أوقفت ميرال سيارتها في مكان بعيدًا عن ضجيج البشر… نظرت أمامها وتذكرته وهو يرمي خاتم خطوبتهما على الأرض دون أن يراعي مشاعرها… تذكرت كلماته التي كسرت قلبها.
انهمرت دموعها على خديها وبدأت في البكاء وهي تضع يدها على قلبها الذي يؤلمها بشدة… شهقت بوجع شديد لا تقدر على تحمله.
فتحت باب سيارتها ونزلت منها بخطوات بطيئة… كانت تأخذ أنفاسها بصعوبة… فتحت أول زر من قميصها الأسود الذي ترتديه… وحاولت قدر المستطاع تنظيم أنفاسها.
انهمرت دموعها أكثر… وضعت يدها على مقدمة السيارة، وجلست على الأرض وأسندت ظهرها عليها… نظرت إلى السماء بحزن شديد وقالت بين شهقات بكائها:
“أنا عملت إيه عشان يعمل فيا كده؟”
سكتت قليلًا ثم قالت وهي تضع يدها على قلبها بألم:
“هان عليك يا نور تكسر قلبي وتجرحني كده؟”
ازداد بكاؤها أكثر، وقد امتزج الغضب بحزنها، وقالت وصوتها ارتفع نسبيًا:
“هو ده حبك ليا؟… أومال قبل الخطوبة كنت عمال تقولّي بحبك بحبك، وإني كل حياتك!”
ضمت قبضتها بغضب وضربت مقدمة سيارتها، وصرخت بوجع قائلة:
“كنت كداب… كنت بتضحك عليّا وأنا زي المغفلة صدّقتك… حاربت الدنيا كلها عشانك… بس إنت عملت إيه؟… ببساطة اتخليت عني وعن أحلامنا مع بعض!”
نزلت يدها وارتخت قبضتها، وبكت بحرقة وهي تهز رأسها… لا تصدق أنه استطاع، بعد كل ما كان بينهما، إنهاء كل شيء بسهولة… كأنها لا تعني شيئًا لديه… وأن حبه لها كان وهمًا، وهي انخدعت به.
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
نظر فارس إلى ابنه قليلًا… ثم دخل الغرفة واقترب منه وهو يخطو فوق أغراض الغرفة الملقاة والمكسورة على الأرض في شكل فوضوي.
جلس إلى جواره على الأريكة… أغمض نور عينيه، ومسح وجهه بكفيه بضيق، ثم نظر إلى والده وقال بحزن:
“مكنش ينفع أعمل اللي أنا عملته ده.”
نظر بعيدًا وتنهد بعمق، ثم قال بحزن ممزوج بالندم:
“عارف إني غلطان… بس حسّوا بيا شوية، ألاقيها من الشغل ولا ألاقيها منين ولا منين؟”
نظر فارس إليه بحزن ظهر في ملامحه وقال:
“أنا فاهم كويس وحاسس بيك… ومقدّر الضغط النفسي والجسدي اللي إنت فيه… أنا مش جاي أتكلم معاك وأقولك غلطان ولا لأ… لأن اللي حصل حصل.”
ثم وضع فارس يده على كتف ابنه وقال:
“لكن المهم دلوقتي تصلّح اللي حصل إزاي.”
أبعد فارس يده وتنهد بضيق وقال:
“أنا يمكن مكنتش موافق على البنت دي ولحد دلوقتي… لكن وافقت واتقبلت الأمر الواقع عشانك… عشان عارف كويس إنت قد إيه بتحبها… وأنا مفيش حاجة أهم عندي غير سعادتك.”
نظر نور إلى والده وابتسم بسخرية وحزن وقال:
“حب إيه وزفت إيه… ما خلاص.”
هز فارس رأسه وقال:
“اوعى تضعف أو تستسلم، أيًّا كان السبب… متخليش الدنيا تكسرك ولا تيجي عليك… وإنت قادر ترجع كل حاجة زي ما كانت.”
لمعت عيناه بدموع الحزن قائلًا:
“وتفتكر كل حاجة هترجع زي ما كانت؟”
ربت فارس على كتف ابنه، ثم ابتسم وهز رأسه قائلًا:
“هترجع وأحسن من الأول كمان… اتصل ببت المحرّق دي واعتذر منها على الغلط اللي عملته… ومن النهارده خد من وقتك دقيقة واحدة ابعتلها مسدج واقفل… البنات أقل حاجة تعملها معاهم تبسطهم وتفرحهم… من أقل حاجة… حتى لو جبتلها مكعب شوكولاتة هتلاقيها فرحت.”
انفلتت من نور ضحكة خفيفة وقال:
“ده إنت خبير بقى… أكيد كنت مدلّع ماما زمان.”
ضحك فارس وتنهد وهز رأسه وشريط ذكرياته يمر أمام عينيه قائلاً:
“ياااه على زمان وأيام زمان.”
مسح نور دمعة سقطت من طرف عينه، وقال بمزاح ليخفف عن نفسه قليلًا:
“ياااااه… محسسني إنك زمان كنت عايش حياتك… وإنت كنت منحوس أصلًا.”
