الفصل 72 | من 83 فصل

في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني وسبعون 72 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

المشاهدات
18
كلمة
8,090
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

فصل أكبر من اللي فاتوا بمشهد، زيدوا التعليقات أيها الصامتون بقى علشان بدأتوا تناموا مني وإحنا لسه بنسخن والأكشن لسه مجاش



صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜

في صباح اليوم التالي
أصوات زامور القطار المرتفع مختلطة بأصوات الناس الكثيرة التي أخذت تندفع خارج القطار والذي وصل لتوه من الصعيد حاملًا أبناء صفوان وأحفاده فيوم غد هو يوم زفاف براءة ابنة الأخ وابنة العم

أما العروس نفسها أصابها ضيق في صدرها عندما هبطت على أرض إسكندرية، لا تعلم لما هذا الضيق المفاجئ ولكن رجحت أن السبب يعود لأنها ستتزوج في هذا البلد وتستقر به وستقضي به بقية حياتها

إن مدينة الإسكندرية جميلة ولا تنكر هذا وهى من أنصار الزواج في مدينة، عكس ابنة عمها نور التي كانت تود الزواج في منزل ريفي هادئ يطل على اللون الأخضر من كل مكان بعيدًا عن صخب المدن

ولكن هذه الحياة لا تعطي لكل حالم ما يريد

أخذ الشباب والرجال يحملون الحقائب الكثيرة فالكثير من العائلات قد حضروا ثم تبعهم إلى خارج المحطة الفتيات والنساء ونور كانت متأبطة ذراع والدتها تشعر بالرهبة من الزحام حتى أن عينيها كانت تتلفت في كل الزوايا متربصة ليد خبيثة تريد إستباحة جسدها مرة أخرى

أخيرًا خرجوا من المحطة ليجدوا محفوظ وشقيقه محمد وابنيه يوسف ويونس وياسر كذلك في استقبال الجميع، هم الجميع بالترحيبات والتهليلات ليس وكأنه مر فقط أسبوعين على لقائهم ببعضهم

بينما اقترب ياسر من عمه علي هامسًا له بشئ جعل ملامح الآخر تتحول للذهول والصدمة في آنٍ واحد وهو يقول :

-طب اتعور واعر؟!

جذب انتباه صفية ملامح زوجها فاقتربت منه متسائلة :

-فيه ايه يا علي؟ حاجة حصلت؟؟

-موتسيكل خبط عربية حمزة وهو اتعور وأخته وولدها الصغير

حوقلت صفية بصوت مرتفع ثم هتفت مذعورة :

-مِيته "أمتى" حصل ده، وواعرة الحادثة وخدوهم المستشفى ولا حاجات خفيفة يا ياسر

اقترب محفوظ منهم بعد أن ترك شقيقه وابنيّه يتوليان أمر المواصلات التي ستنقل الجميع إلى بنايتهم :

-قولتلهم يا ياسر

نظر نحو علي وزوجته ثم أضاف :

-متخافوش الحمد لله ربنا ستر وجات على كسر وكام كدمة وجرح وخرجوا من المستشفى بالليل

وفور نطق كلمة مشفى حتى أخذ يتساءل أخوة علي عن الأمر وسرعان ما انتشر الخبر بين الموجودين ووصل لنور التي كانت تجلس في إحدى سيارات الأجرة التي تحمل إحدى عشر راكب فأتاها صوت ابنة خالها وهى تقول :


-نورهان مش جوزك اسمه حمزة؟!

آماءت لها الأخرى بإيجاب ثم قالت وهى تسترق النظر لخارج السيارة :

-ايوه هو جه؟؟ مشوفتوش معاهم

-شوفتي ايه ده بيقولوا عمل حادثة عشية ورجله اتكسرت

اتسعت عينيها بصدمة جعلت لسانها يصمت عن الحديث ليس فقط لوقع الخبر عليها بل لأنها منذ عدة أيام حلمت بعد صلاتها للفجر أن حمزة قد كُسرت قدمه أثر حادث ومن شدة واقعية الحلم شعرت أنها رؤية مستقبلية ستحدث في المستقبل وها هى قد حدثت

علت أصوات النساء من حولها يستفسرن عن حالة حمزة الآن وعن إن كانت الإصابة خطيرة بينما هى هبطت من السيارة تبحث عن والديها لربما لا يدريان بالخبر بينما أخذت أصوات النساء تتعالى بطريقة مزعجة فأتاهم ماهر يصيح بغضب :

-فيه ايه صوتكم عالي والناس كلها بتبص علينا إحنا

وتحدثت زوجته جهاد قائلة :

-هو خطيب نور صِح عمل حادثة ورجله اتكسرت؟!

-ايوه وبطلوا كلام علشان طالعين بالعربيات دلوقتي، تعالي يا نور ادخلي

ختم حديثه جاذبًا نور بخفة حتى تصعد معهم فامتثلت الأخرى له وصعدت بالفعل وهى تفكر، فكرت في الاتصال به ولكن هى في زحام العائلة وكل الآذان ستكون معها فشعرت بالحرج من فكرة الإتصال

صعد يونس إلى جانب ماهر في الأمام ثم طلب من السائق التحرك بينما هو نظر نظرة سريعة إلى النساء من خلال مرآة السيارة الأمامية، وعندما وجد شروق معهم فتح هاتفه ثم من بعده تطبيق الواتساب مرسلًا إليها برسالة أخرى غير التي لم تجب عليها منذ ليلة أمس أو هى أجابت ولكن إجابة مختصرة وكأنها مجبرة عليها

يعلم أن وضعه معقد معها وهو يهملها منذ تمت خطبتهما بشكل رسمي، ولكنه كان مشغول كثيرًا حتى عن النوم بشكل طبيعي والأمر حقًا ليس بيده

"شكلك حلو بالنضارة الجديدة دي"

حسنًا لا يدري أقد اشترت نظارة جديدة أم لا ولكن إن لم تكن ستجيب عليه، وإن كانت ستجيب أيضًا عليه ولكن بإقتضاب

وصلت لها الرسالة دليلًا على أنها متصلة بالإنترنت الآن وكما توقع أجابت عليه بطريقة ساخرة لا يدري لما سمعها بصوتها

" انا مش جايبة نضارة جديدة"

"بجد يمكن اتلخبطت من الكاب اللي انتي حطاه على دماغك ده"

