الفصل 80 | من 83 فصل

في مدينة الإسكندرية الفصل الثمانون 80 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

المشاهدات
17
كلمة
7,550
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

قبل البدء حبيت أوضح حاجة من الفصل اللي فات، زواج البدل ده مسمى عندنا في الصعيد عبارة عن أخين يتزوجوا أختين زي المثال اللي عندنا في الرواية، أو أخ واخت يتزوجوا من اتنين اخ واخت برضو، وده شائع عندنا جدًا في الصعيد وبيحصل كتير وله مشاكل

على سبيل المثال لو اتنين اتضروا أو حصل بينهم مشكلة أو طلاق، الاتنين التانيين لو حتى حياتهم كويسة برضو هتطلوهم المشاكل ده والأهل هيدخلوا ومش بعيد يحصل طلاق، بمعنى بلدي "دي بدي" وهو ده عيب زواج البدل

وانا شوفت نماذج كتير منه وشوفت مشاكله علشان كده حبيت أضيفه كمشكلة من تقاليد وعادات الصعيد وهوضحه من خلال براءة ويوسف ويونس وشروق لأن الأربعة يعتبروا من ضمن زواج البدل

وفيه بعض الحالات العاقلة مش بيدخلوا المشاكل في بعضها، بس الأغلبية لأ

صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜

أخذ يراقب ملامحها عن كثب وهو يتساءل، هل ثلاثة أشهر قادرة على تحريك مشاعره بهذه القوة إتجاه امرأة تكبره بعامين؟!

أغلق عينيه يحاول تشتيت عقله عن سارة، ورقة سارة، وجمال سارة، ويلي كيف وقع في هذه الفتاة هكذا؟!

يحاول جاهدًا ألا يُظهر هذه المشاعر حتى لا تصبح مشكلة، فليس فقط العامين هما العائق بينهما، بل لأنها أكبر منه منصبًا بكثير، هو لا يزال موظف تحت التدريب بينما هى مستقبلًا ستكون صاحبة هذه الشركة

هذه معادلة غير متوازنة بالمرة ولكن من يقنع مشاعره، يعلم أنه ما كان عليه القبول بفكرة تعليم سارة وكان عليه الإنسحاب ولكن ماذا يفعل، حكم القوي كما يقولون ووالدها طلب منه هذا

حتى والده حذره من الإنجذاب خلف جمال الفتاة ويدع الشيطان يلعب في عقله، وها هى النتيجة هو غارق في القاع ولا يجد من ينجده وسارة وتعاملها بأريحية معه يلعب على أوتار أعصابه

سمع فرقعة أصابع أمامه وعندما فتح عينيه أبصرها أمامه تقول ببسمة جذابة :

-انت سرهان فيه ايه؟؟ ركز آلشان الدكتور بيقول كلام مهم

آماء لها كريم محاولًا قدر الإمكان أن يتنحي جانبًا حتى لا يلتصق بها، فهناك عدة أشياء لا يحبها بها، وأهمهم أن الخجل عندها صفر ٪

لا تخجل الجلوس بجانب الشباب، لا تخجل إرتداء الملابس الضيقة، لا تخجل من التعامل مع بأريحية، حاول أكثر من مرة أن يعدل لها هذا ولكن طباعها الأجنبية لا تتغير، ووالدها نفسه لا يهتم

انقضت مدة التدريب أخيرًا فهم الآن يتدربون عمليًا تحت إشراف الأطباء في تطويرات الأدوية، أخذ يجمع أشياؤه داخل حقيبة الظهر ليشعر بأحد يقف خلف ظهره وعلم منه هو من رائحة العطر لذا قال دون إستدارة :


-متحاوليش تخضيني علشان مدكيش بالقلم على وشك كرد فعل طبيعي مني

تراجعت عن الفكرة بالفعل فقال كريم وهو يضع الحقيبة خلف ظهره :

-عايزة حاجة هاروح انا بقى سلام عليكم

هم بالذهاب فتمسكت الأخرى في ذراعه قائلة برجاء :

-كريم I want to withdraw من الشركة علشان بابي جايب ليا راجل أقعد معاه

-راجل؟!

-آه ابن صاهبه

فهم كريم الأمر لكن لم يعلق بل جذب منها ذراعه قائلًا بضيق خفي :

-وانتي عايزة تهربي ليه ما تقعدي معاه ما يمكن يطلع ابن حلال

-انا مش في تفكير الجواز، آيزة ابني لنفسي مكان في الشركة

نظر كريم حوله فقد بدأ المعمل يفرغ إلا منهما وهذا ليس أبدًا بجيد :

-طب انتي عايزة مني ايه دلوقتي؟؟

-مش انا مآك motorcycle خدني نروه أي مكان

نطقت بها بحماس شديد جعله ينفر من الأمر فكيف تهرب من والدها لتخرج مع شاب غريب عنها، حاول أن يعتذر عن الأمر بطريقة مهذبة قائلًا :

-انا وبابا هنروح سوا، وكمان فرح أخويا قريب وانا مشغول معاه دلوقتي فآسف

تمسكت الأخرى في كفه قائلة :

-بليز يا كريم انا مليش صهاب هنا غيرك

شعر كريم بحرارة تجتاح جسده فهو بشر في النهاية وليس حجر وسارة جميلة لدرجة مهلكة، رن هاتفه وأنقذه من هذا الموقف فحمد الله أنه أفاق قبل أن ينجذب لوسوسة الشيطان :

-معلش بابا بيتصل ومستني انا همشي

رحل سريعًا دون سماع إجابة منها ثم هبط في إستقبال الشركة لوالده الذي كان ينتظره لكي يعودا سويًا، ابتسم عثمان لابنه قائلًا :

-الدكتور صفوت لسه ماشي من شوية وكان بيقولي إنك ممتاز جدًا في التدريب معاه ويجي منك

ابتسم كريم ضاحكًا ثم قال :

-أقولك على الحق ولا اتفشخر بالإطراء ده

-لأ قول الحق

-سارة بنت دكتور فؤاد دي بريمو في العلوم والصيدلة، دي تعلم الدكاترة اللي هنا فهى بتساعدني باللي درسته في ألمانيا، رد معروف يعني

تبسم عثمان يخفي قلقه من شدة اقتراب سارة وكريم، ولكنه يطمئن نفسه أنه يعلم كريم جيدًا ولن يخذلهم مرة أخرى....

