صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
تحرك بخطوات سريعة نحو المصعد وهو ينظر إلى ساعته التي تشير إلى العاشرة صباحًا، تبًا للزحام ولذلك الطريق الطويل فلقد تأخر في أول يوم تدريب له وسيظهر بشكل سئ تمامًا أمام الجميع
اوه مهلًا يبدو أنه ليس المتأخر الوحيد فها هو يبصر أثناء إنتظار هبوط المصعد تلك الألمانية سارة ابنة الدكتور فؤاد صاحب الشركة، تهرول في إستقبال الشركة بكعبها العالي الرنان ولثاني مرة يتساءل كيف تسير بمثل هذا الكعب
وقفت بجانبه ملقية الصباح بالألمانية :
-Guten Morgen - صباح الخير
عقد كريم ملامحه بعدم رضا فقالت سريعًا بالإنجليزية وقد نسيت أنه يفهم الألمانية :
-I mean good morning - انا أقصد صباح الخير
-وبالعربي
بهتت ملامحها تفكر في الكلمة التي علمها لها يوم أمس والتي تسمعها كثيرًا هذه الأيام ولكن نطقها صعب خاصةً ذلك الحرف الذي يدعى حاء
سباه... خير؟؟
رمقها كريم بتشنج قائلًا :
-يعني انتي عرفتي تنطقي الخاء ومعرفتيش تنطقي الحاء، دي مهنة المدرس دي متعبة أوي
نظرت إلى ساعتها فقال كريم وهو يصعد إلى المصعد الذي وصل للتو
-Yes, yes, we are late. - أجل أجل نحن متأخرين
صعدت خلفه وضغطت على زر الطابق المنشود ثم قالت :
-Why were you late? I went to bed late and had difficulty waking up - لما تأخرت انت؟؟ انا نمت في ساعة متأخرة واستيقظت بصعوبة
همهم كريم بتفكير ثم أجاب :
-My cousin's wedding is tomorrow, and yesterday my brother and sister were in an accident, so I'm very busy these days. - زفاف ابن عمي غدًا، والبارحة تعرض شقيقي وشقيقتي لحادث لذا انا منشغل كثيرًا هذه الأيام
تعطافت كثيرًا معه إذ آمالت رأسها قليلًا فتساقطت خصلاتها الناعمة على وجهها ثم قالت بطريقة لطيفة ونبرة ناعمة أثارت تعجبه :
-Oh really?! Are they okay or was it a serious accident? - اوه حقًا؟! وهل هما بخير أم كان حادثًا صعبًا؟
-ايه صوت العصافير اللي طالع منك ده؟! ده انا كده معرفتش بنات في حياتي خالص
لم تفهم سارة أغلب ما قال ورغم هذا قالت بلطف شديد :
-You can take today and tomorrow off for your cousin's wedding. - يمكنك أن تأخذ عطلة اليوم وغدًا من أجل زفاف ابن عمك
-انتي هتعملي نفسك المديرة من دلوقتي
نطق بها بقهقه عالية وهو يخرج من المصعد فقالت سارة بعدما فهمت ما يرمي إليه :
-I'm not the manager yet, but my father won't mind once he knows your circumstances, especially since he loves your father very much. - انا لست المديرة بعد ولكن أبي لن يمانع عندما يعلم ظروفك خاصةً أنه يحب والدك كثيرًا
-My father also says that Dr. Foaad holds him in high regard - يقول أبي هذا أيضًا أن الدكتور فؤاد يعزه كثيرًا
-I love him Too - انا أيضًا أحبه
توقف كريم أمام باب القاعة التي سيقام بها التدريب ثم نظر إليها رافعًا إحدى حاجبيه وقال :
-ده متجوز علفكرة
-What?! I didn't mean it the way you understood it. - ماذا؟! انا لم اقصد ما فهمته
ضحك كريم بخفة وطرق الباب ثم فتحه ليقابله الطبيب المسؤول عن تدريبهم وهناك العديد من المتدربين يرتدون المعاطف الطبية عليها شعار الشركة، حمحم بحرج ثم قال :
-انا آسف يا دكتور علي التأخير
نظر الآخر إلى ساعته ثم قال بصرامة :
-متأخر ساعة كاملة في أول يوم تدريب؟! دي بداية مش حلوة خالص في شركة الإلتزام بالمواعيد أهم حاجة فيها
تقدمت سارة للأمام وظهرت أمامه حتى ترى ماذا يحدث فتحرك الآخر بسرعة من مكانه ما إن رآها قائلًا :
-انتي آنسة سارة بنت دكتور فؤاد، دكتور عثمان اداني خبر إنك هتتدربي معايا
مد يده لها حتى يصافحها فشعرت الأخرى بالحيرة من نصف ما قال وخجلت من أن تسأله عن الترجمة لذا صافحته قائلة :
-سباه الخير
ختمت حديثها ثم نظرت لكريم وكأنها تخشى ان يعلق على ما قالت، دعاها الطبيب للدخول من ثم نظر لكريم قائلًا بحدة :
-اتفضل أنت كمان بس اعتبر ده تنبيه لعدم التأخير ليك ولكل الموجدين، التأخير والغياب هيأثر على تقديركم
ولج كريم متمتمًا بخفوت :
-عند بنت المدير عطف ولطف وعند العاديين الغلابة اللي زينا صدر الوش الخشب
لسوء حظه كان هذا الطبيب ذو سمع قوي وسمع ما قاله لذا وضع يده على كتفه يمنعه من التقدم، قائلًا بحدة صارمة :
