الفصل 6 | من 6 فصل

رواية ظلها في قلبه لعلا السعدني الفصل السادس 6 - بقلم علا السعدني

المشاهدات
16
كلمة
505
وقت القراءة
3 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

وجد (معتصم) نفسه ي&;ساق وسط الزحام&; أقدامه تتعثر في ألواح الخشب المتهالكة للمركب الصغير الذي يئن تحت وطأة الأجساد&; كان يعلم في قرارة نفسه أن الأوراق الرسمية التي وعده بها السمسار لم تكن إلا طعم&;ا&; وأن هذا المركب الأزرق ليس إلا وسيلة نقل أولية&; مجرد لانش صيد صغير سيقطع بهم أميالا&; قليلة في عرض البحر ليلتقوا بالمركب الأكبر المتهالك الذي ينتظرهم في المياه الدولية&; بعيد&;ا عن سيادة القانون المصري ..

تحرك المركب&; يصارع الأمواج بهدوء حذر&; مرت ساعات من الرعب الصامت&; حتى لاحت في الأفق ملامح سفينة صيد ضخمة&; قديمة&; كانت هي المركب الأم هناك&; أ&;جبروا على التسلق بالحبال في عتمة الليل&; لينضموا لمئات آخرين من جنسيات شتى&; كلهم يحملون نفس الحلم الممزق&; جلس بين الشباب المتزاحمين&; كل&;&; منهم يحمل ملامح مختلفة&; ولكن بداخلهم نفس القلق&; نفس الخوف من المجهول الذين لا يعرفون ما سيواجهوا خلال الساعات القادمة ..

أدار وجهه يمنة ويسرة&; نظر إلى (محمد) و(سامي)&; ثم إلى الماء الممتد أمامه بلا نهاية&; إلى النجوم المتناثرة فوقهم ..

كان يعلم في قرارة نفسه أن ما يفعله خطأ ..

بل ربما هو أكبر أخطاء حياته لكن الرجوع عنه لم يعد خيار&;ا&; لقد انغرست قدماه في الوحل&; والطين شد&; كفيه فوق ركبتيه بقوة&; وعيناه تدوران في الوجوه المتعبة&; كل&;&; منهم يسافر بأمل مجهول&; وبخوف من المستقبل ولكن هل من رجعة&;!

كان يعلم أنه ترك خلفه الكثير&; ديون متراكمة&; بيت&;ا مهددا بالأخذ منه في أي وقت&; وأم&;ا قلقة واخ مازال صغيرا ترك حبيبته التي لا يعلم إن كانت ستنتظره&; أو ستفهم دوافعه&; حتى نفسه .. لم يعد واثق&;ا من شئ تنه&;د ببطء&; وحدث نفسه بأن ربما ما يفعله ضرب&; من الجنون .. لكن ماذا بوسعه أن يفعل&; لم يعد يملك شيئ&;ا سوى المخاطرة .. المخاطرة بكل شيء فهو سيكون خاسر هنا أو هناك فليجرب حظه هناك لربما يحدث في الأمر تغيير&;ا ..

أغمض عينيه بآسى&; كأن&;ه يهرب من واقعه ولو لثوان&;&;

صراع داخلي مرير كان يمز&;قه بين العقل والقلب كان يترد&;د في صدره سؤال موجع هل سيعود&; وهل سيبقى هناك شيء يستحق العودة&;

كان البحر هادئ&;ا على نحو&; يخالف توقعاته تمتد المياه أمامهم كمرآة زرقاء هادئة&; تتراقص فوقها بقع الضوء المتسللة من قمر وسط السماء المركب يتهادى ببطء&; متثاقل&;ا من فرط الحمل&; لكنه مستقر ..

جلس على لوح خشبي مبلل&; متكور&;ا على نفسه&; ينظر إلى صفحة الماء&; دون أن يرى شيئ&;ا رأسه مثقل بالأفكار&; وضميره يجلده بصمت ..

بعد مرور عدة أيام&; كأنها دهر&; س&;رق من أعمارهم&; استنفذ البحر صبرهم&; يتقاسمون كسرات خبز جافة وقطرات ماء م&;ر&;ة&; بينما كانت السفينة الأم تئن&; تحت وطأة مئات الأجساد التي تكدست فوق بعضها كالسلع المهملة ..