لم تجب عليه ولو بإيموجي حتى فأرسل لها بشكل مباشر ودون التطرق لمقدمات هو لا يطيقها

"شروق انتي مضايقة مني ليه ومن غير إسال نفسك ومن غير لو انت مهتم كنت عرفت انا قولتلك انا راجل مباشر"

"انا لا شايفة منك لا مباشرة ولا ملاوعة، مش شايفة منك أي حاجة، أكتر من عشر أيام رقمك مظهرش على تليفوني"


"كنت في شغل يا شروق حتى نوم بالعافية كنت بلاقي وقت أنام "

" والمفروض حياتك كلها على كده؟؟ "

" لأ في المهمات الشديدة والمهمة بس، ده انا حتى اترقيت مفيش مبروك "

" مبروك "

رد مختصر بشدة ثم بعدها أغلقت إتصالها بالإنترنت فحدق في الهاتف بغضب من الأسلوب الذي تستخدمه وهو لا يأتي أبدًا بهذه الطريقة، رن عليها فصدح رنين هاتفها في الأجواء وهذا ما جعلها تغلقه بسرعة محدقة حولها بحرج لتقول والدتها :

-مين يا شروق؟؟

-٠١١ يا ماما الشركة

أرسل رسالة أخرى تقول بعد أن رآها عادت متصلة بالإنترنت

"متقفليش في وشي غير بعد ما تقولي مع السلامة علشان مزعلكيش"

"لا انت اللي بس علشان مزعلكش"

عض طرف شفتيه بإعجاب شديد لعنف هذه الفتاة ثم أرسل

"طب استني ننزل من العربية ونشوف مين هيضرب التاني"

"يونس"

وجب أن يلحق بهذه المناداة كلمة نعم، ولكن توقفت أنامله لبرهة قليلًا ثم أرسل

"نعم يا عمري "

كم بدا سخيفًا وهو يرسل كلمة" عمري" هذه لم يقلها لوالدته حتى يقلها خطيبته، ولكن كما يقول حمزة الفتيات يعجبهن هذه السخافات، أراد النظر إليها ليرى رد فعلها ولكن وجود ماهر بجانبه منعه من هذا، فقد يظن أنه ينظر لنساء عائلته

انتظر إجابتها على أحر من الجمر لترسل له آخر ما توقع

"اتلم واحترم نفسك يا يونس"

"اتلم علشان قولتلك يا عمري؟! تصدقي انا غلطان انتوا أصلًا جنس مكلكع وغير مفهوم يعني أقول كلام حلو مش عاجب أقول دبش مش عاجب متكلمش خالص مش عاجب"

وصل له صوت قهقهتها من الخلف فعض على خده من الداخل مكافحًا كبت بسمته خاصةً عندما قال ماهر بعصبية لضحك شروق الغير مبرر :

-ايــــه فشتك عايمة يعني؟! "مثال يقال لكثيري الضحك"

ضمت الأخرى شفتيها بحرج قائلة :

-معلش معلش قريت حاجة تضحك على التليفون

إدعى يونس أنه لا يهتم بكل ما يقال ويركز فيما يفعل، وإخفاضه لإضاءة هاتفه ساعدته في أن لا يعلم ماهر ما يفعل

حاولت شروق إدعاء الثبات وتركت الهاتف قليلًا لأن والدتها صبت اهتمامها معها وبدون مقدمات همست لها :

-بتكلمي مين؟؟

وبكل صدق أجابت بنفس النبرة :

-بكلم يونس


-وايه اللي يضحك قوي كده

هى لا تفعل شئ خاطئ لذا أعطت الهاتف لوالدتها حتى تقرأ المحادثة فأخذته الأخرى منها وهى واثقة أن ابنتها لا تفعل ما هو مُشين، ورغم هذا أرادت الإطلاع على أسلوب خطيب ابنتها وترى ان كان جرئ في كلامه معها أم يحترم كونهما في علاقة ليست كاملة

قرأت رسائله وصعدت لأعلى وقد لاحظت أن ابنتها أرسلت الكثير من الرسائل منذ عدة أيام وهو لم يرد عليها، غير مواجهة شروق له بقلة اهتمامه بها، أشارت والدتها للهاتف متسائلة بنبرة منخفضة :

-دي لما هو كان في شغل ومكنش عارف يرد عليكي؟؟

آماءت شروق بصمت ثم قالت تشكو لوالدتها منه :

-حاسة إني آخر اهتماماته يا ماما

-ليه ما هو بعتلك أول ما بقى فاضي

-وليه مبعتش ولو رسالة يرد بيها عليا، ممسكش تليفونه خالص!؟

-شروق هو مش شغال في شركة ولا شغلانة عادية وهينة، شغله صعب يا بتي وأكيد ده مخليه يهتش من هنا لهنا، وهو قالك مكنش عنده وقت ينام اعذريه

عقلها الطائش العشريني لم يقتنع بهذا عكس والدتها الأربعينية ذات العقل الراجح والخبرة الواسعة، لذا قالت شروق بعدم إقتناع :

-يعني رسالة واحدة مكنتش هتضر يعني

-انا شايفة إنك لازم تكوني صبورة معاه، ايوه شغله ده جه على غفلة بعد ما اتخطبتوا بكام يوم في أكتر وقت كان كلامكم المفروض يبقى فيه كتير زي أي اتنين مخطوبين جداد، بس ده مش بإيده وهو أول ما بقى فاضي كلمك علطول متبقيش ناشفة

-ماما هو مفيش أنشف منه في الكلام، بسحبه منه بالعافية مش عارفة ليه مش زي ولد عمه

استدارت لها والدتها بعنف وحدجتها بعصبية هامسة :

-شروق هقولك نصيحة تاخدي بيها بيتك هيبقى زي الفل، متخديش بيها هتعيشي في نكد من عمايل ايديكي انتي، إياكِ يا بتي تقارني جوزك براجل تاني، راجل عن راجل يختلف، راجل يعرف يقول كلام حلو وراجل لأ، راجل يفهم دماغ الست وراجل لأ وعلى حسب نوع جوزك انتي تعرفي تعوديه عليكي، متجبيش النكد لنفسك ولبيتك يا شروق خليكي ناصحة وصابرة، ومتشكيش منه كتير اشتكي ليه

-يعني ايه؟؟

-يعني مش كل حاجة تحصل بينكم تشكي ولو هو غلط في حقك قوليله في وشه لو هو عاقل وعرف غلطته بعد ما فكر فيها هيرجع ويبوس على راسك، لو زاد عن حده ومعرفتيش ترجعيه اشتكي لأبوه وأمه علشان إحنا وقتها هنبقوا بعيد عنك

