الفصل 1 | من 7 فصل

رواية في ممرات الحب الفصل الأول 1 - بقلم Hanaa

المشاهدات
11
كلمة
27
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18


مقدمة الرواية

في ممرات "القصر العيني" العتيقة، حيث تفوح رائحة "الفورمالين" الممزوجة بأنين الوجع وصمت الانتظار، لم أكن أبحث سوى عن إجابات لأسئلة الطب المعقدة.. لم أكن أعلم أن القدر يخبئ لي إجابة من نوعٍ آخر، إجابة لا توجد في المراجع، بل تأتي بـخطواتٍ ثقيلة لـ "بسطار" عسكري تصدح في الممرات الهادئة، لتعلن حضور "عمر".

هنا، حيث تتقاطع الدروب بين مَن يداوي الجروح ومَن يحمي الروح، ولدت حكايتنا. هي.. مريم، التي حاربت خلف الكتب لتصنع مستقبلاً من نور ببالطو أبيض ويقين لا ينكسر. وهو.. عمر، الذي اختار أن يكون درعاً للوطن، يحمل هيبة الصاعقة في عينيه ورقةً خفية لا يلمسها سواه.

يقولون إن الطب يعلمنا كيف نُبقي القلوب تنبض، لكنهم لم يخبرونا ماذا نفعل حين يقرر القلب أن ينبض لشخصٍ تسبقه هيبته وتتبعه رائحة البارود، لينهزم أمام رقة "دكتورة" لم تسلحها الأيام إلا بالحب. "في ممرات الحب"، لم تكن السماعة الطبية مجرد أداة للفحص، بل كانت جسراً يعبر فوقه الأمان ليعانق الخوف، لنثبت للعالم أن الحب هو المعركة الوحيدة التي نخرج منها منتصرين.. حين نستسلم



الساعة تشير إلى السابعة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً.

استيقظت القاهرة كعادتها صاخبة، لكن خلف أسوار كلية الطب كان الصخب من نوع آخر. المدرج العريق بجدرانه العالية التي شهدت أجيالاً من الأطباء، كان يغص بطلاب الدفعة الرابعة. رائحة القهوة "المغلية" تمتزج برائحة الورق الجديد، والهمسات المتطايرة هنا وهناك تخلق طنيناً لا ينتهي.

في الصف الثالث، كانت مريم تبدو كلوحة مصرية أصيلة؛ بشرتها الحنطية التي تذكرك بطمي النيل، وعيناها العسليتان اللتان تلمعان بذكاء حاد خلف نظارتها الطبية. حجابها كان "مهوزاً" قليلاً كعادتها، مع تلك الخصلة السوداء التي تصر على الخروج من الأمام، ورقبتها التي يلتف حولها الحجاب بخفة دون تزمت، مما يعطيها تلك الروح المتحررة والملتزمة في آن واحد.

بجانبها، كانت سارة تمارس طقوسها الصباحية في محاربة الجاذبية؛ جفونها تهبط ببطء، ورأسها يميل يميناً ويساراً. وخزتها مريم بحدة وهي تهمس:

"يا سارة فوقي بقى! المحاضرة دي 'كريتيكال' جداً، الدكتور بقاله ساعة بيشرح في الميكانيزم بتاعة الباثوفيزيولوجي، وأنتي في عالم تاني خالص.. لو ضاعت منك مش هتعرفي تلمي الشابتر ده خالص."

فتحت سارة عيناً واحدة بصعوبة، ونظرت لمريم بملل:

"يا مريم ارحميني، أنا منمتش غير ساعتين، وحاسة إن نفوخي بقى عبارة عن مية وسكر.. وبعدين تعالي هنا، أنتي مركزة مع الدكتور ولا مع القميص الأزرق اللي في آخر المدرج؟"

ارتبكت مريم قليلاً وعدلت وضع نظارتها:

"قميص أزرق إيه يا بنتي؟ ركزي في الأكشن بوتنشال اللي على السبورة أحسن لنا."

سارة بابتسامة خبيثة:

"علينا برضه؟ ده الكراش بتاعك واكل من القميص حتة، وطالع زي القمر.. بس يا عيني خاين، نازل دحي في المحاضرة ولا كأنه شايفنا.. قوليلي يا مريم، هو لسه ميعرفش إنك موجودة في المجرة أصلاً؟"

ضحكت مريم بخفوت وهي تشعر بحرارة في وجهها:

"يا ستي ده مشروع جلطة متحرك، وبعدين أنا مش فاضية للقصص دي، أنا عايزة أتخرج وأخلص من دورة كريبس اللي مبيخلصش دي!"

في تلك اللحظة، في ركن بعيد من المدرج، كان زياد يجلس وعيناه معلقتان بمريم. كان يراقب ضحكتها الخفيفة مع سارة، ويشعر بغصة في قلبه. زياد، بشبابه المصري الأسمر وملامحه الرجولية الجادة، كان يحمل لمريم حباً نقياً، حباً بدأ منذ السنة الأولى، لكنه ظل سجيناً في قلبه؛ لأنه يعلم يقيناً أنها تراه "السند"، "الأخ"، وصديق العمر الذي لا يمكن استبداله.. وهذا تحديداً كان وجعه الأكبر.

