الفصل 81 | من 83 فصل

في مدينة الإسكندرية الفصل الحادي وثمانون 81 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

المشاهدات
19
كلمة
7,966
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

آسفة على التأخير بس كنت مشغولة ومكنش عندي وقت أراجع الفصل، مشهد زيادة تعويضًا فزيدوا التعليقات حبة 🤏🏼

صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜

منذ ما يقارب السبع سنوات تقدم ابن خالتي لخطبتي وانا حلقت من فرط السعادة وهذا لأنه وسيم، وفي كلية الطب، ووالده غني، ويسكن في واحدة من أجمل المناطق في الإسكندرية وتطل تمامًا على البحر

عريس به جميع المزايا، وقد تعبت والدتي لتحيك خيوط المحبة بينها وبين خالتي عبلة حتى تستطيع أن تضمن أبنائها يوسف ويونس لاثنين من بناتها، وكنت انا كاميليا كبرى بناتها لا أزال في السنة الأولى لي في معهد التمريض، ولكن كان سنًا مناسبًا للخطبة

أشهد ليوسف أنه كان حسنُ الطباع معي طوال فترة الخطبة التي استمرت ما يفوق الخمسة أشهر، بل وقد عقدنا القران وحددنا الزواج بعد تخرج يوسف من الكلية وقد غرقت في حبه وهذا لأني أحبه منذ زمن

منذ كنت مراهقة وانا أحلم باليوم الذي سأتزوج به من يوسف _كما تزرع أمي في عقلي_

وانتقل من العيش في الطبقة أسفل المتوسطة الي الطبقة فوق المتوسطة "طبقة الناس المرتاحة اللي معاها فلوس" على المسمي الشعبي، كما انتقلت خالتي عبلة حين تزوجها الدكتور محمد هواري

دائمًا ما كانت والدتي تزرع في عقلي أني لابن خالتي وابن خالتي لي مثل الكثير من الأمهات، وقد تمت الخطبة بالفعل ولكن للأسف لم يكتمل الأمر بسبب غباء شقيقته

كانت رقية في تلك الفترة تبلغ من العمر ستة عشر عامًا وكانت فتاة مفعمة بالطاقة والحركة، نصف الطاقة التي تملكها هذه الفتاة وأحتل العالم

وبالطبع كان هذا السن سنُ الطيش وهى لم تكن أقل منها طيشًا، والغريب أنهما كانتا صديقتين بشدة رغم فارق العامين وكلاهما كانا يتشاركان نفس الأسرار

وفي يوم شاركتها سرًا لم تأتمنه رقية ولكنها كانت مخطئة فكيف تشاركها سرًا شديد الحساسية كهذا، وكان هذا السر قبل خطبتها بيوسف بكثير حتى أنها نسيته ونسيت أنها أخبرت رقية

كان لها حساب آخر بإسم وهمي تحادث به الشباب، ولم تكن تقابلهم أو ترسل لهم صور حقيقية لها، فقط كان للتسلية أيام طيشها، وقد توقفت عن الأمر عندما خطبها يوسف إحترامًا له وحذفت التطبيق بأكمله وصنعت حساب جديد نظيف بإسمها

تبًا لرقية التي لم تصن السر وأخبرت يوسف تحت بند "ايه يضمن إنك مش لسه فاتحة الحساب وبتلعبي بيه تاني، كانت لازم تصارحيه بالسر حتى لو كبير مينفعش يعيش مغفل"

لو كانت مكانها لكانت أخبرت أخيها بالفعل حتى لا يعيش مغفل وتنام بين أحضانه ليلًا امرأة لها ماضي، ولكنها رأت الأمر من منظورها هى تحت بند "كل الناس خطائين وهى تابت عن الأمر فلما فضحت سرها "


ثارت يومها ثورة مخيفة على رقية لدرجة أنها دفعتها من فوق الدرج وقد كسر ذراعها وقدمها وظلت في الجبيرة شهرين ونصف، والغريب أن الجميع سألوا رقية عن سبب دفع كاميليا لها وهى لم تفضحها واختلقت سبب مشاجرة تافهة بينهما، وعندما سألتها قالت بنبرة نادمة :

-انا مش عايز أفضحك قدام الكل بس انا خوفت على يوسف، خوفت ترجعي للموضوع ده ووقتها تبقي مراته، انتي لو مكاني هتعملي كده وهتخافي على اخوكي

بعد الذي حدث بينها وبين رقية أتى يوسف وأنهى الخطبة بشكل رسمي وهى النيران كانت تأكلها من ناحية رقية ومن ناحية يوسف الذي لم تشفع لها دموعها عنده، وإقسامها على أنها مسحت ذاك الحساب وكانت فقط مراهقة طائشة، وأنها لم ترسل لأحد صورة واحدة لها ولا قابلت أحد، وأن كل الناس تُذنب وتخطئ وخيرهم من يتوب وهى قد تابت فلما لا يسامحها

لتكون اجابته لها هادئة، جادة، متعقلة :

-يمكن ربنا سامحك بس انا مقدرش اكمل معاكي وانا عارف إنك كنتي بتعملي كده، هيفضل عندي وسواس إنك رجعتي تكلمي شباب تاني، هيفضل عندي وسواس كل لما تسهري على التليفون أو تضحكي لسبب، هتبقى الحياة بينا مفهاش ثقة يا كاميليا، انا آسف مش هقدر أكمل

حددوا موعدًا للطلاق فكما قالت كانا عاقديّن، وفي تلك الفترة أخذت تفكر وتفكر كيف تربط يوسف بها ولا تجعله يطلقها، وقد استغل الشيطان تخبطها هذا وهداها لقرار طائش غبي تدفع ثمنه حتى الآن

إذ استغلت طبع يوسف الهادئ المسالم وظنت أنه سيرضخ لما قالته يومها ويستسلم ولن يفضحها، وفي يوم الطلاق جذبت والدتها وخالتها عبلة بعيدًا عن الشيخ مفجرة قنبلتها أو إفترائها على يوسف قائلة :