ابتسمت شروق بسمة واسعة لطريقة والدتها في إلقاء النصائح قائلة :

-ماشي يا ماما هعمل بالنصايح دي، ماعدا لو غلط في حقي اقوله انت غلطت فيا، انا هفتحله راسه علطول


بعد ساعة ونصف بسبب زحام الإسكندرية صباحًا اصطففن السيارات عند مدخل البناية ليكن في استقبالهم أسماء وعبلة وعثمان وابنه كريم، وأول المتقدمين نحوهم كان علي الذي صافح عثمان قائلًا :

-ألف سلامة على ولدك وبتك يا دكتور عثمان

آماء له الآخر مبتسمًا بسمة مرهقة لأجل سهره البارحة بجانب أبنائه :

-الحمد لله ربنا سترها وجات في العربية

عم الصخب في المكان خاصةً عندما طلب محمد من يوسف ويونس وكريم أن يساعدوا الشباب في نقل الحقائب إلى الشقتين اللتان قاموا بتجهيزهما من أجل أن يمكث بهما أبناء صفوان وأُسرهم

هبطت نور من السيارة متجهة نحو والدتها ثم وقفت بجانبها موجهة حديثها لعثمان إذ قالت بأسف شديد :

-ألف سلامة على حمزة يا عمي هو فين دلوقتي

-قاعد فوق تحبي تطلعيله

صمتت نور ثم نظرت إلى والديها تطلب منهما الأذن لتقول صفية بنبرة جادة إجتماعية :

-نطلعوا إحنا كمان علشان نطمنوا عليه، تعالي يلا وشوفي أختك فين وهاتيها معاكي

نادت نور على عائشة حتى تأتي معهم بينما تحركت هى خلف والديها وعثمان حتى ترى زوجها المصاب ويبدو أن لا شئ مما كانت تتمنى سيتحقق، إذ كانت تريد زيارة معالم مدينة الإسكندرية معه كما وعدها خاصةً مكتبة الإسكندرية ومدينة الألعاب، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

وها هى مصيبة جديدة تستقبلهم

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

جذب يدها بخفة قبل أن تدلف إلى الشقة المخصصة للنساء ومنعها من الدخول ثم قال :

-استني يا براءة عايز اتكلم معاكي

مدت الأخرى جسدها للداخل قليلًا منادية على والدتها :

-ماما ثواني هتكلم مع يوسف

ابتسم بتعجب لما فعلت ثم هتف متسائلًا :

-كان لازم تستأذني يعني؟!

-ايوه طبعًا علشان يبقى عندها علم

آماء يوسف بإقتناع ثم نظر إلى الأعلى قائلًا :

-تحبي نطلع فوق؟!

-فوق فين؟؟

-على الروف

نطق بها بحسن نية فأخذت الأخرى تحدق به بريبة قائلة :

-وليه يعني على الروف ما تقول اللي هتقولوا هنا

-هو انتي خايفة ولا ايه؟! علفكرة انتي مراتي

رفضت براءة بذوق أجل هى زوجته ولكن لم يكتمل زواجهم بعد حتى يذهبوا إلى مكان دون استئذان من أحد، هى حتى هذه اللحظة لا تزال تحت إمارة أبيها وليس إمارته لذا عليها أن تتعامل معه بتوجس ولكن بأريحية حتى لا تكون متشددة أكثر من اللازم :


-معلش يا يوسف نتكلم هنا أحسن

نظر الآخر إلى داخل الشقة قليلًا وقد كُن النساء منشغلات في تقسيم المكان عليهن فقال بخفوت :

-سمية ماتت من تلات شهور

ضمت الأخرى حاجبيها بإندهاش مرددة :

-ماتت ازاي؟؟

-سكتة قلبية وانا لسه عارف من الممرضات لما سألت عليها، ده معناه إن مش هى اللي عملت كده

-ما ممكن تكون هى عملته فعلًا ولسه شغال لحد دلوقتي

-هو مش المفروض السحر يبطل لما يموت اللي عمله؟؟

-مش عارفة يا يوسف معنديش معلومات كتيرة عن الموضوع

فرك يوسف جبينه ثم قال :

-طب انتي لسه تعبانة؟؟

-لأ كويسة الحمد لله بس لما أبطل أقول الأذكار أو أراكم فرض على فرض اتعب والشيخ قالي التزمي بالأذكار والصلاة والقرآن ومشربش أو آكل حاجة من حد غريب أو حد انا شاكة فيه، ومدخلش برضو حد غريب أو بيكرهني أوضة نومي أو اديه حاجة من حاجتي علشان هى دي مداخل السحر

تنهد يوسف بتعب ثم بدون مقدمات وبشكل عفوي منه جذبها في عناق غير متوقع بالنسبة لبراءة ثم قال وهو يربت على حجابها من الخلف :

-ربنا يحميكي ويحفظك ليا من كل شر وأذى

خجلت براءة بشدة لمعانقته لها هكذا وقد حاولت إبعاده ولكن الآخر تمسك بها قائلًا بمعاتبة :

-علفكرة لسه مضايق علشان خبيتي عليا بس مش عايزة نزعل من بعض وفرحنا بكرة

تملصت من بين ذراعيه ثم عدلت حجابها بتوتر قائلة :

-أديك قولت بكرة فلو سمحت خليكي على بعد خمس متر لحد بكرة ده ما يجي

ابتسم على خجلها ولم يرد إحراجها أكثر خاصةً عندما فُتح باب المصعد وخرج منه يونس وكريم وياسر يحملون حقائب النساء كلها، فولجت براءة للداخل بسرعة عندما أخذوا يدخلون الحقائب وقالت ليوسف أن ينتظر قليلًا لأنها تريد إعطاه شئ

بقى معهن ياسر حتى يرى إن كُن يحتجن لشئ بينما خرجا يونس وكريم وأستقلا المصعد حتى يهبطا بالتزامن مع ظهور شروق أمامهما وقد همت بصعود المصعد ولكن توقفت عندما وجدته فراغ إلا منهما لذا قالت بحرج :

-خلاص هاخد السلالم

وضع يونس يده على الباب حتى لا يُغلق ثم قال :