-اتفضل اطلع برا على اللي قولته ده
رمقه كريم بنظرة هادئة دون حركة فتقدمت سارة منهما قائلة بالإنجليزية :
-Is there a problem? Karim was late because of circumstances beyond his control, and if you're going to kick him out of training, I'll leave too because I'm late like him. - هل هناك مشكلة، إن كريم تأخر لأن لديه ظروف خارج إرادته وإن كنت ستطرده من التدريب فأنا أيضًا سأرحل لأني متأخرة مثله
عم الصمت في المكان بعد الذي قالت ليس لأنهم لم يفهموا بل يبدو أن ابنة المدير ضعيفة في العربية، تحدث الطبيب المسؤول بعد تفكير دام لعدة ثوانِ :
-تمام علشان الدكتورة سارة بس هعديها، اتفضل البس بالطو وأقعد
ابتسم له كريم ابتسامة بلاستيكية ثم تحرك نحو المعاطف الموجودة في أحد الأركان وأخذ اثنين واحد له والآخر لسارة التي ابتسم لها بسمة شاكرة لدفاعها عنه الغير متوقع :
-شكرًا
أخذت منه المعطف وابتسمت له بسمة شديدة اللطف ثم قالت :
-I don't like racism and I felt it was a burden on you. Besides, I love your father very much and consider him like my own father, and you are my teacher now, so I will consider you my new Egyptian friend. - لا أحب العنصرية وشعرت أنه أثقل عليك، بالإضافة لهذا انا أحب والدك كثيرًا واعتبره في مقام والدي وانت معلمي الآن لذا سأعتبرك صديقي المصري الجديد
ابتسم لها كريم بمزاح ثم قال :
-I don't befriend girls, so I'll consider you my student. - انا لا أصادق الفتيات لذا سأعتبرك تلميذتي
نادى الطبيب المسؤول على سارة قائلًا :
-دكتورة سارة اتفضلي اقعدي قدام علشان تفهمي أحسن ليه رجعتي وراء كده
لم تفهم ولا كلمة مما قال لذا نظرت نحو كريم الذي كان يخرج بعض الأوراق والأقلام بعدما جلس في آخر المقاعد مكانه المفضل، فهو عكس الجميع يفضل الجلوس في الخلف لا في الأمام حتى يتسنى له فرصة للأكل دون أن يلاحظ أحد :
-He tells you to sit in the front so you can understand better. - يقول لكِ اجلسي في الأمام حتى تفهمي بشكل أفضل
وأجابت سارة ببسمة هادئة وهى تجلس إلى جانب كريم الذي تعجب بشدة :
-Thanks, but I'd like to sit here next to Karim. - شكرًا ولكني أريد الجلوس هنا بجانب كريم
أخذ البعض يتمتم فيما بينهم فأغلق كريم جفنيه بضيق لأن الآن سيصنع الجميع إشاعات أنهما حبيبين أو ما شابه وسارة على الأرجح لأنها قضت حياتها كلها بالخارج فهو لشئ عادي ان تجلس إلى جانب شاب
طرق الطبيب على الطاولة التي أمامه قائلًا :
-تمام نعيد اللي قولناه علشان اللي لسه داخلين
أخذ يعيد الشرح النظري والذي كان مختلط بالكثير من الانجليزية لذا كان سهلًا على سارة فهمه وما لا تفهمه تطلب من كريم أن يترجمه لها
لاحظت أنه يدون عدة ملاحظات في الورق أمامه فوكزته قليلًا هامسة بخفوت :
-Karim, could I have a pen and paper? I didn't bring any with me. - كريم هل لي بورقة وقلم لأني لم أحضر معي
تنهد الآخر بهدوء مخرجًا لها ورق وقلم وهو يقول :
-بدأنا شغل الشحاتة أهو
أخرج له شطيرة فلافل يتناولها في الخفاء فعندما يأكل يزداد تركيزه أكثر لتقول سارة بصوت مسموع جعله يخفض الشطيرة بسرعة قبل أن يراه أحد
-What are you eating? It smells strange. - ما الذي تأكله هذا رائحته غريبة؟؟
رمقه الآخر بتهكم قائلًا :
-لأ عليِ صوتك كمان محدش شافهم وهما بياكلوا شافوهم وهما بيتشاوروا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تبقى خمس ساعات على موعد زفافه وإن سألتموه عن حاله الآن سيقول لكم أنه متوتر بشدة وكأنه ينتظر نتيجة الثانوية العامة، وإن كان هو العريس وبهذا التوتر فما حال براءة الآن
زفر بضيق لأجل هذا الماسك المزعج الذي وضعه له الحلاق من أجل أن تخرج بشرته نضرة لامعة تعكس أضواء القاعة كما زعم هو :
-هو انا هفضل كتير بالبتاع اللي على وشي ده؟؟
أجابه الحلاق وهو يدرج ذقن يونس الماكث أمامه :
-عشر دقايق كمان يا عريس
تنهد الآخر ببطء وأعاد رأسه للخلف قائلًا :
-هو إسماعيل لحد دلوقتي مجاش ليه انا كنت عايز منه شوية نصايح
-خد من خبير الحب اللي قاعد جنبك ده
