاه صوتها الناعم وهى تقول :

-صباح الخير يا حمزة

-صباح الفل يا قلب جوزك

قلبت الأخرى عينيها وعلى ثغرها بسمة هادئة، استطاع هذا الحمزة سرقة قلبها بكلماته المعسولة، لم تظن أنها يومًا قد تتزوج رجل يغازلها مثل حمزة :

-صليت الصبح؟!

الحجة التي تقولها عندما لا تدري ماذا ترد على غزله فتسأله حينها على صلاة آخر فرض وفي كل مرة يصمت هذا الصمت ثم يخرج لها بحجة مختلفة عن كل مرة إذ قال :

-كنت في المحكمة ولازالت في المحكمة علشان كده معرفتش أرد على مكالمتك، صحيح مش متعودة تتصلي انتي الأول، وحشتك صح!؟

-اممم نوعًا ما

قلب الآخر عينيه بفقدان أمل، فلا تزال نور حتى الآن تبيع له ثقلًا تجعله يغرق أكثر وأكثر :

-هتركبوا القطر بالليل النهاردة صح؟؟ توصلوا أمتى على كده

-على الصبح الساعة سبعة أو تمانية تقريبًا كده، جهزوا مكان لسبع عائلات اتمنى يكون عندكم مكان

-عندنا متخافيش بس للأسف أشك إن فيه مكان ليكي انتي

تعجبت من قوله هذا فكيف يوجد لجميع أعمامها وأولادهم ولا يوجد لها هى، وسرعان ما فهمت ذلك الخبيث الماكر عندما أضاف بنبرة عابثة :


-بس لو ملكيش يا حبيبتي انا....

قاطعته بسرعة قائلة :

-حمزة متتكلمش كده وانت برا الناس تركز معاك، وخف قلة الأدب هو علشان كتبنا الكتاب هتنطلق!؟

-هو انا انطلقت ولا لحقت حتى غير سافرت تاني يوم كتب الكتاب وملحقتش آخد غير حضن يتيم، ثم انا متكسفش أقول للناس إني بحب مراتي وبموت فيها

-حمزة

-قلبه يا نورهان

-احترم نفسك قولت، الناس صوتها عالي من كترهم حواليك

تنهدت بهدوء ثم أضافت عندما لم تجد منه مداهرة كما العادة وكأنه حزن لوقع حديثها الجاد :

-انت زعلت؟؟

-شوية

نطق بها بهدوء خارجي وخبث خفي فقالت نور بسياسة :

-مش قصدي ازعلك بس انا يعني اتكسفت والمفروض كلام زي ده ما تقولوش بصوت مسموع حتى لو انا مراتك، خلي الحاجات دي بيني وبينك بس

حك حمزة حاجبه وعلى ثغره بسمة شديدة الإتساع على خجل زوجته الفطري :

-ماشي لما تيجي هسمعك من ده كتير

-وتوديني الملاهي

-نعم؟؟!

-خلاص خلاص سحبتها اعتبر نفسك مسمعتش حاجة

هتفت بحرج شديد على تلك الجملة العفوية التي خرجت منها فقال حمزة بحنو :

-نفسك تروحي الملاهي!؟

-اممم بس ملاهي ملاهي يعني، فيها الحاجات الضخمة اللي بشوفها على التيك توك

-ومش هتخافي ولا ترجّعي؟

-لأ طبعًا متقلقش مش بخاف من الحاجات دي، ده انا هموت وأركب البتاعة المدورة اللي بتطلع فوق خالص وتنزل مرة واحدة، واللي شبهها بس بتلف يمين وشمال، والقطر الأفعواني

ضحك حمزة على الحماسة التي تتحدث بها فقال بعبث لا ينسلخ عن شخصيته :

-حبيبتي انا شجاعة زي جوزها

-بس يا بابا ده انت بتخاف من الحقن

تنحنح حمزة وقد رفع خصلاته بجاذبية ليس وكأن كرامته بُعثرت الآن :

-علشان بحبك هعديها، عارفة لو يونس كنت سفلت وشه

-سفلت؟! أحيانًا بشك انك وولاد عمك من ميامي أصل الناس كلها هناك ناعمين قوي رجالة وستات كأنهم بسكوت ونواعم، انتوا لأ فيكم سِنة خشونة كده وكلامكم شعبي أكتر