وفي وقت الفجر حين بدأت خيوط الضوء الباهتة ترسم أفق&;ا بعيد&;ا&; ل&;وحظت أضواء خافتة تتراقص في الأفق&; كانت انوار الشاطئ الأيطالي على بعد لا بأس به ..

في تلك اللحظة كان الغدر ي&;طبخ على نار هادئة&; المهربون&; الذين لا يعرفون دين&;ا ولا ذمة&; أيقنوا أن اقترابهم أكثر يعني وقوعهم في قبضة خفر السواحل الإيطالي&; وبدلا&; من إتمام المهمة&; قرروا النجاة بأنفسهم وتركهم للبحر ..

في عتمة الفجر&; تسلل المهربون إلى لانش سريع كان مربوط&;ا بمؤخرة السفينة&; وقبل أن يغادروا&; قام أحدهم بفتح صمامات المياه في الأسفل وتعطيل المحرك تمام&;ا&; ليضمنوا أن السفينة ستغرق وتشغل السلطات بعمليات الإنقاذ&; مما يمنحهم وقتا&; كافيا&; للفرار ..

شعر (معتصم) بهزة عنيفة&; ثم صمت المحرك المفاجئ الذي كان يبعث في نفوسهم طمأنينة زائفة&; ساد هدوء مرعب لثوان&;&; قبل أن يرتفع صوت اندفاع المياه من الأسفل&; ويتبعه صراخ هستيري هز&; أركان السفينة ..

فالمركب الصغير لم يكن مؤهل&;ا لذلك الحمل الذى يفوقه بدأ يتمايل بعنف&; يتأرجح ..

فبدأ البعض بالصراخ صرخ أحدهم ثم انقلب كل شئ تطايرت الحقائب&; الأجساد تدافعت&; والأمواج تضرب المركب انفجر الخشب تحت الضغط&; وانشطرت ألواح المقدمة&; تسرب الماء سريع&;ا إلى الداخل&; ثم ارتفع صوت الماء وصوت صرخات الشباب ..

تمس&;ك (معتصم) بالحافة&; عيناه تبحثان عن (سامي) .. عن (محمد) .. عن أي وجه يعرفه لكن كل شيء تلاشى في لحظة أحدهم سقط&; آخر حاول أن يتشبث&; ثم س&;حبوا جميع&;ا كما ت&;سحب الأوراق داخل دوامة المياه ..

غاص جسده في الماء&; لم يعرف كيف شعر بجسده ي&;سحب بقوة&; صدره يشتعل&; عينيه تلسعهما الملوحة&; لكنه لم يكن يفكر بشيء سوى النجاة قلبه ينشطر على ما يحدث لاصدقائه ولكن عليه أن ينجو وهل لو نجى سيتحسن مصيره ام سيسوء أفكار كثيرة فى رأسه ولكن غريزة النجاة اقوى من أي افكار فى تلك اللحظة ..

رأى بعض الأجساد تطفو للحظة&; ثم تختفي&; صاح داخلي&;ا&; بلا صوت&; بلا هواء ساعات مر&;ت&; أو كأنها دهر

كان يطفو تارة&; ويغوص تارة&; لا يعرف هل لا يزال حي&;ا أم أنه عالق في كابوس لا نهاية له حتى التفكير توق&;ف&; كما لو أن عقله ش&;ل&; لم يعد يشعر بذراعيه&; لم يعد يشعر بساقيه ..

وحين ظن أن النهاية قد اقتربت&; حمله موج غاضب&; ثم قذفه&; كجسد مهجور&; إلى الرمال ..

ارتطم بالشاطئ كما يرتطم الحطام بصخر بارد&; رقد على بطنه&; وجهه مغطى بالملح والرمال&; عيناه مغمضتان&; أنفاسه متقطعة&; لا يدري من هو&; ولا أين هو .. فقط جسده المبتل المتهالك يخبره أنه ما زال حي&;ا ..

&;-&;-&;

قبل عدة أيام&; في صباح اليوم الذي سافر به (معتصم) ..

كانت تجلس في مكتب الاستقبال&; تحاول التظاهر بالانشغال&; لكن قلبها وعقلها كانا في مكان&; آخر تمام&;ا .. كانا هناك&; مع (معتصم) اين هو الآن وكيف حاله كل ما تفعله&; تفعله بجسد&; آلي لا روح فيه .. لا شيء في رأسها سواه ..

