الفصل 3 | من 12 فصل

الفصل الثالث

المشاهدات
27
كلمة
2,897
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

وقف نور أمام المرآة بدهشة، وقد انعكست صورته على سطحها الملطّخ بالدم، بينما استقرّت عيناه على الكلمات المكتوبة:
“بكتْ سماءُ نزفي تحتَ القمرِ (3 + 3)”
ظلّ يحدّق فيها لثوانٍ، ثم حرّك شفتيه ببطء، يردّدها:
“بكت سماء نزفي تحت القمر… تلاتة زائد تلاتة…”
اقترب أدهم قليلًا، ونظر إلى المرآة بعدم فهم، ثم قال:
“مش فاهم المجرم كتب الجملة دي ليه… يقصد إيه؟”
لم يردّ نور فورًا، بل ظلّ ينظر إلى الكلمات والدم الذي كُتبت به. مرّت لحظات من الصمت، قبل أن يقول بنبرةٍ غارقة في التفكير:
“هو ما كتبهاش كده وخلاص… أكيد ليها سبب… أو عايز يوصلنا رسالة من خلالها.”
حكّ أدهم فروة رأسه بتفكير، ثم قال:
“فين هي الرسالة دي؟… إيه اللي هنفهمه من جملة زي دي؟… و 3+3 يساوي 6 .”
نظر إليه نور، ثم هزّ رأسه بسخريةٍ خفيفة وقال:
“3+3 يساوي 6؟… تصدّق مكنتش أعرف… كده جبت التايهة يا أدهم.”
ردّ أدهم بضيق:
“الحق عليّا يعني إني بحاول أساعدك؟”
نظر إليه نور، وقد ارتفعت حاجبه الأيسر في هدوءٍ ساخر، ثم قال :
“اللي ما يطولش الجبل، يتباهى بحجر.”
انفلتت ضحكةٌ قصيرة من أدهم، وهو يهزّ رأسه بإعجابٍ :
“أكتر حاجة بحبها فيك الأمثال اللي بتقولها… بتجبها منين معرفش!”
رفع نور ياقة بدلته بحركةٍ متعمدة، وتسلّل إلى ملامحه ذلك الغرور المصطنع، ثم قال بثقة:
“أنا كل حاجة فيّا تتحب يا بني.”
اتّسعت ابتسامة أدهم، وهزّ رأسه موافقًا:
“دي حقيقة.”
مرّر نور يده على وجهه، ثم استقرت نظراته مجددًا على المرآة.
وقال بنبرةٍ جادّة:
“كفاية هزار بقى… خلّينا نفك الشفرة دي، ونعرف اللي وراها إيه.”
ثم أخرج نور هاتفه، وصوّر الجملة المكتوبة على المرآة.
ثم نظر إلى الصورة على الهاتف في صمتٍ لثوانٍ.
تنفّس ببطء، ثم قال وهو يتأمل الشاشة:
“شكلنا كده دخلنا في اللعب مع حد تقيل… وعارف كويس هو بيعمل إيه.”
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
انفتح باب الطائرة، فاندفع هواءٌ شديد إلى الداخل.
وقف لؤي عند الحافة، وإلى جواره تؤي، وقد امتدّ بصرهما إلى الأسفل… حيث بدت الأرض بعيدةً على نحوٍ مخيف، والمسافة بينهما وبينها شاسعة إلى حدٍ لا يُستهان به.
ومع ذلك… لم يكن في ملامحهما خوف.
بل حماسةٌ واضحة، تتلألأ في أعينهما .
كانا متشابهين إلى حدٍ لافت؛ نفس الملامح، نفس العيون، نفس التكوين… كأنهما انعكاسٌ واحد في مرآتين.
لكن الاختلاف كان ظاهرًا في طول الشعر، وفي نبرة الصوت، وفي تفاصيل أنثوية رقيقة تؤكّد أنّها فتاة.
التفت إليها لؤي، وارتدى النظارة الواقية الشفافة، ثم قال :
“جاهزة؟”
هزّت تؤي رأسها، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ عريضة، مليئة بالحماس.
ثم ارتدت نظارتها هي الأخرى.
أخذا نفسًا عميقًا…
نظرا إلى بعضهما للحظة—
ثم قفزا من الطائرة…اندفع الهواء من حولها بعنف، فكان شعرها يتطاير خلفها بجنونٍ مع شدّة الرياح، بينما ارتفعت صرختها.
كان الإحساس بالحرية يملأها، كأنها تحلّق.