نطق بها يونس وهو يحدق في انعكاسه بالمرآة قاصدًا حمزة الذي كان يحدق في هاتفه وعلى وجهه بسمة بلهاء بالنسبة إليه، بينما الآخر كان يحدق في الصور التي إلتقطها مع نور البارحة وقد جعل رحمة هى من تصورهم حتى تظهر صورتهما بشكل أفضل
اتسعت بسمته لضحكة عندما رأى صورة هو إلتقطها معها وقد كان يضغط على خديها بين قبضته وكلاهما ينظران للكاميرا، كانت صورة جميلة بشدة لذا وضعها كخلفية داخلية للهاتف يراها كلما فتح القفل
أرهف التركيز عندما قال يوسف وهو ينكزه بخفة :
-حمزة ما تتصلنا بإسماعيل شوفوا فين
-مش محتاج أهو جه
ختم حديثه مشيرًا نحو إسماعيل الذي ولج لتوه من باب متجر الحلاقة بائس الملامح، يظهر الحزن في مقلتيه ولكن ما إن اقترب منهم رسم على وجهه ملامح هادئة حتى لا يفسد أجواءهم
وفي الواقع لا أحد يلومه فخبر إجهاض حمل غادة الذي لم يكن يعلمه كان بمثابة صدمة له حتى أنه ارتكن إلى أحد الجدران في المشفى يواسي نفسه، ويحاول أن ينصب طوله وألا ينهار حتى يواسي غادة
أفسح حمزة مجال لإسماعيل أن يجلس بجانبهم بينما هو إستقام على العكاز الذي أصبح يلازمه، متجهًا إلى المرحاض حتى يغسل الماسك الذي جف على وجهه :
-هغسل وشي وجاي
تنهد إسماعيل جالسًا إلى جانب يوسف ثم ربت على فخذه قائلًا :
-مبارك يا يوسف يارب تكون الزوجة الصالحة وتكون زيجة سعيدة
ابتسم له يوسف بإمتنان قائلة :
-شكرًا يا إسماعيل إنك جيت
-هو في الحقيقة انا جاي أقولك سامحني إني مش هقدر آجي الفرح بالليل
ابتأست ملامح الآخر بينما قال أحمد ابن عمتهم وزوج شقيقته رحاب :
-إسماعيل متهزرش إحنا صدقنا إنك جيت علشان تخرج من الاكتئاب ده متبقاش قفيل بقى
أصمته يونس وقد أنهى حلاقته للتو ثم اقترب منهم مربتًا على كتف إسماعيل بمواساة :
-إحنا مقدرين اللي بتمر به انت وغادة دلوقتي وكان الله في عونكم يعني، بس بصوا على الجانب الإيجابي الحمد لله إنها حملت وده معناه ممكن يحصل حمل تاني
وافقه كريم الرأي مضيفًا :
-معاه حق وكمان انتوا ملحقتوش تتعلقوا بالحمل ده علشان مكنتوش تعرفوا أصلًا، ومين عارف يمكن مكنش هيبقى الطفل ده خير ليكم وهيتعبكم
ابتسم إسماعيل لهم جميعًا على مواساتهم له، ليس الجميع محظوظ بعائلة تدعمه في مصائبه :
-انا حامد ربنا على كل اللي يجيبه وعلى الأقل عندنا لؤي، فيه ناس مش عندها اطفال خالص بس غادة هى اللي أعصابها تعبانة أوي ومش عايزة تروح الفرح، ولؤي لسه تعبان ولو راح مش هيقعد في مكانه وهيتعب أكتر فعلشان كده جيت أبارك ليوسف دلوقتي
إستقام من مكانه مربتًا على كتف يوسف ثم قال :
-مبارك مرة تانية ومعلش لو كنت نكدت عليكم
ختم حديثه واتجه للخارج ثم صعد لسيارته حيث تنتظره غادة ببال شارد ولؤي الغافي في المقعد الخلفي
أما بالداخل خرج حمزة من المرحاض بملامح متعبة بعد أن غسل وجهه، استند سريعًا على الحائط بتعب بعد أن سقط منه العكاز فهو غير معتاد أبدًا على هذا
تحرك كريم ويونس من مكانهما وقد سانده يونس بينما الآخر أعطى له العكاز وهو يقول :
-حمزة كفاية حركة انت لسه تعبان والكسر جديد
ضغط حمزة على شفتيه يكتم تأوهًا وقد ألقى بثقله على يونس وهو يقول :
-قعدني يا يونس رجلي شادة عليا اوي
سانده أمير ابن عمتهم معه وجعله يجلس مكانه بينما وضع كريم العكاز جانبًا ثم قال :
-هدخل اغسل وشي وآخدك ونمشي
-نمشي فين والواد اللي فرحه النهاردة ده
تبسم له يوسف قائلًا بلطف :
-انا أصلًا قولتلك بلاش تيجي وأبوك قالك الحركة الكتير على الكسر الجديد غلط، خده روحه يا كريم وانا مش هزعل والله صحتك أهم، لولا حجز القاعة والناس اللي جات من الصعيد مخصوص كنا أجلنا الموضوع علشان اللي حصلك انت وغادة
نظر حمزة حوله متنهدًا ثم تساءل :
-هو إسماعيل راح فين؟؟
أجابه يونس :
-أختك نفسيتها تعبانة ومش موافقة تروح الفرح وهو مش عايز يسيبها وحدها فـ هيفضل معاها
نظر حمزة إلى ساعة يده التي كانت تشير إلى الرابعة والنصف عصرًا بالتزامن مع خروج كريم من المرحاض بعد أن غسل وجهه ثم قال وهو يعطي العكاز لشقيقه :
-يلا يا حمزة علشان نمشي
نظر نحو يوسف ثم استرسل وهو يساعد شقيقه على الوقوف :
-مبروك يا يوسف ان شاء الله هتلاقوني في القاعة بالليل، محدش هيزفك غيري
نظر إليه حمزة مستنكرًا أنه سيجلس في المنزل بمفرده والجميع يذهب للزفاف :
-وانت هتروح معاهم وتسبيني في البيت لوحدي؟!