-انا مينفعش اتطلق من يوسف من غير فرح انا كده هتفضح علشان انا ويوسف نمنا مع بعض

"عايزة أقول حاجة مهمة جدًا علشان ذكرت إن قصة براءة ويوسف مع السحر حقيقية وانا سمعتها وأعرف صحابها، بس انا أعرف القصة من ناحية الشخصية اللي بتجسدها براءة، وأعرف اللي حصلها من السحر واللي عانته وازاي اتشفت منه، أما الشخصية اللي بيجسدها يوسف واللي عملت السحر انا معرفش كتير عنهم ولا اعرف الدوافع غير الغيرة والغل وانها كانت قريبته ومن عيلته، فعلشان تبقى حبكة مظبوطة وكاملة المشهد ده من خيالي وليس حقيقي علشان متظنوش إني بخوض في عرض واحدة حتى لو مخطئة، لكن الحقيقي إنه فيه ناس فعلًا تفكيرها غلب الشياطين زي الأخت كاميليا كده وفي العادة ما بيكونوا قريبين مننا"

كل هذا تذكرته كاميليا وهى تحدق في وجه رقية التي تجلس على الفراش الطبي وبدورها تسترق بعض النظرات إليها، لم تصفى القلوب بعد رغم مرور سنوات على الأمر وقد اعتذرت رقية لكاميليا أنها كانت مراهقة خرقاء ولم تقصد إفشاء سرها ولكن كاميليا لم تسامح


حتى رفضت أن تحضر زفاف رقية، ورفضت أن تبارك ليوسف ولولا أنها أرادت أن تجعل براءة تشرب السحر ما كانت لتحضر زفافه

أما عن معالي وعبلة قد عاد ترابطهما الأخوي مع بعضهما بعد سنوات من الخلاف وفي النهاية صفحت كلًا منهما عن الأخرى مقررتين فتح صفحة جديدة بعد عن مشاكل الاولاد، فهما أختان وحيداتان رغم شتات بين شخصيتهما

ولج يونس بعدما طرق الباب وقد عاد من عمله مبكرًا لكي يزور شقيقته ويطمئن عليها ثم يأخذ خطيبته وشقيقتها وياسر لمحطة القطار، انقلبت ملامحه بضيق عندما أبصر خالته وتلك المدعوة كاميليا التي افترت على شقيقه ظلمًا ودفعت رقية من على الدرج مسببة لها كسورًا

وبسبب هذه الفتاة التي تجلس أمامه كره خالته وكل من يخصها :

-تعالى يا يونس سلم على خالتك

كالعادة تحرجه حتى يسلم عليها ورغم هذا يفعل ما يريد إذ قال ببسمة بدت مصطنعة بشدة :

-ازيك يا خالتي

-ازيك يا يونس عامل ايه؟!

ودت لو يقول أنه كان بخير قبل أن يبصرها هى وابنتها الأفعى السامة هذه، لكنه عصر على نفسه لمونة كما يقولون ثم قال :

-عايش في الدنيا والحمد لله

جذب مقعد وجلس عليه أمام شقيقته ثم قال محمحمًا :

-عاملة ايه بنت اختي دلوقتي

ابتسمت له رقية مشيرة إلى بطنها المنتفخ :

-بتسلم عليك وبتقولك نفسي آجي يا خالو

نظر يونس لهذه البطن المنتفخة ثم قال مجاريًا شقيقته :

-إن شاء الله تيجي وتيجي كويسة كمان ومفيش فيكي حاجة يا بنت روكا.... صحيح عمر فين؟!

انقلبت ملامح الأخرى للحنق ثم أجابت عليه :

-معرفش تلاقيه برا

تعجب يونس من أسلوبها الذي تغير فنظر نظرة سريعة لوالدته المنشغلة في الحديث مع خالته، ثم سألها بخفوت متوجسًا من أن يكون ذاك الأخرق عرض عليها أمر الإجهاض :

-ماله عمر قالك حاجة ضايقتك؟؟

كانت الأخرى من الفطنة التي تجعلها تفهم لما استخدم يونس كلمة قال ولم يقل فعل، يبدو أنه يعلم شئ فقالت بشكل غير مباشر :

-انت تعرف حاجة عن الفكرة الهبلة اللي عايز يعملها في البنت؟! حاجة تبدأ بألف مكسورة

زفر يونس بضيق ثم آماء برأسه فاشتعلت أعين رقية بغضب وهمت بالثوران عليه لذا سارع في التبرير :

-هو قالي وانا رفضت الفكرة كلها وقولتله متقولهاش، هو شكله الموضوع مأثر على أعصابه ومش عارف يفكر كويس متاخديش على كلامه


تعجبت الأخرى العقلانية التي يتحدث بها حتى شكت أنه يوسف ولكن لا هو يونس :

-ايه العقل ده يا يونس؟! انتي بتهدي ما بينا!!؟

ابتسم الآخر ساخرًا فهو ما إن سيخرج من هنا سيلكم عمر الأخرق على ما فعله، فمن جهة يريد أن يقتل ابنته ومن الأخرى سيعرض شقيقته للخطر، ولكن لم يود أن يقل هذا في وجود والدته وخالته وابنتيها اللتان يركزان معهما بشكل فضولي مستفز فقال بفظاظة :

-فيه فيلم شغال هنا ولا ايه؟! واحد وأخته بيتكلموا حاشرين مناخيركم ليه معانا عايز أفهم؟؟

شعرت أحداهن بالحرج خاصةً عندما انتبهت معهما عبلة ومعالي بينما كاميليا قالت بوقاحة تنافس وقاحته :

-هو إحنا بنتصنت عليكم، انتوا اللي صوتكم مسموع ولا هما حرموا في الدين إننا نسمع بودانا كمان

بدأت لعبة الاستفزاز هذه وهو أكثر من يجيدها، ورغم أنه يحب من يرد عليه ويداهره ولكنه أراد الآن تحطيم وجه كاميليا دون مبالغة، ولكنه للأسف سيقولون رجلًا ضرب امرأة :

-بلاش انتي تتكلمي عن الحرام والحلال خليكي قاعد في الجحر بتاعك يا كاميليا واتقي شري

رمقته الأخرى بنظرة قوية متجبرة بادلها الآخر ببغض شديد، وقد قاطع هذه النظرات معالي وهى تقول :

-عيب كده، قولي لابنك يسكت يا عبلة

وقال يونس :

-وانتي قولي لبنتك تخرس يا خالتي

رن هاتفه راحمًا إياه من صوت كاميليا المزعج وهى تشتكي أسلوبه الوقح هذا وهى لم تفعل شئ، خرج للممر في الخارج حتى يرد على كيكة الشوكولاتة خاصته ولينظف اذنيه قليلًا من صوت الغرابة كاميليا :