تؤدي عملها وهي شاردة&; وحين جاء وقت الأستراحة&; تركت مكتبها وتوجهت إلى الكافيتيريا&; جلست في ركن بعيد وأخرجت هاتفها&; تنظر فيه رغم&;ا عنها&; تنتظر اتصال&;ا او رسالة أو أي شئ ي&;طمئن قلبها الذى يعتصر الم&;ا ..

وفجأة&; انسابت دموعها في صمت&; وهي تسترجع كل ذكرياتها مع (معتصم) كشريط سينمائى يعرض أمامها ..

في نفس اللحظة&; كان (مالك) قد خرج هو الآخر في فترة الاستراحة&; متوجه&;ا إلى الخارج قليل&;ا ليقضيها مع أصدقائه لكن عينه التقطت تلك الفتاة الجالسة البكاءة كما يسميها ..

توقف&; ثم عقد حاجبيه&; بعدها وضع يده على رأسه بدهشة الا تفعل شئ في حياتها غير البكاء تردد لثوان&;&; ثم اقترب منها حتى صار أمامها&; وانحنى قليل&;ا وهو يقول بنبرة ساخرة

- اتخطفتي المرة دي&; مش كده&;!

رفعت (سدرة) وجهها بسرعة&; والدموع لا تزال عالقة على وجنتيها&; نظرت إليه باستغراب&; فذلك هو منقذها فمسحت دموعها وهي تقول

- انت بتقول إيه&;!

ابتسم (مالك) وقال وهو يجلس على المقعد الذى أمامها

- أصل أول مرة شوفتك فيها كنت&; في مشكلة مع عميل وتاني مرة كنت&; تايهة ومسروقة .. فلاحظت إن ليڤل المشاكل عندك بيعلى مش بيقل! فقولت أكيد اللي بعد كده خطف بقى!

ابتسمت (سدرة) ابتسامة سمجة رغم&;ا عنها&; وقالت بسخرية خفيفة

- ظريف أوي سيادتك .. نسخة من أخوك

نظر إليها طويل&;ا&; وقال بإعجاب

- الله! إنت&; بقيتى بتعرفي تمي&;زي بينا&; يا بتاعت مزرعة البطاطس!

انتفخت خديها من الغيظ&; وسحبت حقيبتها بحدة&; قائلة

- على فكرة أنا مش بتاعت كلام وهزار وتعارف!

ولو كنت كلمتك المرات اللي فاتت فده كان عشان ظروف قهرية حصلت .. بس متاخدهاش حلاونة في سلاونة!

نظر إليها (مالك) بإعجاب واضح وهي تقوم لتغادر&; لكنه قال بنبرة جادة قليلا&;

- طب بقولك

توقفت&; دون أن تعطيه وجهها&; فأردف هو

- متخليش أي شيء يكسر قلبك كده .. وتقعدي تعي&;طي

متخليش الناس تستضعفك .. وتاخد عنك فكرة إنك ضعيفة&; الناس مش بترحم صدقيني

مسحت دموعها&; وشعرت أن كلماته مست قلبها ذكرها بحبيب القلب والفؤاد فدوم&;ا يقول لها نفس الكلام&; هز&;ت رأسها بصمت&; ثم تحركت مبتعدة&; تاركة (مالك) واقف&;ا&; يراقبها وهي تبتعد لايعرف لما تلك الفتاة عالقة فى ذهنه دون أخريات ..

&;-&;-&;

كانتا تجلسان على المكتب&; تحيط بهما الأوراق والكتب المفتوحة يحاولان التركيز فى دروسهم حتى انفتح باب الغرفة بخفة&; ووقف (رأفت) على عتبته&; بابتسامته الهادئة المعتادة ثم قال بنبرة خفيفة وهو يتقدم نحوهم بخطواته

- عاملين إيه يا بنات&;

رفعت (أوهيلا) عينيها&; وكأن الضوء تسلل فجأة لقلبها&; ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة&; سرعان ما حاولت كتمانها&; ولكن عين&;يها أفشتا كل شيء لم تصدق أنه أمامها الآن&; يتحدث .. ويبتسم .. ضحكت (هند) وقالت بدعابة

- إيه يا بابي&;! مش من عوايدك تيجى بدري كده!

