ازداد القلق داخله، ولم يعد مرتاحًا لصمتها ذاك، وأعاد سؤاله لها وقال:
“خديجة! ردي عليا… مالك؟ حصل إيه؟”
انقبض قلبه، وتجمّد مكانه، واتسعت بؤبؤتا عينيه حين سمع صوت صراخها من جديد، لكن هذه المرة أقوى… ثم انتهت المكالمة بعدها على الفور
نظر نور إلى هاتفه، وصوت صرختها يتردد في أذنه… ضغط على رقمها بسرعة ليتصل بها من جديد، فانقبضت ملامحه بغضب، وضرب الدركسيون بعنف شديد وقال بنبرة مرتفعة:
“يلعن…”
لم يفكر كثيرًا، فتح نظام التتبع على هاتفه وتتبع إشارة هاتفها… وعندما ظهر أمامه موقع الهاتف، شغّل محرك السيارة وذهب بأقصى سرعته… وكلما ترددت صرختها في أذنه، اشتعل قلبه أكثر، وازداد خوفه عليها……
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
توقفت سيارة سوداء اللون في منتصف شوارع الصعيد… فتح زجاج السيارة، ونظرت منه فتاة كانت ترتدي نظارة سوداء اللون. نظرت حولها وإلى المكان قليلًا، حيث الأطفال يلهون ويلعبون في الشوارع.
رفعت نظارتها ووضعتها فوق شعرها، الذي بدا غريبًا؛ كان على شكل ذيل حصان، لم يكن طويلًا لكنه متوسط… نصفه الأيمن لونه أسود، والنصف الأيسر كان لونه أبيض.
عيناها عسلية اللون بدرجة فاتحة تليق ببشرتها البيضاء وملامح وجهها القوية.
وقعت عيناها على شاب كان يركب حصانه الأسود ويتجول به، وكان معتز… مرر كف يده على عنق حصانه برفق، ليمنحه إحساسًا بحبه له.
فتحت باب السيارة وترجلت منها بهدوء وثقة… كانت ترتدي جاكيت جلد أسود، وأسفله فانلة بيضاء، وترتدي بنطلونًا أسود، وحذاءً أبيض رقيق المظهر… كانت أنيقة الشكل وملفتة للنظر.
رفع معتز رأسه قليلًا ونظر حوله… وقع ناظره على تلك الفتاة، فارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه تلقائيًا، وقال وهو ينظر إليها من أعلى إلى أسفل بذهول:
“يخربيت جمال أمك… هو فيه كده؟!”
لم يعطِ نفسه وقتًا، نزل من على حصانه ووضع كفه على وجه الحصان برفق وقال بنبرة حماسية:
“خليك هنا، رايح أشوف المزة دي وأرجعلك.”
ثم تركه وذهب إليها، وهو يفرك يديه ببعضهما ويقول بابتسامة عريضة ظهرت على شفتيه:
“يومنا زي العسل النهارده.”
لمحته قادمًا نحوها، فضاقت حاجباها باستغراب من ملامحه الغريبة وتلك الابتسامة التي على وجهه.
وقف أمامها مباشرة ونظر في عينيها… صمت لبرهة يتأمل تلك العيون الذهبية كأشعة الشمس. نظرت له ومالت رأسها قليلًا باستغراب من ذلك الكائن الغريب الذي يقف أمامها.
طرقت أصابعها أمام وجهه وقالت بنبرة قوية:
“إنت يا أخينا… في إيه؟”
هز رأسه ليفيق نفسه، وحمحَم قائلًا بنبرة مرحة:
“إنتي منين يا مزة؟”
رفعت حاجبها الأيسر وظهر الضيق في ملامحها، وقالت بنبرة مرتفعة نسبيًا:
“ملكش دعوة وابعد عن وشي.”
اقترب منها خطوة بسيطة، وهو لا يزال يحافظ على ابتسامته، وقال بهدوء مستفز:
“غريبة.. أول مرة أشوف حد بالجمال ده ويكون عصبي كده.”