-وانت مين قالك إني هاخدك البيت
لم يفهم حمزة ما يقصده وعندما خرجا من متجر الحلاقة وصعد كريم إلى دراجة النارية سأله :
-وإحنا رايحين فين دلوقتي
-عند غادة، قولي انت هتعرف تركب ورايا ولا اسيب المكنة هنا وناخد تاكسي
-لا ناخد تاكسي أحسن بس شوفلنا مطعم تيك آواي كده قبل ما نروح علشان عارف غادة زيك بالظبط مفيش حاجة تخرجكم من الاكتئاب غير الأكل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فتح باب شقته بمفتاحه ثم دفعه بخفة وولج حاملًا لؤي الغافي ثم اتجه به نحو غرفته حتى يضعه بها بينما أغلقت غادة الباب واتجهت إلى الاريكة وجلست عليها بهدوء شديد تحدق في الفراغ أمامها بملامح شاردة، بائسة، حزينة
حتى أنها لم تلحظ إسماعيل الذي جلس لجانبها مربتًا على حجابها بحنو داخلي وصرامة خارجية مصطنعة حتى تفيق لنفسها من حالة الاكتئاب هذه :
-غادة كفاية توهان بقى، ملناش نصيب فيه وده حتى ملحقش يكمل علشان الزعل ده كله
-بس كان نفسك في طفل تاني يا إسماعيل، أكتر من سبع سنين وإحنا بنحاول ويوم ما يحصل يروح
نطقت بها بعصبية مفرطة ليس وكأنها كانت هادئة هدوء مريب منذ ثوانِ ليعلم أن عاصفتها قد حلت وهو من سيتلقى كل هذا بصبره وثباته الإنفعالي :
-حرام كده يا غادة، مش بيقولوا الله جاب الله خد الله عليه العوض، ميغلاش على اللي خلقه يا حبيبتي
تبدل حالها للمرة الثالثة في ثانية واحدة حين هتفت مجهشة في البكاء :
-بس انا كنت عايزاه يا إسماعيل
ضمها الآخر بحنو إلى صدره مقبلًا جبينها وكفيها الساخنين بسبب حرارة الأجواء :
-معانا لؤي فيه غيرنا مش معاهم خالص، مش نقول الحمد لله يا غادة؟؟
هزت رأسها بإستسلام مرددة خلفه :
-الحمد لله
ظلا دقائق طويلة على هذا الوضع، تفرغ غادة مخزونها من الحزن على هيئة دموع صامتة وإسماعيل يستقبلها بصدرٍ رحب، تحسس البقعة الداكنة في جبينها أثر تخبطها العنيف داخل السيارة ثم قال :
-هجيبلك مرهم دقيقة
تركها وذهب إلى غرفتهم بحثًا بين الأكياس عن مرهم الكدمات وعندما عاد لم يجدها في مكانها بل وجدها في غرفة لؤي تتحسس الشاش الأبيض الملتف على رأسه ثم اخذت توزع القبلات الحنونة على وجهه الأبيض بحنو أمومي
إستند بكتفه على إطار الباب يسمعها تحدث لؤي بينه وبينها :
-بص يا لؤي الحبوب اللي طلعتلك وإحنا في الصعيد راحت من جسمك ومن جسم بابا، مش هنروح تاني المكان الوحش اللي مليان ناموس ده
كتم ضحكته عليها فسبحان من جعل غادة تتحمل الأسبوع الذي قضوه في الصعيد فكل يوم كانت تأتيه بشكوة مختلفة، بسبب ضيق المكان، والحرارة، والبعوض الكثير، الصخب، ثرثرة بعض النساء الكثيرة ونميمتهن وأسالتهن الغير مباشرة عن حياتها الشخصية
وهو كانت إجابته كل مرة أن تصبر قليلًا وتحاول إلزام لسانها لأنهم ضيوف هنا وسيرحلون قريبًا
رن جرس الباب في الخارج فعقدت غادة حاجبيها متعجبة فمن قد يأتي الآن وجميع العائلة مشغولة في زفاف يوسف، تحرك إسماعيل من مكانه وخرج حتى يفتح الباب ليجد حمزة ويسانده كريم وهناك الكثير من الأكياس على الأرض وعلى الأرجح تعود لمطعم ما
-هتفضل مبحلق كتير دخلنا يا إسماعيل نفسي اتقطع
أفسح لهما سريعًا فور أن نطق حمزة بهذا فتحرك الآخر مستندًا على العكاز بيد والأخرى على كريم الذي قال :
-معلش يا إسماعيل دخل الأكياس دي
فعل ما قاله ولم يحتج تفقد الذي بهم فالرائحة قد بينت محتواهم، خرجت غادة على الأصوات متعجبة وجود اخوتها الآن وأنهما ليس مع يوسف في مثل هذا اليوم
-انتوا ايه اللي جابكم هنا؟!
سؤال خرج منها عاديًا لكن على مسامع الآخرين كان وقحًا فظًا لا يليق بإستقبال الضيوف إذ قال كريم لاويًا شفتيه بتهكم :
-ونعمة الإستقبال يا غادة، خسارة فيكي الأكل اللي إحنا جايبينه
وضع إسماعيل الأكياس على جنب ثم قال بهدوء :
-بلاش أفورة انت كمان عارف إنها قصدها سيبتوا يوسف وجيتوا ليه
ساعد كريم حمزة على الجلوس فوق الاريكة بينما قال الآخر آمرًا إياه هو وإسماعيل :
-روحوا انتوا حطوا الأكل وانتي يا بتاعت الاكتئاب تعالي اقعدي جنبي في ركن المكسحين ده
ارتفع خد غادة في ابتسامة جانبية ثم اقتربت منه وجلست إلى جواره بصمت فقال حمزة بمشاغبة :
-العربية ادشدشت من وراء وانا اتكسرت ومقولتليش حمد الله على السلامة، بس انا هطلع احسن منك وجيت علشان أهون عليكي
لم تتغير ملامحها عن الابتسامة الصغيرة المرسومة على ثغرها فقال بتعجب :
-مالك يا بنتي هى الخبطة أثرت على الاستيعاب عندك ولا ايه؟!
نفت برأسها ثم حدقت في جبيرة قدمه قائلة :
-الحركة الكتير غلط على الكسر ليه مفرهد نفسك
رفع منكبيه بالتزامن مع مط بسيطة بشفتيه وهو يقول :
-فرح ابن عمك ومتعودتش في الأفراح أقعد ساكت انتي عرفاني، انتي بقى مش عايزة تروحي الفرح ليه ورابطة إسماعيل الغلبان جنبك ليه
-انا مش ربطاه، لو عايز يروح تمام، بس انا ولؤي مش هنروح هو تعبان وانا مش في مزاج أروح أفراح
-ما انتي عارفة إنه مش هيهون عليه يسيبك ويروح، بيحبك الحمار مش عارف على ايه بجد
رفع إسماعيل رأسه بتهكم لحمزة والذي قال ببسمة بسيطة :
-لا مؤاخذة يا إسماعيل
قلب الآخر عينيه بضجر وهو يوزع الأطباق مع كريم على الطاولة بينما عاد حمزة بنظره لغادة ذات الملامح المعقودة مما قال ثم أضاف :
-قومي متبقيش بومة نكدية
-آه انا نكدية وهنكد على جوزي وهو عاجبه اطلع منها انت بقى
قهقه كريم بقوة على إحراجها لحمزة لتضيف الأخرى وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها :
-إسماعيل انا منكدة عليك يا حبيبي؟!