-الو

في هذه اللحظة سمع صوت آخر من يتوقع وجوده مع خطيبته وأن يتحدث من هاتفها الخاص، بل آخر من يتمنى أن يسمع له صوتًا :

-الو يا يونس انا دكتور عاصم

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

توقفت قدامها أمام قسم علم النفس وأخذت تحدق به بتيه شديد، رغم أنها عادت للكلية منذ ما يقارب الشهر والنصف إلىٰ أنها لم تتجرأ يومًا لتخطو إلى قسم علم النفس أو حتى تلقي له بنظرة عابرة

تخاف مواجه مخاوفها، تخاف أن تعلق بين الذكريات السوداء والاضطرابات النفسية التي تعانيها فلا تستطيع أن تخرج، قد تظنون أنها أخيرًا قد تلقت العلاج النفسي ولكن لا لم تفعل

حاول يونس معها مرارًا عندما أتت للإسكندرية، حتى قال أنه لن يخبر أحدًا فقط سوف يوصلها، وحتى إن أرادت أن تدخل العيادة بمفردها سوف يتركها ولن يضغط عليها

وقد حدث هذا بالفعل ولكن عندما أصبحت داخل العيادة ورأت اقرانها ممن يعانون من صدمة أو عقد أو جنون حتى أصابتها حالة من الهلع فتراجعت ولم تدخل للطبيبة حتى، إنها سخرية أليس كذلك أن تكون درست علم نفس وتخاف من زيارة طبيب نفسي


رفضت أن يقترح يونس عليها الذهاب مرة أخرى ولا تدري ما الذي يخيفها إلى هذا الحد، أهو الحديث عما يتعبها أم الغوص داخل ذكريات من بشاعتها لا تريد أن تتحدث عنها ولا أن تتذكرها

لنعد الي الوقت الحالي، قررت تحدي نفسها للمرة الثانية رغم أن المرة الأولى كانت نتائجها غير حميدة فقد فضحت أهلها بسبب حالة الهستيريا التي أصابتها، ولا تدري ما الذي قد يحدث هذه المرة ولكنها ستجاذف

تقدمت نحو القسم وأخذت تسير في إتجاه الدرج، وقفت أمامه وقد راودتها ذكرى يوم ركضت عليه برعب وطلقات البارود تلحق بها من سلاح ذلك المختل عسى أن يتأجج في جهنم

وضعت كفها البارد على الدرابزين ثم أخذت تصعد ببطء الطابق الثاني حيث الحمام الذي ذُبحت به فريال، تتساءل هل يستطعن الطالبات الولوج له دون خوف من روح فريال التي من الأرجح سكنت هذا الحمام؟!

والإجابة كانت لا

إذ عندما وقفت أمام المرحاض وجدته موصود بقفل جعلها تتساءل مرة أخرى، هل اغلقوه لأنه بالفعل أصبح مسكون من روح فريال أم أنها تخرف فقط؟؟ وضعت كفها على الباب ثم رمشت عدة مرات تشعر بضربات قلبها ترتفع وعقلها بدأ يعيد إحياء مشهد القتل فلم تستطع التحمل وأبعدت يدها وتراجعت، هامسة بخفوت وندم :

-انا آسفة يا فريال سامحيني

تحركت للأعلى وقد أخرجت منديل ثم نزعت نظارتها تمسح عينيها من الدموع التي اخذت تتبلور داخل مقلتيها، وصلت للطابق الثالث وقد وقعت عينيها على غرفة المعيدين التي ماتت بها "الدكتورة هبة" رحمها الله

مرت من أمام الغرفة ثم وقفت أمامها برهة ثم قالت بنبرة آسية :

-انا آسفة

ظنت أن المكتب أغلق كما الحمام ولكنها سمعت صوتًا بالداخل فتحركت من أمامه ولم تستدر حتى عندما فُتح الباب، توقفت محطتها الأخيرة أمام غرفة النظافة، المكان الذي كادت تزهق آخر أنفاسها به

تجرأت وفتحت الباب ففُتح معها، ألقت نظرة للداخل دون الدخول وكان كل شئ كما هو وكأن الأشهر لم تمر

لا تعلم لما وكيف قادتها قدميها للداخل لتجد نفسها في وسط الغرفة الضيقة وحولها أدوات النظافة، أخذت تدور بعينيها في المكان بزوغان شديد جعل أنفاسها ترتفع رويدًا رويدا

إستندت على الحائط وقد داهمتها ذكريات ذلك اليوم وكأنها فيلمًا يعرض في رأسها وأمام عينيها، الذكريات تعيد إحياء نفسها مرة أخرى

هنا اختبأت، هنا حاول قتلها كاظم، هنا قاومت، هنا سقطت أرضًا على وجهها وهى تحاول الفرار، هنا جلس عليها كما الجاثوم يقبض على عنقها حتى تموت

وضعت يدها على عنقها وقد أخذت تشهق بصوت مرتفع وكأن أحدهم يقبض عليها، هبطت أرضًا وأخذ جسدها ينتفض بخفة تتذكر كلماته المختلة، تتذكر ترجيها بألا يقتلها، فيما أذنبت هى حتى تعاني كل هذا


تشهد على جريمة قتل، تصبح شاهدة على قاتل متسلسل، تتعرض للقتل من القاتل وتجرب هلع الموت

الموت كلمة ليست هينة عند النطق بها، فمن جرب شعور الموت لن يستطيع أن يعيش بعقل سليم، شعور لا يمكن للكلمات وصفه فهو أثقل وأكبر وأرعب من كل التخيلات

ارتفع بكاؤها بصوت مرتفع وقد أنهارت أعصابها، لاعنة نفسها أنها دخلت هنا وأنها قد خطت لقسم علم النفس مرة أخرى، أخذت تضغط على ذراعيها بعنف حتى جرحت نفسها ولم تشعر بشئ غير أنها تسقط في فوهة الذكريات ولا أحد ينجدها من نفسها

تريد التوقف لكن لا تستطيع، عقلها انفصل وكأنها في كابوس تعافر على الإستيقاظ منه ولا تقدر

رفعت رأسها عندما وجدت من يطل عليها من الباب، كانوا عدة طلاب وعامل النظافة يحدقون بها بذهول على بكائها ورعبها هذا