ضحك (رأفت&;) وأومأ برأسه في اعتراف ساخر

- قفشتيني يعنى فعلا&; جيت بدري .. بس لي&;ا طلب منكم انتوا الاتنين

انتبهت (أوهيلا) لحديثه وشعرت بقلبها يخفق بقوة نظرت له في لهفة&; عينيها فضحتها ولكن لا يهم فهو سيطلب منها شيئ&;ا ما وهذا ما تريده التقرب منه&; تابع (رأفت) حديثه وهو يجلس على طرف اريكة أمام المكتب

- بصراحة .. (سعاد) عيد ميلادها آخر الأسبوع وعاوز أعمل لها حاجة مختلفة بفكر آخدها كافيه حلو جديد عليها .. مكان متكونش راحتله قبل كده عشان تحس إن اليوم مميز ومفاجأة

تجهم وجه (أوهيلا) دون إرادة فهو لا يفكر سوا بزوجته

عض&;ت شفتها السفلية بقهر&; محاو&;لة أن لا تفيض مشاعرها على ملامحها&; رفعت (هند) حاجبها بفضول وقالت

- إيه يا (أوهيلا)&;! انتي تعرفي أماكن كتير كده ولا إيه&;

رفعت (أوهيلا) نظرها&; فى محاولة منها لتمحي التجهم عن ملامحها&; واستجمعت قواها&; ثم ابتسمت ابتسامة رقيقة&; رغم الألم الكامن خلفها&; وقالت بثبات

- تمام يا أونكل .. أنا فعلا&; أعرف كافيه هادي وجميل

ثم تابعت وكأن فكرة ما لمع&;ت في ذهنها فجأة

- وبالمرة .. أعرف مصور شاطر أوي&; لو حضرتك حابب توثق اليوم .. تصويره تحفة

كانت تريد التقرب منه فقط ولربما تحظى بقربه فى تلك الأيام القليلة القادمة&; ابتسم (رأفت) وقد بدا راضي&;ا عن الفكرة

- كويس جد&;ا ..

نقل بصره إلى (أوهيلا)&; وقال بهدوء

- هبقى على تواصل معاكي&; دايم&;ا عشان نرتب كل التفاصيل

توقف قلبها لثوان&; قفزت خفقات قلبها بعشوائية&; لكنها خبأتها خلف ابتسامة بلهاء لا إرادية&; وهزت رأسها قائلة بخجل خافت

- طبع&;ا .. هكلم حضرتك باستمرار

&;-&;-&;

كانت قد انتهت من عملها&; لكن عقلها ظل&; مشغول&;ا&; وقلبها يئن&; بالشوق له لم تتلق&;&; أي&; اتصال من (معتصم)&; ولم ي&;طمئنها أحد إلى حاله فقررت أن تزور والدته&; عل&;ها تجد عندها ما ي&;طفئ نار القلق المتأججة بداخلها ما إن وصلت إلى باب الشقة وطرقت الباب حتى انفتح وخرج منه (عمار)&; شقيق (معتصم) الأصغر&; بابتسامة خفيفة قالت له بابتسامة مصطنعة رغم ثقل الهم&; في قلبها

- عامل إيه يا عم&;وري&;

رد&; وهو يفتح الباب أكثر لها

- بخير يا (سدرة) ادخلي .. ماما جو&;ه

ابتسمت له وشكرته&; ثم تقد&;مت بخط&;ى هادئة إلى داخل المنزل وقفت أمام غرفة والدة (معتصم)&; وطرقت الباب بلطف جاءها صوتها متعب&;ا

- ادخلي يا حبيبتي

فتحت الباب ببطء&; ودخلت وقع بصرها على السيدة الجالسة في طرف السرير&; وعيناها لا تخفيان أثر الدموع&; كأنها كانت تبكي للتو فشعرت (سدرة) بقبضة&; قاسية في قلبها قالت السيدة بنبرة متهدجة&; وهي تشير لها أن تقترب

- تعالي يا حبيبتي .. قربي

اقتربت (سدرة) وجلست بجوارها&; وقالت بصوت خافت

- عاملة إيه يا طنط&;

أجابت المرأة والدموع تلمع في عينيها

&; وحشني أوي .. هو و(فريدة) مش قادرة أصدق إن الاتنين سابوني ومشيوا&; والبيت ف&;ض&;ي عليا في نفس اليوم كده!

