صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
تحسس خصلاتها الناعمة المقصوصة حديثًا بحيث تصل إلى كتفيها، حسنًا قد توقع أن يرى شعرًا طويلًا ولكن يبدو أن زوجته تعشق الشعر القصير
زوجته؟! ويلي لقد أصبح الآن متزوج بشكل رسمي، أي بعد العمل سيصعد إلى الطابق العاشر في عش الزوجية ليجد زوجته الجميلة قد أعدت الغداء، مهلًا إن براءة ستعمل معه في نفس المشفى وسيعودان معًا، إذًا مَن سيعد الغداء؟!
تبسم وهو يحدق في براءة الغافية بعمق وهو يجلس عاكسًا قدميه على الفراش يراقبها بصمت، استمع لآذان الظهر في الخارج فهزها برفق على تستيقظ قائلًا :
-حبيبتي قومي كفاية الضهر أذن
لم يتلقى منها رد فعلم أنها صاحبة نوم ثقيل لذا تمدد بجانبها ووضع يده أسفل رأسه وعاد يراقبها ويتخيل حياتهما القادمة
عقد حاجبيه وأخذت البسمة تختفي من على وجهه تدريجيًا عندما تذكر ليلة أمس وقد كان الوقت قبل الفجر بسويعات قليلة، أخذت براءة تتشنج في نومها وتعافر وكأنها ترى كابوسًا، حتى عندما أيقظها كانت حالتها غير طبيعية ولم تهدأ وتستكين إلا عندما وضع مصحفها بجانب رأسها
تُرى هل يحدث هذا لها كثيرًا أم أن مكروهًا أصابها، تنهد بهدوء ثم حاول إيقاظها مرة أخرى وقد بدأت تستجيب له وتهمهم بخفوت ثم فتحت عينيها وأخذت تنظر للسقف، رفعت رأسها عندما شعرت انها في مكان غريب ثم أخذت تتلفت حولها بقلق
علت قهقهته عليها بصخب فأخفضت براءة برأسها مرة أخرى عندما أدركت الواقع من حولها وأنه يجب عليها أن تعتاد على رؤية وجه يوسف كل صباح
-صباح الخير يا قلبي
نطق بها يوسف بحب فردت له الأخرى التحية على إستحياء ثم صمتت فقال يوسف وقد مد يده يتلمس خصلاتها السوداء هبوطًا لذراعها :
-بكيتي كتير على أهلك إمبارح كنت حاسس على تكة هتسيبيني وتروحي معاهم
-إيدك إيدك
صفعت يده من على ذراعها بخفة فحدق بها الآخر متفاجئًا من رد فعلها هذا، أستقامت براءة وجلست على الفراش محاولةً الابتسام وإبعاد الخجل الذي يحتلها بطريقة أزعجتها :
-انا بس مش متعودة حد يلمسني أبدًا فاهمني
آماء يوسف مبتسمًا لها بحنو ثم قال :
-فاهمك هتاخدي وقت علشان تتعودي عليا وعلى وجودي معاكي
حك عنقه عارضًا عليها ما حدث الأمس لها إذ قال :
-صحيح يا براءة فاكرة اللي حصل قبل الفجر والكابوس اللي جالك، حسيت إن حالة تشنج جاتلك وانتي نايمة، انتي متعودة يحصلك كده؟!
-كابوس قبل الفجر؟! انا مش فاكرة حاجة زي كده
تنهد بهدوء ثم أعاد البسمة على وجهه :
-خلاص انسي الموضوع، الضهر أذن مش كفاية نوم
نظرت براءة حولها لا تدرك ماذا قد يفعلان الآن :
-ماشي نقوموا بس يعني المفروض نقوموا نعملوا ايه؟!
رفع الآخر منكبيه بجهل ثم قال :
-مش عارف بس انا جعان بصراحة
-خلاص روح شوف تلاجة العروسة فيها ايه
نطقت بها بكسل وهى تعود للنوم مرة أخرى ليقع نظرها على مكان فستانها الفارغ الذي تركته على المقعد هنا فقالت متسائلة :
-هو انت شيلت الفستان يا يوسف
-لأ مامتك وأختك جم الساعة تمانية الصبح اخدوا الفستان وكانوا عايزين يطمنوا عليكي بس انتي كنتي نايمة مقتولة ومرضتيش تقومي، بس مامتك قالت لما تقومي أقولك ترني عليها علشان عايزة تطمن عليكي
جذبت براءة هاتفها من على الكومود حتى تتصل على والدتها فقال يوسف بصوت مازح وهو يستقيم من مكانه :
-متحكيش كل حاجة يا براءة في حاجات متتحكيش
قلبت الأخرى عينيها تخفي خجلها من حديثه وهمت برفع الهاتف على أذنها ولكنها أغلقت الخط سريعًا عندما أبصرت شئ أسود على الحائط يسير وكأنه ثعبان
ظلت تحدق به بأعين متسعة حتى أنها لم تنتبه لصوت يوسف الذي أخذ يسألها ما بها، جذبت نظارتها سريعًا وارتدتها لربما لا ترى جيدًا وعندما عادت بنظرها للحائط لم تجد شئ وكأن ما تراه كان سرابًا
وضع يوسف يده على كتفها قائلًا بنبرة قلقة :
-مالك يا براءة بتبصي للحيطة كده ليه؟!!
-كان فيه حاجة على الحيطة، أو تقريبًا انا كنت بتخيل
نظر يوسف نحو الحائط الذي كانت تنظر نحوه لتقول براءة وهى تحرك رأسها يمينًا ويسارًا تنفي لعقلها ما قد رأت وأنه تأثير سهر لا أكثر :
-يمكن علشان النوم لسه في عينيا بتخيل، هتصل على ماما واسألها هيجوا أمتى
-يجوا؟! النهاردة!!