اقتربت منها فتاة وساعدتها على الوقوف وأخذت تتحدث معها عن سبب بكائها وما تفعله هنا ولما هى خائفة هكذا، ولكن عطلت جميع حواسها فتحركت معهم كما الآلة ولا تزال الدموع تنهمر منها بغزارة، فأخذوها إلى مكتب المعيدين حتى يتصرفوا هم معها

طرق أحدهم الباب وجعلوها تتدخل وهى من تشوش رؤيتها بالدموع لم ترى أحدًا، بل فقط سمعت أحد الطلاب يقول :

-دكتور عاصم البنت دي كانت قاعدة جوا أوضة أدوات النظافة وبتعيط ومش عارفين مالها

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

أغلقت سحاب الحقيبة بعد أن وضعت بها ما يلزمها للجلوس عند والديها أسبوع، خرجت بالحقيبة للبهو ووضعتها بجانب الاريكة ثم جلست في إنتظار يوسف أن يخرج من الحمام

نظرت حولها لأركان الشقة التي اختارت ألوانها وأثاثها على ذوقها لكنها لم تفرح بها كأي فتاة، وبدلًا من قضاء شهر عسل كأي عروسين قضتهم ممدة على الفراش تغزو الآلام معدتها ووالدتها تجلس لجانبها تقرأ عليها القرآن لعلها تستكين

تنهدت بتعب عندما أبصرت أوهام الثعابين السوداء تزحف على الحائط فأخذت تتلو القرآن مع نفسها، لكن لسانها ثقيل وكأن هناك من يقبض على لسانها حتى لا يتكلم، زارها الفزع فلا تأتي نوبات السحر هذه في النهار بل تزداد في الليل أكثر

أبصرت الثعابين تزحف نحوها وهى تتضخم ببطء فحاولت النداء على يوسف لكنها لا تستطيع، لسانها قد شُل تمامًا، وقفت بصعوبة حتى تتحرك نحو التلفاز وتفتح قناة القرآن لربما يزول كل هذا

وما إن رفعت قدمها من على الأرض حتى سقطت على وجهها وكأن هناك من قبض على قدميها، نظرت للخلف فرأت ظلًا أسود يخيم عليها فدق قلبها رعبًا وهى تشعر به يدور حولها، أخذت تزحف على بطنها كما دودة الطين فقدميها وكأنهما معقودتان بحبل

بكت عاجزة عندما سقطت رأسها على الأرض، فلا هى قادرة على تشغيل القرآن، ولا على النطق به، ولا تستطيع مناداة زوجها حتى ينقذها


شعرت بهذا الكيان الأسود يقف فوقها فاختنق صدرها بقوة لأنها تعلم أن هذا الكيان ما هو إلا جن، اقترب من وجهها بطريقة انقطعت لها أنفاسها ثم أخذ يهمس لها بصوت خشن غليظ :

-سيبيه بدال ما أجننك، هموتك سـيـبــيه

تبخر من أمامها كما تبخر كل شئ فور أن صدحت سورة البقرة في الأجواء بصوت الشيخ المنشاوي، ثم رائحة صابون تلفح أنفها، وذراعين ينتشلاها من على الأرض، وكف تربت على وجنتها مع صوت زوجها الذي يختلط بصوت المنشاوي يردد عليها آية الكرسي

فتحت جفنيها بصعوبة لتجد وجه يوسف أمامها بخصلات رطبة والمنشفة على كتفيه ونظرات قلقة :

-انتي كويسة، ايه اللي وقعك على الأرض

شعرت بعقدة لسانها قد فكت أخيرًا وخرج لها صوتًا وعندما سألها يوسف مرة أخرى اجهشت في البكاء وبعض الكلمات تخرج منه متقطعة :

-ربطوني.... يوسف.... هيموتوني

ضمها يوسف لصدره متنهدًا بقلة حيلة وعجز عن وجود حل لحالة زوجته حتى بدأ اليأس يصيبه، أخذت تحاول التملص منه بنفور فشدد على عناقها مرددًا على مسامعها القرآن حتى تهدأ ثم قال لنفسه :

-وبعدين يا براءة هنفضل عايشين كده؟! انا خايف تروحي مني خالص، لازم نلاقي حل

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

وضع كوب عصير ليمون أمامها ثم جلس على المقعد المقابل لمقعدها قائلًا :

-انا اتصلت على خطيبك زي ما قولتي وهو جاي في الطريق دلوقتي، صحيح مبروك الخطوبة ربنا يتمم على خير

همست له بكلمة شكرًا ولم تقرب العصير فنظر عاصم ليديها المجروحتين متسائلًا :

-انتي اللي عورتي نفسك كده؟!

نظرت الأخرى لمعصميها اللذان جُرحا من أظافرها الحادة ثم أجابت بإختصار :

-ضوافري طويلة فعورت نفسي بالغلط

استقام عاصم وأحضر من درج مكتبه لاصقات طيبة ثم وضعهم أمامها قائلًا :

-معلش مش معايا للكبار معايا للأطفال بس علشان بنتي شقية وبتعور نفسها فلسه مشتري دول ليها

نظرت شروق نحو اللاصقات ذات الرسومات الكرتونية ثم شكرته مرة أخرى، اخذت تضع منها على الجروح الغائرة فقط وعادت لإلتزام الصمت

تنهد عاصم يحاول أن يخرجها من هذا الاكتئاب فقط لأنها في يوم من الأيام كانت طالبة عنده، فهو قد نسي أمر إعجابه بها فور أن رفضت الزواج منه والتفت لحياته وابنته وزوجته كذلك التي ردها لعصمته مرة أخرى بعد فترة من مراقبته لتغير أحوالها للأفضل :

-ليه دخلتي الأوضة وانتي عارفة إن ليكي فيها ذكريات وحشة

هزت رأسها بعدم معرفة، ظنت أن الأمر سيكون عاديًا ولكنه انقلب عليها وجعلها تسقط في بئر مظلم لا آخر له، استاء عاصم من صممتها هذا قائلًا :


-لازم تتكلمي يا شروق مينفعش السكوت ده، انتي روحتي لدكتور نفسي؟؟

ومرة أخرى نفت دون أن تنبس بكلمة فقال بهدوء :

-أكيد خوف ورهبة من إنك تقعدي مع دكتور نفسي تحكي عن اللي تاعبك، ايه رأيك اتكلم معاكي انا لحد ما يونس يجي

نظرت حولها للمكتب الذي ماتت فيه المعيد بضيق وقلق فقال عاصم :

-ايه اللي حاسة به دلوقتي يا شروق؟؟

-الذنب

نطقت بها بصوت مختنق فشجعها عاصم على الكلام أكثر جاعلًا من هذه الجلسة جلسة علاج نفسي أو جلسة فضفضة نفسية :

-الذنب من ايه؟!