نظرت له قليلًا، وتنهدت بضيق، قائلة وهي تحاول تمالك أعصابها:
“قولتلك ابعد.”
رمقته بنظرة حادة قبل أن تتخطاه وتغادر… لكنه أسرع وعاد ليقف أمامها من جديد، وقال بنفس الابتسامة:
“شكلك غريبة عن هنا.. قوليلي إنتي عايزة مين؟ مش يمكن أساعدك.”
قلبت عينيها بنفاذ صبر، وارتفع صوتها وقالت:
“إنت يا بني آدم مش بتفهم؟!”
ولم تعطه فرصة ليرد، تركته وغادرت سريعًا… نظر لها وحك مؤخرة رأسه، وقال بنبرة صوت مرتفعة لتسمعها:
“طيب على الأقل اعرف اسمك إيه!”
لكنها لم تتوقف، كأنها لم تسمعه، وأكملت طريقها بكل ثقة ورشاقة… ظل ينظر إليها حتى غابت عن عينيه، ثم تحدث مع نفسه وقال بنبرة فضولية:
“مختلفة.. عجبتني.”
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
وفي وقت قصير بسبب سرعته الفائقة، استطاع أن يصل إلى موقع الهاتف الظاهر أمامه… ألقى هاتفه على المقعد بجانبه، ونزل من السيارة بسرعة، وتحرك بخطوات سريعة أشبه بالركض.
عيناه تتلفت في كل مكان… نظر أمامه فوجد مبنى مصلحة الطب الشرعي… ثم عادت عيناه تتجولان حوله في حركة سريعة، وأنفاسه تعلو وتهبط بعنف، وحبات العرق تتناثر على جبينه، وأطراف أصابعه ترتعش قليلًا من شدة خوفه عليها.
وقعت عيناه على الهاتف مرميًا على الأرض… انحنى بنصفه العلوي وأمسكه، ثم رفع جسده. كانت شاشته قد انكسرت من قوة اصطدامه بالأسفلت… ووجد ايضاً على بعد مسافة قصير نقابها الابيض علي الارض… اقترب وامسك به.
نظر إلى النقاب لثواني وهوا لا يصدق انها الان بلا نقاب وملامحها مكشوفه اين كان الذي حدث اليها.
ضم قبضة على الهاتف بقسوة حتى ابيضّت مفاصله… رفع نظره إلى مبنى مصلحة الطب الشرعي، وركض نحوه، ثم وقف أمام المبنى ورفع بصره حتى وقعت عيناه على كاميرات المراقبة.
وضع الهاتف في جيبه ودخل المبنى بخطوات سريعة… وعندما وقعت عيناه على رجل الأمن الذي كان يقف ويحتسي كوبًا من القهوة، أسرع إليه وأمسكه من ملابسه وهزه بعنف حتى كاد يفقد توازنه، وصاح في وجهه بصوت عالٍ ونظرة حادة:
“غرفة الأمن اللي هنا فين؟”
نظر الرجل إلى ملابس الشرطة التي يرتديها نور، وهز رأسه بتوتر شديد، وقال وهو يشير بإصبعه إلى مكان الغرفة ونبرة صوته مرتعشة:
“هناك يا باشا.”
سحبه نور من ملابسه أمامه، وهو يقول بنفس حدته ونبرته المرتفعة:
“امشي قدامي.”
تعثر الرجل في خطواته وهو يأخذه إلى الغرفة… فتح نور باب الغرفة بعنف، وكاد أن يُنخلع من مكانه. أجلس الرجل على الكرسي، ونظر إلى شاشات كاميرات المراقبة، ثم نظر إلى رجل الأمن، وأمسكه من ياقة ملابسه الرسمية، وأشار إلى الكاميرات بسبابته وقال بحدة وعقد حاجبيه بغضب:
“ارجع بالتسجيلات دي لربع ساعة لورا.”
