صلوا على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
أطلقت زفرة قوية، تنظر نحو البيت الذي كان كالسجن بالنسبة إليها لمدة عشر سنوات منصرمة، عزمت أمرها وهبطت من سيارة زوجها ثم قالت بهدوء :
-هتستنى هنا يا سفيان؟!
وهبط الآخر خلفها رافضًا ما تقول :
-اسيبك تدخل البيت ده لوحدك!؟ لأ طبعًا
شبك ذراعها في ذراعه ثم تحسس بطنها المنتفخ فهى في أواخر الشهر الخامس الآن :
-خلي بالك منه وحاولي تمسك نفسك وبلاش تعصبي نفسك علشانك وعلشانه
آماءت له على مهل ثم ولجت إلى منزل حاتم الدخيلي الذي حلت عليه لعنة بعد موته فقد لحق به ابنه كاظم بعد أشهر قليلة من وفاته، ثم لحق به عادل في ظروف مجهولة، وها هى سعاد ستلحق بهم
في عام واحد توفى أربعة من العائلة ومَن يدري على مَن الدور الآن
ربما هذا ذنب اليتيمة التي ظلموها معهم دون مراعاة أن سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز "فَأمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَر"
والله لولا الذنب الذي تخاف أن تذهب لرب العالمين وهو في عنقها ما كانت لتطأ هذا المنزل مرة أخرى ولا تتعب نفسها في رؤية سعاد وهى على فراش المرض
ولجت لداخل المنزل ليستقبلها الصمت الشديد ومدبرة المنزل التي قالت بإحترام لها :
-ازيك يا مدام هاجر
آماءت هاجر بهدوء ثم ردت عليها :
-الحمد لله هى سعاد فين؟!
-سعاد هانم في أوضة الضيوف ومعاها بناتها والأستاذ عبد الرحمن تحبي أبلغهم بوجودك؟!
-مفيش داعي انا هدخلهم بنفسي، بس هاتي قهوة لسفيان
جذبت ذراعها من زوجها ثم قالت بخفوت :
-هدخل انا، استنى هنا شوية
لم يعجبه دخولها بمفردها معهم ولكنه يعلم أن زوجته لم تعد المرأة الضعيفة التي استهانوا بها في الماضي لذا تركها على راحتها وجلس هو على احد أرائك البهو في انتظارها
تحركت هاجر نحو غرفة الضيوف المجهزة في حالة بيات أحدهم ودون أن تطرق ولجت مباشرةً مسببة التفاجئ للجميع وأول من تحدث كانت لمار أصغر مَن في هذه العائلة :
-هاجر انتي جيتي؟!!
رمقتها هاجر بنظرة حائرة تشعر أن هناك خطب ما بها بدايةً من شحوب وجهها وهذه الهالات السوداء والضعف الذي تقف به، ولكنها رجحت أن السبب هو أن والدتها على وشك أن تقابل ربها لذا هى ليست على طبيعتها
تقدمت قليلًا من الفراش حيث يسكن جسد سعاد في عالمٍ آخر، ربما ترى الآن الأموات، فيقال أن الميت قبل موته ينفصل تمامًا عن العالم ويسمع ويرى ما لا يستطيع رؤيته الآخرون
ويظل ينادي ويتحدث مع نفسه بطريقة لا يفهمها أحد وقد يستمر معه هذا الأمر لعدة أيام فقط ثم يأتي ملك الموت ويقبض روحه
نظرت لها ببغض شديد، فوالله لا تستطيع العفو عنها حتى وهى تراها بهذا الضعف المثير للشفقة، ربما الله سبحانه وتعالى عفو غفور ويسامح في حقه ولكنه لا يسامح في حق عباده واقتص لها في الدنيا وسيقتص لها أيضًا في الآخرة
نظرت لجميع الموجدين ثم قالت بنبرة باردة :
-جيت بعد ما لمار قالتلي إن سعاد في آخر أيامها خلاص فجيت أقولها آخر حاجة في نفسي واتمنى كلكم تطلعوا برا
نظرت كارما لوالدتها ثم لهاجر قائلة :
-وانا اضمن منين إنك متعمليش حاجة في ماما
-الضرب في الميت حرام انا مش مفترية زيها افتري على حد في ضعفه
دعى عبد الرحمن الجميع للخروج فخرجوا بالفعل وكان هو آخرهم وعندما مر من جانب هاجر همس لها :
-عملت اللي قولتي عليه والفلوس دخلت حساب البنات من غير ما حد يشك
ختم حديثه وخرج فتنهدت هاجر بنصف راحة والآن حان وقت تنفيذ النصف الثاني، أغلقت الباب ثم تقدمت من الفراش ووقفت بجانبه تحدق في الخراطيم والمحاليل المتصلة بجسدها دون فائدة، فحين ينفُذَ أمر الله لا يشفع طبيب ولا ينفع دواء :
-خدتي ايه من الدنيا؟؟ لو كنتي تعرفي انتي وكل مفتري خلقه ربنا إن هى دي النهاية مكنتوش افتريتوا في الدنيا يا سعاد
جلست مكان كارما على المقعد أمامها تحدق في وجهها الباهت والذي كبر على العمر اثنين حين اختفت مساحيق التجميل التي كانت تخفي بهم كبر سنها
مدت يدها وأدارت رأسها حتى تنظر إليها ثم قالت بصوت جاد تخفي به غصة مريرة :
-ركزي هنا علشان أبرء ذمتي من الذنب ده، انا قهرتك في حاجتين واحدة مكنش ليا ايد فيها والتانية عملتها بإيدي، الأولى إني اتجوزت حاتم وانا وانتي عارفين إنه مكنش بإيدي، أما التانية إني حرمتك من الورث وغيرت الوصية، حاتم كان كاتب نصيبك مع ولادك، انا ليا النص كله والنص التاني يتقسم بينك انتي وولادك، وكتبت في الوصية إنك ملكيش حاجة بس انتي ليكي ورجعت الفلوس في حساب بناتك طالما انتي خلاص هتتكلي على الله وربنا يسامحني بقى
رأتها تنظر إليها بأعين يلتمع بهما الندم بوضوح ولم تستطع حتى أن تنطق بما يدور في خلدها فقالت هاجر بصوت مختنق :
-متبصليش كده، كان نفسي اسامح زي زمان بس كل لما أفكر أعمل كده افتكر كل حاجة عملتيها فيا يا سعاد ومقدرش أسامحك، مقدرش أقولك غير روحي ربنا يجازيكِ على اللي عملتيه في واحدة يتيمة مكنش ليها حد في الدنيا فجيتي عليها بالقوى وظلمتيها
شعرت أنها على وشك البكاء فخرجت بسرعة ولم تستطع أن تكمل جلوسها معها، وما إن خرجت حتى قالت لزوجها بهدوء شديد تخفي خلفه إرتعاش نبرتها :
-يلا يا سفيان
إعتدل سفيان في جلسته وترك فنجان القهوة على الطاولة الزجاجية أمامه، من ثم هندم من سترته قائلًا ببسمة متهكمة لجميع الجالسين :
-اتمنى مشوفش حد منكم قريب من مراتي تاني، علشان وشوشكم بتقلب عليها المواجع
خرج خلف هاجر التي سبقته للخارج بخطىٰ سريعة وكأنها تهرب من هذا البيت الذي بات يقبض على أنفاسها، أوقفها في منتصف الحديقة وجعلها تبطئ من سيرها قليلًا ثم قال بلطف :
-اهدي شوية بتجري كده ليه؟!