-اممم بحكم تعاملنا مع الناس، وبرضو علشان أهلنا أصلهم صعيدي علمونا نتكلم بطريقة ناشفة شوية عن باقي الناس هنا

نظر خلفه عندما نادى موكله عليه فقال بسرعة :

:هقفل علشان أكمل شغل، من هنا لحد ما أكلمك بالليل هتوحشيني، ومن هنا لحد ما توصلي إسكندرية بالسلامة هيتعبني الشوق، مع السلامة يا قلب جوزك


~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

وقف في بهو الشركة وقد ألقى داخل فمه قطعة شوكولاتة يمضغها على مهل وعينيه تدور في أركان هذه الشركة اللامعة، وهو لا يبالغ أبدًا فيشعر أن الشركة من شدة إتساعها وجمالها تملع

سار قليلًا إلى الأمام يراقب الموظفين المتحركين في كل مكان والعجلة تأخذهم، عجبًا من أين لهم بكل هذا النشاط أم أن المدير صارم بشدة لدرجة تجعلهم يعملون هكذا خوفًا منه

صدح رنين هاتفه في الأجواء فرفعه إلى أذنه يستمع إلى المتصل وعينيه لا تزال تتابع المكان بتركيز :

-انت فين يا كريم الساعة بقيت عشرة ونص وانت لسه موصلتش

-انا هــنـا

نطق بها بصوت مرتفع حتى يسمع والده الذي كان يقف على بعد منه وهو لا يراه، استدار عثمان ليجد ابنه المبجل قد وصل أخيرًا، تحرك نحوهه بخطوات متعجلة فقال كريم بتعجب :

-هو الكل في الشركة دي بيمشي بسرعة كده ليه!؟ براحة هى الدنيا هتطير

توقف الآخر أمامه لاكمًا ذراعه بعنف على تأخره :

-ده كله بتتنيل تفطر انا مش مصحيك الساعة سبعة وقولتك نص ساعة وألاقيك ورايا وقولتلي ماشي

فرك كريم موضع لكمة والده هاتفًا بتبرير :

-قولتلك ماشي وانا نايم يبقى كأني مقولتش حاجة، انا صحيت مش فاكر حاجة على الساعة تسعة على تليفونك لحد ما فطرت وجيت في الطريق الطويل ده جات عشرة ونص

-بعد كده تصحى الساعة سبعة الشغل هنا بيبتدي تمانية يعني قدامك ساعة والطريق من هنا للبيت خمسة وأربعين دقيقة يعني ربع ساعة تغسل وشك وتنضف نفسك وتفطر وتيجي

-في ربع ساعة؟! ايه شغل الجيش ده؟! انا أروح أدخل الجيش أرحم

دفعه عثمان أمامه حتى يسير ليستقلا المصعد ثم قال بجدية :

-كريم هنروح دلوقتي عند الدكتور فؤاد صاحب الشركة وهو هيعمل معاك المقابلة

-وهو أي واحد عايز يقدم على وظيفة أو تدريب هنا بيعمل المقابلة مع صاحب الشركة نفسه؟؟

-لأ المفروض المقابلة مع مدير التوظيف بس لما طلبت من الدكتور فؤاد إنك تنزل تدريب هنا وافق بس لما قرأ السي في بتاعك طلب يشوفك

قلق كريم مما قال وقلق أكثر من أن يكون ذلك المدعو فؤاد يعلم بماضيه وعن كونه كان متعاطي لذا قال مترددًا بلسان ثقيل :

-بابا هو عارف اني كنت مدمن

رمقه عثمان بطرف عينيه ثم قال :

-ايوه عارف

-حلو معلش بقى اسحب الملف وانا هروح بكرامتي

كاد أن يضغط على زر النزول ولكن منعه عثمان من هذا هاتفًا بجدية :


-هو عارف ومعندوش مشكلة بلاش تضيع فرصة زي دي يا كريم مش هتلاقي زيها، دي واحدة من أكبر شركات الأدوية في مصر، وانا هكون معاك حتى في المقابلة متخافش