-ايوه الصباحية أهل العروسة والعريس بيجوا يدوهم النقطة في ظروف ورق ويباركوا، انا عن نفسي مش بحب فكرة الصباحية بس هى عادة ولازم تتعمل حتى غصب عني، انتوا مفيش عندكم كده؟!
-لأ عندنا بس يعني مش من تاني يوم المفروض على الأقل بعد أسبوع
-لأ إحنا عندنا من تاني يوم وكمان هما احتمالوا يرجعوا الصعيد قريب فاعمل حسابك هيبقى فيه ازدحام هنا علشان هيجوا كلهم
آماء بهدوء فقالت براءة وهى تطلب رقم والدتها :
-تاكل ايه، هدلعك أهو شوف عايز ايه وانا أعمله بس متتعودش على كده، علشان النهاردة صباحيتك بس
-مش محتاجة تعملي، والدتك وقرايبك عملوا أكل وحطوه في الميكرويف محتاج يتسخن بس
خرجت براءة تستكشف منزلها الجديد بينما تحرك يوسف نحو ذاك الحائط وقد حرك جميع ما أسفله بحثًا عن ذلك الشئ الذي رأته براءة ولكنه لم يجد شئ فوقف ينظر للحائط بشرود ثم نظر لخارج الغرفة متمتمًا :
-اتمنى تكوني كويسة يا براءة ومفيش فيكي حاجة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
سار بسيارته بين شوارع أحياء كفر عبده المنطقة التي لا تليق أبدًا مع اسمها، حيث كانت تشتهر بهدوءها ورقي مساكنها وسكانها، نظر إلى المرآة نحو شروق التي تجلس في المقعد الخلفي وعينيها تنظر نحو الخارج بتركيز من النافذة
بينما يجلس بجانبه والدها الذي حضر معها وها هم متجهين نحو منزل عائلة فريال الفتاة التي ذهبت ضحية هوس الحب مثلها مثل الكثير من ضحايا هذه الأيام، لا يدري هل الناس أصبحوا كالشياطين أم أن سفك الدماء أصبح شيئًا هينًا
تحدثت شروق قاطعةً الصمت الذي حل على السيارة منذ نصف ساعة :
-هو قدامنا كتير؟!
-لأ خمس دقايق ونوصل
-كانت عايشة في فيلا لونها بيج فاتح من برا وقدام الفيلا شجر كتير
تعجب يونس ذكرها لهذه التفاصيل فقال حسين بجدية :
-شوفتي ده في الحلم
آماءت بصمت ثم عادت تنظر نحو الخارج إلى الفِلل والبيوت الراقية تفكر في الحلم الذي يزوروها مرارًا وتكرارا، فمنذ توفيت فريال أمام عينيها وهى تزورها في أحلامها حتى أرهقت نفسيتها وأكثر ما أرهقها هو شعورها بالذنب
ظل يونس يسترق النظر لها ولم يعجبه حالة الاكتئاب هذه فقد إعتاد عليها مستفزة، ثائرة، مشتعلة وليست في حالة الصمت المخيفة هذه
توقف بسيارته أمام أحد الفلل بنفس المواصفات التي ذكرتها شروق تمامًا، اقترب من سيارته حرس الفيلا فأخفض زجاج نافذته ثم قال :
-بلغ الأستاذ شاكر وحرمه إن الرائد يونس هواري عايز يقابلهم ضروري
اختفى الآخر من أنظاره ثم عاد له بعد عدة دقائق قائلًا :
-اتفضل
فتح له البوابة فولج يونس بسيارته إلى الحديقة التي أخذت شروق تراقبها بتمعن شديد من ثم توقف أمام الباب الداخلي للفيلا، هبط من السيارة ثم فتح الباب لحسين حتى يهبط هو أيضًا
هبطت شروق من السيارة وقد تغيرت حالتها فور دخولهم للفيلا من الداخل إذ أخذت تراقب كل شئ بأعين مرتبكة والقلق قد احتل أوصالها فأبطء خطواته حتى يصل إليها ثم قال بخفوت :
-تحبي نروح؟!
نفت بسرعة عازمة على إنهاء الأمر اليوم، لربما ترتاح في نومها على الأقل حين تزيح هذا الذنب عن كاهلها، أبصرت رجل شائب الرأس وبجانبه امرأة يبدو حزن الزمن على وجهها بفراق ابنتها الحبيبة
اقترب منهما والدها ويونس الذي أخذ يعرفهما عن نفسه وأنه كان يمسك قضية مقتل ابنتهما، بينما هى اقتربت من الحائط حيث كان تعلق صورة لفريال مبتسمة بسعادة وبين يديها كلب صغير أبيض اللون، وعلى الجانب الصورة كان هناك خط أسود دليلًا على أن صاحبة الصورة قد فُقدت
-شروق
ناداها يونس ولم تنتبه فكانت تصب تركيزها في الصورة ومشاعر الذنب أخذت تنهشها حتى أنها لم تدرك دموعها، تتذكر كيف كانت تقف فقط خلف الباب ترى كاظم يهم بذبح الفتاة وهى فقط كانت متجمدة مكانها تراقب
لما لم تخرج وتطرحه أرضًا؟! لما لم تصرخ لعله كان فر هاربًا أو أتى أحد لينقذهما؟! لما لم تمنعه من ذبحها وفقط ظلت تراقب فلو كانت تحركت من مكانها لظلت فريال حية ولم تمُت
حاولت والله أن تنسى ولكن شعور الذنب كان يأكلها يوميًا دون أن تشكي، وزاد عليها فوبيا الدماء، والأحلام والكوابيس التي لا تخلو من فريال وكاظم ووضغوطات الجميع من حولها، وكل هذا انقشع اليوم وظهر جانبها الهش
سالت دموعها بغزارة على وجنتيها وعلىٰ صوت بكائها في المكان فأدارها يونس وقد تفاجأ من دموعها التي أغرقت وجهها حتى أنها إستندت على إحدى الانتيكات تلتقط أنفاسها المسلوبة فهى تعاني من ضيق التنفس عند البكاء
اقترب حسين من ابنته وعانقها يدرك إنفجارها بعد الكثير من الكتمان فهى قد حكت له عن الأحلام والرسائل التي ترسلها فريال لها وتريد أن توصلها لعائلتها، ولولا أنه رجل يدرك أن رؤية الميت في المنام ليست بالشئ الذي يستهان به ما كان ليأتي بها إلى هنا
نظر يونس لحالتها مشفقًا على ما تعانيه ولا تقول، فوالله حالتها البائسة هذه تنافي تمامًا حالتها السعيدة بزفاف شقيقتها الأمس
أخذ يتحدث معها حسين بصوت خافت كلمات لم تصل للبقية فآماءت شروق وأبتعدت عنه ثم نظرت نحو والدي فريال اللذان كانا يراقبانها بصمت فتنحنحت منظفة حلقها ثم قالت :
-انا يمكن مشوفتونيش بس انا اللي كنت شاهدة على اللي حصل لفريال يوم ما
قاطعتها غصة مريرة استحكمت حلقها دون أن تكمل فقالت والدة فريال وهى تقترب منها عدة خطوات بصوت مقهور :
-انتي اللي شوفتيها وهى بتتدبح؟!