-لأ يا قلبي ولو هتنكدي اعملي اللي عايزاه فداكِ
رمقه حمزة بنظرة متشنجة قائلًا :
-إخص عليك إسماعيل انت كده مش راجل انت كده بطة
ابتسم كريم وهو يجذب المقعد حتى يجلس قائلًا :
-بس غادة حالك عال اوي وبتعلي على حمزة، ده انا كنت فاكر هنيجي نلاقيكي رابطة دماغك ونافشة شعرك وقاعدة على الأرض زي اللي جوزها رماها في الشارع وهاتك يا عياط
إستقامت الأخرى من مكانها دون إجابة وجلست إلى جانب كريم وقد جذب الإثنين نصف الطعام أمامهما وأخذا يتناولان بنهم فقال حمزة :
-طب حد يجي يقومني طيب ولا هفضل اتفرج عليكم كده
-متقرفناش بقى قوم لوحدك
نطقت بها غادة وهى تحشر الطعام داخل فمها فقال كريم وهو يشير نحوها :
-قولتلك دي مش أشكال واحدة مكتئبة خالص
وأجاب حمزة وهو يعين نفسه على الوقوف :
-فعلًا دي أشكال واحدة بياعة فجل، يعني فوق ما انا جايب الأكل بتبجح فيا من الصبح وهو خسارة فيكي
خرج إسماعيل من المطبخ ومعه إبريق الماء متفاجئًا من الهجوم الضاري من كريم وغادة على الطعام فقال وهو يضع أمامهما الماء :
-بالهنا يا غادة
إعترض كريم بتذمر قائلًا :
-ومفيش بالهنا يا كريم ولا هى بالهنا وانا بالسم الهاري؟!
ضحك إسماعيل بخفة قائلًا :
-بالهنا انت كمان يا كريم بس هى بقالها يومين مش بتاكل حاجة أما انت لأ
وافقته غادة وهى تجذب الطعام من أمام كريم قائلة :
-ايوه انا مريضة ومش باكل بقالي يومين انت لأ يلا قوم كفاية اللي كلته، قوم أعمل شاي
-وانتي هتاكلي ده كــلـــه؟؟!
صاح بها بإندهاش فأماءت الأخرى ومن شدة امتلاء فمها بالطعام لم تجب، قرب إسماعيل الطعام أمام زوجته قائلًا بحب :
-كُلي يا غادة انتي نزفتي ولازم تعوضي
جذب حمزة الطعام الذي مده إسماعيل معترضًا :
-لو هى مريضة فأنا كمان مريض وانا اللي جايب الأكل
أخذت غادة سريعًا الطبق الذي مده معترضة على إعتراضه :
-انت هتذلنا علشان جايب الأكل، إسماعيل يدفعلك حقه
-يا ستي مش عايزين فلوس بس ناكل، انتي هتاكلي أكل خمس أشخاص لوحدك؟!!
نطق بها كريم بحنق فدفعت لهم طبق ممتلئ بالأرز ووضعت عليهم قطعتين دجاج قائلة بإشفاق مصطنع :
-خلاص قسموا ده بينكم
نظر ثلاثتهم للطبق بذهول ليقول حمزة وهو يرفع الطبق وكأنه على وشك إلصاقه بوجهها :
-عارفة لولا حرام الأكل ده كنت لبسته في وشك
أخذه كريم بسرعة منه قبل أن يتهور الآخر قائلًا بكوميديا :
-هات يا إسماعيل طبق تاني نقسم شوية نخزنهم لرمضان علشان كده إسراف والعياذ بالله
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
لا يدري الوقت يهرول بسرعة أم هو فقط يتوهم فهو يقف الآن في إنتظار عروسه التي ستخرج بعد قليل، فك رابطة عنقه قليلًا حتى يتنفس، مساحًا العرق المتصبب من جبينه بمنديله فقال يونس بمشاغبة :
-أقولك على حاجة تخف التوتر من عليك
نظر له بتركيز وبتلك البسمة الخبيثة علم أن نوايا شقيقه ستضمن شيئًا شيقًا
بعد عدة دقائق خرجت له براءة ترتدي فستانًا منفوشًا بذيل طويل، نادمة أشد الندم أنها اختارت هذا فلم تكن تتوقع أنه بكل هذا الثقل، كانت ملامحها متغيرة قليلًا كأي عروس في يوم زفافها حيث أن كثرة مستحضرات التجميل تجعلها غير مألوفة نوعًا ما
دارت بعينيها في غرفة الإنتظار لتجد يوسف يجلس على أحد المقاعد ومعه ابنيّ عمته فقط، اتسعت بسمة على شفتيها المصبوغتين باللون الأحمر الماروني وسرعان ما قضبت جبينها بتعجب وتوقفت في مكانها رامقة حُلته بإندهاش
هذه ليست الحلة السوداء التي أرسل صورتها لها بل هذه باللون الرمادي وأكثر بساطة وخالية من الببيون أو ربطة العنق بل هو يفتح أول ثلاث أزرار من قميصه الأبيض :
-انت.... انت غيرت ليه البدلة؟ مش دي اللي كنت هتلبسها؟!