تنفست بصوت مرتفع ثم سارت على خطاه فوقع نظرها على بيت صغير في أحد أركان الحديقة، ذاك البيت الذي رممه حاتم بعد أن احترق وأعاد بناؤه للبواب الجديد، تنهدت بحزن وشوق لوالديها ثم قالت :
-سفيان انا عايزة أروح أزور قبر بابا وماما
آماء لها الآخر بقبول ثم قال بهدوء مبطن بحزن :
-تمام وانا كمان عايز أزور أهلي بس استني أشوف جدتي وعمر يجوا معانا
-تمام ماشي
صعدت لسيارة فأخرج سفيان هاتفه يتصل على شقيقه وما إن أجاب حتى قال :
-ايه يا عمر عند جدتك انت ولا فين؟؟
وأجاب الآخر بصوت مرهق مهموم :
-في الطريق رايح عند رقية يمكن ترضى ترجع معايا البيت
-هترضى إن شاء الله بقالها خمس أيام في بيت أهلها بس تروح هناك ومتفتحش الموضوع نفسه معاها، سيبها على الله يا عمر يمكن هو عنده تدبير أحسن إحنا معرفهوش
-حاضر يا سفيان
-تمام لما تخلص تعالى على المقابر علشان نزور ماما وبابا
صمت الآخر قليلًا ثم وافق وقال أنه سيتصل عليه حين يعود، ركن سيارته أسفل البناية ثم دخلها على عجل، صعد إلى شقة حميه ثم طرق الباب وبعد فترة من الإنتظار فتحت له رقية بملامح أكثر تعافيًا من ذي قبل
وضعت الأخرى يدها على بطنها الظاهر بوضوح من ملابسها البيتية ثم عقدت حاجبيها بضيق فقال عمر بهدوء :
-هو ده استقبالك لجوزك يا بنت الناس يا محترمة
-يونس ويوسف وماما وبابا في الشغل ومفيش غيري في البيت
-طب وايه يعني هو انا جاي أزور خطيبتي؟! انا جاي آخد مراتي معايا ونروح
رفضت رقية طلبه هذا بقسوة كما هو قسى على ابنتها :
-لأ يا عمر انا مش هاروح معاك، هقعد هنا لحد ما أولد
المرة الثالثة التي ترفض بها أن تعود معه لمنزلهما وصبره عليها قد نفذ، دفع الباب بخفة حتى يدخل فعادت الأخرى للخلف متفاجئة من حركته ليغلق عمر الباب ثم قال بجدية :
-أدخلي غيرك هدومك يا رقية علشان نمشي
لم يكن لها طاقة للجدال فاقتربت من الاريكة وجلست عليها ثم جذبت الشال القطني الذي تضعه على كتفيها قائلة برفض غير مباشر :
-عمر انا محتاجة رعاية واهتمام ومعملش أي إجهاد علشان ميبقاش غلط على الجنين لحد ما أولد، فخليني هنا تحت رعاية ماما لحد ما أولد وبعدها أرجع معاك
مسح عمر وجهه بتعب وإرهاق فهذه الأيام لا ينام بشكل جيد ومتشتت بسبب زوجته وابنته القادمة في الطريق والله وحده يعلم كيف ستكون حالتها
نظرت له بأعين هادئة لم يرى بهما لا عتاب ولا شغف حبها له، وكأن كل هذا زال بسبب التفكير في خطأ لم يقترفه حتى :
-لو رجعت معاك مش هعرف اهتم بيك ولا بنفسي وانا محتاجة مساعدة، لو سمحت يا عمر
أطلق تنهيدة قوية بإستسلام لإصرارها على المكوث هنا ثم قال :
-انا هسافر لندن هخلص شغل هناك لحد ما تولدي وهرجع
نظرت لها مندهشة من قراره الغير متوقع، فما العمل الذي لديه بلندن فلم يذكر لها هذا الأمر قبلًا، شعرت أنه يهرب منها ومن ابنتها فتنفست بإضطراب ثم قالت بصوت اختنق بغصة مريرة :
-تروح وترجع بالسلامة
يا لقسوة قلبك رقية
-انتي جايبة منين القسوة دي كلها؟! ده كله علشان فكرت معاكي في حاجة انا معملتهاش حتى، ماشي غلطت إني فكرت في ده وعرضته عليكي، حتى سفيان ويونس هزأوني، خلاص كفاية كده هو علشان غلطت مرة هتعلقي ليا مشنقة
بهتت من إنفجاره بها بعدما نفذ صبره فأدمعت عينيها لصراخه هذا قائلة :
-انا مش معلقة ليك مشنقة انت اللي مش عارفة مالك، كنت عايز تجهضني ودلوقتي عايز تسبيني وتمشي أربع شهور، ده كله علشان عرفت إن بنتك هتيجي عاجزة، طب انا ذنبي ايه وهى ذنبها ايه ده قضى ربك هتعترض عليه!؟
زفر عمر بقوة جاذبًا خصلاته حتى كاد أن يمزقهم بين أنامله ثم قال :
-انا كنت متلخبط لما عرفت، معرفتش ايه الصح اللي المفروض يتعمل، فكرت فيها لما تعاني في الدنيا فقولت اريحها، انا آسف ليكي وليها بس بلاش تنبذيني كده يا رقية انا بقالي خمس أيام مش عارف أنام كويس من التفكير فيكي وفيها، انا مش بكرهها بس خايف عليها من الدنيا
صمت يلتقط أنفاسه فقالت رقية وقد رفعت عنه قليلًا العتاب :
-ليه عايز تسافر بعيد طيب؟ انت عمرك ما حبيت الغربة وشغل ايه اللي طلع مرة واحدة ده!؟