آماءت شروق تحاول مسح دموعها من أسفل نظارتها ولكنها عادت تترقرق بغزارة عندما أضافت الأخرى بلوم :
-يعني شوفتيها وهى بتتدبح ومساعدتهاش، معملتيش ليه حاجة طالما شوفتيه بيقتلها، كنتي وقفتيه
تحشرج صوت شروق عندما ضغطت والدة فريال على جروحها هاتفة بتلعثم :
-أنا.... آسفة مقـ مقدرش أتحرك والله.... آسفة... انا آسفــ
لم تكمل كلمتها بسبب إختناق صوتها بغصة البكاء فأخذت تبكي وتلوم نفسها وتعتذر على عدم مساعدتها لفريال، وترك ذلك المجنون ينحرها بدمٍ بارد
ربت حسين على كتف ابنته حتى يهدئها، بينما جذب والد فريال زوجته قائلًا بحزن :
-خلاص يا سهام متدوسيش على البنت كده، فريال راحت للخالقها
هدأت شروق قليلًا ثم قالت بصوت حزين :
-هى بتحبك والله حتى في الأحلام كانت بتقول ماما زعلانة ولحد دلوقتي منسيتش موتي
-كنتي بتشوفيها في الأحلام؟!
هتف بها والد فريال متسائلًا فحركت رأسها بأجل ثم قالت بالتزامن مع فتحها لحقيبتها :
-ايوه شوفتها كتير في الحلم وإحساسي بالذنب اني معرفتش ألحقها بيزيد في كل مرة
أخرجت عدة أظرف من حقيبتها وأعطتهم لهما ثم قالت :
-أحيانًا بحس إنها بتوصلي رسايل وأكتر من مرة تطلب مني أروحلكم، وانا لسه واصلة إسكندرية من يومين وجيت مع أقرب فرصة، دي ظروف فيها ورق بأسامي، انا معرفش هما مين بس حفظتهم من كتر ما بحلم بكلامها وحفظت اللي عايزة توصله ليكم وكتبتوا
أخذت منها الأخرى الأظرف ثم نظرت لها بنظرات غير مفهومة فقالت شروق بحزن :
-انا مش مألفة حاجة من دماغي وسواءً صدقتوا المكتوب أو لأ انا بس مرسال من ميت
خلعت نظارتها حتي تمسح الدموع العالقة في أهدابها ثم أضافت بصوت مختنق :
-وانا آسفة ليكم والله إني معرفتش ألحق بنتكم
إرتدت حقيبتها مرة أخرى ثم نظرت لوالدها وقالت :
-يلا
-يلا
أحاط بكتفها وخرجا من الفيلا يلحقهما يونس الذي لم يفتح فمه بكلمة فقط كان يستمع بصمت، وما إن وصلوا للحديقة حتى إستداروا على صوت المدعوة سهام وهى تنادي على شروق ثم قالت فور أن وقفت أمامها بنبرة متلهفة وفي يدها ورقة :
-انا مصدقة إنك بتشوفي بنتي في أحلامك، بس هى ليه بتظهر ليكي انتي وانا لأ؟! هى... هى مش عايزة تشوفني علشان انا اللي جربتها تتعرف على كاظم الدخيلي وتوافق على الخطوبة منه صح؟؟ علشان كده مش عايزاني أشوفها حتى في الحلم
نفت شروق رأسها بعدم معرفة قائلة بجهل :
-مش عارفة والله انا اللي أعرفه قولته وكتبته معرفش أكتر من كده
تمسكت الأخرى في ذراعي شروق بطريقة آلامتها قائلة برجاء :
-لو شوفتيها تاني في الحلم قوليلها تسامحني بالله عليكي، انا حاسة إنها ماتت ومش مسامحاني على اللي حصل
حال يونس بينهما بذراعه مبعدًا السيدة عن شروق ثم قال بجدية شديدة :
-لو سمحتي يا مدام هى كانت بتوصل رسالة ليكم ووصلتها ينفع بقى نمشي؟
نظرت سهام نحو شروق التي مسحت عينيها بالمنديل ثم قالت بصوت متحشرج :
-انا آسفة إني قلبت عليكي المواجع عن إذنك
فتحت باب السيارة ودخلت فجلس بجانبها والدها وصعد يونس بالأمام وانطلق لخارج الفيلا، كانت شروق صامتة حين خرجوا ولكن بعد دقائق بدأ يظهر عليها آثار البكاء مرة أخرى
غطت وجهها بكفها ومالت على الباب وأخذ جسدها يهتز وصوت نواحها ملأ السيارة، أخذ حسين يتحدث مع ابنته لعلها تهدأ ويخفف من عليها :
-خلاص يا شروق مش كده الله يرحمها راحت لمكان أحسن إن شاء الله، انتي مش ذنبك إنها ماتت اكيد الصدمة أثرت عليكي علشان كده معرفتيش تتحركي من مكانك
لم تتجاوب معه فأوقف يونس السيارة بجانب أحد المقاهي في كفر عبده ثم قال مستديرًا بجسده للخلف :
-تنزلي نشرب حاجة تهدي أعصابك في الكافية ده
نفت الأخرى برأسها رافضة الأمر تمامًا فقال حسين :
-روحنا يا يونس هى لما تقعد مع بنات عمامها وتتكلم معاهم هتهدي
أبعدت يدها عن وجهها ترفض هذا أيضًا إذ قالت :
-مش عايزة أشوف حد لا عايزة ادخل ولا عايزة أرجع عندهم مش عايزة حاجة، رجعوني البلد