نظر يونس لملابسه ثم قال بصوت خشن خرج منه بشكل غير إرادي :
-دي أحلى يا شيخة التانية تخنق في الحر ده
ضيقت براءة عينيها ثم نظرت خلفها لبنات أعمامها اللواتي كُن يتابعن المشهد وشقيقتها التي كانت تصور ما يحدث كاتمة ضحكتها فعادت بنظرها ليونس قائلة :
-انت يونس علفكرة مش يوسف، مش هتعرفوا تضحكوا عليا المرة دي
علت القهقهات في المكان ليقول يونس وهو يستدير للخلف نصف إستدارة محدقًا في شقيقه الذي ظهر من خلف الحائط :
-علفكرة كانت هتقع لو بدلنا اللبس بس مكنش فيه وقت للأسف
-طريقة كلامك مش زي كلام يوسف بدأت خلاص أعرف أفرق ما بينكم
نطقت بها براءة وهى تشرئب برأسها قليلًا حتى ترى يوسف الذي تقدم نحوها بحلة سوداء أنيقة تليق بعريس الليلة، وعلى شفتيه بسمة سعيدة جعلتها هى أيضًا تبتسم
سبحان من دبر القدر فإن أتى لها أحد وقال لها أنها ستنتقل للإسكندرية من أجل إستكمال إمتيازها ليقع الطبيب في حبها ويتزوجها، حسنًا لا تدري ما كانت لتقول له حينها ولكنها مُدركة أن النصيب أقوى من أي شئ
اقترب منها يوسف وطبع قبلة على جبينها متمتمًا :
-ما شاء الله جميلة يا حبيبتي، بس
حدق في بشرتها التي أصبحت أكثر بياضًا بفعل مستحضرات التجميل ثم استرسل :
-كان عاجبني بشرتك السمرا أكتر
كلام جميل جعل الفراشات تتصاعد في معدتها ولكن لا تكون براءة ان لم تعترض على شئ حتى وإن أعجبها :
-علفكرة انا بشرتي خمرية مش سمرا فيه فرق
لاحظت شروق حاجبي شقيقتها المعقودان فقالت بتهديد :
-هتزعلها من أولها كده؟! خلي بالك لو نكدت على اختي انا هنكد على أخوك
أخرج يونس صوتًا معترضًا غير راضي عما قيل ثم أردف :
-يلا يا يوسف الساعة تسعة إلا تلت هستناكِ في العربية تحت
تقدم للأمام حتى يخرج من "البيوتي سنتر" هذا متمتمًا بينه وبين نفسه بصوت مسموع وهو يهبط الدرج :
-انا مش عارف ليه التأخير ده كله من تسعة الصبح لتسعة الليل، ١٢ ساعة بتعمل ايه جوا الكوافير ده انا حلقت دقني ورتبت شعري في تِلت ساعة
وأتته الإجابة من الخلف بصوت ينافس تهكمه تهمكًا :
-ده على أساس إنك انت العريس وبعدين انت ايش فهمك في اهتمامات البنات في يوم زي ده، ١٢ ساعة قليلين أصلًا
توقف يونس في منتصف الدرج محدقًا في صاحبة اللسان السليط الذي يستطيع الرد على كلمته بعشر، كم يحب هذا اللسان وصاحبة اللسان
أخذت شروق تهبط الدرجات المتبقية وهى تتحدث معه ولكن لم تكن الكلمات تصل له واضحة بسبب تركيزه مع كل تفصيلة في مظهرها
كانت ترتدي فستان سهرة باللون البترولي وحجاب من نفس اللون، وتضع بعض مستحضرات التجميل الخفيفة على بشرتها القمحية وعينيها الواسعتين تزينهما بكحل أزرق _لم يعجبه_
تمركزت عينيه فور وقوفها أمامه على شفتيها الورديتين لكن ما بالهما مبتلتين هكذا بطبقة زيتية كمن تناولت لتوها وجبة دهن دسمة وتركت آثارًا على فمها؟!
أبصرت شروق نظرته أين تقع فعادت للخلف خطوة محدقة في وجهه بتهديد واضح :
-فيه ايه يا يونس؟!
رفع الآخر وجهه لها بملامح إشمئزاز حاول إخفائها :
-ايه الريالة اللي على شفايفك دي؟؟
-ريالة؟! ده ليب جلاس
-ايه ده برضو مش فاهم وشكله مش حلو مخلي شفايفك كأن عليهم سمنة
عقدت ذراعيها محدقة به بسؤم لفظاظته هذه بينما أخرج يونس منديلًا من جيبه، ودون أن يعطي لها فرصة للإستيعاب ألصقه في وجهها ماسحًا هذه الطبقة الزيتية السميكة بعنف لدرجة جعلتها تتعثر للخلف وكادت تسقط لولا يده القوية التي جذبتها للأمام قائلًا :
-مالك زي ورقة الخريف كده ليه إثبتي
دفعت يديه عنها بسرعة صائحة به :
-اوعى يا يونس بقى ده مش أسلوب
تجاهل ما قالته مخفضًا المنديل بعد أن مسح تلك الطبقة تمامًا :
-مالهم كده حلوين من غير اللي انتي كنتي حطاه ده
نظر لعينيها الغاضبتين ثم ابتسم ابتسامة زادت فتيل غضبها عندما هم بقول :
-حلو اللي حطاه لعينيكي بس لو كان
تركته وصعدت دون أن تتركه يكمل جملته فحدق في اثرها متعجبًا ثم صاح سريعًا وهو يلحق بها :
-استني هو انا قولت ايه دلوقتي يزعل!؟ ده انا حتى لامم لساني عن الكل النهاردة علشان اليوم يعدي حلو
توقفت في منتصف الدرج هاتفة بذهول :
-انت كده لامم لسانك أومال لو طالقُه علينا؟!