-تعالي لسه هتنزلي ١٤ دور

-انزلهم عادي

همت بالإنصراف فجذبها يونس من ذراعها حتى تدخل وجعلها تقف بجانبه قائلًا :

-عنيدة انتي ما تسمعي الكلام من سكات

تفاجأ بها تضربه بعنف على زنده هاتفة بتمرد :


-إيدك يا بابا إيدك، متسحبنيش السحبة دي تاني

فرك يونس ذراعه مذهولًا من عنفها بينما ضحك كريم ضاغطًا على زر الهبوط قائلًا :

-حمزة معاه حق والله البنت دي هتربيك من أول وجديد

ضمت شروق ذراعيها إلى صدرها وأشاحت بوجهها الناحية الأخرى فقال يونس مقلدًا حركتها دون الإشاحة بوجهه :

-طب انتي مقموصة ليه دلوقتي!؟

-انا مش مقموصة

-لأ مقموصة

-قولت مش مقموصة

نطقت بها بحدة ثم نظرت نحو كريم قائلة :

-إحنا مش هنتخانق قدامه

ونظر الآخر نحو كريم الذي كان يستند بظهره على حائط المصعد ثم قال بلامبالاة :

-ده كريم عادي

ضحك كريم بخفة ساخرة، مقلدًا أحد الأفلام المصرية لكريم عبد العزيز وهو يقول :

-دي ماما عادي

قلبت شروق عينيها متنهدة ثم قالت :

-انا مش مضايقة بس....

قاطع الآخر حديثها وهو يحدق في كفيها بريبة :

-هو ايه اللي في ايديكي ده؟! طفح جلدي!!

اتسعت عيني شروق بصدمة صائحة بصوت مرتفع :

-انت بتقول ايــــه دي حِنا يا يـــونــس

اخرج كريم من فمه صوتًا مستنكرًا ثم قال :

-يونس حرفيًا انت زيرو في فهم التعامل مع الجنس اللطيف، انت مش هتنفع في العلاقة دي، سيبيه يا بنتي بدال ما يجيبلك تروما

ضحك يونس ضاممًا كفيه حول خصره ثم قال ببسمة يوجهها لها :

-علفكرة عارف إنها حناء بس عايز انكشك بدال ما انتي مصدرة بوز البطة ده

-وعلفكرة انت كده مش بتحل انت بتعقد

نطق بها كريم من خلفه معترضًا على هذا الأسلوب فإستدار له يونس نصف إستدارة، محدقًا به بشر :

-كريم انا بعتبرك ألطف واحد في العيلة دي بعد إسماعيل متخلينش أحطك في الليستا السودة اللي حاطط فيها أخوك

رفع الآخر منكبيه مخرجًا مفاتيح دراجته عندما رأى المصعد يقترب من الطابق الأرضي :

-وعلى ايه يا عم انا هاروح الشركة علشان ألحق التدريب

-شركة ايه؟؟

-ما عقبال عيالك هتعين في شركة الأدوية اللي ابويا شغال فيها، بس تقريبًا هيشغلوني مدرس مش صيدلي، بعلم بنت صاحب الشركة اللي جاية من ألمانية اللغة العربية

توقف المصعد فخرج منه وقد لحقت به شروق قائلة :

-هو انت بتعرفي ألماني؟؟


همهم كريم بإيجاب فقالت الأخرى متعجبة :

-هو انت خريج ألسن ولا صيدلة!؟

-صيدلة بس اخدت كورس ألماني وكمان انجلش علشان أحسن اللغة وبشوف دلوقتي كورس لاتيني

أخرجت شروق من فمها صيحة مذهولة ثم أضافت :

-واو بجد علفكرة دي حاجة ممتازة إنه يبقى معاك كذا لغة خاصةً في مجال الأدوية، بس معلش سؤال هو اشمعنا اللغة الألمانية بالذات مع إنها مش بالشهرة العالية زي الانجلش والفرنساوي

رفع الآخر منكبيه مجيبًا عليها غير منتبه لنظرات يونس المتابعة لهذا الحوار الذي لا يعجبه _من وجهة نظر يونس_

-بحب اللغة الألمانية وتعلم اللغات عامةً وكان نفسي ادخل ألسن بس نصيبي أدخل علمي ومن بعدها صيدلة، صحيح انتي مش هتحولي ألسن؟؟

-ألسن مين يا ابني اتضحلي إن لازم مجموعي في الثانوية يكون متوافق مع التنسيق وانا مجموعي قِبل الآداب بس، فشكلي هقعد في كلية الآداب، بس هحول من علم نفس للغات وجبت معايا ورقي علشان أقدم

-نفسك تدرسي لغة ايه بقى؟؟

همت الأخرى بالإجابة عليه فصاح يونس من بينهما بعدم رضا لهذا الحوار الطويل :

-والله انا شايف تقعدوا وتكملوا بدال ما انتوا واقفين كده وامشي انا علشان شكلي عزول ما بينكم والحوار شكله شيق ومطول

دفع كريم الذي أخذ يقهقه لخارج مدخل البناية وهو يقول :

-يلا يا كريم مش وراك تدريب يلا روح اتكل على الله

-ماشي طيب بس متزوقش

ختم حديثه ثم صعد إلى دراجته التي ركنها صباحًا أمام البناية ليقول يونس مناديًا عليه :

-براحة وانت سايق لأحسن تعمل حادثة انت كمان مفيش فيا حيل ألف في المستشفيات تاني

-حــــاضر

نطق بها بصوت مرتفع حتى يسمعه ثم رحل لتقول شروق وهى تفكر بصوت مرتفع ونظرها قد تركز على تلك الدراجة الحديثة :

-نفسي أركب موتسيكل والله

أدار يونس رأسه لها رامقًا إياها بحدة ثم قال :

-عايزة تركبي وراه يعني ولا ايه؟!