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

أغلقت الموسيقى فور أن سمعت نداءً من الخارج بأن يغلقوا الأغاني لأن العصر يؤذن، وفور أن انطفأت الموسيقى حتى ارتفعت أصوات حديث النساء، لتقول هى بضيق :


-متشغلوش الأغاني تاني انا صدعت والله، وبعدين بحاول بقالي تلات سنين اعتزل الأغاني وانتوا كل يوم بتشغلوها، بتهدوا كل اللي بعمله يا ناس

نكزتها دعاء في ذراعها بخفة قائلة :

-هو انتي يعني هتتجوزي كل يوم، فكيهم بس اليومين دول

تنهدت نور مستسلمة ثم ولجت للمرحاض حتى تتوضأ وتصلي، تاركة نساء عائلتها اللواتي أتين جمعيهم حتى يَجردون مع والدتها جهازها الذي سينتقل للإسكندرية ويقوموا بترتيبه في شقتها الجديدة

مرت فترة الخطوبة قصيرة وهذا لأن والدتها تجهزها منذ كانت في الإعدادية من الفوط إلى الثلاجة، وتحلم باليوم الذي ترتب فيه شقتها، وقد اتفقوا مع والدي حمزة الإتفاقات التي تتم في العادة، وحددوا ما عليهم وما لهم

تركت لوالديها حرية الإتفاق في هذه الأمور واشترطت عليهم شيئًا واحدًا أن يبحثوا عن قاعة منفصلة بها الرجال عن النساء، فلا تريد أن ترى ما حدث في زفاف براءة يحدث مرة أخرى في زفافها

خاصةً لوجود الغرباء بينهم فهى تذكر أن اعمامها قاموا بتعنيف جميع النساء على انخراطهم في الرقص رغم أنهم كانوا في زاوية بمفردهم، وحتى أيضًا تكن هى والنساء على راحتهن وهذا كان طلبها

بالإضافة إلى ذلك طلبت من حمزة أن يذهبا لعمرة بعد الزواج فهذا حلم من أحلامها وهو وافق، هو بشكل عام يوافق على كل شئ تطلبه وليس بخيلًا أبدًا وهذه ميزة به، وهى نوعًا ما تستغل هذا

خرجت من المرحاض على صوت والدتها تنادي عليها لكي تتناول الغداء فقالت لها :

-ماشي أصلي الأول

ولجت لغرفة بمفردها ثم جذبت هاتفها من على الشاحن وقد وجدت مكالمة فائتة من حمزة، ودون تفكير اتصلت عليه حتى لا يقول تهمله، فاتضح لها أن حمزة ذو شخصية تحب أن يتلقى الإهتمام والحب من الجميع، شخص مدلل بإختصار

وفي الواقع لا تشعر بالضيق من الأمر رغم أنه قد يبالغ إن انشغلت عنه يوم كامل فيجعله عتابًا، ولكن في النهاية لكل شخصية عيوب وعيب زوجها أنه مدلل وجرئ و...... لا يصلي

-الو يا حمزة

نطقت بها عندما صدح صوته ليقول حمزة بمشاغبة :

-حمزة كده حاف

-صليت يا حمزة بيه

حك حمزة خصلات شعره مهمهمًا في كذبة لتقول نور بجدية حادة :

-عارف لو كذبت عليا هقعد من هنا لحد يوم الفرح مكلمكش

-بصراحة نسيت

-نسيت ايه يا حمزة حرام عليكي انا تعبت معاك

-والله يا نور بنسى مش بطنش

هزت رأسها بضيق شديد من حجة النسيان هذه، فهو على هذا الحال معها منذ أسبوعان، بالتحديد منذ زيارته هو والديه لها في الصعيد لكي يتفقوا على بعض الأمور الخاصة بالزفاف


ويومها سأل عثمان من باب فتح حوار عن ختامها للقرآن، وهنا قررت والدتها أن تتفاخر بإبنتها أمام نسائبها إذ قالت :

-نورهان ختمت القرآن من كذا سنة وبتدخل مسابقات كتير وبتصلي ما شاء الله عليها، حتى بتصلي الفجر حاضر كل يوم

كم أصابها الخجل وقتها حقًا خاصةً من إطراء ناهد وعثمان عليها ليقول عثمان :

-ما شاء عليكي أحسن حاجة القرآن والصلاة، يارب حمزة يتعلم الإلتزام بالصلاة منك

حينها نظرت إلى حمزة نظرة مذهولة فهو أخبرها قبل عقدهما للقران أنه يصلي، هل كذب عليها هذا الوغد؟!

-انت مش بتصلي يا حمزة!!؟

وكان حمزة في أكثر مواقفه حرجًا، إذ حاول أن يخرج نفسه من هذا الموقف فكم هو مخجل أن يسألك أحدهم اتصلى وتقول له لا، فكيف أنت مسلمًا ولا تصلي فروضك :

-لا متبصيش كده انا مش كافر يعني، انا بصلي بس مش علطول، ممكن انسى خالص، أول لما يتراكموا عليا بكسل، بس بصلي كل جمعة مش بفوت ولا جمعة، وفي رمضان بصلي والله

رمقته نور بوجه بارد ونظرات حادة ثم قالت :

-وهو في رمضان فيه رب وباقي السنة لأ؟! ويوم الجمعة يوم العبادة وباقي الأسبوع أجازة من العبادة؟؟

صمت ولم يجادل بل قال بحرج :