وفي اللحظة المناسبة، فتح لؤي المظلّة، وفتحتها هي معه في التوقيت ذاته.
انخفض اندفاعهما تدريجيًا، وتحولت السرعة العنيفة إلى هبوطٍ أكثر هدوءًا.
ظلّا معلقين في الهواء لبعض الوقت، قبل أن يقتربا شيئًا فشيئًا من الأرض… حتى لامست أقدامهما اليابسة أخيرًا.
هبطا بثبات، وسقطت المظلّة خلفها على الأرض.
ضحكت تؤي، وهزّت رأسها وهي تجمع شعرها الذي بعثرته الرياح، ثم قالت وهي تتنهد:
“كانت تجربة روعة.”
هزّ لؤي رأسه، وقال وهو يلتقط أنفاسه:
“أنا مستعد أجربها تاني… حاسس إني بقيت واحد تاني… تجربة فرقت أوي معايا.”
هزّت تؤي رأسها، وابتسمت قائلة:
“دي حقيقة.”
أخرج لؤي هاتفه، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة، ثم قال:
“طيب يلا بقى ناخد صورة للتجربة الهائلة دي.”
أسرعت تؤي نحوه، ووقفت إلى جواره.
فتح الكاميرا، فابتسما معًا، والتقط صورة لتلك اللحظة… كذكرى لا تُنسى.
خفض لؤي الهاتف، ثم حفظ الصورة في الألبوم المفضّل لديه.
نظرت إليه تؤي، ثم قالت:
“صحيح… الليلة عندنا شغل.”
وضع لؤي الهاتف في جيبه، والتفت إليها باهتمام:
“حد بعتلك؟”
هزّت رأسها قائلة:
“أيوه… بنت محتاجة مساعدة، هقولك التفاصيل بالليل.”
ابتسم لؤي، وهزّ رأسه:
“تمام… حلو أوي. نتقابل في نفس المكان.”
هزّت تؤي رأسها بابتسامة، ثم رفعت عينيها إلى السماء، ورفعت يديها قليلًا، وقالت بحماس:
“يااه… كنت عاملة زي الحمامة الطايرة… كان إحساس حلو أوي بجد.”
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
عاد فارس إلى البيت، وأغلق الباب خلفه، ثم تقدّم إلى الداخل بخطواتٍ هادئة.
توقّف قليلًا حين وقعت عيناه على ياسمين، كانت جالسةً إلى جوار ميرال، تحاول مواساتها.
أكمل طريقه نحوهما.
ما إن رأته ميرال، حتى أسرعت تمسح دموعها، ونهضت من مكانها، ثم قالت:
“إزيك يا عمي… عامل إيه؟”
هزّ فارس رأسه بهدوء، وقال:
“تمام الحمدلله… مالك؟ في إيه؟”
قالت ميرال بحزنٍ شديد، وقد انعكس الضيق في نبرة صوتها:
“عاجبك اللي بيعمله نور معايا ده يا عمي؟”
نظر إليها فارس باستغراب، وقال بهدوء:
“وهو نور عمل إيه؟”
اشتعلت ملامحها غضبًا، وقالت بصوتٍ أعلى نسبيًا:
“ما هي دي المشكلة… إنه مبيعملش أي حاجة! من يوم ما اتخطبنا وهو ناسيني خالص، ومش معبّرني حتى… ببعتله وبتصل بيه، لكنه مش بيرد عليّا… أنا مبقتش أستحمل تصرفاته دي.”
ظلّ فارس ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال بنبرةٍ هادئة:
“ما إنتِ عارفة طبيعة شغله.”
قالت ميرال بضيقٍ ممزوجٍ بحزن:
“طيب ما أنا كمان طول الوقت مشغولة، ومع ذلك دايمًا بفكر فيه وبتصل بيه… لكن هو ولا كأني موجودة في حياته أصلًا.”
كان فارس على وشك أن يتحدّث، لكنّه صمت فجأة حين انفتح الباب.
دخل نور، وخلفه مريم، التي كانت تتحدّث بعصبيةٍ واضحة:
“أنا حرة في شغلي!”
توقّف نور، والتفت إليها، ونظر إليها بحدّةٍ وهو يقول:
“تشتغلي بعيد عني… إنتِ كده بتشوفي شغلك، لكن بتبوّظيلي شغلي أنا.”