-ترجعي البلد إزاي وتسيبي أختك لسه صباحيتها النهاردة، تزعل لو مجتيش مش دي أختك اللي قعدتي تبكي عليها عشية علشان هتمشي
نظرت نحو والدها بملامح باكية ثم صاحت بإنهيار :
-بس انا تعبانة مش عايزة أقعد في إسكندرية عايزة أمشي
هبط يونس من السيارة وفتح الباب الذي عندها ثم قال بهدوء لا يدري من أين اكتسبه :
-تعالي انزلي هتلاقي الجو هادي جوا ومفيش ناس كتير علشان إحنا لسه صبح، اشربي عصير واهدي شوية وبعدين نشوف حوار ترجعي الصعيد ولا تقعدي
صمتت تفكر في الأمر ثم تنهدت بتعب وهبطت من السيارة تنظر إلى هذا المقهى من الخارج، يبدو مكانًا هادئًا بالفعل يريح الأعصاب وهذا ما تحتاجه لعل الثورة بداخلها تخمد قليلًا
إتجه يونس نحو إحدى الطاولات البعيدة عن الناس وقد ساهم الهدوء في هذا، إذ كان المقهى شبه فارغ في وقت الظهيرة ففي العادة تمتلئ المقاهي ليلًا
جلست على أحد المقاعد وجلس والدها إلى جانبها فأغمضت عينيها تحاول قدر الإمكان الإسترخاء، حضر النادل لتلبية طلبهم فقال يونس موجهًا حديثه لهما :
-انا هاخد شاي تحبوا تشربوا ايه
وقال حسين وهو يحدق في هاتفه الذي يرن برقم زوجته :
-شاي برضو بس يكون سكره زيادة
نظر نحو شروق ولم ينتظر طلبها بل قال :
-اتنين شاي وواحد آيس كريم
رمقته الأخرى بتعجب لأنه طلب نيابة عنها فقال يونس ببسمة صغيرة :
-حاسس الآيس كريم هيهدي معاكي شوية ولو مش عايزة اطلبي حاجة تانية
في الواقع المثلجات اقتراح ممتاز في هذه الأجواء الحارة لذا آماءت بهدوء قائلة :
-تمام آيس كريم نصه فانيليا ونصه شوكولاتة
-تحبي تاخدي حجم ايه
نطق بها النادل برسمية فقالت شروق بلامبالاة :
-اي حاجة
تنهد يونس بضجر لا تعجبه الشخصية الكئيبة هذه من شروق فقال :
-شكلك وانتي زعلانة مش حلو علفكرة، وانتي عصبية ومستفزة أحلى بكتير
تنحنحت شروق ولم ترد عليه نظرًا لوجود والدها حتى أن يونس صمت كذالك عندما رأى حسين يركز حواسه معهما ثم قال :
-صح سمعت إنك إترقيت مش كده
آماء يونس بإيجاب فأضاف حسين :
-شغل الظباط صعب الله يكون في عونك
-أكيد، وأي شغل صعب والله مش بيقولوا أكل عيش مُر
أخذ يتحدث معه حسين عن عمله وعن أمور بناية والده وعمه وأمور الرجال هذه التي أصابت شروق بصداع من ثرثرتهم وهي من كانت تريد الهدوء حتي تريح رأسها
زفرت بضيق ثم استقامت من مكانها بعصبية من ثم قالت :
-هاروح الحمام
-طب انتي عارفة هو فين
تساءل بها والدها وهو يستدير نحوها فقالت الأخرى دون أن تلتفت :
-هسأل حد
إستدار حسين ليونس الذي قال دون مقدمات، وبشكل مباشر سأله :
-ليه مفكرتش تعرض شروق على دكتور نفسي من أول يوم شوفت إنها مش طبيعية
-انا بنتي طبيعية بس هى لسه مخضوضة لحد دلوقتي من اللي حصل، مش كل واحد هيعدي بحاجة صعبة هيحتاج دكتور نفسي
-بس بنتك معدتش بصدمة عادية، دي كانت هتتقتل وشافت قدامها واحدة بتدبح ومش بس فريال دي كمان دكتورة ماتت قدامها وكانت مطاردة في الكلية من واحد مجنون بيضرب عليها نار بطريقة عشوائية مات فيها اتنين، وتلاتة حصلت ليهم إصابات، وأهو سمعتها محملة نفسها ذنب موت فريال، شروق محتاجة دكتور تتكلم معاه، انا سمعت إنها بقى عندها فوبيا من الدم بسبب اللي حصل، انا مستعد اتكفل بكل حاجة تخص علاجها النفسي
تنهد حسين تنهيدة قوية ثم شبك أصابعه فوق الطاولة التي يجلسان عليها ثم قال بجدية :
-ده على اساس اني مش معايا اعالج بنتي، الموضوع مش بس حكاية علاج الموضوع سمعة، يمكن انتوا هنا كل واحد في حاله وميدخلش في حياة غيره عندنا إحنا في الصعيد لأ، ألف واحد عينه على حياتك، الناس عندنا تموت في اللت والعجن في سيرة الناس حتى لو بالباطل، شروق في الأول لما رجعنا البلد متكلمتش مع حد في اللي حصل ومهما نحاول تهرب من الكلام لحد ما انفدرت "انفجرت" فضلت تصرخ وتبكي وتضرب في الكل وهى مش حاسة بنفسها وكانت هتطلع الشارع بهدوم البيت لولا اخوها رجعها من على الباب، تعرف الناس اللي سمعوا قالوا ايه على بنتي
-ايه؟!