لم تتمالك (سدرة) نفسها&; ومالت عليها تعانقها بحنان&; وهمست وهي ترب&;ت على ظهرها

- اهد&;ي يا طنط .. اهد&;ي بالله عليكي

احتضنتها الأم وكأنها تستمد&; منها بعض السكينة&; ثم همست بصوت مكسور

- أنتي عارفة إنك مش خطيبته بس لكن إنتي بنتي .. كل&; لما بشوفك بحس إني بشوف حاجة من ريحة (معتصم)

ابتسمت (سدرة) رغم الدموع التي تجمعت في عينيها&; وابتعدت قليل&;ا عنها لتقول وهي تحاول أن تبدو مرحة

- طب الاستاذ اللي ريحته من&;ي دي .. متصلش بيا خالص&; يمكن يكون اتصل بحضرتك&;

هز&;ت السيدة رأسها نفي&;ا وقالت بحزن

- لا .. كنت فاكرة كلمك إنتي

نزل الكلام كالصاعقة على قلب (سدرة)&; فتنه&;دت بمرارة وقالت

- ليه كده&;! مع إنه وعدني!

رب&;تت والدته على يدها وقالت محاولة تهدئتها

- إن شاء الله خير يا بنتي .. يمكن تعبان من السفر أو لسه مرهق .. أكيد هيتكلم هيروح فين يعني&;

ابتسمت (سدرة) ابتسامة باهتة&; لكنها لم تستطع كبح القلق الذي سرى في أوصالها إنها تعرفه تعرف أنه لا يستطيع النوم دون أن يطمئن عليها&; دون أن يسمع صوتها ..

قبضت على يدها&; ووضعتها برفق على قلبها&; ثم رفعت نظرها إلى السماء&; وهى تدعو الله في نفسها أن يكون بخير ..

&;-&;-&;

كان مستلقي&;ا على فراشه&; حتى جاءه ذلك الصوت المزعج .. رنين جرس الباب يعلو بإلحاح&; زفر في ضيق&; وغطى وجهه بالوسادة محاول&;ا الهروب&; لكن الصوت لم يرحم&; بل ازداد تمادي&;ا رفع رأسه بتأفف&; ثم نهض بخطى ثقيلة نحو الباب ما إن فتحه&; حتى اتسعت عيناه في دهشة غاضبة كانت ابنة خالته واقفة أمامه&; بابتسامة واسعة وخبث طفولي يطل من عينيها&; وقالت بنبرة مرحة

- وحشتني يا ملووكي!

هز رأسه بآسى وهو يدير ظهره متجه&;ا للداخل

- الرقم غلط .. أنا آسورك ياختي

مط&;ت شفتيها في تبرم&; ثم خطت للداخل دون استئذان حاملة حقيبة طعام صغيرة وقالت

- طب أحط فين الأكل ده&; جايبة ليكوا أكل .. هو مش هنا ولا إيه&;

رد دون أن يلتفت

- حطيه عندك على السفرة .. و(مالك) أيوه مش هنا

اقتربت من السفرة&; وضعت الحقيبة بتأن&;&; ثم التفتت إليه ونبرة جد&;ية تظهر لأول مرة في حديثها

- عموم&;ا كويس إنه مش هنا .. أنا كنت جاية علشانك عايزاك فى موضوع

توقف (أسر) قليل&;ا&; نظر لها شزر&;ا وقال بسخرية وهو يتوجه نحو الأريكة

- خير&; نقلتي الع&;ط&;ا عليا ولا إيه&;

زفرت في ضيق

- بس يا سخيف! إنت عارف إني بحب (مالك) .. إنت مش فتى أحلامي!

جلس على الأريكة&; مد&; رجليه بتكاسل نحو المنضدة الصغيرة التى أمامه وهو يجيبها

- لا يا بنت! وأنا اللي واقع في غرام عيونك&; قولي بقى عايزة إيه يا (شيرين)&; طيرتي النوم من عيني

جلست إلى جواره بهدوء&; نظرت إليه نظرة يغلبها الحزن وقالت بصوت منخفض

- إنت عاجبك يعني&; أخوك مش بيحبني ولا واخد باله مني ولا من حبي .. أنا تعبت يا (آسر) .. مش عارفة أعمل إيه أكتر من اللي عملته

تنهدت&; ثم تابعت بمرارة

- بيقولوا أقرب طريق لقلب الراجل معدته&; عملتله أشكال وألوان! ولا فارق معاه .. بيحب البنت تهتم بنفسها&; بقيت مهتمة بكل تفصيلة فيا! قال عايز خطيبته تبقى محجبة&; اتحجبت! إيه تاني&; تعبت بجد .. أخوك ده جبلة .. ولا بيحس!