-إن شاء الله هصلي

-انت لو مش مصلي فروضك دلوقتي هتقوم تصلي، حتى لو مكسل تروح الجامع صلي في البيت على الأقل يعني، مفيش حاجة اسمها مش فاضي أو نسيت فيه حد ينسى ربه؟! دي نص ساعة من وقتك كل يوم بس، ازاي داخل على التلاتين يا حمزة ومش بتصلي، هتصلي على السبعين يعني؟! هو حد ضامن يعيش لساعة تاني، لما تروحله تقوله يارب انا مكنتش فاضي وكنت مشغول عنك

ونظر عثمان لابنه قائلًا بلوم :

-جبتلنا الكلام أهو

وقالت نور وهى تنظر لعثمان وناهد بجدية أكبر، أو لنقول فلت لسانها بكلام غير منتقى :

-مش قصدي قلة أدب يعني بس الغلط عليكم انتوا كمان، ليه معلمتهوش الصلاة

وأجابت ناهد :

-والله علمناه هو وأخواته، بس كبروا وباظوا خالص ومبقتش أقدر عليهم فسيبتهم بقى كل واحد يشيل وزره

وأخذت والدتها تذكر لحمزة فوائد الصلاة وفضلها والكثير من الكلام ختمته هى بأن قالت له أنها ستسأله يوميًا عن الصلاة، قليلًا ما يقول أنه صلى وكثيرًا ما يقول أنه نسى، وفي اليوم الذي ينسى فيه لا ترد على مكالماته لباقي اليوم

ورغم هذا لم يلتزم بعد

-انا هاروح أصلي العصر واقفل وروح صلي ومشوفش رقمك على تليفوني لحد الصبح


-طب استني طيب عايز أقولك حاجة مهمة، انا ملقتش قاعة منفصلة يا نور

عقدت حاجبيها بضيق فهذا المتوقع، القاعات المنفصلة قليلة جدًا في مصر بالفعل وقلقت ألا يجد :

-ملقتش خالص

-دورت كتير ولقيت اتنين والاتنين محجوزين في اليوم اللي محددينه إحنا للفرح وقبله وبعده

عضت على شفتيها تشعر الحيرة قائلة :

-طب وبعدين يا حمزة

-انا حجزت قاعة عادية علشان ألحق حجز

أخرجت صوتًا معترضًا وصل له فقال بجدية :

-دورت يا نور وملقتش طيب أعمل إيه

تنفست الأخرى ببطء تفكر في قول الحل له لكن تخشي الرفض، خاصةً وأن الزفاف بقى عليه أسبوعًا واحدًا فمن الذي سيوافق على التغيرات الآن :

-طب بص ايه رأيك نعمل كل حاجة هنا الحناء والفرح وكله ونسافر على الإسكندرية علطول

-عندكم قاعات منفصلة؟!

-لأ معتقدش بس قصدي يعني الفرح يبقى هنا قدام البيت والفِراشة هتبقى فاصل بين الرجالة والستات

نفى الآخر برأسه وكأنها تراه قائلًا :

-لأ يا نور معتقدش إن حد هيوافق على ده

-اسمع بس بابا وماما أصلًا كانوا عايزين من الأول يعملوه قدام البيت علشان ملهمش هما في أجواء القاعات، بس انت وأهلك اصريتوا على موضوع القاعة، لو اقترحت عليهم هيوافقوا

-بس أهلي ممكن ميوافقوش علشان المفروض الفرح يبقى عند أهل العريس يا نور مينفعش كلنا نسافر الصعيد

-ما انتوا جيتوا قبل كده وقعدتوا كلكم عادي، حتى الجو دلوقتي غير، الجو دلوقتي كويس خالص مش حر ولا حاجة، وبعدين هى هى يا انتوا تيجوا كلكم يا إحنا اللي نروحوا كلنا، وعيلتنا أكبر من عيلتكم أصلًا

فرك حمزة جبينه يحاول أن يقنعها بوجهة نظره :

-انتي ضروري يبقى فيه فرق بين الرجالة والستات؟؟

-ايوه يا حمزة عمامي اتعاركوا معانا على اللي حصل في فرح براءة، وأكيد هيعملوا نفس الموضوع في فرحي انا عرفاهم ومش هيسيبوني غير لما أرقص معاهم، انت ترضى الرجالة تتفرج على عرضك

أطلق تنهيدة قوية ثم قال :

-هشوف بابا وماما وأرد عليكي

-حاول تقنعهم يا حمزة

-ماشي سلام

أغلق معها ثم أخذ يفكر جديًا في الأمر، هو صعب كثيرًا خاصةً أن التغيرات هذه ستكون قبل الزفاف بأسبوع واحد وهم قد اتفقوا على كل شئ سابقًا، لولا هذا الأمر الذي خرج من المنتصف


سمع صوت رنين جرس الشقة وعلى الأرجح هذا والده وكريم قد عادا من العمل، خرج من غرفته مناديًا على والدته التي تقف في المطبخ قائلًا :

-ماما تعالي عايزك في موضوع مهم

فتح لهما الباب ليقول كريم وهو يخلع حذائه :

-الغداء فين يا جدعان انا جعان أوي، يا نــــاهد فين الأكل

تركه حمزة يدخل بينما هو وقف أمام والده قائلًا :

-عايزك في موضوع مهم

-طب ادخل الأول ولا هنتكلم على الباب

افسح له طريق للدخول لتقول ناهد وهى تمسح يديها في منشفة المطبخ وقد جذبت كريم معها قبل أن يدخل ويفسد الطعام بأصابعه مثل قطط الشوارع التي تتسلل لمطابخ الجيران :

-ايه يا حمزة مالك؟؟

جعلت كريم يجلس على الاريكة في البهو ثم أضافت :

-اتلم يا كريم وناكل سوا زي الناس

نظرت لابنها الذي جلس لجانب والده الذي يميل قليلًا للأمام يفك رباط حذائه :

-قولت لنور ملقتش قاعة منفصلة فقالت نعمل الفرح عندهم في الشارع الواسع بتاعهم ده ونسافر على إسكندرية علطول على الشقة من غير ما نعمل حاجة هنا

صمت حل على الجميع قاطعه كريم عندما قال :

-يعني إحنا دلوقتي هنسافر الصعيد تاني على كده؟!