نطق بها الآخر وهو في كامل تركيزه مع ما يرويه فقال حسين بغضب مكتوم :
-قالوا ملبوسة وهى لا ملبوسة ولا فيها حاجة، الناس تعشق تتكلم على غيرها وكداب اللي يقولك كلام الناس في الزبالة علشان اللي يقول كده مجربش إحساس البنى آدم اللي الناس بتتكلم عليه بالصدق وبالكدب
تنهد يونس وهو يعود للخلف بظهره ثم قال :
-طب انا لسه رأيي إنك تخليها تتكلم مع مختص ولو هنا يبقى تمام، الدراسة هتبدأ الشهر الجاي وهى هتكون موجودة في إسكندرية علشان الكلية أكيد، تبدأ جلساتها هنا ومن غير ما حد يعرف
هم الآخر بالإجابة عليه ولكن قاطعه رنين هاتفه الذي رن بشكل مزعج كثيرًا فقال يونس :
-لو مكالمة مهمة رد على التليفون
-لو رديت مش بسمع كويس، مفيش شبكة هنا باين
إستقام من مكانه ثم تحرك نحو الخارج قائلًا :
-هقف برا أرد يمكن ألقط شبكة
آماء يونس دون رد وقد وضع تركيزه مع النادل الذي أحضر الشاي وكوب زجاجي مليئ بالمثلجات فنظر حوله بحثًا عن شروق وقد قلق من تأخرها هذا، جذب هاتفه حتى يتصل عليها فسمع الرنين قريب منه، أي أن شروق قد تركت هاتفها داخل حقيبتها المعلقة في ظهر المقعد
إستقام من مكانه حتى يرى لما تأخرت هكذا في المرحاض فوجدها تتقدم نحوه وهى تجفف وجهها من الماء بمنديل ورقي، جذبت مقعدها حتى تجلس ثم تساءلت عن والدها قائلة :
-أومال بابا راح فين؟!!
-بيتكلم في التليفون أهو
نظرت نحو المكان الذي يشير إليه فرأت والدها يقف بالخارج وعينيه عليهما من الزجاج الشفاف الذي يكشف المقهى من الداخل وقد أشار لها بالجلوس، جلست في مكانها ثم جذبت كوب الشاي الذي وجدته أمامها دون الإلتفات للمثلجات فقال يونس :
-دي كوباية باباكِ علفكرة، الآيس كريم بتاعك أهو
ارتشفت القليل من الكوب الماكث بين يديها ثم أجابت ببهوت :
-مليش نفس
-لأ مش متعود عليكي كده ارجعي شروق اللي أعرفها تاني
نطق بها محاولًا فتح حوار معها كما نصحته والدته ليجد منها نظرة باردة ثم قالت :
-يونس بجد مش عايزة اتكلم
رمقها بحيرة ونظرات غير راضية ثم رفع الكوب الخاص به لفمه متمتمًا بينه وبين نفسه :
-لما تتكلم وأسكت تشكي، ولما ابقى عايز اتكلم انا هى اللي تسكت
-علاقة معقدة فعلًا
نطقت بها ببسمة ساخرة ولا تزال لمحة البرود في عينيها التان تنظر بهما حولها إلى كل شئ عداه هو تقريبًا، حمحم منظفًا حلقه بعدما استرق نظرة لحسين الذي يتحدث بإنشغال في هاتفه ولا يزال يراقبهما جيدًا :
-أول مأمورية نزلتها في حياتي لما اتخرجت من الكلية واتعينت كانت فك خناقة جامدة على الطريق حاجة كده للمبتدئين، لما روحت كان أغلب سواقين العربيات ماسكين في بعض، من غير ما أدخل في تفاصيل هقولك المهم، انا والعساكر حاولنا نفك وخدناهم كلهم على القسم، واحد كان باين عليه غلبان مع إنه كان في الخناقة معاهم، إتحايل عليه مدخلوش الحجز معاهم علشان هيطحنوه جوا وانا طنشت رغم ان اللي كانوا معاه باين عليهم الشر للواد ده، بس زي ما قولتلك كبرت دماغي ورميتهم كلهم في الحجز وبعد نص ساعة جالي العسكري يقولي إنهم مسكوا في بعض تاني وواحد فيهم قاطع النفس ومرمي على الأرض، كان الواد اللي إتحايل عليا عدموه العافية لدرجة وشه مكنش باين من الدم والضرب، على ما نقلناه المستشفى الواد كان مستحملش ومات، عدى كتير أوي على الموضوع ولحد دلوقتي مشيل نفسي ذنبه وإني سبته ليهم يعملوا فيه كده
تنحنح مرة أخرى ثم أضاف وعينيه على الكوب بيده :
-مش عارف يعني هتستفادي ايه من الحكاية بس حكيتهالك علشان أقولك يعني اني حاسس بيكي وباللي بتمري به دلوقتي
رفع عينيه لها أخيرًا ليجدها تركز معه بكل حواسها وفور أن أنهى حديثه ابتسمت له بسمة ممتنة ثم قالت :
-تصدق وتآمن بالله دي أول مرة تقولي حاجة حلوة من ساعة ما عرفتك
حرك رأسه يمينًا ويسارًا مع ضحكة خفيفة ظهرت على وجهه ثم قال :
-يعني انا من وقت ما عرفتيني وانا مقولتش ليكي حاجة حلوة
-لأ خالص، بتتريق عليا بس
همهم بتفكير يفكر في لفظ جميل يعجبها فوقع نظره على لوحة معلقة لكوب قهوة وطبق كعك فقال وهو ينظر نحوها دون تفكير :
-انتي كيكة