المشهد الثاني: ممرات الكلية (بين مطرقة الدراسة وسندان الفكاهة)

الساعة العاشرة والنصف صباحاً.

خرج الطلاب من المحاضرة كأنهم أسرى حرب نالوا حريتهم للتو. اجتمعت "الشلة" عند العمود الكبير المعتاد. مريم وسارة، ولحقت بهما ليلى التي بدت وكأنها على وشك الانهيار العصبي، وأحمد الذي كان يقلب في هاتفه بوجوم، وزياد الذي كان يحاول إخفاء مشاعره خلف قناع المرح.

أحمد (بنبرة يائسة): "يا جدعان، الأسئلة اللي نزلت على جروب الدفعة دي بتهزر صح؟ ده مفيش بني آدم طبيعي يحل الكلام ده.. أنا شكلي كدة هحول زراعة وأربي أرانب، أهي تجارة مضمونة!"

ليلى (بانفعال): "أرانب إيه بس يا أحمد! أنا امبارح دخلت الجروب لقيت 400 رسالة، قلبي وقع في رجلي، قلت أكيد لغوا الميدترم! طلعت خناقة شوارع بين اتنين عشان واحد صور محاضرة الفيزيولوجيا المترجمة ومداهاش للتاني.. بجد إحنا دفعة بائسة!"

ضحك زياد، وحاول أن يلطف الجو وهو ينظر لمريم:

"طب هدي نفسك يا ليلى، ده أنا عندي ليكو نكتة هترجع الروح.. تعرفوا ليه دكتور العظام دايماً حاسس بالفخر؟"

نظرت له مريم بوجس: "ستر يارب.. ليه يا زياد؟"

زياد بابتسامة عريضة: "عشان طول النهار عمال 'يعظم' في نفسه!"

ساد صمت مطبق. سارة نظرت لزياد بشفقة، وليلى تنهدت بعمق، أما مريم فوضعت يدها على جبهتها وقالت بمزيج من الضحك واليأس:

"زياد.. بجد وحياة أغلى حاجة عندك، لم الدور. أنا ضغطي وصل 180 على 120، وحاسة إن خلايا مخي بتنتحر بسبك.. خليك في التشريح، التشريح أرحم بكتير من خفة دمك دي!"

ابتسم زياد بمرارة خفيفة، كان يكفيه أنها ضحكت، حتى لو كانت تضحك على نكتته البايخة


الساعة الثانية عشرة ظهراً.

إذا أردت أن تعرف أسرار "القصر العيني"، فلا تذهب للمدرجات، بل اذهب إلى الكفتيريا. المكان كان يغص بضجيج لا ينقطع؛ صليل الملاعق، نداءات العمال، وضحكات الطلاب التي تعلو فوق صوت ماكينة القهوة. الرائحة هناك كانت مزيجاً عجيباً لا تجده إلا في كليات الطب: رائحة "الفلافل" الساخنة التي تخرج من الزيت وكأنها سبائك ذهبية، تمتزج برائحة المعقمات التي لا تزال عالقة في "بالطوهات" الطلاب البيضاء.

استقرت الشلة على طاولة متهالكة في الزاوية، وبينما كان زياد وأحمد يصارعان "سندوتشات الكبدة"، كانت سارة تمارس هوايتها المفضلة في "الرصد والتحليل". مالت سارة بجسدها نحو مريم، وعيناها مثبتتان على طاولة بعيدة، وقالت بهمس مسموع:

"مريم.. بصي كدة على البنت اللي لابسة طرحة بينك هناك دي.. دي في تانية طب، وقاعدة مع واد 'سينيور' من رابعة.. شكلها كدة 'علاقة عابرة للسنوات' يا اختي، والكلية كلها بتتفرج!"

لم ترفع مريم عينها عن كوب الشاي الخاص بها، وأجابت بلامبالاة مصطنعة:

"يا بنتي سيبك منهم، بكره 'الميدترم' يهلّ وكل واحد فيهم يدور على مصلحته والقصة دي تفرط.. الحب في طب يا سارة عامل زي 'الأنتيبايوتك'؛ لازم يتاخد في مواعيد محددة وجرعات محسوبة، وإلا هيجيلك مناعة ضد الرومانسية وتعيشي بقية حياتك 'سنجل' مع الكتب."

ضحكت سارة بقوة، بينما كان زياد يراقب مريم بابتسامة باهتة، يتأمل كيف تحلل الحب وكأنه مادة دراسية، وهو الذي يغرق في تفاصيلها دون أي "ميكانيزم" دفاعي.