-من إني السبب في إن فيه ناس ماتوا بسببي

-مين قال بسببك هو انتي اللي قتلتيهم؟! لأ كاظم هو اللي قتلهم وهو اللي اختيار يقتلهم

-لو كنت فتحت الباب لما شوفتوا ماسك فريال وهيدبحها كان زمانها عايشة لحد دلوقتي

-بعيدًا عن الكلام المنطقي والنفسي، هى كان مقدر ليها تموت ده كان قدرها متقدريش توقفي قدر نفذ خلاص، يمكن لو كنتي خرجتي كان قتلكم انتوا الاتنين، انتي كنتي خايفة وشعور الخوف جمدك يومها فمعرفتيش تعملي حاجة

صمت لبرهة ثم قال :

-انتي ليه حابسة نفسك في الدايرة دي؟ ليه بتهربي من المواجهة؟ لما تفضلي تحبسي كل حاجة جواكي هتفضل تغلي وهتبقى النتيجة إنك تبقى عنيفة مع كل اللي حواليكي حتى مع نفسك وأهو، وأكيد دي مش أول مرة تأذي نفسك

ختم حديثه مشيرًا لمعصميها ثم أكمل :

-بإختصار هيبقى عندك اضطرابات نفسية والإضرابات دي هى اللي بتمنعك تتكلمي وتخرجي اللي بيوجعك، وكل لما تسكتي وتكتمي ده هيزيد، مش هقولك ابكي لأن البكاء مش بيخرج كل الطاقة السلبية المتجمعة جواكِ، انتي محتاجة تطلعي العنف ده في حاجة، جربي تلعبي رياضة مثلًا

لاحت على شفتيها بسمة ساخرة فأكمل عاصم بجدية :

-انا بتكلم بجد لازم تخرجي الطاقة دي بالإضافة إنك تتكلمي مع حد ده أكتر حاجة هتخليكي تنسي الأحداث اللي انتي عشتيها

ظل يتحدث معها قليلًا إلى أن أتصل يونس على هاتفها وما إن أجابت قال :

-انا وصلت الكلية انتي فين؟؟

-انا هنزلك سلام

اغلقت معه ثم استقامت من مكانها قائلة :

-شكرًا على كلامك معايا، مش عارفة شخص زيك له أخ وأب مـ

لم تكمل نظرًا لأنه شقيقه ووالده حتى إن كانا أدنى خلق الله، نظر عاصم لها ثم قال متنحيًا عن ذكر والده وشقيقه :

-خلي بالك من نفسك وانا آسف بجد مرة كمان على اللي عمله والدي وسليم في بنتك عمك وفيكي

-والله يا دكتور انا اللي آسفة على اللي حصلك مني وإنك خدت رصاصة في جنبك وللأسف معرفتش أشكرك علشان حصل اللي حصل مع أخوك الواطي


ضحك بخفة على أسلوبها ونوعًا ما قد خرجت من قوقعة الاكتئاب هذه، خرجت من المكتب وهبطت ليونس الذي كان ينتظرها داخل سيارته أمام بوابة الكلية، وما إن رآها قادمة حتى خرج لها

لاحظ بسهولة الضمادات على معصميها فأمسك بيدها قائلًا :

-ايه اللي حصل لإيديكي؟!

وجذبت منه الأخرى يدها بخفة قائلة بخفوت :

-دوست على ايديا بضوافري فعورت نفسي

-انتي ليه روحتي قسم علم النفس طيب؟؟

تنهدت شروق بتعب ثم اتجهت نحو سيارته وأجابت عليه :

-مش عارفة يا يونس رجليا خدتني ويا ريتني ما روحت

جلست في السيارة تنتظره وقد وضعت حقيبتها كفاصل بينهما فزفر يونس بضيق وأخرج هاتفه يتصل بعاصم يتمنى أن يكون فعل لها شئ حتى يلكم وجهه الوسيم المستفز

راقبته في الخارج يتحدث في الهاتف فلم تتعب نفسها وتناديه، بل اتصلت على شقيقتها حتى تعلم أين هى فأجاب يوسف وأخبرها أنهما في طريقهما للمشفى حتى يزوران رقية

صعد يونس إلى جوارها بعدما أنهى مكالمته وشغل السيارة قائلًا ببسمة لطيفة لا تظهر إلا نادرًا على وجهه، حتى أنها شعرت أنه فقط يتصنعها تقديرًا للوضع :

-تحبي نروح فين؟؟

نطق بها بإقتراح أن يخرجا سويًا حتى ترفه نفسها فحطمت الأخرى آماله قائلة بفتور :

-عند عمتي آخد منها شنطنتي وشوية حاجات، وبعدها خدني لاختك في المستشفى اسأل عليها وأقعد معاها لحد ما يجي معاد القطر

-طب وانتي؟!

نظرت له بإستفهام فقال يونس بهدوء شديد ونظرات حانية وهذه ثانِ مرة تراه ينظر لها هكذا :

-سيبي لنفسك وقت، ايه رأيك نروح في مكان حلو؟ انتي لسه متغدتيش صح؟!

لو في موقف آخر غير هذا لرقصت سعادةً أنه يطلب هذا منها دون أن يدفع به أحد للحديث، ولكن للأسف التوقيت سئ والحالة أسوء :

-لو كنت في حالة تانية غير دي كنت قولتلك يلا بس صدقني يا يونس معنديش طاقة حتى افتح عينيا، ومش عايز أروح في حتة أصلًا عايزة أنام بس

أشفق على تعبها النفسي فهى تُظهر للجميع أنها بخير وهى تحتاج لأحد يعينها على ترميم نفسها من الداخل، تجرأ وأحاط بكفه وجهها فأعادت الأخرى رأسها للخلف رامقة إياه بحدة وكأنها تحولت لتصفع يده بغضب صائحة :

-إيدك يا يونس عيب كده انا مش من البنات اللي تخلي خطيبها يمسك ايدها وياخدها في حضنه تحت مسمى الخطوبة، انا أصلًا غلطانة إني قاعدة معاك في العربية