اعتدل عثمان في جلسته ثم قال :

-دي مش فكرة حلوة ومش هينفع تتعمل لأن الفرح في بلد العريس مش العروسة

-هى مش عايزة القاعة تبقى مختلطة علشان تعرف تاخد راحتها هى والستات

وقال عثمان بجدية :

-فكرة القاعة والفرح هى اللي مضيقاها خلاص بلاش من الفرح كله وتفرح في بلدهم هى وأهلها وتيجي على شقتها علطول

تعجب حمزة من السهولة التي يتحدث بها والده لتقول ناهد معترضة :

-يعني هى وأهلها يفرحوا وانا مفرحش بإبني

ووافقها كريم هذا الإعتراض قائلًا :

-معاها حق، آه معترض على فكرة حمزة يتجوز ويسيبنا بس انا عايز فرح اهيص فيه للصبح ده انا محضر خطط قد كده لليوم ده

وقال عثمان :

-طب ما هى اللي رافضة

-يا بابا هى رافضة فكرة الاختلاط، عايزة الستات لوحدهم والرجالة لوحدهم علشان الكل يبقى على راحته، وبعدين انا شايف إن الموضوع هو هو والسفر لازم، لو الفرح هيبقى هنا هما اللي هيسافروا، ولو الفرح هناك إحنا اللي هنيجي

-وهو السفر كده خلص؟! ما أهلها هيضطروا يجوا تاني معاها هنا ولا مش هيوصلوها بيت جوزها ويسيبوها تيجي وحدها


تنهد حمزة لا يدري ما هو الحل فقال عثمان وهو يستقيم من مكانه :

-مش هى عايزة الستات يبقوا لوحدهم والرجالة لوحدهم؟! سيب ليا انا الموضوع ده وخلي كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا مع ابوها وأمها، بعد أسبوع الفرح على معاده وهما اللي هيجوا وانا هلاقي حل لموضوع القاعة ده

نظر نحو زوجته ثم أضاف :

-حطي الغداء يا ناهد علشان نروح المستشفى، رقية محجوزة ولازم نزورها

إستقامت ناهد من مكانها حتى تحضر الغداء وقد ذهب عثمان للمرحاض وبقى حمزة وكريم في البهو، نظر كريم لشقيقه الذي يحاول الإتصال بزوجته ولكن لا ترد عليه فقال :

-أقولك على حاجة

نظر له حمزة بإنتباه وظن أنه سيقترح اقتراح مهم ولكن خاب أمله عندما قال :

-ما تفكك من الجوازة دي، ده انا اللي هشيل خشبتك لما تموت مش هى

ابتسم حمزة على شقيقه ذو عقل الكستناء ثم قال :

-تاني يا كريم؟! مش قولنا مش هنفتح موضوع يخص نور تاني

صمت كريم بعدما كان يريد أن يمازحه قليلًا ولكن يبدو أنه ما عاد يتقبل المزاح بشئ يخص زوجته، خاصةً بعد المشكلة التي حدثت معه هو ونور وغادة وقد قام والده بتعنيفهما والاعتذار منها، وعدم تكرار هذا المزاح الثقيل معها :

-هى لسه مضايقة مني انا وغادة؟!

-هشوف لما تيجي وتشوفكم تاني، بس الموضوع فات عليه كتير تلاقيها نسيت خلاص

حاول الإتصال عليها مرة أخرى ولكن لا تجيب فرجح أنها تصلي أو تعاقبه على إهماله للصلاة اليوم، هم بالوقوف حتى يصلي قبل أن ينسى فأوقفه كريم قائلًا :

-حمزة عايز اتكلم معاك

نبرته هذه جعلته يعود كما كان ثم قال بجدية :

-اتكلم

دار بؤبؤي عينيه يحاول إيجاد مقدمة مناسبة للأمر :

-بص انت كنت مشغول اوي الفترة اللي فاتت علشان كده متكلمتش بس حاسس الموضوع بدأ يتعبني

-مالك يا كريم انت تعبان؟!

نطق بها بقلق وهو يقف من مكانه ويجلس لجانبه فقال كريم وقد استدار له بجسده :

-هو ايه الفرق بين الحب وإنك تبقى منجذب لشخص

ارتفعت بسمة على ثغر حمزة وقد ظن أن هناك أمر خطير ولكن اتضح له أن الأمر فقط هو أن شقيقه يسأل عن الحب :

-الحب يبدأ بالإنجداب يا كريم، ايه خلاص كبرت وبدأت تحب!؟

-مش عارف يا حمزة بس هما تلات شهور بس والحب محتاج أكتر من كده صح؟!

-على حسب المشاعر بقى، قولي مين؟!

لم يعتد أن يخبئ عنه شئ لذا قال بخفوت حتى لا يصل الصوت لوالده :


-سارة

-سارة مين؟! اتمني ميكونش قصدك بنت صاحب الشركة

آماء له كريم بإيجاب فتنهد حمزة تنهيدة تحمل الضيق ثم قال بهدوء :

-قبل ما اتكلم عنها انت حاسس ايه ناحيتها

-مش بعرف اشيل عيني من عليها، فيها حاجة بتشدني

-ما ممكن يكون انبهار بواحدة جميلة بزيادة ، وانا شوفت صورتها وهى جميلة فعلًا

-وهو الانبهار ده هيفضل لحد الوقت ده كله

عقد حمزة ذراعيه أمام صدره ثم قال :

-قولي يا كريم ايه مدى تعاملك مع البنت دي

همهم كريم محاولًا البحث عن إجابة مناسبة فقال حمزة بتحذير :

-ومن غير كدب

-ماشي من غير كدب انا طول الوقت معاها، حتى وقت الإستراحة بتسيب الكل وتيجي تقعد معايا انا