وأجاب عمر بجدية بعدما شعر بأن الأجواء بدأت تهدأ :
-طلبت من حد معرفة ليا هناك أيام ما كنت في لندن يشوف ليا شغل كويس في تخصصي علشان لما تيجي بنتنا ويكون إن شاء الله ليها فرصة تتعالج من أيًا يكن اللي ربنا هيخلقها به يكون معايا فلوس تكفى علاجها
رق قلبها له فوقفت بصعوبة من مكانها ثم اقتربت منه وبادرته بعناق حنون دون كلمة، فقط تركت العناق يشرح ما تريد، حاوطها عمر بذراعيه ثم قال بنبرة حزينة يكسوها الحب :
-والله ما بكرهها واتمنى يكون بينا طفل يا رقية، انا بس اتلخبطت أوي ومعرفتش أعمل ايه
اسندت رأسها على صدره وتركت العناق بينهما يطول ثم قالت :
-هتسافر أمتى؟؟ وهتتأخر هناك؟!
-هسافر آخر الأسبوع إن شاء الله، وأول ما الدكتور يحددلك معاد الولادة هارجع قبلها علطول
أخرج محفظته من جيبه ثم ابعدها قليلًا عنه وأخرج لها مبلغًا نقديًا ثم قال :
-خدي الفلوس دي وخليها معاكي ومتخليش اخواتك وباباكِ يصرفوا عليكي أو على علاجك انتي مسؤولة مني انا يا رقية، انا هسحب فلوس من البنك وهسيبلك منهم جوا الدولاب في شقتنا لما دول يخلصوا اسحبي منهم ولو حصل حاجة وإحتاجتي أكتر قوليلي وانا هبعتلك من هناك
آماءت له بطاعة فأحاط وجهها بكفه الضخم ثم قال بحنو :
-وابقي روحي من وقت للتاني زوري جدتي، انا همشي علشان سفيان مستنيني خلي بالك من نفسك وانا غايب
طبع قبلة دافئة على جبينها ثم تحرك نحو الباب فتساءلت رقية بنبرة جادة بعدما أوقفته :
-عمر هو ايه نوع الشغل ده؟؟ انا عندي بنتي تفضل عاجزة ومريضة بس متتعالجش بفلوس حرام
رمقها الآخر بعتاب أنها تتهمه أنه سيتجه للمال الحرام من أجل علاج ابنته فقال :
-وانا عمري صرفت عليكي حاجة حرام؟!
وتبسمت له رقية بهدوء تبرر له تفكيرها في الأمر :
-بطمن بس يا عمر مش قصدي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولج للمعمل ببسمة متسعة ككل صباح ولكنه لم يجد أحد في المعمل غير سارة تجلس ويبدو الشرود على ملامحها وعندما رآها بمفردها هم بأن يعود لأدراجه ولكنها قد امسكت به يحاول الهروب فقالت بصوت حزين :
-هتمشي وتعمل نفسك مش شايفني زي كل مرة يا كريم
شعر كريم بالحرج منها فعاد ودخل المعمل ثم جلس في أبعد نقطة عنها يحدق في ساعة هاتفه لا يدري أهو أتى مبكرًا أم أن البقية تأخروا
نظرت نحوه سارة ولم تتحرك من مكانها بل قالت بجرأة مباشرة أذهلته :
-انت ليه بتهرب مني؟! بابا هددك تبعد عني انت كمان؟
لم يفهم معنى جملتها الثانية فهل يهدد الدكتور فؤاد الرجال حتى لا يقتربوا من ابنته؟! نفى برأسه فصدقته سارة وهذا لأنها تعلم أنه يقول الصدق ولو على رقبته، إستقامت من مكانها فتوتر كريم يخشى أن يحدث شئ فها هو يجتمع بها والشيطان ثالثهما
ليته يستطيع أن يبعدها ولكنه غير قادر على إحراجها فيخشى أن يتسبب في مشكلة له ولوالده بسبب هذا الأمر، توقفت سارة أمامه ثم عرضت له صورة سيلفي لها على هاتفها، هاتفة بجدية :
-تعرف الراجل اللي ورايا ده يا كريم
أخذ الآخر منها الهاتف وكبر الصورة على رجل يبدو مريبًا يقف على بعد خلفها، تحدثت سارة توضح له ما تريد أن تقوله :
-الراجل ده في اليومين اللي فاتوا بيظهر ورايا كتير وانا خايفة يكون عايز يأذيني
-طب مقولتيش لوالدك ليه أكيد هيتصرف، هو انتي حد اتعرضلك قبل كده
تبسمت الأخرى بسمة ساخرة وهى تقول :
-كتير اوي، بابا عنده Enmities كتيرة اوي وانا اللي بدفع تمنها مش بقولك هياة الأغنية دي مش زي ما تظهر من برا
أعطى كريم لها الهاتف ثم قال بنبرة جادة :
-انا رأيي إنك تقولي لدكتور فؤاد على الأقل يعينلك حد يحرسك مثلًا
قلبت سارة خصلاتها على الجهة الأخرى، زافرة بضيق فعاد التوتر يجتاح كريم مرة ثانية خاصةً عندما قالت بنبرة ناعمة :
-شكرًا يا كريم على وجودك النهاردة I'm so needed أقول لهد
تبسم الآخر مستعيذًا بالله من الشيطان الرجيم بينه وبين نفسه :
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم امشي يا عم بقى هنروح في داهية
تعجبت سارة من هذا التمتمة ووضعه المرتبك فقالت :
-مالك متوتر كده ليه؟!