اختفت البسمة من على وجهها وحل محلها الذهول وقد اتسعا بؤبؤا عينيها من الصدمة، إستدارت بسرعة إلى ما كان ينظر إليه فقابلتها تلك اللوحة، عادت بنظرها نحوه بارمة شفتيها بحنق ثم قالت :
-ملقتش أي كلمة في قاموسك خالص، عسل، سكر، حلوة، أمورة، إن شاء الله تقولي مانجا أهي حاجة حلوة هى كمان، سيبت ده كله ومجاش في بالك غير كيكة؟! انتي محدود التفكير علفكرة يا يونس
قهقه يونس بعلو فنظرت شروق سريعًا نحو والدها الذي كان غير منتبه لهما وعلى الأرجح يتحدث عن عمله بسبب إنشغاله هكذا، عادت بتركيزها مع يونس حين قال :
-مش محدود التفكير بس أكتر حاجة بحبها أو بعشقها حرفيًا هى الكيكة بكل أنواعها من لما كنت عيل لحد ما بقى عندي تلاتين سنة أهو، مينفعش يعدي اسبوع من غير ما ماما تعمل كيكة علشان عارفة إني أنا ويوسف بنحبها
-اممم علشان كده خلصت على نص الكيكة لما كنت عندنا انت وعيلتك، ده انت خلصت الطبقة اللي خدته ودخلت على الطبق اللي كانت ماسكاه أمك
رمقها ببسمة لأول مرة ترى يونس يرمقها بها، بسمة جذابة ظهرت على وجهه وفي عينيه ثم قال بنبرة حانية هادئة :
-الكيكة عندي حاجة حلوة، خفيفة على القلب، أغلى الحلويات على قلبي وبحبها أوي، مينفعش أعيش أسبوع كامل من غيرها، علشان كده قولتلك كيكة وهسجلك عندي برضو الكيكة
-الكيكة؟!
نطق بها بنبرة ضاحكة وهى تخفض كوب الشاي سريعًا بعدما اهتز في يدها وتناطر بعض القطرات على نظارتها فلم ترى عيني يونس التي راقبتها بحب ثم قال معترفًا بصيغة غير مباشرة وهذا أقصى ما استطاع الوصول إليه :
-انتي عندي زي الكيكة يا شروق، غالية عندي، خفيفة على القلب، وبحبها أوي
رفعت نظرها له عند آخر جملة قالها بعدما كانت تمسح عدساتها، فرأته ينظر إليها بنظرات مُحبة أخجلتها، عجبًا نادرًا ما تشعر بالخجل من يونس بل هى نادرًا ما تشعر بالخجل من أحدهم بسبب شخصيتها القوية
إعتدل في جلسته ثم رفع كوب الشاي نحو فمه قائلًا ببسمة عابثة :
-مدلعك أهو يارب يطمر فيكي ومتقوليش منشفها عليا
أبصرت الأخرى والدها قادم نحوهما فقالت بنفس البسمة العابثة، تجذب كوب المثلجات نحوها :
-ايوه هو ده يونس اللي أعرفه كنت بدأت أشك إنك اتبدلت بحد تاني مسافة ما روحت الحمام وجيت
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وضعت صنية الشاي على الطاولة التي تنتصف بهو شقة عمتها التي تتكدس من كثرة الموجدين، ثم جلست إلى جانب والدتها متسائلة :
-أومال بتك فين يا ماما
لم تنتبه لها صفية بسبب حديثها الشيق مع عمتها وزوجات أعمامها فنظرت هى حولها بحثًا عن عائشة أو ياسر الذي بات كالظل يلتصق بشقيقتها، تلك البلهاء التي تذوب في حب ياسر أكثر وأكثر وهى لا تستطيع لومها فمن التي لا تحب رجلًا يعشقها ويعاملها كما الورود
إستقامت من مكانها وقررت البحث عنهما لتجدهما يقفان في الشرفة وقد كانت معهما دعاء لذا قررت الإنضمام إليهم قائلة :
-بتنموا على مين في الضهرية كده
فرك ياسر وجهه فور أن إستمع لصوتها متمتمًا :
-يعني انا كنت عايز ازحلق اختي تروح تنطلنا اختك هى كمان
دعتها دعاء لتجمعهم قائلة :
-تعالي يا نورهان شوفي اختك منكدة على أخويا
وقفت نور بجانب شقيقتها وضمت كتفها هاتفة بتعالي :
-تعيش اختي وتنكد على أخوكي
قهقه ياسر على كلامها بالتزامن مع شهقة مستنكرة خرجت من دعاء ثم أضافت :
-سمعت يا ياسر قولتلك اتقل على البت شوية أهي وأختها هيرفعوا مناخيرهم علينا دلوقتي
نظرت نحو نورهان ثم قالت :
-انتي طول عمرك حقانية مش تسمعي أختك منكدة على أخويا ليه
إعتدلت الأخرى في وقفتها ثم ارهفت السمع لما سيقال فقالت دعاء :
-عائشة مش عايزة تعمل الفرح غير بعد ما تخلص الكلية وياسر عايز يقدم الموضوع وبقالهم شهر في الموضوع ده
همهمت نور بتفكير ثم نظرت نحو شقيقتها التي كانت تضم ذراعيها إلى صدرها بصمت ينتج عن شئ يدور داخل عقلها :
-طب انتي ليه عايزة تأجلي الجواز تلات سنين تاني يا عائشة، بصراحة فترة بعيدة قوي
-علشان ابقى على بال واحد مش عايزة يبقى عقلي مقسوم نصين، في الكلية وفي الجواز
-قصدك تلاتة هو انتي مش حاسبة الخلفة معاكي
نطقت بها دعاء تذكرها بهذه النقطة فلكمها ياسر بخفة في ذراعها قائلًا :
-هو انتي بتعقدي ولا بتحلي؟!