-لأ وهو انا قولت كده

-أومال ايه يعني!؟

زفرت شروق بضيق ثم قالت :

-هو انت عايز تتخانق وخلاص

وعقد الآخر ذراعيه أمام صدره هاتفًا بتذمر ينبع من غيرته عليها :

-لما تتكلمي مع حد غيري بتبقي في قمة الإحترام، ولما اتكلم انا معاكي بترمي عليا دبش وتحرقي دمي


-يا راجل ده على أساس إن لسانك بينقط عسل وبيرمي ورد؟! ده انت لسه قايل على الحناء بتاعتي طفح جلدي يا يونس

ختمت حديثها وهى ترفع كفيها أمامه بعصبية فحدق يونس في يديها المرسومتين ببراعة وقد لفت انتباهه اسمه بين الرسومات المنحنية مكتوبًا بالإنجليزية فقال بمكر :

-حلوة الرسمة واسمي محليها

ضمت بسرعة كفيها خلف ظهرها بخجل شديد متناسية اسمه الذي طلبت من الفتاة نقشه على كفها بخط رفيع حتى لا يراه أحد، ولكن يونس شديد الملاحظة بدرجة عالية وبالطبع لاحظه

تحركت بسرعة من أمامه متجهةً إلى خارج البناية فنادى عليها يونس قائلًا :

-استني انتي رايحة فين

-رايحة عند بابا

نطقت بها بسرعة وهى تكمل في طريقها دون توقف وكأنها تهرب منه فلحق بها يونس بسرعة صائحًا باسمها :

-استني يا هبلة ابوكي فين ده اللي رايحة عنده، ابوكي قاعد مع الرجالة في الشقة اللي في الدور العاشر

توقفت بسرعة ضاربة جبينها لشدة بلاهتها ثم قالت بصوت غاضب تخفي به حرجها :

-انا أصلًا كنت نازلة الدور العاشر بس انت اللي قعدت ترغي معايا لحد ما نزلنا الأرضي

أشار يونس لنفسه ضاممًا ضحكته على غضبها اللذيذ ووجنتيها المنتفختين لتدلف شروق مرة أخرى للداخل ثم طلبت المصعد، لحق بها مرة أخرى فهو كان سيهبط الدور الرابع ولكن كريم ضغط على الأرضي

هم بالصعود إلى المصعد الفارغ فمنعته بسرعة من هذا قائلة :

-رايح فين كده هتبقى خلوة!!

-في الأسانسير؟! ده كام دور بس مش هلحق أعمل حاجة ده لو فكرت أصلًا

تجاهلت تلميحاته الوقحة مثله ودفعته من ظهره للخارج ثم ضغطت على الطابق العاشر وقبل أن ينغلق الباب قالت :

-انت ظابط وعندك صحة ومتعود إطلع انت السلم

انغلق المصعد وبدأ بالصعود فانفجر يونس في الضحك وكم ود أن يأخذ صورة لوجهها الذي يكسوه الغضب والخجل

كم يحب تلك الفتاة وكم يعشق رؤية غضبها، خاصةً رؤية شفتيها المذمومتين اللتان يتبعانها انتفاخ خديها فتصبح في مظهر لذيذ يدفعه لفرك وجهها بكفه، أول ما سيفعله بعد عقد قرانهما هو أنه سيفرك وجهها الناعم هذا بين كفيه الخشنين

عجبًا كم هو عنيف حتى في حبه؟!

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

ولجت مع شقيقتها إلى هذا المكان الممتلئ بالنساء وجمعيهن على وجوههن غضب الله وكلًا منهن تخوض في سيرة غيرها، وحين ترى كل هذا العدد تشعر أن لا خير في نفوس البشر فكل هؤلاء إما حضرن من أجل فك سحر أو لعمل سحر


تقدمت نحو ذلك الرجل الأسمر النحيف ثم قالت شقيقتها ذات الشخصية المتجبرة بنبرة جادة صارمة :

-إحنا عايزين ندخل للشيخة نوال

رفع الآخر عينيه الضيقتين لها ثم قال بنبرة عادية :

-ادفعي واستني دورك

-كام؟؟

-٨٠٠ جنية

وصاحت به الأخرى بنبرة سوقية رغم أنها متعلمة تعليم متوسط ولكن أي تعليم هذا الذي يفلح حين يتغلب الشيطان على عقل الإنسان :

-٨٠٠ جنية ده ايه هو إحنا هنعمل عملية؟؟ ما من أسبوعين تلاتة كنا هنا وكان بـ ٥٠٠ بس

-وطي صوتك يا مدام

-آنسة يا اخويا

-طب وطي صوتك ولو مش عاجبك روحي لحد تاني بس الشيخة أعمالها فعالة واسألي

وأجابته هى هذه المرة وهى ترفع طرف حجابها الملتف على نصف رأسها بعشوائية فلا هو يخفي ولا يستر :

-وإحنا نسأل ليه إحنا جايين نقولها العمل اللي دفعنا فيه ٣٠٠٠ جنية منفعش والبنت هتتجوز الواد بكرة

-يبقى انتي معملتيش اللي قالت عليه الشيخة بالظبط

-ما هى اللي عملت قدامنا مش إحنا، بس الموضوع منفعش والبت شوفناها واقفة صاخ سليم مفيهاش حاجة يبقى الغلط بقى على مين

نفخ الآخر بضجر ثم قال :

-طب خلاص ادفعوا واستنوا الدور كفاية رغي، هو يعني مش كفاية الزن اللي حوالينا

تقدمت مع شقيقتها إلى إحدى الزوايا حتى يجلسن فيها ثم قالت بقلق :

-انا خايفة يا كاميليا أمك تعرف

وأجابتها الأخرى بنبرة مستهزئة :

-وهتعمل ايه يعني دي أمك خبرة أكتر مننا في المواضيع دي، انا بس هموت وأعرف العمل مشتغلش ليه ده انا دافعة فيه دم قلبي

أدارت الأخرى نفسها لها هاتفة بجدية :

-ما تسيبك من يوسف يا بنتي وتطلعيه من دماغك ده خلاص هيتجوز بكرة، وكمان أبوكي وحماده جوزي خلاص شهرين ويبعتولنا انا وانتي وماما ونسافر في الإمارات ونعيش هناك، يعني هنشوف دنيا تانية ومش بعيد تمسكي شغل في مستشفى نضيفة هناك وتنسي يوسف خالص

نفت الأخرى برأسها وهناك شيطان متربع داخل عقلها يوسوس به :

-لأ مش هسيبه ليها وأخليهم يتهنوا، حتى لو هسافر هطربقها على دماغهم هما الإتنين

ظلتا جالستين مكانهما إلى أن أتى دورهما وولجا إلى داخل غرفة فسيحة معلقة على جدرانها اقنعة مخيفة وسبح خشبية وجوزية، وأدخنة البخور تنتشر في الأرجاء تصيب الأنف بالاختناق


وفي وسط الغرفة تجلس امرأة ذات شعر رمادي منتفش وتربط رأسها بعصبة سوداء لون ملابسها الواسعة، وتجلس ثانية وركيها على مخدة كبيرة وتعكسهما كلًا في إتجاه معاكس

كان شكلها مريبًا، مريعًا، خاصةً بهذا الكحل السميك حول عينيها والنقش الأخضر فوق جبينها وعلى ذقنها، وللمرة الثانية إرتابت منها وأرادت الخروج

ولكن كاميليا ذات الشخصية الحادة والتي ورثتها من والدتها جذبتها معها للداخل رغمًا عنها وجلستا بجانب تلك المدعوة نوال في جلسة ثلاثية

ابتسمت نوال بسمة مريبة زرعت القلق في كلاهما ثم قالت :

-العمل مشتغلش صح؟!