لم تسمح له بالتبرير ولا قول كلمة وهبطت من السيارة وقد وجدتها حجة للهروب من الجميع والإنفراد بذاتها قليلًا


هبط يونس خلفها مُقِرًا بخطئه فهى حذرته مرارًا من لمسها بأي شكل، ورغم أنه يعلم أنها تحبه بشدة ولكنها تحافظ على نفسها متمسكة بعفافها حتى منه وهذا ما يزيد تمسكه بها فلا يُعجب الرجل إلا بذات العفاف :

-استني طيب والله ما قصدي

رمقته بنظرة حادة حتى لا يكمل أمام الناس ويزيد الطين بله، من ثم إستدارت تكمل طريقتها فأغلق يونس باب سيارته وأغلقها جيدًا ثم لحق بها، سار لجوارها فقد كانت تسير بهدوء ثم قال :

-مكنش قصدي متزعليش مني

رمقته بطرف عينيها وعادت تنظر للطريق قائلة :

-روح أرجع يا يونس عايزة ابقى لوحدي

-أخاف حد يعملك حاجة

-لا متخافش محدش هيعمل لحد حاجة في عِز النهار كده

ابتسم الآخر ساخرًا ثم قال وهو يضع يديه في جيوب سترته الخريفية :

-والله اللي هيعمل وناوي ما هيفرق معاه ولا ليل ولا حتى فجر

سارت قليلًا على الرصيف وهو خلفها بهدوء وبدون أن يقول شيئًا حتى ظنت أنه رحل، وقد ظلت هكذا لربع ساعة تسير دون هدى حتى مر من جانبها شابين صفر أحدهما بينما قال الآخر :

-الناس كلها تحب القصيرين بس انا أموت في الطويلة

لم تبالي بهما وأكملت طريقها ولكنها إستدارت عندما سمعت صوت هذا الشاب وهو يتأوه أرضًا بعدما اصطدم جسده في الأرض أثر صفعة قوية تلقاها على مؤخرة عنقه من يونس الذي قال متهكمًا :

-وانا أموت في إيدي الطويلة برضو بحب ألطش بها الناس اللي زيكم

ختم حديثه ملقيًا بنظرة حادة نحو الشاب الآخر الذي تراجع للخلف فأستقام الأول ثائرًا وكاد أن يتشاجر لولا أنه أبصر مسدس يونس المعلق في بنطاله فتقهقر للخلف هو وصديقه ورحلا

نظر يونس نحو شروق التي لا تزال متفاجئة من وجوده ثم قالت :

-انت كنت ماشي ورايا؟! افتكرتك مشيت لما قولتلك امشي متوقعتهاش منك يا يونس

-بس توقعتي إني اسيبك في حالتك دي وامشي عادي؟!

هتف بها مستنكرًا مكانته في نظرها فكيف يتركها تسير هكذا في حالة شرود وملكوت آخر لا تدري ما يدور حولها، لحقت به وسارت إلى جانبه مع حفظ مسافة فقال يونس وهو يخرج علبة سجائره عارضًا عليها وكأنها زميل له في العمل :

-تاخدي سيجارة

وللعجب وما جعله يندهش هو أنها جذبت واحدة ثم قالت :

-معاك ولاعة؟!

قهقه بعلو وهو يخرج لها قداحته قائلًا بعبث :

-معايا بس انتي صدرك هيستحمل نفسين حتى!؟

ابتسمت شروق بسمة ساخرة ثم توقفت في مكانها وقالت :


-ايه الفساد اللي انت فيه ده؟! طب قولي عيب مينفعش، منظرك قدام الناس حتى

-مش عايز احرمك من حاجة علشان متقوليش عليا راجل بخيل

لم تستطع أن تكتم ضحكتها أكثر من هذا فقهقت ليبتسم يونس على ضحكتها ثم قال وهو يأخذ منها السيجارة وويضعها بين شفتيه قائلًا :

-وطي صوتك شوية لما نبقى قاعدين لوحدنا اضحكي زي ما انتي عايزة

أشعل سيجارته وهم بسحب النيكوتين منها لكن قاطعت وصوله شروق عندما جذبت السيجارة وألقتها أرضًا أسفل عجلات السيارات، وكل هذا أسفل نظرات يونس المصدومة من رد فعلها السريع

-قولتلك متشربش سجاير تاني

رمش يونس بأهدابه بعدما أفاق من الصدمة مبتسمًا بإندهاش :

-ايه الجبروت ده؟! انتي قد الحركة دي؟؟

عقدت الأخرى ذراعيها أمام صدرها هاتفة بقوة :

-هتضربني يعني ولا ايه؟! انا قولتلك بطلها انت مش بتسمع الكلام

اقترب منها يونس بخطوات متربصة والأخرى لم تتحرك ولو بمقدار شعرة فضحك بعدما فشل أن يتحكم في مشاعره أكثر من هذا قائلًا :

-انتي ولية قادرة بس عجباني

-ولية؟!!

وضع يديه داخل جيوبه مرة أخرى ثم أضاف :

-ها خرجتي الكبت اللي جواكي؟! تيجي نرجع للعربية

-نروح فين؟؟

ابتسم لها بسمة مشاغبة نادرة الظهور على وجهه الجاد طوال الوقت :

-شبيك لبيك يا ستي بما إني فاضي ومش هشوفك غير بعد أسبوع شوفي انتي عايزة تروحي فين؟؟

-اتغيرت قوي يا يونس

نطقت بها شروق وهى ترمقه ببسمة وأعين تلتمع بالحب فبادلها يونس نفس النظرة مجيبًا عليها :

-لا اتغيرت ولا حاجة انتي بس اللي عرفتي تخليني اتعود عليكي واتعلق بيكي، عرفتي تستحملي لحد ما طلعتي النسخة الحلوة مني، متجيش بعد ده كله وتمشي من نص الطريق زي اللي مشيوا يا شروق

تغيرت نبرته للجدية والتوجس فوجدت نفسها تنفي كلامه بشكل تلقائي، وقد خرج من قلبها الكلام دون أن يمر على عقلها :

-انا مش همشي لازقة فيك يا يونس

شعرت بالخجل من نفسها عندما استوعبت ما قالت فقهقه يونس مشيرًا لها كي تأتي خلفه :

-تدوم اللزقة دي يا حُبي يلا تعالي

واتسعت عينيها مذهولة من كلمة "حبي" هذه التي تفوه بها وأخذت الفراشات الوردية تحلق فوق رأسها، عجبًا إن يونس يتغير بطريقة خطرة على قلبها الصغير الذي يحبه


لحقت به سريعًا مثل فتاة صغيرة تلحق بوالدها وعينيها على يده تريد الامساك بها ولكن للأسف الشديد لا يجوز الآن، مهلًا لما هى خفيفة هكذا عليها إدعاء الثقل قليلًا

توقف يونس فتوقفت خلفه عندما صاح بصوت جهوري، مقتربًا من صديقين له وصافحهما فتوقفت في الخلف تنتظره عندما رن هاتفها برقم براءة تسألها أين هى ثم طلبت منها طلبًا عجيبًا :

-شروق لو فيه حواليكي فشار هاتيلي معاكي

-فشار؟!