سارع يونس في خطاه نحوها وقد جر ذراعها للأسفل، دافعًا جسدها نحو الحائط ثم وقف أمام جسدها عندما وجد مجموعة من الشباب يمرون نزولًا للأسف، ولا يدري حقًا ماذا يفعلون في بيوتي سنتر للنساء كهذا
من ضيق المساحة احتكوا به هو وقد حاول قدر المستطاع أن لا يلصق جسده في جسد شروق رغم ضيق المكان، وبعد أن مروا تحدث بجدية :
-يلا نستناهم تحت علشان لو حد كمان عدى
أخذت شروق تحدق في ظهره وهما يهبطان وابتسامة بلهاء واسعة ارتسمت على وجهها من هذا الموقف الذي شفع ليونس ولفظاظته وأنساها جميع ما قد حدث لاحقًا، حتى أنها نسيت لما قد هبطت خلفه وأوقفته على الدرج
وصلا إلى الطريق العمومي ليجدوا الجميع في انتظارهم وبراءة ويوسف يجلسان في المقعد الخلفي لسيارته فقالت شروق بذهول :
-لأ ثواني نزلتوا كلكم أمتى مش كنتوا فوق!!؟
تحدث أمير وهو يقف أمام سيارته التي يجلس بها شقيقه من الأمام وثلاث من بنات عم العروس وقد رفضن أن يتحرك قبل أن تأتي شروق وترحل معهن :
-إحنا نزلنا من السلم التاني ومستنينكم انتوا يلا أطلع بالعربية دي وقول لخطيبتك تيجي تركب من البنات وراء علشان نتحرك
نظر يونس للفتيات الثلاث في الخلف معترضًا بسرعة :
-وليه الزنقة دي كلها في عربيتك، ما تركب جنبي في العربية علشان لو أختها احتاجت حاجة
رد مقنع للجميع ولكن لها هى شعرت وكأن شقيقتها حجة لكي تصعد معه، ورغم الإبتسامة التي أخذت تتسلل إلى ثغرها قد صفعها المنطق قائلًا "افيقي يا بلهاء قال هذا من أجل شقيقتك بالفعل لا لسواد عينيكِ"
غابت بسمتها بسرعة ثم قالت بمكر خفي :
-لا أنا عايزة أركب مع البنات
رمقها يونس بنظرة غير راضية ثم قال :
-وليه تتزنقوا كلكم ستة في عربية واحدة؟! ما أهو الكرسي اللي جنبي ده فاضي
تحدث أمير وهو يوجه حديثه لشقيقه الأكبر :
-معلش يا أحمد اركب انت جنب يونس في عربيته وخليها هى تيجي هنا طالما عايزة كده
سارعت يد يونس في إغلاق باب السيارة عندما هم أحمد بالخروج بالفعل ثم قال بهدوء أجاد صنعه :
-أطلع انت يا أمير علشان اتاخرنا وهى هتركب معايا
لم يمهله الرد واقترب من شروق وفتح الباب لها حتى تدخل ثم قال بنفس الهدوء المريب ضاغطًا على اسمها في النهاية :
-ادخلي يا شــروق
ولجت دون جدال ثم أغلق الباب خلفها، وما إن أصبحت بالداخل حتى اخفت فمها بمنديل حتى لا تظهر بسمتها التي فشلت في التحكم بها، موقفين جميلين متتاليتين في يومٍ واحد من يونس
عجبًا عسى ألا تكون هناك مصيبة تنتظرهم هذه الليلة فكما يقول المثل
"الحلو مش بيكمل"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلست على الطاولة التي تجلس عليها والدتها وزوجات أعمامها تشعر بالضيق لكثرة الأسئلة عن الذي حدث لوجهها، هى غاضبة بما فيه الكفاية لما حدث ولا ينقصها المزيد من الثرثرة
-طب مغسلتيهوش بمياه باردة ليه؟!
نطقت بها والدتها بقلق على وجهها المنتفخ ذو اللون الأحمر أثر إستخدام مستحضرات تجميل اتضح أنها تعاني من حساسية في تركيباتها
لتكون النتيجة ورم وجهها وانتفاخه وها هى كمن تعرضت للكثير من الصفع، لدرجة أنها لا تجعل أحدًا يلمس وجهها ولم تضع ولا نقطة كريم حتى فلا تتحمل عليه شئ، تكفي الحرارة
تنهدت مجيبة على والدتها بضيق واضح :
-غسلته بمياه وحطيت عليه تلج بس هو مش بيروق مهما عملت
نظرت حولها للأجواء إذ كانت القاعة تستعد لدخول العروسين ثم قالت :
-انا اتنكدت وعايزة أروح يا ماما
ربتت الأخرى على كفها قائلة :
-مينفعش تروحي ده الفرح لسه بادئ، ولو مضايقة من وشك كنتي حطيتي كريم يضاري "يخبي" الورم ده شوية
-مش قادرة استحمل عليه حاجة انا هاروح امشي، أصلًا العمارة قريبة قوي من هنا
همت بالوقوف بالفعل بالتزامن مع خفت إضاءة القاعة من أجل دخول العروسين فجذبتها والدتها حتى تجلس كما كانت محدجة إياها بنظرة الأمهات الحادة التي تجبرها على الصمت الإلزامي
وهذا ما زاد حنقها أكثر حتى أنها لم تركز مع دخول براءة ويوسف واكتفت بعقد ذراعيها والنظر أرضًا عاقدة وجهها فقالت صفية بحدة :
-افردي وشك دِه
لوت ملامحها أكثر ثم إستقامت قائلة :
-هاروح الحمام
أخذت تبحث عن المرحاض وقد كان فارغًا نوعًا ما بسبب وجود الجميع في الخارج لمشاهدة دخول العروسين، حدقت في وجهها بمرآة المرحاض متنهدة بضيق لهذا التورم
بللت منديلًا ومسحت وجهها بالماء البارد ثم خرجت ولكنها لم تجد أحد على الطاولة وإنما كان الجميع يرقص ويهلل والأغاني صاخبة، وللنساء ركن خاص بهن، وزوجات اعمامها متألقين كما العادة
زفرت بضيق وأخذت حقيبتها وخرجت من القاعة حتى تشتري لها شيئًا تأكله من الكافتيريا الملتصقة في القاعة، توقفت أمام سور رخامي يفصل العامل الذي بالداخل عن الزبون :
-عايزة كيس شيبسي وباكو هوهوز