كانت كاميليا من الفطنة التي تجعلها تدرك أن ذلك الأسمر النحيف هو من أخبرها بهذا فقالت :

-آه مشتغلش والبت هتتجوز يوسف بكرة، مش انتي قولتيلي لو جبت حاجة من قطرها واسم ابوها وأمها هتعرفي تعملي العمل؟!

-حصل والعمل اشتغل بس بطل بعد كده

-لـــيــــه

صاحت بها بطريقة إندفاعية فنظرت لها الأخرى نظرة مخيفة جعلتها تتراجع فيما قالت لتسمع شقيقتها تقول بتوتر :

-قومي يا كاميليا نمشي

-لأ انا مش همشي لحد ما أفهم هما هيتجوزوا ازاي وليه وانا دفعت ٣٠٠٠ علشان اكرهّا فيه

تحدثت الدجالة المدعوة نوال قائلة :

-البت عرفت إن معمولها سحر وأكيد فكته أو اتعالجت وطالما اتعالجت يبقى اتحصنت ولو عملنا عمل زي ده كمان مش هينفع

قرضت الأخرى اظافرها بشكل مرضى ثم قالت :

-طب والحل؟؟

-نعملها عمل تشربه هيبقى أسرع، بس ده بقى أغلى

ختمت حديثها وهى تفرك إصبعيها السبابة والإبهام بطريقة معاكسة فقالت كاميليا بتركيز :

-بكام؟؟

-بكام ايه انتي كمان وانتي هتشربيها ازاي؟!!

صاحت بها شقيقتها فنكزتها كاميليا في جانبها حتى تصمت قائلة :

-اسكتي وانا هشوف حل بكرة ابقى اشربها في الفرح على أساس مياه أو عصير وهى من الدوشة مش هتاخد بالها... ها يا شيخة قولي كام

-بتمانية

-٨٠٠٠ جـنـيــه؟؟!

صاحا كلاهما بهذا الرقم العالي لتقول شقيقة كاميليا وهى تدعوها للوقوف :

-قومي يا اختي، ليه يعني عشر تلاف جنية ده قد مرتبك كله وأزيد

-بس العمل ده مش عادي معاه مارد هيبقى لازق في حياتها هيخليها لا طايقة جوزها ولا بيتها ولا صوت حواليها، هيجننها من الآخر وهى اللي هتطلب الطلاق علشان تخلص منه


لم يعجبها الأمر واستقامت بالفعل وتحركت نحو الخارج ولكن لم تجد كاميليا خلفها بل ظلت مكانها تفكر مليًا في الأمر ثم قالت بإستفسار :

-يعني لو العمل اشتغل يطلقوا في قد ايه؟!

-على حسب مقدرة البت وصبرها بقى، وفك السحر ده صعب مش ساهل

همهمت كاميليا برضا كامل عن هذه الإجابة ثم قالت بطريقة مغيبة عن الواقع :

-تمام هاتيه بس عايزة ميتشتغلش علطول علشان لو حد شافني ميشكش، حاجة كده تشتغل بعد أسبوع مثلًا

-مفيش حاجة اسمها كده، طالما العمل مشروب يبقى هيبدأ أول ما بيتاخد، بس ممكن أخليه يتأخر حبتين وده أغلى يا حبيبتي

فكرت كامليا كثيرًا ثم قالت بجدية :

-تمام هاتيه الأغلى ده

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

ارتشف القليل من كوب النسكافيه الماكث بين يديه وعينيه على التجمع الكبير أمام مدخل بنايتهم ومن هذا التجمع علم أن عائلة صفوان قد وصلوا من الصعيد وأتت معهم زوجته الجميلة التي قد تلج في اي لحظة الآن

لذا اختار شرفة البهو حتى تكون بعيدة عن تجمع العائلتين وينفرد هو بنور ولو قليلًا قبل انشغالها مع ابنة عمها، رن جرس الباب فتوجس في جلسته يرى شقيقته الخرقاء تركض بخصلات شعرها حتى تفتح الباب دون تكلفة نفسها وإرتداء حجاب فلم تعتد بعد عليه

علت الأصوات في البهو وصوت والدها يصدح وهو يدعو علي وأسرته للدخول ولولا هذه الجبيرة لأستقبلهم معه، استمع لصوت والده وهو ينادي عليه فقال بصوت مرتفع :

-انا في البلكونة يا بابا

أمسك بالعكاز الطبي الذي يستند عليه حتى يستطيع السير به وهم بالوقوف فمنعه علي وهو يلج مع زوجته مردفان بنفس الجملة التي سمعها عشرات المرات منذ ليلة أمس حتى الآن :

-ألف سلامة عليك يا حمزة مش تاخد بالك يا ولدي

نطقت بها صفية بنبرة أمومية جعلته يتبسم ثم قال :

-الحمد لله على كل حال والكسر ده أهون من غيره، ده الولد اللي كان سايق المكنة هو اللي راح فيها

وكزت صفية ابنتها عائشة حتى تتحدث وتتمنى السلامة لزوج أختها فزفرت الأخرى لإحراجها قائلة :

-ألف سلامة عليك

آماء لها حمزة بخفة لتنسحب عائشة للخلف وتظهر نور من خلف والدها مرتدية كاب أبيض أخفى عنه عينيها الجميلتين، ثم سمعها تقول بصوت خفيض ناعم :

-ألف سلامة عليك يا حمزة

أفضل جملة "ألف سلامة" سمعها حتى الآن جعلته يبتسم لنور بسمة متسعة ومد يده لها هاتفًا بمكر خفي وتعجب مصطنع :