-يبقى معتقدش إن ده حب وإنما تعود على وجودها حواليك مع انبهار بجمال جديد خاصةً إن هى جمالها اوروبي مش شرقي، جرب كده تبعد عنها خالص ومتشوفهاش لفترة كبيرة ولا تتواصل معاها، هو ده اللي هيثبت انت حبيتها ولا لأ، لما فضلت ست شهور مش عارف أوصل لنور وكنت بفكر طول الوقت ومستني موافقة أبوها، عرفت إني حبيتها بجد وعايزها، لكن لو كنت نسيتها وبطلت افكر فيها وزهقت من الموضوع وقتها مكنش ده هيبقى حب

آماء كريم يفهم كلامه جيدًا إذ قال :

-انا هحاول آخد أجازة الفترة دي علشان فرحك، بس قولي رأيك إيه في الموضوع؟؟

-نصيحة مني بلاش من البنت دي يا كريم، هى أكبر منك سنًا ومركزًا، في الأول هتقول الحب مفهوش سن ولا مركز بس بعد كده لما تفوق من سعادة البدايات هتندم لما تشوف مراتك صاحبة شركة وانت بس شغال عندها، ولو قولت هسيب الشغل عندها خالص هتفضل برضو أقل منها وفطرة الراجل بتخليه يحب يكون هو المسيطر، هو اللي يصرف على البيت، هو اليد الاقوى، علشان الست لو كانت الأعلى منه حياتهم هتبقى مليانة مشاكل، ويا سلام بقى لو طلعت من النوع اللي بيقول "انت نسيت نفسك انت كنت فين وانا فين لأ فوق" وقتها نفسيتك هتتعب يا كريم من العلاقة دي وتلعن قرار الارتباط بيها من الأول، فأرجع أحسن دلوقتي

شعر كريم بمدى صدق ما يقول بالإضافة إلى ذلك سارة ليست مثلهم أبدًا مسلمة اسمًا فقط وتقوم بتصرفات لا تعجبه، وقال الرسول حين نختار للزواج "فاظفر بذات الدين"

-طب لو طلع اللي ناحيتي ليها حب فعلًا يا حمزة

-طب أقولك انا إيه رأيك نخطبلك؟؟ انت خلاص بقى عندك أربعة وعشرين وخلاص كلها شوية وتتثبت في الوظيفة والشقة جاهزة مش ناقص بس غير العروسة، واهو متبقاش السنجل الوحيد اللي فاضل في العيلة ونشوفلك واحدة تلمك


التمعت هذه الفكرة في رأسه، إن خطب فتاة قد ينسى التفكير بسارة بالفعل، ولكن من التي سيخطبها وهو لا توجد امرأة في حياته غير والدته وشقيقتيه وسارة مؤخرًا

يبدو أنه سيقوم بالرحلة التي يقوم بها كل شاب قرر الزواج، رحلة البحث عن عروسة...

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

وضعوا لها محلول لا تدري ماهيته ولكن سيساعد على زيادة الأكسجين في دمها وإيصال الأكسجين لجنينها، اغمضت عينيها بتعب ويدها فوق بطنها المنتفخ تتمنى ألا يحدث له شئ سئ وأن يكتمل حملها هذا على خير

طرق الباب ثم ولج يونس ومعه والديها وقد هرولت لها عبلة تقول بقلق :

-مالك يا حبيبتي فيه ايه؟! ايه اللي تعبك؟؟

نظرت لوالدتها وقد امسكت بيدها تستمد منها الأمان والسكينة قائلة بصوت متحشرج لشدة بكائها :

-ماما الدكتورة قالتلي الأكسجين مش واصل للبيبي وممكن يموت

مسدت الأخرى على رأس ابنتها ذات الأعين المنتفخة من شدة البكاء ثم جلست لجانبها على الفراش وقالت بحنو :

-لا إن شاء مش هيموت قولي يارب

-يارب يا ماما يارب

نظر محمد إلى الغرفة التي تتشاركها ابنته من أربعة أخريات ثم قال :

-هو يوسف مش موجود في المستشفى؟! وفين عمر؟؟

-يوسف لما جه جابلي دكتورة نسا زميلته هنا وكشفت عليا تاني وهما دلوقتي عندها

-وسابوكي هنا لوحدك؟!

نطق بها يونس مستنكرًا فقالت رقية بإرهاق :

-ما هى الدكتورة طلبت منهم يجوا مكتبها وبقالهم أكتر من عشر دقايق هناك

شعر محمد بوجود خطب ما حتى تطلب الطبيبة التحدث مع زوج المريضة وشقيقها بعيدًا عنها :

-هى اسمها ايه الدكتورة دي؟!

-مش عارفة يا بابا مأخدتش بالي

جذب يونس مقعد حديدي لوالده حتى يجلس بجانب فراش ابنته ثم قال بهدوء :

-حد جابلك أكل ولا أنزل اجيبلك انا

أشارت رقية لعدة أكياس بلاستيكية بجانب الفراش الذي تجلس عليه قائلة :

-الدكتورة قالت على أكل معين أكله فيه بروتين وحديد وكده وعمر جابلي بس انا مليش نفس أبلع حاجة خالص

وجذبت عبلة هذه الأكياس قائلة بجدية وصرامة أمومية :

-لا مفيش الكلام ده لازم تاكلي حتى لو غصب عنك، ازاي عايزاه يعيش وانتي مش عايزة تاكلي؟!