وبشكل مباشر خرج منه الرد دون أن يدري :
-انتي جميلة اوي وانا خايف وانا قاعد معاكي كده والشيطان تالتنا نقع في الغلط
أمسك لسانه نادمًا على التفوه بمثل هذا الكلام فماذا ستظن الفتاة به الآن، وبالفعل رمقته سارة بإندهاش ثم قالت :
-انت خايف نقرب من بعض I mean يعني زي اتنين بيهبوا بعض؟!
صدم من جرأتها في الحديث، عجبًا هذه الفتاة لا تتمتع بأي خجل مثل أي فتاة مرت على حياته، وعلى الأرجح ما ستقوله الآن سيقضي على أي مشاعر صغيرة بدأت تنبت بداخله إذ قالت سارة ببسمة :
-علشان كده بتهرب مني؟! كريم انا عمري ما هعمل كده معاك انت عندي صديق وبس، مش هوصل لمرحلة الحب علشان انا أكبر منك، don't have problems تحب واحدة أكبر منك؟؟
ختمت حديثها مصحوبًا بضحكة دون أن تدرك أن كلامها أتى في قلب هذا المسكين وبخرت مشاعره، ماذا كان ينتظر ان تبادله هذه المشاعر الحمقاء؟! ابنة المدير وموظف عندها هذا ما يحدث في المسلسلات التركية فقط لا في الواقع فكما يقول مثل شعبي
"انجي بنت الباشا مش هتتجوز علي ابن الجنايني" وسارة ابنة صاحب الشركة لن تتجوز من موظف عندها
الآن فهم لما حرم الله العلاقة بين الرجل والمرأة دون عقد شرعي لأن أحدهما سينفطر قلبه لأن ليس هناك علاقة رسمية تربطهما ببعض، وفي أي لحظة قد يتراجع أحد الطرفين تاركًا الآخر يعاني الهجر
ما كان عليه أن يوافق الاقتراب من سارة في البداية وها هى النتيجة أن انفطر قلبه، من الجيد أنه لم يقع في حبها كثيرًا وربما كان مجرد إعجاب من جهته هو فقط، وها هى تقضي عليه وهو يجب أن يستسلم لهذا وحمدًا لله سيخرج بأقل الخسائر
حاول الابتسام رغم أنه يشعر بلهيب القهر في صدره ولكن عليه ألا يميل الآن أمامها بشكل مثير للشفقة :
-لأ مش مستعد، بس لو احتاجتي مساعدة في يوم انا موجود يا دكتورة سارة
تعجبت من وضعه للرسميات بينهما فإستقام كريم من مكانه واتجه خارجًا فتساءلت :
-انت رايه "رايح" فين؟!
-رايح الحمام
خرج من المعمل ثم اغمض عينيه بقوة وهناك شعور مر في صدره ولكن لا بأس فنحن الرجال ننسى سريعًا ولا ننوح ونبكي على الفراق كما النساء، الأمر يحتاج بضعة أيام ودجاجة كبيرة يلتهمها هذا المساء، أو ربما زوج حمام بالفريك من أحد المطاعم
اصطدم كتفه بأحد ففتح عينيه سريعًا وقد أبصر أحد زملائه في التدريب يقهقه قائلًا :
-ايه يا ابني ماشي مغمض ونعسان كده ايه؟!
ابتسم له ببهوت فهو ليس في وضع يسمح له بالمزاح الآن :
-معلش مش مركز شوية
إستوقفه الآخر قبل أن يرحل متسائلًا :
-صحيح يا كريم انا حاسس إني شوفتك قبل كده؟!
ورفع كريم منكبيه بعدم معرفة مرددًا :
-يمكن في الجامعة
-لأ مش في الجامعة انا ذاكرتي قوية جدًا وحاسس إني شوفتك في مكان كده، يمكن مستشفى أو مصحة...