تحدثت نور بإقتراح قائلة :
-طب مدخلتوش الكبار ليه في الموضوع يمكن يلاقوا حل
وأجاب ياسر :
-مش عايز ندخلهم دلوقتي عايز أشوف حل سوي انا وعائشة لوحدنا بس شكلها كده هتخلص بإننا ندخلهم في الموضوع فعلًا
ختم حديثها وهو ينظر نحو عائشة التي تنهدت بصوت مسموع ثم ولجت للداخل دون إضافة كلمة، أدار ياسر جسده ونظر نحو الشارع من الشرفة فقالت دعاء بصوت خافت توجهه لنور :
-مش عاجبيني وهما زعلانين كده
-هما مش زعلانين، هما بس بيحاولوا يلاقوا حل وسط يرضي الاتنين وبصراحة عارفة أختي مش هتوافق بالجواز غير بعد الكلية أو على الأقل يكون عدى تلات سنين وفاضلها سنة واحدة، مش قدامك غير تستنى يا ياسر
-وانا مش عايز استنى أكتر من كده، هفضل أستنى لحد ما أكسر التلاتين، أكيد فيه حل غير إني استنى
نطق بها ياسر بعصبية طفيفة فذمت دعاء شفتيها قائلة :
-نور معاها حق الموضوع بدأ يوسع منكم انتوا الإتنين لازم الكبار يدخلوا في الموضوع
ولج ياسر للداخل وقد لحقت به دعاء تاركين نور تقف بمفردها في الشرفة، إستندت على الإطار ثم نظرت إلى الشارع الشبه فارغ نوعًا ما بسبب حرارة الظهيرة، أخرجت الهاتف من جيبها وقررت الاتصال على حمزة بما أنه لم يتصل حتى الآن منذ البارحة ولا تدري لما
تعجبت عندما وجدت مكالمات فائتة منه منذ عدة ساعات ولم تجب عليها بسبب وضع الهاتف على الصامت، ولكنها لم ترى أي إشعارات بمكالمة فائتة منه فيبدو أنها مسحت جميع الإشعارت دون النظر إليها عندما إستيقظت صباحًا
طلبت رقمه ولم يجب من المرة الأولى فطلبته ثانيةً وقبل أن ينتهي الجرس أجاب بنبرة ضائقة :
-لسه فاكرة إن عندك زوج تعبان والمفروض تسألي عليه!؟
عجبًا هذه أول مرة يتحدث معها بهذه النبرة، لذا بررت سريعًا :
-انا مشوفتش والله رنتك
-وهى كانت مكالمة واحدة؟! مشوفتهاش ولا طنشتي يا نورهان؟ انتي حتى على رسايلي من إمبارح مردتيش ولا كأن عندك زوج إمبارح كان تعبان والمفروض على الأقل يعني تسألي عليه، ده انتي لما كنتي تعبانة انا فضلت سهران في المستشفى من برا أوضتك، طب وانا بالنسبة ليكي ايه مجرد اسم هيتكتب معاكي في البطاقة
بدأ الحوار يأخذ منحنى جدي لم تتوقعه فإعتدلت في وقفتها قائلة :
-حمزة فيه ايه انا ما شوفت مكالمتك ووالله العظيم ما طنشت بس صحيت متأخر قوي النهاردة وبعدها علطول روحنا كلنا عند عمي محفوظ ولسه مخلصين الغداء، انا ملحقتش اتصل عليك ولا أبص في التليفون
-إحنا كاتبين الكتاب بقالنا أكتر من أسبوعين، فاكرة كام مرة انتي اتصلتي عليا الأول مش انا؟! مرة واحدة يا نور وانا اللي بتصل، وانا اللي بتكلم، وانا الطرف الملهوف اللي بيتحرك أصلًا، وانتي الطرف الساكت الصامت دايمًا حتى كلمة حبيبي مثلًا عمرك ما قولتيها ليا، ماشي في الأول كنتي بتتقلي عليا بس خلاص كده كفاية، ده مش كسوف منك يا نور انا حاسس إنه برود
هذه أول مشاجرة بينهما وربما أول مشاجرة لها مع رجل وهذا الرجل يكون خطيبها وزوجها ولم تحسن التصرف ولم تجد ما يقال لأنها لا تعرف ماذا يقال من الأساس
شعرت أنه يبالغ نوعًا ما، وفي نفس الوقت شعرت أنه محق لا تشبعه بكلمات معسولة كما يغرقها هو، وقد قالت لها والدتها صباحًا أن تسأل عن خطيبها ولكنها نسيت تمامًا
هى نوعًا ما مقصرة في حقه ولا تأخذ أبدًا خطوة وله حق اللوم والعتاب
-سكتي زي كل مرة يا نور
تنهدت بصوت مسموع فلما لا يعطي لها فرصة في التفكير في رد حتى :
-انا آسفة والله بس انا مش بطنشك ولا باردة معاك، انا بس عندي كسوف زايد علشان أنت أول راجل في حياتي مش عارفة أقول ايه أو أعمل إيه مش زيك
-الموضوع مش محتاج خبرة محتاج مشاعر، كفاية تقل قلب عليا، الراجل لو ملقيش من مراته كلمة حلوة هيدور على الكلمة دي برا
استمعت لزفرة قوية منه تلاها جملته :
-انا هقفل علشان هاخد الدواء سلام
أغلق معها فضربت الأخرى رأسها بكفها تلوم نفسها أنها نسيت الإتصال عليه ولم تراجع الاشعارات جيدًا ككل صباح لها، ضغطت على شفتيها تدرك أنها تقصر في حقه وقد أقلقها جملته الأخيرة "الراجل لو ملقيش من مراته كلمة حلوة هيدور على الكلمة دي برا"
هل يعقل أنه قد ينظر لامرأة أخرى فقط لأنها لا يجد الكمال معها؟!