طرق الباب ثم ولج يوسف بملامح تفوق ملامحه شقيقته إرهاقًا، وعندما وجد عائلته قد حضرت تنفس براحة أنه سيجد أحدًا يعينه على إلقاء هذا الخبر السئ لرقية


نظر يونس لشقيقيه وكلاهما يظهر التعب والهموم عليهما فقال :

-والله انتوا اتحسدتوا واحدة مرمية على السرير أهو، والتاني راسه مربوطة بشاش وشبه اللي عليه ديون توديه في داهية

حاول يوسف الابتسام له ولكن لم يستطع من كثرة الهموم التي يحملها بالفعل، فها هى شقيقته تنضم أيضًا لهمومه الكثيرة :

-الدكتورة قالت ايه؟! وفين عمر؟؟

نطقت بها رقية تبحث عن زوجها الذي لم يأتِ بعد فقال يوسف بملامح شاحبة :

-عمر في الحمام

عاد يونس للخلف قليلًا ليجد عمر خارج الغرفة في الممر يجلس على أحد المقاعد ويضع رأسه بين كفيه وكأنه في مصيبة، عاد بنظره ليوسف الذي أشار إليه بأن يصمت ولا يتحدث

خرج يونس لعمر تاركًا الجميع بالداخل ثم اقترب منه وقال بجدية :

-ايه المصيبة اللي حصلت تخليك تقعد القعدة دي؟!

رفع الآخر وجهه المليئ بالحزن والهم دون أن يجب فقال يونس وقد امتلأ قلبه بالقلق على شقيقته :

-الدكتورة قالتلك رقية فيها حاجة؟؟

وأجاب الآخر بصوت هادئ بين طياته الحزن :

-الدكتورة قالت إن الجنين مش طبيعي وفيه إعاقة

-إعاقة ازاي؟ وانتوا مكنتوش تعرفوا بده من الأول؟!

نفي برأسه ثم أضاف :

-لأ حتى الدكتورة استغربت ازاي اللي قبلها ملاحظتش ده في الكشوفات، نقص الأكسجين المستمر عن الجنين سبب له ضعف في النمو وبالتالي حصله تشوه خلقي

مسح يونس وجهه بضيق وحزن على ما ستعانيه شقيقته من آلام نفسية بسبب هذا الأمر، هم بمواساة عمر ليقاطعه الآخر قائلًا بجمود :

-انا عايز أنزل الحمل ده

وفور أن نطق بهذه الكلمة حتى عنفه يونس عن هذه المصيبة التي ينتوي فعلها :

-انت بتقول ايه يا عمر حرام طبعًا وده عمره خمس شهور يعني إجهاضه حرام، ورقية مستحيل توافق

-أومال اسيبها تجي للدنيا وتتعذب بسبب إعاقتها دي؟! والله أعلم مدى الإعاقة عندها ايه، ممكن تبقى عاجزة تمامًا يا يونس هيبقى حرام عليا أجيبها الدنيا دي تتعذب، ودلوقتي لسه في الخامس بعد كده هيبقى على رقية خطر أكتر

-هى بنت؟! مش يا ابني قولتوا حامل في ولد الشهر اللي فات؟؟

آماء عمر فقد علم من الطبيبة أن زوجته تحمل في فتاة وليس صبي كما زعمت الطبيبة الخرقاء الأخرى :

-آه بنت، تشخيص الدكتورة التانية كان غلط، مش عارف هى دارسة طب بشري ولا بيطري ولا داخلة بالغش، نص اللي كانت بتقوله لينا كان غلط


رفض يونس المفهوم الذي يتحدث به، لا يعلم لو هو مكانه كيف يتصرف ولكن هذه روح حرامٌ إزهاقها بغير وجه حق :

-هو فيه خطر على رقية وهو في بطنها؟!

-لأ الدكتورة بتقول دلوقتي لأ، بس قالت إن العيب اللي في الرحم بيخلي الأكسجين يوصل بنسبة قليلة للطفل ولو فضلت على المعدل ده الطفل هيموت

ضغط يونس على جسر أنفه ولا يعلم ما الحل الأسلم لهذه المعضلة ولكنه متأكد تمامًا إن شقيقته سترفض فكرة الإجهاض هذه ولو على جثتها

ارتفع صوت رقية في المكان وبدأت كأنها تنتحب فعلم عمر أن يوسف قد أخبرها، وما إن وصلا لها حتى وجداها تضم بطنها المنتفخ بيديها وتبكي بإنهيار، وعندما رأت عمر زاد نحيبها وهى تقول :

-عمر.... ابني

لم تستطع أن تكمل بسبب بكائها الشديد فقالت عبلة وقد انفطر قلبها على صغيرتها :

-اهدي يا بنتي اهدي هيحصلك حاجة كده

وقف عمر يراقب انهيارها بعجز حقيقي، يخشى أن يقول لها على أمر الإجهاض فتصيبها حالة هيسترية من البكاء

نظر يونس نحو يوسف صائحًا بتوتر :

-ما تعمل حاجة يا يوسف هتسيبها كده

تحرك يوسف وقد جذب ظهرها للخلف حتى تستلقي بينما اقترب محمد من ابنته يمسح على رأسها ووجهها حتى تهدأ :

-اهدي يا بابا مش كده، ممكن يكون ده مجرد خطأ والبيبي مفيش فيه حاجة، شائع تحصل أخطاء زي دي

تعلقت رقية بهذا الإحتمال كالغريق الذي يتعلق بقشة فقالت :

-صح صح ممكن ده يبقى غلط والبيبي سليم، يوسف شوف دكتور تانية غيرها، أقولك هات إسماعيل بسرعة إسماعيل شاطر أوي

رأت الصمت من الجميع ونظرات الحزن والأسى حتى من النساء اللواتي يتشاركن معها الغرفة، فصاحت بيوسف بعصبية والدموع لا تزال في عينيها :

-اتصل عليه يــــلا

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

-يعني انت هتبات في المستشفى النهاردة؟!