استوعب الآخر ما نطق بها فتلعثم بحرج مرددًا فور أن رأى ملامح الصدمة على وجه كريم :
-انا آسف مش قصدي مصحة إدمان يعني يمكن في مستشفى كنت تعبان او فعلًا في الجامعة
آماء كريم ثم إستدار حتى يذهب للمرحاض وقد تضخمت الغصة المرة في صدره من حديث هذا الرجل مع شعور بشع يراوده كلما ذكر أحدهم أنه كان مدمن، وللأسف لا يستطيع محو هذه الحقيقة أو إنكارها وستظل ملازمة له طوال حياته
ولا يستطيع حتى أن يتعامل بشكل طبيعي كلما مس أحدهم هذه البؤرة السوداء بل يتقهقر للخلف هاربًا من الجميع، ووالله كلام سارة له لم يفعل به كما فعل ذكر هذا الرجل لأنه رآه قبلًا في مصحة لعلاج الإدمان
وجد قدميه تأخذه لخارج الشركة تمامًا ثم صعد على دراجته النارية حتى يرحل من هنا ولكن قبل هذا أخرج هاتفه واتصل على والده ثم قال بنبرة جاهد حتى تخرج طبيعية :
-بابا معلش انا تعبت شوية وهمشي ابقى بلغ دكتور صفوت
-تعبت؟! انت كويس طيب؟؟ انت فين وانا أجيب لك؟
-انا أصلًا مشيت وهروح سلام دلوقتي
وفور أن أغلق معه حتى صعدت غصة مريرة لحلقه جعلته على شفا جرفٍ من الانهيار، ضغط على شفتيه يحاول أن يهدئ من نفسه ثم اتصل على حمزة
مرة والثانية وفي الثالثة رد بصوت منشغل :
-ايوه يا كريم
-انت فين يا حمزة؟
-انا في القاعة بشوفها وبصراحة نوعًا ما تمام، أبوك حجز قاعتين مش قاعة واحدة بس منفصلين عن بعض، مش عاجبني بصراحة اوي الوضع بس اعمل ايه في نور، انت فين؟!
تنهد كريم ويبدو أن من انشغال حمزة لم يلحظ نبرته المختنقة، ولا يستطيع لومه أو أن يقول له أن يأتي ويترك كل شئ فزفافه بعد غد وهو منشغل كثيرًا هذه الفترة :
-انا في الشغل كنت بطمن على إنك شوفت القاعة يعني وكده
أغلق معه ثم خرجت منه زفرة حارة تبعها تشغيل دراجته ثم وضع الخوذة على رأسه مدركًا أن هذه المرة يجب أن يلعق جروحه بمفرده...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قيس أحب ليلى لكن لم يجتمع معها، وعنتر وعبلة كذلك، وروميو وجوليت أيضًا ويبدو أن جميع مَن يحب لا يجتمع أبدًا مع محبوبه، فالحب لعنة كما وصفه البعض
تهدجت أنفاسها بتعب ثم تبعها إغلاق جفنيها بإرهاق عندما رأت اسم يونس يعلو شاشة هاتفها للمرة الثالثة هذا اليوم ولا تجيب عليه، وهى على هذا الحال منذ ستة أيام، تحاول أن تكون طبيعية معه ولكن لا تستطيع، تخاف أن تنهار باكية في أي لحظة
جذبت هاتفها وقد ردت عليه بصوت حاولت صبغه بالنعاس حتى يظن أنها كانت نائمة :
-الو
ووصلها صوته الغاضب وله الحق في الغضب فطريقتها مع الجميع مؤخرًا ومعه هو بالذات تثير حنق الجميع :
-انتي مش بتردي لــيـه؟!
-كنت نايمة يا يونس
-وهو فيه حد ينام لحد المغرب وفي الشتاء
تقلص جبينها وأخذت تفرك وجهها بضيق بعدما صمتت تمامًا فقال يونس بعد برهة من الصمت :
-مالك يا شروق حصلك ايه؟؟ من يوم ما سافرتي الصعيد وانتي مش مظبوطة، كنتي كويسة معايا في النهار وتاني يوم كل حاجة اتغيرت وطريقتك اتغيرت
-مضايقة قوي يا يونس
نطقت بها بصوت مختنق مهدد بالبكاء فزفر يونس بضيق لا يفهم ما الذي أصابها بين ليلة وضحاها، والمشكلة أنها لا تبوح له بشئ :
-ايه اللي مضايقك؟ ما انا سألتك كذا مرة وانتي بتخبي ومش راضية تتكلمي
إلتقطت أنفاسها بصعوبة، هى ليست مستعدة للتحدث الآن فماذا ستقول له؟! أنها ستفعل مثل من سبقنها وتتركه في منتصف الطريق مثلهن، كم ستكون مؤلمًا على قلبه وقلبها هى أيضًا فقد قال لها بلسانه
"عرفتي تخليني اتعود عليكي واتعلق بيكي، عرفتي تستحملي لحد ما طلعتي النسخة الحلوة مني، متجيش بعد ده كله وتمشي من نص الطريق زي اللي مشيوا يا شروق"
شعرت أنها لن تصمد كثيرًا أمام أسئلته فقالت :
-معلش يا يونس النهاردة حنة نور فأنا هقفل علشان ألحق ألبس وامشي
سمعت تنهيدته القوية من على الناحية الأخرى فقالت بصوت حزين :
-انا آسفة يا يونس بس مش عارفة أجمع نفسي اليومين دول استحملني
-بس لو تقوليلي مالك
-بكرة هنسافروا إن شاء الله تتحل، إن شاء الله
باتت لحوحة في الدعاء وهذا ما أكد له أنها تعاني من مشكلة، وللأسف لا تشاركه وإن دل هذا على شئ فيدل على أنه جزء من هذه المشكلة، هكذا يخبره حدسه
أغلق معها فتركت شروق الهاتف وأحاطت رأسها بيديها تشعر وكأنها طاحون يدور، سمعت رنين الهاتف فظنت أنه يونس مرة أخرى ولكنها كانت والدتها فأنقلبت ملامحها ولولا أنها ستكون وقاحة وذنب لتجاهلتها
ردت عليه بصوت جامد قائلة :
-نعم
-مجتيش ليه لحد دلوقتي انتي وأختك؟؟ المغرب أذن المفروض تكونوا هنا من العصر
-براءة نايمة وتعبانة وانتي عارفة، وانا مش هاجي
أغلقت عينيها بضيق فور أن وصل لها صياحها وهى تقول :
-يعني ايه مش هتيجي؟! مش دي نور اللي كنتوا هتموتوا علشان تتجوز وتلبسوا الفساتين اللي فصلتوها؟؟ دلوقتي مش عايزة تيجي!! قدامك ساعة انتي واختك وإياكِ لو قالتلك سيبيني تسيبيها وحديها وتيجي
شعرت شروق بتلف في أعصابها ولم تعد تتحمل كلمة من أحد فصاحت بوالدتها وقد أخذت الدموع تترقرق في عينيها لقهرها :
-مش هاجي يا ماما مش كل حاجة عندكم هتبقى بالغــصــب حرام عليكي بقى
أغلقت الهاتف قبل أن تسمع سيل من السباب عليها ثم وقفت من مكانها تدور في الغرفة بوجه محتقن، ولم تلبث دقائق إلا وانفجرت في البكاء وعقلها أخذ يراجع جميع ما حدث يوم عادت إلى الصعيد، كان إستقبالًا عاديًا كأي أحد كان في سفر وعاد
ذهبت براءة لتنام متعبة بينما جرتها والدتها إلى المندرة مع والدها وهناك بدأ الحوار الذي يرهق نفسيتها حتى الآن
إذ قال والدها يبدأ الحوار بسؤاله عن براءة :
-اختك عاملة ايه هناك لسه تعبانة؟!