حك خصلاتها أسفل حجابها بقلق فهى لا تجيد بالفعل التحدث بالغزل أو حديثًا معسولًا كما هو يبرع، ليست فاشلة وإنما تخجل بشدة خاصةً أن علاقتها مع حمزة لا تزال حديثة وهى لم تتعامل مع الرجال قط هو أول رجل في حياتها، وهو لا يصبر ويعطيها وقت أكثر لكي تعتاد عليه فماذا بيديها لتفعله
لا يوجد حل غير الإستعانة بالمساعدة
خرجت للبهو ثم مالت في إتجاه والدتها وهى تجذب يدها قائلة :
-ماما عايزاكِ دقيقة
تحركت معها صفية فأخذتها نحو أبعد نقطة في الشقة حتى تستطيع التحدث معها، وقفت أمامها ذاممة شفتيها تتوقع أن تهزئها والدتها لما فعلت لذا قالت بمقدمة :
-بصي انا لو غلطانة فهميني بس براحة
-فيه ايه؟ عملتي ايه؟!
تنفست بعمق ثم اخذت تسرد لها ما حدث وما قاله حمزة وفور أن أنهت كلامها حتى ختمته :
-ودلوقتي هو زعلان وانا حاسة نفسي غلطانة وبرضو حاسة إنه بيأفور شوية
رمقتها صفية بجدية ثم قالت بخبرة حياتية :
-هو واخد على خاطره منك، جوزك تعبان ليه مسألتيش عليه وانا قولتلك وفكرتك الصبح
-نسيت والله
-زي بعضه دي تعلم غيرها، اتصلي عليه تاني
همهمت نور بتفكير ثم قالت بنبرة متوجسة :
-طب يعني ايه رأيك أروحله وانا أصلًا عايزة اجيبله هدية
-وانتي مش جيبتيله؟؟
-ما طلع البرفان حريمي وقالي خليهولك انتي فأنا عايزة اجيبله واحد غيره رجالي وعايزة آخد حد معايا يفهم في الموضوع ده ويفهم في الحاجات اللي بيحبها الرجالة على الوجه العام، ها ينفع أروح
-ماشي بس استني لما نرجعوا كلنا هناك وانا اروح معاكي عندهم علشان مينفعش تروحي لوحدك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخذت تقلب في حسابه الشخصي على الإنتسغرام وهناك بسمة معجبة ترتسم على ثغرها، يبدو أوسم من ذي قبل فلم ترى مازن منذ ما يقارب العامين، وقد تفاجأت حقًا عندما علمت أنه في كلية الطب الآن
وضعت كفها أسفل وجنتها تراقب ملامحه عن كثب والسمرة التي اكتسبها من حرارة أسوان كما قال هو مع خضرة عينيه يعطي له مظهر شديد الوسامة خاصةً ملابسه الشبابية
تذكرت البارحة نظراته العجيبة لها التي آثارت في نفسها الخجل الشديد عندما قال "اللون الزيتوني فيكي حلو أوي"
تقلبت على فراشها وعقلها يراودها في رفع الحظر من عليه، هى ظنته شخص غريب ولكنها علمت الآن أنه مازن ابن خالتها لذا لا ضير في الأمر
همت بفك الحظر من عليه لتتفاجأ بوصول طلب صداقة لها منه على الإنتسغرام، همهمت بتفكير في القبول أو الرفض، هى تقبل صداقة جميع أقاربها لذا لم ترفض الطلب وقبلته لكنها لم ترسل له شئ
خرجت من الإنتسغرام حتى تشاهد أحد مسلسلاتها فقاطعها صوت والدتها وهى تنادي عليها من الخارج :
-يا رحـــمـة تعالي اعملي عصير يا حبيبتي
-حاضر جاية
نطقت بها دون أن تتحرك من مكانها حتى ثم أخذت تبحث عن مسلسلها الذي تتابعه مؤخرًا بالتزامن مع وصول رسالة لها من مازن تقول
"قابلة طلب الصداقة وعاملة ليا بلوك على الواتس"
تبع هذا إيموجي ضاحك منه فذهبت للواتساب وفكت عن مازن الحظر واستقبلت رسالة أخرى منه تقول
"بس حلو إنك عملتي بلوك لما حسيتي إني غريب بيرخم عجبتيني، طنط ناهد عرفت تربي"
نغزت قلبها جملته الأخيرة فإرتدت الوجه الخشب وأرسلت
"اممم تمام بس انت داخل تكلمني ليه فيه حاجة؟!"
"بسأل عليكي يا بنت خالتي، هو انتي زعلتي مني في حاجة"
"وانا هزعل ليه هو انت بعت حاجة تزعل "
"ماشي يا رحمة بس قوليلي انتي كبرتي كده أمتى ده انا حسيت عدى سبع سنين ولا حاجة مش سنتين بس"
عضت رحمة على شفتيها تفكر هل ترد أم لا ولكنه لا يقول شئ سئ وهو أيضًا ابن خالتها وتعرفه جيدًا بل في طفولتهم كانت تلعب معه هو وشيماء شقيقته في منزلهم
وصلت رسالة أخرى منه تقول
"كبرتي وبقيتي عروسة يا رحمة وبقيتي أحلى من الأول كمان"
تبسمت رحمة بخجل وأرسلت له
"شكرًا بس هو يعني كنت وحشة في الأول"
"لأ طبعًا دي انتي أحلى واحدة في العيلة، ده انتي أحلى من البنت شيماء، طالعة لطنط ناهد قمر زيها بالظبط"
فركت رحمة قدميها في الفراش وهناك بسمة ارتسمت على ثغرها من فرط إتساعها حتى شعرت بألم طفيف في فكها لتنشغل في الغرق بين الرسائل والمحادثات وقد تكاتف الشيطان مع مشاعر المراهقة في رسم حلاوة البدايات لعقلها....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!