انتبهت لصوت شقيقتها الذي صدح بهذه الجملة وهى تتحدث في الهاتف من البهو فتحاملت على نفسها واستقامت من فوق الفراش بضعف ووهن حتى تخرج

إستندت على الحائط وخرجت لها لتسمعها تقول :

-ألف سلامة عليها قولها شروق وبراءة بيسلموا عليكي وإن شاء الله هنيجي نسأل عليها في المستشفى قبل ما نسافروا

صمتت قليلًا تسمع ما يقول وبراءة تقف تراقبها تكمل :

-ايوه إن شاء الله هنسافر العصر بكرة انا حجزت تذاكر هى مقالتش ليك؟؟

-هاتيه انا عايز أكلمه

نطقت بها بهدوء شديد وبالكاد سمعتها شروق فأستدارت لها وقالت :


-يوسف براءة عايزة تكلمك

انتظر يوسف أن يسمع صوت زوجته وها هو يظهر بنبرة مرهقة كما العادة :

-الو يا يوسف

-ايوه يا حبيبتي

لاحت على ثغرها بسمة ساخرة وقد ابتعدت عن شروق وعادت لغرفتها مرة أخرى وجلست على الفراش ثم أجابت عليه :

-فتحت راسك من يومين وبتقولي يا حبيبتي!؟

-عارف إنه مش بإيديكي يا براءة ومفيش في ايديا غير إني استحمل

اغمضت عينيها بتعب تشفق عليه كثيرًا مما يعانيه هذه الفترة بسببها، وتحدث يوسف بنبرة متسائلة :

-ايه حكاية إنك هتسافري بكرة!؟

-علشان فرح نور وعلشان برضو ماما بتقول لقيت شيخ كويس ولازم آجي فهسافر مع شروق

تنهد يوسف من أن يكون هذا دجال آخر لكن ما باليد حيلة :

-بس انا مش عايزكم تسافروا لوحدكم هقلق عليكي، وبرضو مقدرش أسيب رقية وأسافر معاكي علشان تعبانة أوي

-مش ضروري ياسر نازل أجازة وهيسافر معانا، هى مالها رقية تعبانة عندها ايه؟!

ابتسم يوسف وقد شعر أن المحادثة تمر بشئ جيد أكثر من اللزوم فقال :

-شايف إنك رايقة أوي النهاردة زيادةً عن اللزوم، مفيش زعيق ولا مش طايقة اسمع صوتك، يا خوفي انا من الهدوء ده مش متعود عليه

ولاحت على ثغرها بسمة شاحبة ثم أجابت :

-مش عارفة يمكن علشان بنتكلم على التليفون، على العموم هريحك مني أسبوع يارب يكون الشيخ دي ابن حلال مش دجال ابن كلب زي الباقيين

صمتت قليلًا ثم أضافت قائلة :

-هو انت ليه تبات النهاردة برا، تعالي البيت انا حاسة إني كويسة وعفاريتي نايمين

-آه عارفها انا الدخلة دي، تديني الأمان ولما اجي جنبك ولا أقربلك ألاقي طبق فوق دماغي، لبست في حيطة، في السفرة، بيبقى عندك طاقة عشر رجالة لدرجة أخاف تنزلي فيا ضرب تموتيني

أضحكها في تعبها فقهقهت بخفة ثم قالت بحب نادر الظهور عليها بسبب حالة النفور التي تلازمها إتجاهه :

-شكرًا لأنك بتستحملني يا يوسف لو واحد غيرك مكنش استحمل أسبوعين وطلقني

أسند يوسف ظهر لأحد الحوائط يتكئ عليها، زافرًا بثقل بهم ثم قال :

-يارب يا براءة يطلع فعلًا الشيخ ده ابن حلال ويعالجك من اللي انتي فيه، علشان انا تعبت وانتي تعبتي حتى أختك تعبت معانا

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

في صباح اليوم التالي
خرج منها أنين خافت بعدما هدأ انهيارها الذي أخذ يوم أمس والليل بطوله، وسكن جسدها بتعب بعدما نفدت طاقتها وجفت دموعها، كانت تتمنى أن تكون الطبيبة أخطأت وجنينها بخير ولكن خاب أملها فقد قال إسماعيل نفس الشئ


بنسبة كبيرة جدًا الجنين به إعاقة وعيب خلقي بسبب قلة وصول الأكسجين له، وإن عاش وتمت الولادة سوف يولد مشوهًا، وبعد عدة أسابيع حين تكون بخير سوف يفحصوا الجنين داخل رحمها من خلال التقنيات الحديثة حتى يعلموا هل هذه الإعاقة ذهنية أم حركية

وهى رفضت رفضًا باتًا إقامة هذه الفحوصات، وأنها لا تريد أن تعلم شئ وستنتظر ليوم الولادة وفي كلتا الحالتين ستستقبله بكل حب وحنان

لاحت على شفتيها بسمة حزينة تتذكر مساندة الجميع لها هى وعمر في هذه الشدة حتى ونس أتت لزيارتها رغم أن كثرة الحركة تتعبها، ولكنها أصرت على أن تأتي وتآزرها، وقد قالت لها البارحة حتى تخفف عنها :

-متصدقيش كلام الدكاترة دول كدابين، ياما بتحصل غلطات ويقولوا الجنين مشوه، الجنين معاق وفي الآخر يطلع زي الفل، ده حتى دكتورة حمارة زمان قالت لزينب بنتي الله يرحمها وهى حامل في سفيان إني الواد هيطلع مشلول واهو قدامك واقف زي البغل مفيهوش غلطة

وكما قالت إن ونس قالت هذا حتى تخفف عنها فهذه الحكاية لا تصدق حين التفكير بها، فمنذ سبعٌ وثلاثون عام وهو عمر سفيان الآن لم تكن المرأة تستطيع أن تعلم الجنين ذكر أم فتاة حتى تستطيع أن تعلم هل هو سليم أم لا

ولكنها تقدر لها محاولتها هذه

وضعت يدها على بطنها المنتفخ، تحادث جنينها بصوت خافت بالكاد تسمع نفسها وهى تقوله :

-يارب تبقي كويسة يا حبيبتي وتيجي بالسلامة، حتى لو طلع فيكي عيب خلقي هحبك برضو

تنهدت عبلة بتعب تدعو لابنتها وطفلتها أن يقوما سليمتين في النهاية :

-تحبي تاكلي؟!