فجأة، تغيرت ملامح مريم، خيمت عليها جدية مفاجئة، ووضعت الكوب من يدها وهي تنظر لزميلاتها بقلق:

"بس بعيداً عن الهزار يا بنات.. أنا الرعب واكل قلبي من امتحان عملي التشريح الجاي.. أنتو عارفين إني نمت امبارح وحلمت حلم غريب؟"

سارة (بسخرية): "خير يا دكتورة؟ حلمتي إنك اكتشفتي علاج للصلع الوراثي؟"

مريم (بنبرة مرتعشة): "لأ.. حلمت إن الجثة اللي كنا بنشرحها الصبح، قامت قعدت على حرف الترابيزة، ومسكت إيدي وسلمت عليا بحرارة، وقالتلي بصوت واطي: 'يا بنتي ادرسي كويس بلاش خيبة، أنا مش ميت عشان تسقطي بسببي!'"

انفجر الجميع بالضحك، حتى أحمد الذي كان مشغولاً بالأكل لم يتمسك من الضحك، بينما غطت مريم وجهها بيدها وهي تقول:

"بتضحكوا؟ أنا صحيت قلبي بيدق 140 في الدقيقة، وحلفت مش داخلة المشرحة دي غير وأنا لابسة 'حجابين' فوق بعض!"



الساعة الثانية ظهراً – "جروب" الدفعة.

لم يكن هاتف مريم يهدأ؛ الاهتزازات المتتالية على الطاولة كانت تشبه ضربات قلب مريض في غرفة الطوارئ. "تيت.. تيت.. تيت"، إشعارات لا تتوقف، ومريم تنظر للهاتف بعينين يملأهما الرعب، وكأنها تنتظر خبر كارثة طبيعية.

فجأة، ظهر الإشعار "البعبع": (أدمن الجروب أرسل ملفاً: ملخص الشابتر الأول في 500 صفحة - نسخة نهائية).

فتحت مريم عينيها على وسعهما، وشعرت بأن ذرات الأكسجين في الغرفة قد تبخرت. أمسكت الهاتف وسجلت "ريكورد" (تسجيل صوتي) وصوتها يتهدج بمزيج من السخرية واليأس:

"يا جماعة.. يا بشر.. إيه ده؟ ده ملخص ولا رواية 'البؤساء' لـ فيكتور هوجو؟ 500 صفحة ملخص لشابتر واحد؟ إحنا بشر يا ناس، والله العظيم بشر مش 'سوبر كمبيوترز'! ارحمونا بقى، الواحد جاله تضخم في خلايا مخه من قبل الميدترم!"

لم تمر ثوانٍ حتى جاء الرد من أحد الطلاب "الدحيحة" الذين لا يشعرون بالبشر:

"يا دكتورة مريم، اللي عايز يبقى جراح شاطر لازم يتحمل.. الطب مش سهل، والمادة محتاجة مجهود."

رمت مريم الهاتف على المقعد بضيق، وزفرت بحدة وهي تتحدث لنفسها أمام المرآة، وهي تعدل خصلة شعرها المتمردة:

"جراح شاطر؟ ده أنا عايزة أبقى دكتورة بس عشان أعالج نفسي من الانهيار العصبي اللي الجروب ده مسببهولي! قال يتحمل قال.. ده أنا لو ذاكرت الـ 500 صفحة دول، مش هحتاج جراح، هحتاج شيخ يفك لي العمل اللي معمول لي في الكلية دي!"



عند بوابة الكلية – الشمس تميل للغروب.

كانت مريم وسارة تقفان بانتظار "الميكروباص" أو الباص الذي سيعيدهما للمنزل. التعب كان قد رسم ظلالاً تحت عيونهما، لكن الضحكة المصرية التي تأبى أن تموت كانت لا تزال حاضرة.

سارة (وهي تستند على كتف مريم بضعف): "مريم.. بعيداً عن الهزار والمسخرة اللي بنعملها طول اليوم.. بجد لسه عايزة تكملي؟ لسه عايزة تبقي دكتورة بعد كل الضغط والنكت البايخة بتاعة زياد دي؟"

هدأت مريم، ونظرت بعيداً نحو زحام الشارع، ثم قالت بنبرة دافئة، نبرة التي تطمح أن تكون أول طبيبة في عائلتها:

"عارفة يا سارة؟ رغم كل الصداع والضغط ده، ورغم إننا بنشوف المر.. بس لما بفكر إني في يوم من الأيام ممكن أكون السبب في إني أخفف وجع طفل صغير، أو أطمن أم خايفة على ابنها.. بحس إن كل ده يهون. التعب بيروح، بس الأثر هو اللي بيفضل."

سارة (بابتسامة حقيقية): "يا عمي على العميق! خلاص يا دكتورة القلوب، بكرة عزومتك على 'نسكافيه' في الكفتيريا على حسابي.. بس بشرط، وحياة أغلى حاجة عندك، بلاش سيرة الـ 'ميتابوليزم' وإحنا بناكل، أنا عايزة أحس إني بني آدمة طبيعية لمدة نص ساعة بس!"

ضحكت مريم، وركبت الباص، وبمجرد أن استقرت في مقعدها، فتحت كتابها لتراجع "دورة كريبس" للمرة المليون.


ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...