اشتعلت ملامح مريم أكثر، وقالت بعصبيةٍ وصوتٍ مرتفع:
“هو أنا جيت جنبك ولا جنب شغلك؟”
نظر إليها نور بعصبيةٍ مفرطة، وقال بسخريةٍ :
“تدخل في شغله وتبوّظ نظامه… وبعدين تقول أنا ما قربتش من مقامه.”
تابعت ياسمين المشهد، ثم هزّت رأسها بقلة حيلة.
اقترب فارس خطوة، وقال بضيق:
“ما كفاية إنت وهي… في إيه؟”
التفت إليه نور، وقال بعصبية:
“الهانم بتبوّظلي شغلي.”
نظر فارس إلى مريم، التي ردّت بعصبيةٍ :
“أنا مجتش جنبك… أنا صحافية، وده شغلي إني أكشف الحقيقة والأسرار.”
قال نور بغضب:
“اكشفي أسرار بعيد عني وعن شغلي… متدخليش في القضية دي، خليكي بعيدة عنها.”
اشتدّت ملامح مريم، وقالت بعصبية:
“وأنا مش هسيب القضية دي… وهفضل وراها لحد ما أكشف الحقيقة.”
ارتفع صوت نور أكثر، وقال بحدّة:
“ده شغلي أنا مش شغلك… أنا اللي أحقق وأدور وأكشف وأعرف مين المجرم، مش إنتِ.”
ارتفع صوت فارس فجأة، وقال بغضبٍ شديد:
“كفاية! جرا إيه؟! بتتخانقوا وأنا واقف، ولا كأني موجود

وسطكم!”
ساد الصمت لوهلة، تنفّس نور بعمق، ومرّر يده على وجهه محاولًا تهدئة نفسه، ثم قال:
“أنا آسف يا بابا.”
التفتت مريم إلى فارس، وقد خفتت نبرتها، وقالت بحزنٍ ممزوج بندم:
“أنا آسفة… مكنش قصدي.”
كانت ميرال تقف تتابع الموقف، وأعصابها مشدودة، لأنه لم ينظر إليها، لم يلحظ وجودها أصلًا… كأنها غير موجودة.
نظر فارس إليهما بغضبٍ، وقال :
“اعتذروا لبعض حالًا… يلااا إنت وهي.”
نظر نور إلى مريم بضيق، وقال:
“هعتذر… بس الأول تقول إنها هتبعد عن القضية دي.”
رفعت مريم رأسها، وقالت بضيق:
“وأنا قولتلك مش هسيب القضية دي يا نور.”
نظر إليها نور بعصبيةٍ مفرطة، وقال:
“اعملي اللي إنتِ عايزاه… إنتِ حرة.”
ثم تركهم واتجه نحو السلم، صاعدًا إلى غرفته، ومرّ أمام ميرال دون أن يعيرها أي اهتمام.
توقّف فجأة على السلم… حين سمع صوتها:
“للدرجادي… مبقتش شايفني قدامك؟”
ضمّ نور قبضته بقوة، محاولًا كبح أعصابه، ثم نظر إليها وقال:
“ميرال… أنا مش فايق لك دلوقتي.”
لكنها انفجرت غضبًا، وقالت بعصبيةٍ عالية:
“أومال هتفوق لي إمتى؟! تقدر تقولي إحنا مخطوبين لنا قد إيه؟”
نظر إليها، وقد بدأ صبره ينفد، وقال وهو على آخره:
“امشي دلوقتي ونتكلم بعدين.”
صرخت أكثر، وقالت:
“مفيش بعدين! أنا عايزة حل دلوقتي… أنا زهقت! إحنا لينا تلات سنين مخطوبين، لا عمرك خرجت معايا، ولا اتكلمنا ساعة على الأقل مع بعض… خلاص! كأني مش موجودة في حياتك، وأنا مبقتش أتحمل الوضع ده أكتر من كده!”
انفجر غضب نور، وقال بعصبية:
“عايزة حل دلوقتي؟”
هزّت رأسها بضيقٍ وعصبية:
“ياريت.”
أخرج نور دبلة الخطوبة من يده، ورماها على الأرض بعنف، وقال بغضبٍ شديد:
“اللي بينا خلص… وكل واحد يشوف حياته، عشان أنا قرفت.”
ثم استدار وتركهم، وصعد إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه بقوةٍ هزّت المكان.
نظرت ميرال إلى الخاتم الملقى على الأرض بصدمةٍ جامدة،
تردّدت كلماته في أذنيها مرارًا.