-لسه يا بابا ده حتى تعبت في القطر على نص الليل كده وانا وياسر هدناها بالعافية
زفر حسين بتعب على حال ابنته نادمًا أنه زوجها ليوسف فلو كان رفض ما كانت ابنته لتعاني كل هذا، ولكي لا يتكرر هذا النصيب مرتين قال :
-بصي يا شروق إحنا مش عارفين مين اللي عمل كده لأختك بس إحتمال كبير قوي يبقى من عيلتهم هما علشان انا وأمك اتأكدنا من كل عيلتنا، والله أعلم برضو علشان منظلموش حد
لم تفهم شروق نوعًا ما المغزى ولكنها قالت :
-ما حتى لو من عيلتهم هنعرف منين هو مين علشان يفكه؟!
نظرت فايزة لزوجها ثم تنهدت قائلة :
-إلهي ربنا يبتليه اللي عمله، بس مش هو ده اللي عايزين نتكلموا فيه معاكي، انا وابوكي يا شروق عايزين ليكي ولأخواتك الأحسن وتبقوا مرتاحين، لو اللي عمل السحر لأختك من عيلتهم يبقى مش بعيد يؤذوكي انتي كمان
-يعني ايه؟؟
نطقت بها بتوجس وها هى والدتها تفجر القنبلة قائلة :
-يعني تقولي ليونس ملناش نصيب نكملوا مع بعض وترجعيله كل حاجته ويا دار ما دخلك شر
دلو ماء سُكب عليها في برد ديسمبر حتى أنها لم تستطع النطق من الصدمة وقد أعطاها حسين بعض الوقت قبل أن يضيف :
-إحنا خايفين يحصلك انتي كمان زي اختك وبدال ما تبقى واحدة يبقوا اتنين، وانا ناويها لو أختك فضلت كده انا هطلقها منه ترجعلنا مطلقة ولا ترجعلنا ميتة
انتفض عقل شروق معطيًا رد فعل إذ قالت سريعًا تحاول ردعهم عن هذا القرار :
-طب افرض اللي مكنش عمله من عندهم تبقوا فسختوا خطوبتي وطلقتوها وخسرتوا اتنين رجالة كويسين، ده يوسف مستحمل من براءة اللي محدش يستحمله ده فتحت راسه بطبق چزاز "إزاز" وأقسم بالله لو واحد غيره ما كان استحمل ده كله وطلقها
وأجاب حسين بجدية قائلًا :
-ما علشان كده هستنى شوية عليهم ويبقى الطلاق آخر حاجة في ايدينا، ويونس قالي عايز يكتب عليكي وانا قولتله مش دلوقتي، لو انتي مش هتقدري تقوليله وهتتكسفي أقوله انا بس بعد فرح بت عمك علشان منكدوش عليهم
شعرت شروق بدمائها تفور إلى عقلها ورغم هذا حاولت التحكم في ردودها وكلامها من والديها اللذان يقرران مكانها قرارات مصيرية في حياتها :
-وانا شايفة زي ما هتدوا براءة ويوسف وقت تدوني انا ويونس برضو وقت
نظر حسين لزوجته التي بدا الرفض على ملامحها فقال هو بحكمة :
-ماشي نستنوا شوية، وربنا يشفي براءة والبلا ده يخلص بقى يعني انا هبقى فرحان لما تتطلق بعد تلات شهور بس، يعلم ربنا قلبي واجعني عليها ازاي لما شوفتها داخلة عليا بحالة ما يعلم بيها إلا ربنا وبقيت جلد على عضم من اللي فيها، ولو فسخت خطوبتك انتي ويونس فكوني عارفة إنه علشان مصلحتك يا شروق
تنفست شروق بصوت مرتفع وخرجت من المندرة وتركتهما، ولكن بقى الأمر في ذهنها ولم يذهب، تخاف أن يأتي يوم ويفصلان الخطبة دون الرجوع إليها، ربما معهما حق في هذا الحكم فلا تتمنى أبدًا أن تعيش ما تعيشه براءة الآن
ولكن ماذا إن كان ما بأختها بفعل أحد يريد اذيتها هى فقط ولا علاقة لا بيوسف ولا عائلته بالأمر، ستخسر هى حينها يونس وربها وحده يعلم كم تحبه، فهذا الحب على وشك إكمال ثلاث سنوات، بدأ بإعجاب خفي وانتهى بحب يملأ قلبها له
تعبت كثيرًا حتى تجعله يحبها، وأسرّت في نفسها كثيرًا حتى يجمعها الله معه في الحلال، أبعد كل هذا يجعلوها تتركه وتموت بحسرتها؟! والله ينفطر قلبها من التفكير بالأمر فماذا إن حدث بحق؟!