نظر فارس إليه بدهشة من صراحته معه… ثم أومأ بعد لحظة وقال:
“منحوس… دي كلمة قليلة على اللي أنا شوفته وعشته… لكن، ومع كل اللي مريت بيه والأذى اللي اتعرضتله من أقرب الناس ليا، مستسلمتش وعافرت وكملت ونجحت.”
ابتسم نور وأومأ قائلًا:
“ما أنا عشان كده واخدك قدوة ليا، وبضرب بيك المثل زي ما بيقولوا.”
نظر فارس إليه نظرة فخر، وكم جبر الله خاطره وعوضه عن كل شيء مر به سابقًا… دمعت عيناه وقال:
“إنت أكبر نعمة ربنا رزقنا بيها.”
أمسك نور يد والده وقبّلها قائلًا بابتسامة وحنان:
“ربنا يخليكم ليا وميحرمنيش منكم أبدًا يا رب.”
سحب فارس يده وربت على رأس ابنه بابتسامة وحنان… مسح دمعة نزلت من عينيه قائلًا:
“خلينا دلوقتي في موضوعك إنت… كلّمها واعتذر منها، وخرجها وفسّحها.”
نظر نور إليه بتعجب وقال:
“أخرجها وأفسّحها؟ طيب وشغلي والقضية اللي أنا ماسكها… أنا معنديش وقت يا بابا… ده أنا سبت القسم وجيت أكمل شغلي هنا.”
رد فارس عليه بهدوء:
“عارف إنك مضغوط في الشغل، بس هنعمل إيه في دلع البنات الماسخ ده… تعالى على نفسك شوية، ساعة ولا ساعتين بالكتير صالِحها، وبعدين ارجع لشغلك.”
تنهد نور وأومأ قائلًا بابتسامة خفيفة:
“حاضر يا بابا.”
ابتسم فارس ثم نهض قائلًا:
“ربنا يقويك ويصلّح حالك يا بني… ويهدي بنت المحروق دي.”
ضحك نور ورفع يداه قائلًا:
“يا رب.”
ضحك فارس ثم اقترب من الباب ليذهب… لكن أوقفه نور حين نهض وقال له بسرعة:
“بابا، ابقى قول لمريم تيجي تنضف الأوضة.”
توقف فارس ونظر إلى ابنه، ورفع حاجبه بتعجب وقال:
“كسر الأوضة في لحظة غضبه، وعايزها ترجع زي ما كانت بطلبه!”
ضحك نور بخفة قائلًا:
“حلوة دي… ده أنا طالعلك في كل حاجة، حتى الأمثال، سبحان الله.”
ابتسم فارس ابتسامة جانبية وقال:
“طيب بما إنك طالعلي في كل حاجة… يبقى نضف أوضتك بنفسك… البنت راجعة تعبانة من شغلها، مش ناقصاك هي.”
قبض نور حاجبيه بضيق وقال:
“معنديش وقت… ومش هعرف أشتغل وسط الكركبة دي كلها.”
نظر فارس له باستغراب واستنكار، ثم قال:
“وهي الكركبة دي مين اللي عملها؟ مش إنت… يبقى إنت اللي تنضفها، عشان المرة الجاية تمسك نفسك لحظة غضبك… مش كل ما تتعصب تقلب الدنيا حواليك.”
ثم رفع إصبعه السبابة وقال بأمر:
“وبعد ما تخلص، كلّمها الأول، بعدين شوف شغلك.”
ثم ذهب دون أن يعطي لنور فرصة للرد، وأغلق الباب خلفه… وضع نور يده في منتصفه، ونظر للغرفة من حوله بضيق وغضب قائلًا:
“غبي… يعني كان لازم أهد الدنيا كده!”
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كانت خديجة جالسة على الأريكة في صالة البيت… كانت ملامحها هادئة وبشوشة الوجه… كان في يدها ملف لأحد المرضى المسؤولين عن حالتهم، تتفحصه بدقة.
أنزلت نظرها من على الملف حين سمعت صوت خطوات حذاء تنزل من على درج السلم… رفعت رأسها ونظرت، فكانت أختها الصغرى “شمس”.
لكن طبعها كان مختلفًا عنها تمامًا… كانت ترتدي بنطلونًا أسود عليه جاكيت أسود، وأسفله فانلة حمراء… وشعرها منسدل على ظهرها، وتضع بعض مساحيق التجميل على
وجهها… وحذاء أحمر ذا كعب عالٍ… ورائحة عطرها انتشرت في المكان.
وضعت خديجة الملف على الطاولة أمامها، ثم نهضت ووضعت يدها على أنفها باختناق من تلك الرائحة النفاذة، واقتربت من شمس وقالت لها بضيق:
“إنتِ يا بنتي هفضل أقولك لحد إمتى؟ لحد إمتى هفضل أكرر وأقولك حرام… كل حاجة بتعمليها غلط وحرام!”
نظرت شمس إليها بضجر واستفزاز قائلة:
“وأنا هفضل لحد إمتى أقولك ملكيش دعوة؟ خليكي في نفسك!”