لم تستطع أن تنطق… اختنقت الكلمات داخلها، بينما بدأت الدموع تنساب على خديها لا تصدق ما فعله… تركها بهذه السهولة.
وقف فارس في مكانه، مصدومًا هو الآخر من تصرّف ابنه، غير قادرٍ على استيعاب ما حدث.
أما مريم، فقد وضعت يدها على فمها، وعيناها متّسعتان، تحاول أن تفهم ما جرى… لكن دون جدوى.
اقتربت ياسمين من ميرال، وقد ارتسم الحزن على ملامحها.
مدّت يدها، ووضعتها برفق على كتفها، ثم قالت بنبرةٍ هادئة تحاول أن تحتوي ألمها:
“شيطان كان ما بينكم… سيبيه شوية يهدى، وهو بنفسه هيرجع يكلمك.”
رفعت ميرال عينيها إليها، والدموع لا تزال تنهمر، وقالت بصوتٍ مكسور:
“ابنك كسرني… وقلّ مني… أنا مستحقش كل اللي بيعمله فيّا ده.”
تنهدت ياسمين بحزن، وقالت:
“حقك عليّا أنا… أول ما يعرف غلطه، هيجيلك وهيعتذرلك.”
ابتسمت ميرال ابتسامةً باهتة، يختلط فيها السخرية بالحزن، ثم قالت:
“مشكلة ابنك إنه مهما عمل… مبيعترفش بغلطه.”
مسحت دموعها بسرعة، ثم نظرت إلى الخاتم في يدها لحظةً طويلة. ثم ببطء، نزعته.
مدّت يدها به نحو ياسمين، ووضعت الخاتم في كفّها، وقالت بصوتٍ ممتلئ بالغضب والحزن:
“أنا غلطانة إني ضيّعت تلات سنين من عمري مع واحد زيه.”
لم تنتظر ردًا… التفتت، تناولت هاتفها وحقيبتها، ثم اتجهت نحو الباب بخطواتٍ سريعة.
وما إن خرجت من الفيلا… حتى انهمرت دموعها بحرقة، كأنها كانت تؤجّل هذا الانكسار حتى تختفي عن نظرهم.
ضرب فارس كفّيه ببعض، ثم اتجه نحو الأريكة وجلس وهو يتمتم بضيق:
“لا حول ولا قوة إلا بالله.”
وما إن استقر في مكانه، حتى نظرت إليه ياسمين بدهشةٍ واستغراب، وقالت:
“إنت هتقعد؟”
نظر إليها فارس، وهزّ كتفيه بلا مبالاة، وقال:
“أومال عايزاني أعمل إيه يعني؟”
قالت ياسمين بضيقٍ واستنكار:
“تعمل إيه؟!… اطلع شوف ابنك، وفهمه يخليه يصلّح المشكلة اللي عملها!”
نظر فارس نحو غرفة نور، حيث كان الصوت يتردّد من الداخل… صوت تحطيمٍ وفوضى.
جلست مريم على الأريكة، ثم قالت:
“عمي فارس… لو طلع دلوقتي، مش هينزل سليم.”
نظر إليها فارس، ثم ضحك بخفّة، وقال:
“قوليلها عايز تجيب أجلي.”
ضحكت مريم، ثم التفتت إلى ياسمين، التي رفعت حاجبيها وقالت:
“لا والله.”
ضحك فارس، وشاركتْه مريم الضحكة، ثم التفت إليها فارس، وتبدّلت ملامحه إلى الجدية، وقال بنبرةٍ هادئة :
“بصي يا مريم… أنا عارف إنك بتحبي شغلك، ومش بتحبي حد يتدخل فيه… وإنتِ من يوم ما بدأتي، وأنا متكلمتش معاكي ولا اعترضت على أي حاجة…”
توقّف لحظة، ثم أكمل وهو ينظر إليها بتركيز:
“لكن توصل إنك تعرّضي حياتك للخطر… لا، هنا لازم أتدخل.”
كانت مريم على وشك أن تتكلم، لكن فارس قاطعها، وقال بنبرةٍ أكثر صرامة:
“ابعدي عن القضايا اللي فيها قتل… المجرمين دول معندهمش رحمة، ولو حد عرف إن في حد بيدور وراهم ومعلهوش حماية… هيخلصوا عليه.”
انخفض صوته قليلًا في النهاية، وقد ظهر القلق بوضوح في عينيه:
“أنا خايف عليكي.”