-معلش معلش نفسي فيه والبت رقية برضو عايزة علبة

نظرت شروق حولها وقد كانت هناك عربة مرا من عليها تبيع الفشار فعادت إليها بسرعة حتى تشتري إلىٰ أن ينتهي يونس من حديثه، ولم تتوقع أن يكون هناك الكثير من الازدحام هكذا فحشرت نفسها مع الفتيات وكل دقيقة والأخرى تنظر نحو يونس

ولكنها غفلت عنه لبضعة دقائق وغفلت عن هاتفها الذي وضعته داخل حقيبتها على الوضع الصامت، خرجت منتصرة وفي يديها علب الفشار المملح وهنا شعرت بهاتفها يهتز ولكنها عاجزة عن الإجابة

عادت لمكان وقوفه ولكنها لم تجده فظلت تسير وصولًا لسيارته وايضًا لم تجده، عجبًا على ذهب وتركها؟!

تركت علب الفُشار على مقدمة سيارته وحاولت فتحها ولكنها لم تنجح فأخرجت هاتفها حتى تتصل عليه لتتفاجأ من عشرين مكالمة فائتة منه

نظرت حولها سريعًا بحثًا عنه فرأته قادم من بعيد وعلى وجهه إمارات الغضب، فزعت من مظهره وهمت بالهروب فسارع في خطواته صائحًا ياسمها حتى تتوقف :

-عارفة لو جريتي هعمل فيكي ايــــه

وقفت على جانب سيارته وهو من الناحية الأخرى وكلما تحرك نحوها تدور هى حول السيارة حتى لا يصل إليها، تسمعه يقول بعصبية :

-أقف أسلم على الناس ابص ورايا ملقكيش وأفضل أدور عليكي زي الأهبل حتى دخلت أدور عليكي في الكلية جوا وانتي مبترديش، مقولتيش ليه إنك هتشتري حاجة بدال ما انا كنت قلقان عليكي، اقفي بقى فرجتي علينا الـنــــاس

صاح بها أن تقف فرفضت الأخرى تشعر أنها لو وقفت أمامه سيلكمها على وجهها :

-انت اللي اقف عيب عليك وعلى طولك تزعق في خطيبتك كده قدام الناس، ايه يعني ما قعدت تدور عليا شوية وقلقت عليا شويتين اطربقت الدنيا؟!!

-يوجع قلبك زي ما انتي واجعة قلبي يا بعيدة

وقف بجانب السيارة متنهدًا بغضب فقد قلق عليها كثيرًا وخاف أن يصيبها مكروه أو يتعرض لها أحد وهى بلهاء لا تشعر بخوفه عليها، اقتربت منه شروق بتوجس قائلة بمشاغبة ليست في وقتها :

-كنت قلقان عليا يا بيبي

رمقها الآخر بحنق ثم فتح قفل السيارة وصعد بها فأخذت شروق علب الفشار وصعدت إلى جانبه، أشار يونس إلى ما تحمل هاتفًا بعصبية :


-هو ده اللي روحتي جبتيه؟؟

-أختك اللي بتتوحم عليه مليش دعوة انا

-جاتك ضربة انتي واختي

برمت شفتيها بتذمر مرددة :

-علفكرة انت بتشتم عليا وانا ساكتة، كلمة زيادة هطول لساني عليك

رمقها الآخر بنظرات مشتعلة فتراجعت سريعًا وأخذت تأكل مما في يديها والتزمت الصمت الإلزامي، شغل يونس السيارة ثم تنهد محاولًا كتم غضبه الناتج عن قلقه عليها وقال :

-متعمليش كده تاني يا شروق متختبريش قلقي عليكي، أكتر حاجة بكرهها إني ابقى قلقان على حد قريب عليا

رمقته ببسمة بسيطة وأعتذرت له بصوت رقيق على النادر ما يخرج منها ثم أخذت تحدق به من خلف نظارتها بعينيها المتسعتين اللتان أصبحتا تشعرانه بالراحة وهو ينظر إليهما :

-انا آسفة كان المفروض أقولك قبل ما اتحرك بس انا اتكسفت من صحابك وقولت هشتري وأرجع بسرعة، متضايقش

زفر بقوة يمنع أفكار بدأت تراوده عن نفسه ثم قال بخفوت بينه وبين نفسه وهو ينطلق بالسيارة :

-المفروض نحدد كتب الكتاب بسرعة انتي قعدتك معايا بقيت خطر كده، خيبتك يا يونس وواحدة أصغر منك بعشر سنين وقعتك فيها

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

حل منتصف الليل عليها ولم تنم بعد ولا تدري ما الذي يورق منامها، فكرت في الإتصال على حمزة ولكن بالطبع هو الآن غافي في سابع نومه كما يقولون

أخذت تتقلب في الفراش تشعر بالرهبة والخوف من فكرة الزواج، وأخذ عقلها الأحمق يصور لها سيناريوهات سوداء عن الأمر وحضر في ذاكرتها كل قصة قرأتها على مواقع التواصل الاجتماعي عن النساء المقتولات وكانوا الجناة هم ازواجهن لأسباب مختلة مثلهم

لكن لا إن حمزة يحبها بل يهيم بها عشقًا ولن يفعل بها هذا، مهلًا ماذا إن وصل الأمر معه لحد الهوس، تكره هؤلاء الرجال المختلين الذين يتحكمون في زوجاتهم بتملك مخيف تحت بند الحب

لكن أيضًا لا حمزة ليس هكذا، تبًا لما لا يتركها عقلها وشأنها كي تنام فهذا الأسبوع حافل بالكثير من المشاغل، هبطت من على الفراش وجذبت هاتفها من على الشاحن ثم اتصلت على حمزة ولا تدري من أين لها بكل هذه الجرأة

لقد أفسدها حمزة تمامًا

أجاب عليها على غير المتوقع قائلًا بنبرته الرجولية :

-ايه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا نورهان

-مقولتليش يا قلب جوزك زي كل مرة يعني؟!