تراجع كريم وقد زاد القلق في نفسه من هذه المقابلة، كونه كان متعاطي يسبب له أزمة نفسية يشعر أنه ليس مثل باقي اقرانه وكأن لديه وصمة عار لا يمكن نسيانها أو محوها من تاريخه

وهى بالفعل كذلك

توقف المصعد عند الطابق المنشود وهو آخر طابق في الشركة ولا يتكون إلا من عدة أبواب بينهما مسافات شاسعة، والهدوء في المكان مخيف لا يقطعه إلا صوت قرع كعب أنثوي مرتفع يرن في المكان

نظر في إتجاه الصوت ليبصر امرأة ممشوقة الجسد، حسنة المظهر، بخصلات شقراء قصيرة، ترتدي كعب مرتفع لا يدري كيف تسير به مع خطواتها السريعة هذه، رفع نظره لوجهها الأبيض الشبه مختفي خلف نظارة سوداء قد رفعتها للتو على عينيها

كانت تسير بخطوات واسعة غاضبة وكأنه تقول للجميع ابتعدوا من طريقي، افسح لها حتى تمر من جانبهما ولكنها توقفت ونظرت إليه من خلف نظارتها، أو لا هى لا تنظر إليه بل إلى والده، وقد علم هذا عندما قالت بلكنة انجليزية متقنة وكأنها ولدت في الخارج :

-Doctor osman

نظر نحوها عثمان وسرعان ما تعجب قائلة بنفس اللغة :

- Sara, when did you return from Germany - سارة متى عدتي من ألمانيا؟؟

وقفت الأخرى أمامه هاتفة بنبرة قوية رغم إرتعاشة يديها وهى تتحدث :

-I returned yesterday. Please tell my father I won't work for his company and let me go back to Germany. - لقد عدت البارحة، أرجوك أخبر أبي أني لن اعمل في شركته ويتركني أعود لألمانيا

-Okay, calm down - حسنًا اهدئي

-When you go in to see him, tell him I've returned home - عندما تدخل له اخبره أني عدت للمنزل

وهكذا ختمت حديثها ورحلت كشعلة مشتعلة وظل يراقبها إلىٰ أن اختفت داخل المصعد فقال محدثًا إلى والده :

-مين القطر السريع دي؟؟

-دي سارة بنت دكتور فؤاد

-بس دي باين عليها أجنبية؟!

تساءل بها بسرعة وهو يلحق به فقال الآخر بجدية تامة :

-آه أمها ألمانية وأبوها مصري

-بس حلوة، وبيضة أوي بطريقة مستفزة تحسها مشافتش شمس في حياتها

نظر نحوه عثمان بعدم رضا فقال الآخر بتبرير :

-ايه؟! ان الله جمال يحب الجمال متبقاش خنيق زي مرات ابنك بقى، كل حاجة حرام وغُض البصر، معرفش البت المؤمنة دي وابنك البجح قليل الأدب هيعيشوا مع بعض ازاي!؟

قلب الآخر عينيه بضجر ثم طرق على الباب الأخير في هذا الممر وولج بعد أن أخذ الأذن، ولج كريم خلفه منبهرًا بهذا المكتب الفسيح، وهذه الواجهة الزجاجية الضخمة، وعلى جنب شاشة ضخمة مقسمة إلى عدة شاشات أصغر لكاميرات الشركة بأكملها، وكأن صاحب المكتب يعشق مراقبة الآخرين


تحدث والده منظفًا حلقه ثم قال :

-دكتور فؤاد، ده كريم ابني

نظر كريم إلى ذلك الرجل الأربعيني الذي كان يقف بجانب تلك الشاشة الضخمة وبدا من النظرة الأولى أنه يحمل الكثير من الهموم، ولكن ما إن رآهما حتى تبدلت ملامحه للهدوء والرقي

أشار لهما بالجلوس بينما تحرك هو من جانب الشاشة وجلس على مقعده خلف المكتب الفخم والذي كُتب على لوحة زجاجية في مقدمته "Dr. Fouad Al-Husseini - الرئيس التنفيذي"

جلس كريم على المقعد الأمامي للمكتب وقد جلس والده في المقعد المقابل له ليتحدث ذلك المدعو فؤاد بنبرة هادئة رخيمة :