هز رأسه بسرعة دون رد، ورفع يده المرتعشة وأمسك الفأرة، وأعاد تسجيل الكاميرا لربع ساعة كما طلب.
نظر نور إلى الكاميرا بترقب وتركيز… رأى خديجة وهي تخرج من المبنى، وعندما كانت تتحدث معه في الهاتف، ووقوفها وهي تنظر حولها بذعر… فجأة توقفت سيارة بالقرب منها، فتح بابها وسحبوها للداخل، فصرخت، ولم يعطوها فرصة لتقاوم، وسقط هاتفها من يدها.
ضرب المكتب أمامه بعنف وصاح بانفعال شديد:
“ماشي يا ولاد الـ***!”
ثم ترك المكان والمبنى بأكمله… وقف أمام المبنى وصدره يعلو ويهبط بعنف… غرز أنامله في خصلات شعره بتفكير سريع… أنزل يده لحظة حين خطر بباله شيء.
أمسك الجهاز اللاسلكي وقربه من فمه، وضغط على الزر قائلًا بنبرة آمرة حادة:
“عايز الظابط اللي واقف في الكمين على الطريق الدائري يوقف عربية ملاكي سوداء، عليها خدش طويل في الباب الشمال، رقمها ق هـ ر ٤٧٢٩…”
صمت قليلًا يستمع لردهم، ثم قال بحدة:
“على الله العربية تهرب منه لحد ما أوصل له.”
بعدها أعاد الجهاز مكانه، وركض بسرعة إلى سيارته، وشغّل المحرك وانطلق مسرعًا، ليلحق بهؤلاء الخاطفين قبل فوات الأوان….
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان فارس جالسًا على إحدى الطاولات في الكافيه، وهو ينظر إلى ساعة يده وزفر بضيق… فلقد تأخر نور، وكان من المفترض أن يصل منذ وقت طويل.
أخذ رشفة من
كوب عصير الفراولة الكبير أمامه، ثم ضغط على اسم نور ليتصل به… لكنه توقف فجأة حين لمح امرأة تبلغ من العمر فوق الستين تقريبًا… شعرها أشقر اللون ، وبشرتها بيضاء ، عيناها خضراوتان ، و يوجد نمش علي خديها.
وضع فارس الهاتف أمامه، ونظر لها بوجه خالٍ من التعابير، دون أن ينطق بأي كلمة.
ارتسمت على وجهها ابتسامة عابرة، ثم وضعت حقيبتها على الطاولة، ووضعت قدمها فوق الأخرى… وكانت ترتدي ملابس قصيرة تُظهر سيقانها الرفيعة البيضاء.
نظرت له قليلًا، ثم قالت وهي بالكاد تجيد التحدث باللهجة المصرية:
“عاجبك… اللي… عمله… ابنك… فارس؟”
حك فارس مؤخرة ذقنه، ونظر لها ببرود قاتل وقال:
“وابني عمل إيه؟”
عقدت حاجبيها بضيق، وتغيرت نبرة صوتها للحدة، وقالت:
Ton fils Nour est mal élevé, et tu n’as pas su l’éduquer ni lui apprendre à respecter la fille qui est avec lui.
ابنك نور سيئ التربية، ولم تُحسن تربيته أو تعليمه كيف يحترم الفتاة التي معه.
نظر لها قليلًا، ثم قال بتهكم:
“يعني بنتك إنتي اللي محترمة؟”
اتسعت بؤبؤة عينيها، وارتفع صوتها قائلة:
“بنتي محترمة ومتربية أحسن من ابنك!”
ضحك فارس بسخرية للحظات، ثم اختفت ابتسامته وعادت ملامحه للبرود، وقال بنبرة هادئة مستفزة:
“اتفضلي امشي، عشان عندي مقابلة دلوقتي مع ناس مهمين.”