-طب سلمي طيب

مدت له يدها بسرعة فأمسك بها بقوة متحسسًا نعومتها وترفها أسفل كفه ثم نظر لعينيها التي إلتمعا لونهما الفاتح بسبب ضوء الشمس القوي حولها، شعرت نور بالحرج وأبعدت عنه عينيها فقال حتى تنظر إليه ضاغطًا على يدها والأخرى أمسك بها العصا :

-معلش أسند عليكي علشان أقف لباباكِ

اعترض علي ودفعه للجلوس كما كان قائلًا بنبرة سريعة لم يفهم نصفها :

-لا متقومش خليك قاعد، ولا أقولك قوم انت ايه اللي مقعدك في الشمس رجلك هتصِلّ عليك على كده

تعجب من تلك الكلمة فنظر لوالده حتى يترجم فقال عثمان :

-الكسر هيتعبك من الشمس كده يا حمزة تعالى أُقعد جوا

-لأ انا عايز أقعد هنا في الهوا شوية تعبت من القعدة على السرير، واستأذنك يعني يا عمي علي نور تقعد معايا

همهم علي بتفكير ثم قال مشيرًا للداخل :

-ماشي وإحنا هنكونوا جنبكم جوا

قبضت نور على حقيبة بلاستيكية بيضاء في يدها ثم جذبت مقعد وجلست في المقابل له وقد وضعت حقيبة ظهرها على قدميها والبلاستيكية أرضًا أسفل نظرات حمزة المتابعة من ثم قالت متسائلة :

-انت عملت الحادثة ازاي؟؟

-كنت واقف قدام العربية ومكنة خبطت فيها من وراء فالعربية طلعت لقدام وخبطت في رجلي، انا خوفت على غادة ولؤي جوا العربية ولما اتحركت كانت مكنة تانية جاية من الناحية التانية من الطريق بس ربنا ستر ومدخلتش فيا كان زماني في حالة صعبة دلوقتي، السواق حاول يتفادى فوقع والمكنة مالت وخبطت في رجلي مرة كمان فاتكسرت وحصلها تورم

نظرت إلى جبيرة قدمه متمتمة بخفوت :

-الحمد لله جات سليمة، وغادة ولؤي كويسين؟؟

تنهد حمزة بأسف ثم قال :

-لؤي رأسه اتعورت علشان طفل وأخد كام غرزة، غادة هى اللي حصل معاها كتير علشان أكتر واحدة أثرت فيها الخبطة علشان كانت قاعدة من وراء

-اتعورت قوي أو اتكسرت؟؟

-لأ كدمات ورضوض، بس في المستشفى قالوا إنها كانت حامل وسقطت لأنها لسه في بداية الشهر التاني

حوقلت نور وهى تمد عينيه ناحية البحر ثم عادت بنظرها لحمزة حين أكمل بأسى :

-نايمة جوا من وقت ما خرجنا من المستشفى ومش راضية تكلم حد، غادة خلفت لؤي بس ومن بعدها محصلش حمل تاني وإسماعيل دكتور نسا وكشف عليها وملقاش فيه مشكلة حتى كشفوا عن دكاترة تانيين ونفس الإجابة مفيش مشاكل والدنيا طبيعية عندهم هما الاتنين بس برضو محصلش حمل لسنين كتير، هى مكنتش تعرف إنها حامل وانهارت لما عرفت إنها كانت حامل وسقطت من قوة الخبطة


-إستغفر الله يمكن مكنش هيكون ولد بار ليهم وهيتعبهم علشان كده مات، متسيبوهاش وحدها في وقت زي ده

مسح حمزة وجهها بضيق لكثرة الأحداث السيئة التي حدثت البارحة ولكن لم يدع هذا يؤثر على مقابلته لنور إذ ابتسم لها بحب قائلًا :

-سيبك انتي، لقد اشتقت لكِ زوجتي

لم تعد تخجل كثيرًا كما السابق بل تبتسم له وتحدق به بهاتين العينين العسليتين دون جواب، مد يده وجذب قبعتها تلك وتركها على جنب قائلًا :

-مخبية عينيكي بلاش منها

نظرت الأخرى نحو الشمس الساطعة بقوة ثم قالت :

-الشمس سخنة انت أصلًا مستحمل تقعد هنا ازاي؟؟

-والله شمسنا مش أسخن من شمسكم، ده انا هناك جالي ضربة شمس

-اممم هتبتدي تعمل تفرقة عنصرية علشان انا صعيدية وانت إسكندراني، ثم يا بابا شمسنا متعبة مكنتش جيت

ابتسم لها حمزة بسمة مشاغبة باتت تحب رؤيتها على وجهه، وتحب سماع كلامه، وتحبه هو شخصيًا :

-تعرفي كام مرة بابا يسافر مع عمامي الصعيد ويقولي تعالى معايا وانا اقوله لأ، لو كنت أعرف إني هلاقي قلبي هناك كنت سافرت من زمان

ردت له تلك البسمة ثم أضافت :

-ومين عارف مش يمكن لو روحت مكنش شوفتي ولا شوفتك، بس هو نصيبي يا حمزة إني آجي إسكندرية اللي انا كان شئ مستحيل اني اروحها وحدي، ونصيبي القطر يتقلب وتيجي بنت عمك اقابلها هناك وتاخدني وتدخلني بيتكم علشان البنات مكنوش في الشقة

تحولت نظرتها للضيق ونبرتها للتهكم عندما أضافت :

-وساعتها افتكرتني أخوك وضربتني على راسي

قهقه حمزة قهقهة صاخبة رجولية فاتسعت عينيها بصدمة مسترقة النظر للخارج قائلة :

-اشش وطي صوتك شوية

خفتت ضحكاته رامقًا إياها بعبث ثم قال :

-قلبك مش صافي من وقتها، بس تعرفي هفضل فاكر أو لقاء بينا من الموقف ده

-بس دي مكنتش أول مرة أشوفك فيها

عقد حاجبيه بتعجب فأسترسلت نور وبدا على ملامحها التذكر والشرود مع بسمة بسيطة ارتسمت على ثغرها :

-شوفتك في فرح إسماعيل، وفي فرح رحاب بعدها علشان دول المرتين بس اللي جيت فيهم إسكندرية

-ياااه ده فرح إسماعيل من تسع أو عشر سنين وفرح رحاب من سبعة، انتي لسه فاكرة ازاي؟!