لطفك يا ربي فوالله أحبه ولا أريد زوجًا غيره
ليس في يديها الآن غير الدعاء على من فعل هذا السحر فهو ليس فقط يخرب بيت شقيقتها بل ويخرب علاقتها مع يونس أيضًا
رن هاتفها مرة أخرى وأنتشلها من موجة البكاء هذه لتجد المتصل والدها، خافت من الرد فبالتأكيد روت له والدتها فظاظتها معها ولكن ما باليد حيلة، إن لم تجب لن تمر هذه الليلة مرور الكرام أبدًا ولتستعد لسيل من السباب والوعيد وكأنها تشتهي المزيد من الهموم....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولجت مع صديقاتها إلى قاعة الدروس الخصوصية المعروفة بـ "سنتر الدروس" ليستوقفهن أحد الأولاد ممن هم أكبر منهن سنًا في المرحلة الثانوية، ولكن لم يستوقفهن جميعًا بل استوقف إحدى صديقاتها حتى يتحدث معها وقد هرولت له الأخرى وكأنها رأت والدها قد عاد من السفر
امتعض وجه إحدى الواقفات معهن ثم قالت :
-علفكرة مش أول مرة أشوفها واقفة وبتتكلم معاه، المفروض حد يقولها كده غلط يا جماعة
حدقت بها رحمة دون حديث بينما علقت أخرى وقد كانت شيماء ابنة خالتها :
-سما معاها حق كده كتير، أصلًا الولد ده دمه تقيل عاجبها في ايه كل لما نيجي السنتر تقف معاه وترغي
ولج ثلاثتهن إلى الداخل وجلسن في مكان واحد في إنتظار الأستاذ حتى يأتي ويبدأ، وبعد دقائق عادت صديقتهن وهناك بسمة بلهاء على وجهها وفي يدها وردة بيضاء، جلست إلى جانبهن فقالت سما بجدية :
-رانيا مين الولد اللي كنتي واقفة معاه؟؟
صمتت الأخرى لبرهة ثم قالت مدعية الخجل مع بسمة متسعة أرتسمت على وجهها وكأنها فخورة بما تقول :
-ده الكراش
-كراش ايه يا بنتي انتي بتتكلمي بجد؟! انتي لسه صغيرة على الكلام ده
هتفت بها شيماء فقالت سما بنفور من المسمى الذي نطقت به صديقتها :
-لأ ثواني يا شيماء ده ملوش علاقة بسن له علاقة بتربية
احتدت عيني الأخرى بغضب من سبها هذا فقالت :
-قصدك إني مش متربية يا سما؟!
-يا بنتي مش قصدي، انا عايزة أنصحك اللي بتعمليه ده حرام وغلط، حرام تكلمي ولد متعرفهوش
-علفكرة ده يبقى قريبي وباباه يعرف بابا كويس ويعرفه كمان يعني مش ولد غريب
-وهو باباكِ يعرف إنك بتكلميه وبيجيبلك ورد
نطقت بها سما وقد حاصرتها في الزاوية ولكن الأخرى يسيطر عليها الشيطان فلا ترى أن ما تفعله خاطئًا إذ قالت بطريقة هجومية ولا تريد أن تظهر أمامهن كمذنبة :
-انا مش أول واحدة تعمل كده ما الناس كلها بتعمل كده
وقالت رحمة بقنوط لقولها هذا :
-لأ طبعًا مش كل الناس بتعمل كده، يعني ايه أقابل واحد غريب وآخد منه هدايا واخلي الناس كلها تقول عليا إني مصاحبة ولد
رمقتها رانيا بملامح ساخرة ثم قالت بإستهزاء مبطن :
-على الأقل انا مش بعمل كده في الضلمة بعمله قدام الناس، الدور والباقي على اللي بتكلم شباب في الخباثة وماشية توزع نصايح
شعرت رحمة بنبرة الاتهام في نبرتها وقد ألجمها قولها هذا بينما صاحت شيماء تدافع عن صديقتها :
-ايه اللي بتقوليه ده يا رانيا؟ قصدك إن رحمة بتكلم ولاد؟! حرام عليكي الافتراء ده
-انا مش بفتري يا حبيبتي اسأليها قدامك ليه بقيت أربعة وعشرين ساعة على الفون فاتحة واتس حتى في الحصص الفاضية، ولما نسألها تقول صاحبتي أو مرات اخويا، وهى مرات اخوكي يا رحمة اسمها مازن؟؟
نظر ثلاثتهن إلى رحمة، سما بصدمة وشيماء بذهول ورانيا بإتهام، وسرعان ما تحدثت شيماء لا تصدق هذا على أقرب صديقة لها :
-طب علفكرة بقى مازن يبقى اخويا وابن خالتها، عمرك ما ابن خالتك بعتلك رسالة ولا انتي بعتيله رسالة؟!