-ازيك يا كريم مبروك التخرج

وأجابه الآخر بنفس النبرة محاولًا كبح توتره :

-الله يبارك فيك

-خلصت جيش ولا لسه؟؟

-لأ انا مدخلتش جيش، جالي إعفاء

-ازاي؟؟

لا يعلم أهذا الرجل يعشق التفاصيل أم يقول هذا لتخفيف التوتر عنه، وفي كلتا الحالتين أجاب بإختصار شديد :

-عدم اللياقة الطبية

همهم الآخر بهدوء وقد فتح ملف كريم القابع أمامه ثم قال :

-انت بتحب الصيدلية والكيمياء يا كريم؟!

-لأ

تفاجئ فؤاد من صراحته هذه حتى عثمان نفسه تفاجئ، ليقول فؤاد ببسمة بسيطة :

-أومال دخلت ليه صيدلة؟؟

-بابا جبرني ادخلها وانا مكنتش لا عايزها ولا عايز المجال العلمي أصلًا

ضحك فؤاد على صراحته المبالغة بها هذه ثم قال :

-دمه خفيف يا عثمان

آماء الآخر وهو يرمق ابنه بنظرة حانقة تلك النظرة التي تدل على أنه عندما يعود للمنزل سيأخد ضرب لم يأخذه لص، تنحنح فؤاد ثم استرسل :

-دمك خفيف وهاخده على محمل الهزار علشان لو في مقابلة قولت كده هتروح علطول على بيتكم، قولي يا كريم السي في بتاعك بيقول إنك واخد كورس انجليزي وألماني، بتعرف ألماني على كده؟!

-آه

-اثبت ليا

نظر كريم حوله ثم قال بعد عدة ثواني بلكنة ألمانية جيدة :

-Warum gibt es so viele Überwachungskameras in Ihrem Büro? - لما كل كاميرات المراقبة في مكتبك؟

ابتسم له الآخر ثم أجاب بنفس اللكنة :

-Um die Angelegenheiten des Unternehmens selbst zu überwachen - من أجل مراقبة أحوال الشركة بنفسي

زفر على مهل بعد أن أغلق الملف ثم قال :

-بص يا كريم أهم حاجة في شركات الأدوية تبقى إنك تعرف لغات كتير عايزك جنب الألماني والانجليزي تتعلم اللاتيني وفرنسي لو هتقدر يعني

نظر نحو عثمان ثم أضاف بجدية شديدة :

-فيه دفعة تدريب نازلة السنة دي عندنا صح؟؟

-ايوه من جامعة خاصة بس كريم لو هيكون معاهم هيكون أكبر منهم بسنة

-مش مشكلة ينزل معاهم تدريب هو وسارة

عقد الآخر حاجبيه وهم بالتحدث ولكن قاطعه الآخر بنبرة جادة مخيفة :

-عثمان انا شوفتها اتكلمت معاك برا وانا مش هغير رأيي، سارة مش هتسافر تاني دي بلدها اللي اتولدت فيها مش ألمانيا، وهتنزل تدريب زيها زي باقي الموظفين اللي بدأوا من الصفر علشان لما تمسك مكاني ميقولوش اخدته على الجاهز

وبالطبع لم يفهم هو أي شئ ولم يكترث، ولكن نبرة فؤاد هذا جعلته يشعر أنه أب صارم بشدة مع ابنته

نظر فؤاد نحوه ثم تغيرت نبرته للهدوء وأضاف :

-وكمان عندي طلب شخصي من ابنك اتمنى ميردنيش فيه

انتبها الاثنين لما سيقوله لتنقلب ملامح كريم للبلاهة عندما طلب طلبًا غير متوقع :

-عايزك يا كريم تعلم سارة تتكلم عربي علشان هى طول عمرها عايشة برا وضايعة خالص فيه ومن صغرها بتعاند ومش عايزة تتعلمه

صمت الآخر لبرهة ثم نظر إلى والده وقد أشار له بالاقتراب قليلًا من ثم قال له بهمس متهكم :

-ايه اللي بيقوله الراجل ده؟! هو انت جايبني أتدرب في شركة أدوية ولا اشتغل مدرس؟؟

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...