أشارت الأخرى إلى شعره بعينيها مردفة بمزاح :

-الشعر ده ميتنسيش أبدًا

ضيق حمزة عينيه مع بسمة خبيثة قائلًا :


-بودار الفساد بدأت تظهر عليكي أهو

ضحكت نور بخفوت ثم أخرجت هاتفها تبحث عن صورة معينة وبعدها أرته إياها :

-الصورة دي من فرح رحاب بص على اللي من وراء في الصورة

أخذ منها الهاتف وأول ما وقعت عينيه عليه هو أحد أبناء أعمامها يلتقط صورة أمامية لنفسه "سيلفي" داخل قاعة وخلفه طاولة يجلس هو عليها رفقة يوسف ويونس غير منتبهين وقد كان ثلاثتهم في عمر الجامعة وأشكالهم كالمعاتيه وهذا ما جعله يضحك بقوة قائلًا :

-احيه على المناظر كنا لسه في الجامعة وكان شعري طويل حبتين في الفترة دي

نظرت الأخرى نحو شعره الناعم الذي يصل إلى اذنيه فقط :

-شعرك كده حلو لا هو طويل قوي ولا قصير قوي، كده تحفة

رفع حمزة خصلاته للأعلى بطريقة سينمائية جذبت لب نور وهى تسمعه يقول :

-منه لله يونس قصه على الآخر بس يصبرلي بكرة عند الحلاق يشوف هعمل فيه ايه

تجاهلت نور ما قال ولم تعلق ثم جذبت الحقيبة البلاستيكية من عند قدميها وأخرجت منها علبة هدايا ووضعتها أمامه مع بسمة بسيطة اعتلت وجهها وهى تقول :

-جبتلك هدية، هى حاجة واحدة بس علشان لسه مش عارفة انت نفسك في ايه أو بتحب ايه

ألتمعت عيني حمزة بسعادة وهو يفتح هذه العلبة وأول ما اصطدم في وجهه هو علبة عطر ولكن ليس نفس الاسم الذي يستخدمه لتقول نور ببسمة :

-بصراحة يعني ومن غير زعل ريحة عطرك تقيلة قوي فجبتلك النوع ده ريحته حلوة

فتح الزجاجة وشمها لتنقلب ملامحه للذهول فقالت نور متعجبة :

-مش حلوة؟؟

حمحم حمزة كاتمًا ضحكاته عنها :

-دي حريمي يا نور

بئسًا على هذا الموقف المحرج الذي وضعت نفسها به، حاولت جذب الزجاجة منه هاتفة بحرج :

-معلش البنت في المحل وقتها كانت مشغولة مع زباين تانيين وانا اختارت مع نفسي ونسيت موضوع حريمي ورجالي ده علشان مش بحب العطور ولا بفهم فيها، ومعنديش ذوق حلو زيك في اختيار الهدايا، هاتها هشتري واحدة غيرها وأشوف حد يفهم آخده معايا

أعطاها الزجاجة ثم قال :

-خليها معاكي لما نتجوز ابقى حطي منها في البيت ريحتها عجبتني

عجبًا بل تبًا لوقاحته

أخرجت من نفس الحقيبة قبعتين بلسان أو ما يدعى "كاب" كلاهما باللون الرمادي وقد كُتب عليهما "Amoureux" وعلى الأرجح هذه ليست كلمة انجليزية لأنه لم يفقه ترجمتها

نظر لها بإستفهام يراها تعرضهما أمامه قائلة :

-شوفت دول وعجبوني بصراحة وافتكرت تريند شوفته لاتنين متجوزين لابسين زي بعض، نبقوا نشتروا لبس متشابه في الألوان ونعملوا ماتشي ونتصور به لما نطلعوا نتفسـ

انقطع كلامها عندما رأته يخفض عينيه لقدمه المكسورة فأنخفضت معنوياتها متمتمة بخفوت :

-صح رجلك مكسورة ومش هتقدر تطلع

وضعت القبعتين داخل الحقيبة كما كانا ثم قالت بحرج غُلف بالإحباط :

-معلش انا آسفة ولا هدية نافعة، كنت بس عايزة أفرحك بحاجة زي الهدية اللي جبتهالي يوم كتب الكتاب

سارع الآخر في إبعاد الإحباط الذي اعتلى ملامحها مردفًا بجدية :

-قعدتك معايا دلوقتي في مكان واحد وانتي مراتي قدام الناس كلها أكبر فرحة وأحلى هدية انتي قدمتيها يا نورهان

ابتسمت لأنه يطيب خاطرها ولا تعلم المرة الكم هذه الذي يخطف قلبها بكلماته، حتى أنها خجلت لنظره لها بهذه الطريقة فقالت بتلعثم :

-مش بتقولي يا تورهـ.... نورهان كتير

-اممم عاجبني نورهان أكتر من نور علشان نادر سيكا، أما نور فنص البنات اسمها نور

جذب القبعتين وأخرجهما ثم قال بتفكير :

-يمكن مش هقدر افسحك زي ما وعدتك لظروف خارج إرادتي بس ايه رأيك نتصور بيهم هنا وأهو البحر ورانا والفيو من هنا تحفة، وكمان انا معايا طقم ماتشي أوي مع لبسك دلوقتي

نظرت بسرعة إلى ملابسها إذ كانت ترتدي جيب أسود من الشيفون وقميص نسائي من اللون النيلي يعلوهما حجاب أسود متسع :

-معاك طقم نفس الألوان؟؟

آماء بإيجاب وهو يستند على العكاز حتى يستقيم قائلًا :

-ايوه استني شوية هغير وراجع

نفت بسرعة برفض فهو متعب وفي حالة لا تسمح له :

-لأ استنى انت مش ضروري دلوقتي لما تخف، يعني انا هطير

-يا بنتي وانتي مالك انا اللبس ده مضايقني وداخل أغيره عندك مانع؟؟

تحرك نحو الخارج ولكنه إلتفت لها قائلًا بتحذير :

-إياكِ تمشي يا نور، عارفة لو خرجت ولقيتك مشيتي انتي وأهلك انا هطلع اجيبك من فوق ومراتي بقى ومحدش يعترض

ضحكت نور عليه وعادت تجلس كما كانت حتى يطمئن أنها لن تذهب مبتسمة له وسعادة بدايات الحب تلتمع في عينيها، قال لها حمزة في الرسالة التي أرفقها مع الكتاب أول مرة أنها خطفت قلبه ولن يرضى بأقل من المثل

الآن تعترف وهى بكامل قواها العقلية أن هذا المحامي الماكر الوسيم نجح في سرقة قلبها وبجدارة...

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...