نفت رقية برأسها ثم نظرت نحو النافذة التي تسلل منها شمس الظهيرة فقالت وكأنها تذكرت الآن شيئًا مهمًا غفلت عنه :

-هو الضهر أذن مش كده؟!

-آه أذن من شوية، تصلي؟!

آماءت رقية بسرعة وقد استندت على كفيها حتى تستطيع أن تستقيم قائلة :

-ايوه أصلي وادعي ربنا هو اللي بإيده الشفاء ويغير ده

ساعدتها عبلة على الوقوف والدخول للحمام فتوضأت رقية بصعوبة ثم خرجت تستند على والدتها التي قالت :

-هينفع تصلي بلبس المستشفى ده؟!

-الدريس بتاعي في الشنطة، بس مش عارفة الشنطة راحت فين

-تلاقيها عند يوسف هاروح أشوفها استني انتي هنا
خرجت من الغرفة تاركة رقية تجلس على الفراش، وعندما شعرت بآلام أسفل معدتها إستقامت وخرجت للممر تسير قليلًا، وهناك أبصرت عمر قادم من بعيد وقد سارع في خطاه عندما رآها ثم قال :

-بتعملي ايه من برا

-تعبت شوية قولت اتمشى

نطقت بها وهى تتمسك في ذراعه حتى تستند عليه فجعلها عمر تجلس على أحد الإنتظار تلتقط أنفاسها وقد جلس معها يفكر في عرض الأمر عليها لكن يخشى رد فعلها لتقول رقية عندما رأته يريد قول شئ ويبدو مترددًا :


-مالك يا عمر عايز تقول حاجة؟!

تمالك نفسه حتى يخبرها فقال بمقدمة مناسبة :

-بصي انا عايز أشاركك موضوع كده، بس خليكي عارفة اني عمره ما هفرضه عليكي

حدقت رقية في ملامحه التي تجمع بين الجدية والتردد فقالت بقلق :

-موضوع ايه؟؟

جذب قدر كبير من الأكسجين وبدأ يعرض عليها فكرة الإجهاض ببطء دون إلقاءها في وجهها مرة واحدة :

-انتي رافضة نعمل فحوصات علشان نعرف الإعاقة اللي عند البيبي حركية ولا عقلية

-انت عندك فضول تعرف يعني؟! انا مش عايزة أفكر أصلًا وبدعي ربنا كله ده يطلع غلط وبنتنا سليمة ومفيهاش حاجة

كلامها جعل الوضع أصعب ورغم هذا لم يتراجع، إذ أمسك بكفها الموصول به إبرة كانولا ثم قال بجدية شديدة :

-في كلتا الحالتين يا رقية لو اتولدت بالإعاقة دي هتتعذب طول حياتها فـ

علق كلمته ونظر لعينيها السوداء التي كانت تتابعه بتركيز ولكن عندما صمت وصل لها ما يريد قوله فجذبت منه يدها وتحولت نظرتها إلى الذهول والصدمة قائلة :

-فـ ايه يا عمر؟! عايزني اجهضها؟!!

تحولت نبرتها للغضب والنفور ثم استرسلت حادة :

-عايز تموت بنتنا اللي لسه مجاتش الدنيا؟؟ هانت عليك تقول عليها كده!؟

-اديكي قولتيها لسه مجاتش ليه نجيبها تتعذب، انتي متعرفيش يعني ايه تعيشي في مرض وعجز، يمكن فقدان الذاكرة مش زي الإعاقة بس انا عارف شعور المرض كويس، شعور التعب والعجز وحش اوي يا رقية ومتمناش إن بنتي تعيشه، انا لحد دلوقتي فيه حاجات مش فاكرها وعاجز عن إني ألاقي حل

رمقته بذهول للطريقة التي يتحدث بها عن فلذة كبدها، قطعة منها ومنه هو أيضًا، نهجت بصوت مرتفع لصدمتها به، وفي هذه اللحظة لم تطق أن تراه أمامها :

-انا مصدومة فيك يا عمر، ولو انت مش هتتقبلها لما تتولد انا هتقبلها وهبقى أحن عليها منك حتى لو كانت عاجزة عجز كلي

أشعرته وكأنه ينفر أن ترتبط باسمه وأن تكون ابنته، وهو مقصده لم يكن هذا :

-رقية انا مش بقولك مش عايزها، لو اتولدت وعرفت إن عندها عجز هحبها علشان بنتي

-منين تحبها ومنين بتقول نـمـوتــــهـا

رمقها بضيق لصراخها عليه لكنه يقدر تعب أعصابها لذا لم يعلق، إستقامت رقية من مكانها ورمقته بعصبية وقالت :

-انا مش طايقة أشوفك قدامي يا عمر، عايزة اطبق وشك على اللي قولته ده

زادت عن حدها فوقف عمر أمامها مردفًا بتحذير :

-بدأتي تغلطي وانا قولتلك بشاركك الموضوع مقولتش تنفذيه غصب عنك

لم تبالي بتحذيره وضربت به عرض الحائط لتستكمل حديثها بنفس الحدة :

-انا لما امشي من المستشفى همشي مع أهلي وهفضل متمسكة بيها يا عمر وهدعي تتولد حتى لو فيها عيب خلقي، أما انت لو فضلت على رأيك ده لحد ما البنت تتولد يبقى تنسى إن ليك زوجة وإن ليك بنت

رأت والدتها قادمة تبحث عنها فتحركت نحوها تاركة عمر يعض أنامله فما كان عليه أن يفتح الموضوع معها وهى لا تزال في وضع الصدمة من وقع الخبر عليها

اقتربت رقية ببطء من والدتها التي قالت :

-انتي كنتي فين؟؟ تعالي فيه حد جه يسأل عليكي

زفرت بضيق فهى قد سئمت من كثرة الزيارات هذه، وليست في مزاج يمسح لها بالتحدث مع أحد، ولجت مع والدتها لتجد خالتها معالي أتت لزيارتها وقد حضر معها ابنتيها منار وكاميليا...

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...