سمعت ضحكته عبر الهاتف فجلست مكانها على الفراش بجانب عائشة النائمة بعمق، تسمعه يقول :

-لأ كبرنا، واتجرأنا، وفسدنا

-انت اللي فسدتني على فكرة انا كنت وردة مغمضة بتكسف لما حد يبصلي


-وانا فخور بالفساد ده يا قلب جوزك، مقولتيش ايه مسهرك لحد دلوقتي؟؟

-مجيليش نوم، انت ليه لسه صاحي؟؟

-بخلص شوية من كتاب معرض الكتاب الجديد علشان اسلمه للدار في معاده

اتسعت بسمة على ثغرها قائلة بحماس :

-تاخدني معاك معرض الكتاب

-مع إن بحب أروح وحدي كل سنة بس هاخدك معايا انا أقدر أقول لأ لمراتي، بس هتلبسي كمامة طول الوقت زيي علشان محدش يعرفك

-ليه بتحب تخفي نفسك كده؟ حد يكره الشهرة!؟

-انا مشهور بس بشخصية تانية وفي نفس الوقت عندي حياتي الخاصة اللي محبش حد يعرف عنها حاجة، الشهرة دي حاجة مش حلوة خالص، انا لما بروح المعرض بفضل اليوم كله وسط الناس من هنا لهنا، آخر اليوم ببقى مهدود

-بس الناس دي هى اللي عملت ليك الشهرة يا حمزة

-وهو انا قولت بكرههم يعني؟! بس مش بحب حياة المشاهير دي أوي، انا عايز بس اكتب وأطلع كتبي من غير ما حد يعرف انا مين، مش هتفهمي وجهة نظري يا نور بس انا حابب نفسي كده

أغلق حاسوبه مركزًا حواسه معها حيث أضاف بنبرة خبيثة :

-بعد أسبوع هتبقي مراتي رسمي

-اممم وبعدين عارف لو هتقول حاجة فيها قلة أدب؟!

-لأ مش هقول هسيب كل ده ليوم الفرح

تنهدت نور على مهل ثم قالت بحرج نوعًا ما :

-عايزة أسألك سؤال بس مكسوفة

-ليه هو ايه نوع السؤال؟! لو فيه قلة أدب فأنا أخاف إجابتي تخدش حياءك

-احترم نفسك يا حمزة ولا علشان فرحنا قرب فبتلمح لقلة الأدب، انا لا أسمح بإنحطاط الأخلاق ده علفكرة بعد الجواز، كله إلا دِه

ضحك الآخر بعلو ثم قال :

-يعجبني فيكي يا زوجتي إن تفكيرك نضيف وأخلاقك عالية وعلى الأبيض يا ورد، مستني بفارغ الصبر أفسد تفكيرك ده بعد الجواز وأشوف النتيجة بنفسي، واديكي عليها شهادة تقدير كمان

كتمت ضحكتها حتى لا تستيقظ عائشة ثم قالت :

-هتكتب ايه في شهادة التقدير؟!

وأجاب الآخر بنبرة مازحة :

-يسرني انا حمزة عثمان هواري أن أُهدي هذه الشهادة لزوجتي العزيزة التي كانت خجولة يومًا ما، في نجاحي بإمتياز في هبوط أخلاقها إلى أسفل الصفر وأتمنى لها ولي العمر المديد وافسدها أكثر وأكثر

خرجت منها قهقة مرتفعة رغمًا عنها على هذا العبث الذي تسمعه، صدق من قال أن أفكار منتصف الليل إن عُرضت على العقل في النهار وجب حرقها :

-علفكرة إحنا بنتكلم كلام عبثي قوي انا مش عارفة انا بضحك على ايه

-عيب عليكي العبث ده ملعبي، المهم كان ايه السؤال

تنحنحت نور ثم قالت بعد تفكير دام لدقيقة :

-هو انت بتحبني؟!

وابتسم حمزة ابتسامة متهكمة فبعد كل هذا العشق لها وزواجهما أصبح بعد أسبوع واحد تسأله إن كان يحبها أم لا، ما بال زوجته أصاب الغباء دون سابق إنذار :

-لأ هتجوزك تخليص حق علشان عندي عداوة مع ابوكي فهاخدك كده خدامة تحت رجليا انا أمي، ضرب وذل وإهانة ولو في يوم مزاجي حلو ممكن أجلدك كده خمسين جلدة ولا حاجة، ولو إني مليش في السب والقذف بس علشان خاطر عيونك هتعلم مخصوص علشان اشتمك يوميا، ومش هناديكي غير بالعرجة والعرجة راحت العرجة جات

علت قهقهتها بصخب وصل لوالديها فكتمت فمها سريعًا وقالت بنبرة لينة :

-تعرف انا بحب قوي اللهجات العربية التانية زي اللبناني والعراقي والخليجي وخاصةً المغربي وقرأت روايات كتير بلهجتهم لدرجة إتعلمت كلامهم، تعرف مغربي يا حمزة؟!

-ليه قالولك انا الشاب خالد ولا ايه؟! بس أول مرة اعرف إنك تعرفي لهجات عربية، صعب اوي فهم لهجاتهم

ابتسمت بسمة مُحبة ثم قالت قبل أن تغلق الهاتف :

-كنبغيك بزاف حمزة، كنموت عليك والله

شعر الآخر ببلاهة شديدة جعلته عاجز عن فهم كلمة غير "حمزة، والله" فقال :

-انزلي بالترجمة طيب

-تصبح على خير هكلمك بكرة

آماء وكأنها تراه ووصل له أن جملتها هذه هى تصبح على خير وسوف أحدثك غدًا فقال ببسمة :

-طب ما تقولي تصبح على خير بدال اللفة دي، وانتي من أهله يا روحي

لم يفهم لما ضحكت مرة أخرى ولكنها أغلقت في النهاية فوضع الهاتف على جانبه ثم أعاد فتح حاسوبه قائلًا :

-آه من الستات دول عليهم حاجات

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...