مدّت مريم يدها، وأمسكت بيد فارس، ثم ابتسمت ابتسامةً جميلة، وقالت:
“إنت عارف كويس أوي إني بفكّر في الحاجة قبل ما أعملها ميت مرة… ومستحيل أعرّض حياتي للخطر، أيًا كان السبب… وعشان تطمّن أكتر، أنا هسيب القضية دي.”
ارتسمت ابتسامة حنونة على وجه فارس، وقال بنبرةٍ دافئة:
“أنا معنديش أغلى منك… عشان كده أنا خايف عليكي.”
ضحكت مريم بخفّة، ثم قالت بغيرةٍ مصطنعة:
“يعني نور مش أغلى مني؟”
ضحك فارس، ثم قال وهو يهزّ رأسه:
“ربنا اللي يعلم… إنتوا الاتنين غلاوتكم واحدة عندي.”
عقدت ياسمين ذراعيها، وقالت بضيقٍ مصطنع:
“وأنا ولا عشان كبرت فخلاص اتنسيت؟”
نظر إليها فارس، وضحك، ثم غمز لها وقال بنبرةٍ دافئة:
“مهما كبرنا وجري بينا الزمن… هتفضلي ساكنة قلبي، وهتفضلي أجمل ست بتشوفها عيني.”
ابتسمت ياسمين، وقالت بدلالٍ خفيف:
“أيوه كده، سمعني الكلام الحلو… خلّيني أحس إني لسه في عز شبابي.”
ضحكت مريم، وقالت:
“طيب والله إنتِ زي القمر، ولسه صغيرة… مكبرتيش.”
اتّسعت ابتسامة ياسمين، ورفعت ذراعيها قائلة:
“طيب هاتي حضن بقى على الكلام العسل ده.”
تعانقتا، ثم ابتعدت ياسمين قليلًا، والتفتت بنظرها نحو غرفة نور.
كانت هادئة… لا صوت يخرج منها.
نظرت إلى فارس، وقالت بنبرة قلقه:
“أهو هدي… قوم بقى، بلاش كسل.”
هزّ فارس رأسه، وتنهد، ثم نهض واتجه إلى الأعلى.
وقف أمام الباب، وطرق عليه… لكن لم يصدر أي رد.
تردد لثانية، ثم فتح الباب ودخل، وأغلقه خلفه.
انطلقت صدمةٌ واضحة في عينيه، وهو يتفحّص الغرفة…
كل شيءٍ فيها مقلوب، محطم، وكأن إعصارًا مرّ من هنا وترك خلفه فوضى لا تُوصف.
توقّف بصره أخيرًا على نور.
كان جالسًا، عروقه بارزة، ويداه مشدودتان بقوة، يضغط على أصابعه بعصبيةٍ وغضبٍ شديد.
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
في غرفة يغمرها ضوء خافت، تتوزّع فيها أجهزة وتقنيات حديثة تلمع شاشاتها .
كان لؤي يجلس أمام حاسوبٍ محمول، يرتدي الأسود كاملًا، وقبعةً سوداء تخفي ملامحه، وكمامةً سوداء تغطي الجزء الأكبر من وجهه،

فلا يظهر منه سوى نظراتٍ حادّة ثابتة.
إلى جواره وقفت تؤي، بنفس الهيئة ونفس المنظر والشكل.
على الأريكة، كانت فتاة تجلس منهارة، تبكي بانكسارٍ واضح، وكتفاها يرتجفان من شدة الخوف.
اقتربت تؤي منها قليلًا، وقالت بصوتٍ هادئ :
“متخافيش… إحنا هنساعدك. والحيوان ده هيدفع تمن اللي بيعمله فيكي غالي أوي، وهتاخدي حقك منه.”
بكت الفتاة أكثر، وقالت وسط شهقاتها:
“أنا والله ما عملتش حاجة… كل الصور والفيديوهات دي مش حقيقية… بس محدش هيصدقني.”
جلست تؤي بجانبها على الأريكة، ونظرت إليها بحزنٍ عميق، ثم قالت:
“اطمني… مفيش حاجة هتحصل. ومحدش هيعرف حاجة… وإحنا واثقين إنك معملتيش حاجة.”
رفعت الفتاة عينيها إليها، والدموع لا تزال تنهمر، وقالت بصوتٍ مرتجف:
“هتعرفوا تساعدوني؟”
هزّت تؤي رأسها بابتسامةٍ :
“إنتِ مش أول واحدة… جالنا بنات كتير بنفس مشكلتك، والحمد لله قدرنا نساعدهم وخدوا حقهم… وإنتِ كمان هتاخدي حقك.”