نظرت له بصدمة من وقاحته… هل يقوم بطردها؟ ومن مقصده الذي فهمته أنها ليست مهمة له، لا هي ولا ابنتها…
هبت واقفة من مكانها، واشتعلت نار الغضب في عينيها، وأمسكت حقيبتها وقالت:
Je me disais : De qui ton fils tient-il sa bassesse ? … Il s’est avéré qu’il est aussi vil que son père.
كنت أقول لنفسي: على من شابه ابنك في دنائته؟… واتضح أنه دنيء مثل أبيه.
ألقت كلماتها ثم غادرت المكان بخطوات سريعة… نظر لها فارس، وانكمشت ملامحه بضيق، ثم بصق بجانبه وقال:
“غوري داهية في شكلك.”
ثم تنهد بعمق وقال:
“أستغفر الله العظيم يا رب.”
ثم عاد وأمسك هاتفه، واتصل بابنه، لكن لا رد منه… زفر بضيق شديد، وألقى الهاتف على الطاولة، وهو في حيرة من أمره…
لماذا أخبره أنه يريد التحدث معه؟ وعن ماذا؟ ولماذا تأخر؟…
أسئلة لا إجابات لها، وكأن عقله على وشك الانفجار من التفكير…
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان يقف الضابط على الكمين، وهو ينظر إلى السيارات التي تمر ويتم تفتيشها، منتظرًا مرور تلك السيارة التي وُصفت له.
على بُعد مسافة ليست طويلة، كانت تلك السيارة المقصودة تقترب.
كانت خديجة تجلس في المنتصف، وبجانبيها رجلان… وكان على فمها لاصق أسود ليمنعها من الصراخ… كانت تنكمش على نفسها لتتجنب ملامستهما، والدموع متجمعة في عينيها.
كانت تكاد تبكي، ليس فقط لأنها اختُطفت، بل لأن نقابها قد سقط منها وهي تحاول مقاومتهم… كانت تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها الآن… كيف لها أن تجلس بين هؤلاء الرجال وهم ينظرون إليها بتلك النظرات القذرة؟ كيف تكمل بدون نقابها وهم يرون ملامحها؟… كانت تشعر وكأنها عارية بدونه.
نظر إليها الرجل الجالس على يمينها، وهو يعض على شفتيه بنظرات خبيثة… مد يده ليمسك يدها، لكن خديجة أبعدت يدها بسرعة، وجسدها يرتجف بشدة، ودموعها على وشك السقوط، وهي تنظر إليه باحتقار.
ابتسم الرجل الآخر الجالس على الجهة اليسرى، وفي حركة سريعة أمسك يدها بقوة… نظرت له خديجة واتسعت عيناها بشدة… حاولت أن تفلت يدها، لكن بلا جدوى… حاولت أن تتحدث، أن تقول أي شيء، لكنها كانت عاجزة تمامًا… فسقطت دموعها رغمًا عنها.
أمسكها الجالس على اليمين كي لا تتحرك… شعرت بلمساتهم كالنار تحرق جسدها… كانت دموعها تنهمر بغزارة على خديها، وهي تحاول الصراخ لكن صوتها مكتوم… ومحاولاتها لإنقاذ نفسها باءت بالفشل.
حاول الرجل الجالس على اليسار أن يقترب منها أكثر، وقرب وجهه من وجهها… بدأ صدرها يعلو ويهبط بعنف، وأغمضت عينيها وهي تهز رأسها بقوة، تخبره أن يبتعد عنها ويتركها وشأنها.
لكنه توقف قبل أن يفعل شيئًا، على صوت الشاب الثالث الذي يقود السيارة حين قال:
“يا دي المصيبة!”
ابتعد عنها، ونظر إليه، ورفع حاجبيه باستغراب، وهو لا يزال يمسك يدها:
“مالك؟ في إيه؟”
فتحت خديجة عينيها ونظرت… اتسعت عيناها عندما لمحت كمين الشرطة… ابتسمت من داخلها فرحًا، وعلى أملٍ كبير أن ينقذوها………….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!