-وهو ابن خالتي هيبعتلي ليه وحشتيني ومستني الترم يخلص علشان اجي إسكندرية واشوفك
شعرت رحمة بصدمة وخجل من نفسها لدرجة شعرت بالخرس ولم تستطع الدفاع عن نفسها، وبماذا تدافع وهى بالفعل مخطئة فلو كانت على حق الآن لهبطت على وجه رانيا ولطمتها
نظرت حولها بخوف من أن يسمعهن أحد هنا بينما قالت شيماء بذهول :
-رحمة مازن بيبعتلك كده!؟
وخرجت أخيرًا من صمتها فلن تجعل رانيا تقلب الطاولة عليها :
-انتي بني آدمة وحشة اوي يا رانيا علشان بتقلبي في تليفوني وفي الشات عندي من غير إذني
وقالت الأخرى بفظاظة :
-آه نسيب دلوقتي المهم ونمسك فيا انا وانا الوحشة
نهرتها شيماء مدافعة عن رحمة بينما سما تراقب الوجه الآخر من صديقاتها :
-علفكرة إحنا كنا بننصحك انتي يا رانيا وقلبتي الموضوع على رحمة
-علشان أوضح بس اني مش الوحيدة اللي بتعمل كده
نظرت نحو سما ثم أكملت :
-ما تتكلمي يا شيخة يا سما ولا انا وحشة ورحمة نسمة، اتكلمي يا بتاعت الحرام والحلال والمواعظ والدين
رمقتها الأخرى بنظرة قوية ثم أجابت :
-بتاعت المواعظ والدين؟! انا لو زي ما بتقولي فده يدل على انك لا تعرفي حرام ولا حلال ولا عندك دين
اشتعلت أعين رانيا وهمت بالهجوم عليها وجذبها من حجابها الفضفاض فحالت بينهما شيماء حتى لا تضرب سما ثم صاحت بها :
-امشي يا رانيا إحنا مش عايزين نكلمك تاني
وتمتمت الأخرى بحنق وهى تبتعد عنهن تمامًا :
-أحسن عاملين فيها شيوخ وهما مليانين ذنوب
إستدارت رحمة على صوت شيماء وهى تنادي على سما التي جذبت حقيبتها واتجهت نحو الخارج فلحقت رحمة وشيماء بها نحو القاعة بعدما أخذوا مقتنياتهما لتنادي شيماء :
-انتي رايحة فين يا سما؟!
-همشي مش هحضر الدرس النهاردة
نظرت نحو رحمة ثم أضافت بجدية تامة :
-لو الكلام اللي قالته عليكي ده صحيح يبقى انتي بتمشي في سكة غلط يا رحمة
إستدارت شيماء نحو رحمة وعلقت بإستفهام :
-هو مازن بيكلمك بجد وبيبعتلك الحاجات دي!؟
وصمتت الأخرى خجلة من نفسها ولم تجب عليها فقالت سما :
-قولتلكم بلاش نصاحب البنت دي مش كويسة، لا طريقة كلامها ولا لبسها زينا، فاكرين لما قولت لشيماء على الحجاب وقولت لرحمة تطوله شوية قالت ايه؟؟ بلاش خنقة ده إحنا لسه صغيرين، من وقتها وقولتلكم البنت دي مينفعش تبقى صاحبتنا علشان الصاحب ساحب لو مقدرناش نجرها إحنا للحاجات الكويسة هتجرنا هى للحاجات الوحشة وأهو رحمة بقيت بتكلم ولاد
دافعت رحمة عن نفسها وقد ابتلعها الحرج من نفسها ومن الذنب الذي تقوم به :
-انا والله بكلمه بس على الفون مش بشوفه
وقالت سما بنبرة أكثر هدوءًا :
-يا قلبي ده غلط حتى لو شات بس ولو حتى لو ابن خالتك مينفعش تكلميه بأريحية علشان هو مش من محارمك، هتستفادي ايه لما تكلميه ولا حاجة بالعكس ده ممكن بكرة وبعده يذلك بالكلام ده وإنك كنتي بتكلمي شباب وهو ولا جوزك ولا حاجة، تقدري تقوليلي لو أهلك عرفوا إنك بتكلمي واحد وبيبعتلك الحاجات دي هتقولي ايه، انتي هتدمري نفسك يا رحمة
شعرت شيماء بالضيق لهذا الكلام على أخيها فقالت :
-ده اخويا يا سما وهو أكيد مش قصده حاجة وحشة
-حتى لو يا شيماء مينفعش يكلمها بالطريقة دي خالص، والمفروض لو نيته سليمة ميدخلش من ناحيتها هى، ثم أصلًا رحمة صغيرة جدًا على الكلام ده والحب والارتباط، ده بدال ما تذاكر تروح تعمل حاجة حرام؟! ازاي اخوكي يعمل حاجة زي دي؟؟
لم تجد شيماء ما تدافع به عن أخيها لذا صمتت بينما قالت سما وهى تقترب من رحمة :
-انا خايفة عليكي وبنصحك علشان صاحبتي، ومينفعش أشوفك بتعملي حاجة حرام وغلط واسكت، انتي كده بترخصي من نفسك، مثلًا لو جيتي تتجوزي أو تتخطبي وظهر في حياتك من تاني شخص انتي كنتي بتكلميه وقال عليكي قدام خطيبك انا كنت بكلمها وبحب فيها وكذا وكذا، انتي موقفك هيبقى إزاى وقتها؟؟ هتخسري نفسك علشان مجرد كلام في الشات أو كام هدية من واحد، والله انتي أغلى من كده بكتير
دخل كلامها عقل رحمة بقوة وأشعرها أكثر بالذنب فآماءت لها ثم أخرجت هاتفها واتصلت على مازن دون تردد، وما إن رد عليها حتى قالت بشكل مباشر :
-مازن انا مش عايزة نتكلم تاني علشان اللي بنعمله ده حرام، لو سمحت متبعتش ليا حاجة تاني
أغلقت في وجهه ووضعت رقمه على الحظر في كل المواقع وحذفت جميع الرسائل ثم أطلقت زفرة مرتاحة لأنها تخلصت من هذا الذنب بينما قالت شيماء بمزاح :
-رغم إنه اخويا بس هو ده الصح فعلًا، مقدرش أقول حاجة
وضعت يدها على كتف سما أفضل صديقة عرفتها :
-أحلى حاجة إن عندنا صاحبة حلوة زي سما بتبعدنا عن الغلط وتوجهنا للصح
انتبهت لها سما فقالت ببسمة صغيرة وبطريقة نصح لطيفة :
-وانتي يا شيماء أمتى بقى نلبس الحجاب؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!