ارتجف جسد الفتاة، ورفعت يديها بتضرّع، وقالت وسط بكاءٍ شديد:
“يارب… يارب.”
نظرت تؤي إلى الفتاة في صمتٍ حزين، ثم نهضت واقتربت من لؤي، الذي كان ما زال منحنياً أمام شاشة اللابتوب، أصابعه تتحرك بسرعة وتركيز شديد كأنه داخل عالمٍ آخر.
وقفت إلى جواره، وقالت وهي تتابع الشاشة:
“ها يا بوب… عملت إيه؟”
لم يلتفت إليها لؤي، وظلّ مركزًا في الشاشة بعمقٍ تام، حتى مرّت لحظات صمت، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
رفع الشاشة قليلًا باتجاه تؤي وقال:
“غبي… مكنش مأمّن حسابه كويس.”
جلست تؤي فورًا أمام الشاشة، ونظرت إلى الحساب، ثم ابتسمت وقالت بثقة:
“هو ده الكلام… الحساب بتاعه بقى تحت إيدينا دلوقتي.”
وقفت الفتاة فجأة، وقد بدت عليها ملامح الفرح المختلطة بالارتباك، ثم تقدّمت بسرعة ووقفت بجانب تؤي، وأشارت بإصبعها قائلة:
“أيوه… أيوه ده الأكونت بتاعي اللي كان بيبعتلي عليه!”
فتحت تؤي الحساب على الفور، وبدأت تتصفّح الرسائل، فظهرت أمامها محادثات مليئة بالتهديدات، وصور، وفيديوهات، وكلمات قذرة مكتوبة.
أخذ لؤي اللابتوب منها بهدوء، دون أن يفتح الفيديوهات أو ينظر إلى الصور، وبدأ مباشرة بأخذ لقطات شاشة للمحادثة.
ثم تحرّك بسرعة، وحذف الصور من الحساب، وأزال كل ما له علاقة بالفتاة، خطوةً بخطوة. ثم قال:
“أنا حذفت كل حاجة من على حسابه… حتى الأكونت بتاعك خليته مش موجود.”
نظرة له البنت، وارتسمت على ملامحها فرحة مفاجئة امتزجت بالدموع، وهزّت رأسها بسرعة.
أكمل لؤي بهدوء:
“إنتِ اقفلي حسابك ده خالص… ومش هتفتحيه الفترة دي، لأن احتمال يبعتلك من أكونت تاني.”
تؤي عقدت حاجبيها قليلًا وقالت بتفكير:
“طيب… فلنفترض إن معاه نسخ من الفيديوهات والصور دي؟”
تغيّرت ملامح البنت في لحظة، ورجعت لها ملامح الخوف من جديد.
تنهد لؤي وقال:
“هنشوف… لو معاه نسخ تاني، فهو هيحاول يبعتلها ويهددها تاني… وقتها…”
سكت لحظة، ثم أكمل :
“هدخله بطريقة مش هتعجبه.”
نظرت تؤي إلى الفتاة بحنان، ثم أمسكت يدها برفق وابتسمت قائلة:
“اطمني… إحنا معاكي ومش هنسيبك.”
هزّت الفتاة رأسها، ودموعها تنهمر من شدّة الخوف.
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان أدهم جالسًا أمام مكتبه، وبجواره أحد الفنيين يراجع تسجيلات كاميرات القصر الخاصة بمسرح الجريمة، داخل القصر وخارجه، بدقةٍ زمنية تصل إلى الساعة والدقيقة والثانية.
قال أدهم بتركيزٍ عميق:
“على حسب تقرير الطب الشرعي… مات الساعة ستة و…”
توقّف فجأة، واتّسعت عيناه بشكلٍ ملحوظ، ثم قال بسرعة:
“استنى… استنى… رجّع لورا ثانية.”
أعاد الرجل التسجيل لبضع ثوانٍ إلى الخلف.
أدهم اقترب من الشاشة، وقال بسرعة:
“بس… وقف.”
أوقف الرجل الفيديو.
قال أدهم بنبرةٍ سريعة ومشدودة:
“كبّر الشاشة.”
قام الرجل بتكبير الصورة على اللقطة المطلوبة.
تجمّد أدهم في مكانه، وعيناه مثبتتان على الشاشة بصدمةٍ ، ثم هزّ رأسه ببطء وقال:
“الأستاذ فارس…”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...