لم تعطي خديجة فرصة للرد، وهمّت بالرحيل، لكنها توقفت حين قالت لها خديجة بصوت مرتفع نسبيًا:
قال النبي ﷺ:
“أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية.”
رمقتها شمس بطرف عين بلا مبالاة ولم ترد عليها، وتركتها وغادرت وأغلقت الباب خلفها.
نظرت خديجة لها بحزن وأسى على أختها، وعلى حبها للدنيا وغفلتها عن الآخرة… وتمتمت بصوت منخفض:
“ربنا يهديكي ويصلح حالك يا شمس.”
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
وقف مؤمن على قبر والديه يقرأ لهما الفاتحة ويدعو لهما بالرحمة والمغفرة… تشكلت دموع الحزن وألم الفراق في عينيه.
نظرت له ليلى، التي كانت تقف بجانبه بحزن… وضعت يدها على كتفه وربتت عليه برفق قائلة:
“هما دلوقتي في مكان أحسن… لا الحزن ولا العياط عليهم هيرجعهم.”
نظر مؤمن لها وتنهد تنهيدة عميقة مليئة بالوجع قائلًا:
“وحشوني قوي.”
ربتت على كتفه وهي تحاول قدر المستطاع أن تخفف ألمه… ألقت بنظرها بعيدًا… فتحول حزنها لابتسامة خفيفة وقالت:
“معتز جي أهو.”
نظر مؤمن إليه… كان شابًا يرتدي جلابية صعيدي، ويحمل الطورية على كتفه، وحبات العرق تتناثر على وجهه… وملامح التعب ظاهرة عليه بوضوح… بشرته كأبيه سمراء اللون، لكن ملامحه بشوشة… طويل القامة… وعريض البنية.
وقف معتز بجانب أبيه، وأنزل الطورية من على كتفه، ورفع كفيه وقرأ الفاتحة لجديه.
بعد أن أنهى، أنزل يده ونظر لأبيه قائلًا بابتسامة خفيفة:
“مالك يا حاج متفرفش وتروق عن نفسك كده شوية… في إيه عاد؟”
سكت لحظة، ثم غمز وقال بمرح:
“أجبلك بوظة؟”
نظر مؤمن إليه بضيق لطيف وقال:
“شايفني عيل صغير قدامك ولا إيه؟”
انفلتت ضحكة من ليلى، ثم قالت:
“لو جبتله، هاتلي معاك.”
نظر لها مؤمن بدهشة… بادلته ليلى النظر وقالت باستغراب:
“مالك؟ نفسي فيها، ما أكلهاش يعني؟… وبعدين ما إنت كمان بتحبها.”
ثم نظرت إلى معتز وقالت بلهفة وابتسامة:
“اجري يا واد وهاتلنا كل واحد اتنين… وأوعى تاكلهم وإنت جاي، ما أنا عارفاك!”
ضحك معتز وقال وهو يعود لحمل الطورية من جديد:
“حاضر يا ست الكل، إنتِ تؤمري أمر.”
ثم تركهم وغادر… نظر مؤمن إلى طيف ابنه الذي ابتعد عنه، وارتسمت على وجهه ابتسامة حنونة وقال:
“كبرتوا يا ولاد… وجري الزمن بسرعة ومحسناش بيه… حاسس كأنه لسه عشيّة شايلكم على دراعي وبنلعب سوا.”
ابتسمت ليلى بحب قائلة:
“وربنا يدينا طولة العمر ونشيل عيالهم بإذن الله.”
نظر مؤمن إلى القبر وابتسم بحزن قائلًا:
“شوف ولدك كبر يا عمدة… وعياله كبروا وقربوا يتجوزوا كمان… وأنا في سنهم كان في حاجات بتضايقني منك ومكنتش فاهمها… لكن دلوقتي وأنا مكانك فهمت وعرفت… إنت قد إيه كنت حنين عليّا وبتخاف، مش عليّا لوحدي لأ… حتى على ولاد عمي… ربنا يرحمك يا بوي ويجعل مأواك الجنة.”
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان فارس جالسًا على كرسي في إحدى غرف المستشفى، ينظر إلى المريض الممتد أمامه على الفراش، وجسده متصل بالأجهزة.
حرّك ذلك المريض عينيه ببطء اتجاه فارس، الذي كان ينظر إليه ببرود، وقال بهدوء:
“هتتكلم ولا لسانك اتشل؟”
نظر إليه المريض، وكان في نظرته شيء من الخوف… تنهد فارس بضيق، وضم قبضته، وحاول أن تكون نبرته هادئة كما هي:
“ما هو إنت لو متكلمتش… هعمل فيك أكتر من اللي أنا عملته… وبدل ما إنت راقد قدامي دلوقتي، هخليك راقد في قبرك.”
نظر له ذلك المريض بخوف، ومع ذلك يرفض الحديث والبوح بكل ما بداخله.
نظر فارس إليه لوهلة ببرود… ثم فجأة قبض على عنق المريض بقوة، وقال بغضب عارم:
“يبقى تتشهد على روحك يا روح أمك!”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!