هز الشاب رأسه لا يسمع ما تريد فرفعت صوتها بالطلب لتجده يضحك بسخافة أربكتها ثم قال :
-انتي مين ضاربك على وشك
لم تجب على سخافته وانتظرت طلبها لتجد عدد من الشباب قادمون ووقفوا إلى جوارها يريدون الشراء، ابتعدت عنهم بسرعة وألتصقت بالحائط ولكن تأخر ذلك العامل وأصبحت محط أنظارهم بل وبدأوا يتهامسون عليها، حتى أنها سمعت أحدهم يقول :
-مش دي اللي كانت واخدة تريند من كام شهر وحبست ابن تاجر الدهب علشان اتحرش بيها
لم تعد تتحمل وقررت الإنسحاب من هنا دون أن تأخذ ما أرادت حتى، وما إن تحركت عدة خطوات مبتعدة حتى سمعت ذلك العامل ينادي حتى تأخذ ما طلبت فتعالت مناداتهم لها حتى تأتي
نظرت للخلف بحيرة شديدة ثم عادت متوترة تشدد على حقيبتها لدرجة جعلت مفاصلها تبيض، وما يزيد الأمر سوءًا هو أعينهم عليها والأفكار السوداوية جميعها تجمعت في عقلها الآن
أخرجت النقود من حقيبتها بأصابع مرتعشة، وما إن مدت الورقة النقدية له حتى شعرت بيده تلمس يدها بقصد فنفضت يدها بعيدًا عنه ثم صاحت مذعورة :
-مش عايزة خلاص
هرولت بعيدًا عنهم فنادى عليها أحد الشباب لاحقًا بها :
-يا آنسة فلوسك وقعت على الأرض
تبًا للنقود وتبًا لذعرها الذي أصبح ملازمًا لها منذ تعرضت لحادث التحرش ذاك، لم يعد لديها أي ثقة في مَن حولها فتشعر أن جميع الرجال يريدون نهشها
توقفت على باب القاعة ولم تستطع الدخول بسبب تجمع عدد كبير من الرجال عند المدخل فعادت للخلف، توقف ذلك الشاب خلفها ومد لها النقود قائلًا بهدوء :
-اتفضلي فلوسك
لم تأخذهم منه وظلت تحدق حولها بتوتر واضح لعلها تبصر أحدًا تعلمه تستغيث به، ولكنها لا تعلم لما قد تستغيث ولم يفعل أحدهم لها شئ، وضع الشاب النقود لها على شئ مرتفع عندما لم تأخذهم منه قائلًا بتعجب :
-خدي فلوسك انا مش هعملك حاجة، خايفة ليه كده!؟
رحل وتركها التقطت بعدها نقودها ثم سمعت صوتًا يقول :
-بتعملي ايه من برا لوحدك؟! ومين اللي كلمك ومشي ده؟؟
إستدارت بسرعة لتجد كريم هو المتحدث فقالت سريعًا :
-دخلني جوا لو سمحت
تعجب طلبها هذا وبهذه النبرة المتوترة فنظر لظهر ذاك الشاب ثم تساءل :
-هو عملك حاجة ولا ايه!؟
نفت برأسها ثم قالت بأنفاس مضطربة لتوترها الشديد :
-معملش بس انا عايزة ادخل ومش عارفة من الناس دي كلها، قولهم يوسعوا شوية
-تمام ماشي تعالي امشي ورايا
سارت خلفه بالفعل مفسحًا لها مجال ليجدها بدأت تسير بجانب الحائط بعيدًا عن الزحام فلحق بها حتى لا يزعجها أحد مستنتجًا أنها خائفة من الزحام الآن :
-حمزة هناك تروحيله؟!
نطق بها مشيرًا بيده نحو طاولة يجلس عليها حمزة ويبدو عليه الإرهاق وعلى الأرجح ناهد تحاول إقناعه بشئ
تحركت نحوهم حتى تسلم على ناهد خاصةً وأن أعينهم قد تقابلت وستكون وقاحة إن تجاهلتها، وما إن اقتربت منها وسلمت عليها حتى قالت ناهد بذهول :
-مال وشك يا نور وارم كده ليه؟؟
حاول حمزة أن يرى وجهها ولكنها كانت تواليه ظهرها فلامس خصرها يديرها له، ليجد منها رد فعل فزِع أكثر من اللازم إذ انتفضت بعيدًا ورمقته بعدائية فقال بدهشة :
-مالك كنت هلفك ليا بس!؟
وضعت يدها على خصرها بسرعة ثم قالت بعصبية غير مبررة للجميع فحمزة زوجها وهو لم يفعل شئ :
-متلمسنيش على غفلة كده تاني
بملامح مذهولة مُتعبة أخذ يحدق بها حمزة بينما قالت ناهد لتخفيف حدة الأجواء :
-مالك يا نور ده جوزك وهو معملش حاجة، كان هيلفك علشان يشوف وشك ماله
نظر كريم نحو الخارج بشك ثم عاد بنظره لنور متسائلًا :
-انتي حد عملك حاجة برا؟ الولد اللي كان واقف قدامك كلمك؟! كنتي واقفة مش طبيعية
تجاهل حمزة رد فعل زوجته وركزت حواسه مع كريم بشدة قائلًا بهدوء وتوجس :
-كانت واقفة فين؟! ومين اللي كان بيكلمها؟؟
إسترسل بغضب مستندًا على عكازه ووقف متحاملًا على آلامه التي هى في تزايد وهو لا يرحم نفسه منذ الصباح ويعطي نفسه راحة :
-حد ضايقك برا علشان كده خايفة، قولي متسكتيش
نفت برأسها مُدركة أن رد فعلها أفزعه هو أكثر منها، ولكن ذعرها تغلب عليها :
-محدش ضايقني، انا بس بقيت بعد اللي حصل بتخض لما حد يلمسني فجأة، واللي بيتكلم عنه كريم كان بيرجعلي فلوس وقعت مني عند الكافتيريا
رسمت على وجهها بسمة مصطنعة ثم هزت رأسها كابتة الضغط بداخلها حتى لا تفسد الأمور أكثر :
-انا آسفة علشان زعقت فيك بس والله اتخضيت
تحدثت ناهد وقد دعتها للجلوس بجانبها قائلة :
-حصل خير تعالي اقعدي
جلست بجانبها متنهدة بتعب ثم رفعت رأسها لحمزة الذي كان لا يزال يقف كما هو وبدا عليه التفكير فيما قالت، لذا أردفت :
-متسرحش خلاص محصلش حاجة
آماء لها حمزة بهدوء ثم جذب كريم حتى يستند عليه قائلًا بخفوت :
-تعالى يا كريم عايز أشوف الولد اللي اتكلم معاها، نورهان فيها حاجة ومش راضية تقول
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!