كان (آسر) ينظر إليها بصمت&; ثم ابتسم ابتسامة جانبية&; وهو يشعر بصدق مشاعرها&; لكنه قال بحزم

- يا بنتي .. اللي بيحب بيحب البني آدم ز&;ي&; ما هو .. بياخده على بعضه اللي إنتي بتعمليه ده بيقول إنك أصلا&; مش عارفة تبقي نفسك .. خليكي (شيرين) مش النسخة اللي بتتصوري إنها تعجبه

صمت للحظة&; ثم أضاف وهو يرفع حاجبيه

- وبعدين .. أنا لاحظت إنك ساعات بتتلخبطي بيني وبينه .. وده بيضايقيه طبع&;ا

تأففت في ضيق وقالت

- واعملكوا إيه بقى&;! إنتوا ن&;سخة من بعض! حتى اللبس والش&;عر مش فارقين كتير&; ساعات بتلبسوا من بعض كمان!

ضحك بسخرية وهو يومئ برأسه

- بس الروح مش واحدة يا (شيرين) .. في فروقات .. كتير!

اقتربت منه اكثر وقالت فجأة

- طب شوفلي شغل معاه في الفندق .. عاوزة أكبت على نفسه! مش بيقولوا القريب من العين قريب من القلب&;! أهو أديني هحاوطه... يا كش بس يحس!

ضرب كفه بكفه الآخر وقال

- هتفضلي مجنونة! الحب مش كده .. الحب بييجي لوحده

قربت وجهها من وجهه ثم أمسكت بتشيرته فجأة&; وقالت بحدة

- هتساعدني وتشغلني في الفندق ولا لأ&; مش عاوزة نصايحك! كان القرد نفع نفسه!

في تلك اللحظة&; د&;فع الباب&; وظهر (مالك) وهو يدخل&; وعيناه تقعان على ذلك المشهد&; حيث كانت (شيرين) تمسك بتشيرت (أسر) وتبدو قريبة منه بدرجة مريبة تجمد في مكانه&; ثم قال بنبرة باردة لكنها حادة

- الباب مفتوح .. وإنتوا بتعملوا إيه كده&;! وأصل&;ا ازاي تقعدي معاه لوحدكوا .. مش قلت كذا مرة متجييش في الشقة هنا لوحدك

سحبت (شيرين) يدها بسرعة&; وابتسمت بمكر وهي تدفع (أسر) بقوة ليبتعد عنها

- ملوكي! .. بتغير عليا يا بيبي&;!

لم يرد (مالك) بل رمقها بنظرة باردة ثم هز رأسه بأسى ودخل غرفته بصمت فضحكت (شيرين) بسعادة وهى تقول

- ش&;وفته! غيران عليا يا (آسر)

نظر لها بغضب مكتوم&; ثم نهض من مكانه وقال

- خ&;دي الباب فى إيدك .. أنا داخل أنام

قامت على مضض&; وأثناء توجهها نحو الباب&; التفتت وقالت

- موضوع الشغل .. متنساش! ولا أقول لـ روكا إنك تعرف عليها على (سوزان) و(عليا) و(مليكة)&;!

ضغط (آسر) على شفته بأسنانه بغيظ&; وهو يتمتم

- غوري .. شوطة تاخدك يا شيخة!

&;-&;-&;

عودة للوقت الحاضر ..

داخل غرفة هادئة&; كان الليل يزحف ببطء خلف زجاج النافذة المكسو&; ببخار الشتاء&; بينما ضوء المصباح الدافئ ي&;لقي بظلال&; ناعمة فوق جسد الشاب الممد&;د على الفراش ..

جلس الطبيب العجوز إلى جواره&; يضع السماعة على صدره&; يصغي إلى صوت قلب&; خافت&; كانت أنفاسه متقطعة&; غير منتظمة&; وجبينه يكسوه العرق رغم برودة الطقس ..

كانت واقفة بالقرب&; ذراعاها معقودتان أمام صدرها&; وعيناها معل&;قتان بوجهه الشاحب&; الذي بدت ملامحه ملائكية رغم ما غط&;اه من إرهاق&; وألم نظرت إليه كمن ينظر إلى لغز&; لا يجد له تفسير&;ا وجه&; غريب&; جريح&; فقد كانت تتنزه على الشاطئ فى الصباح الباكر هي وصديقتها ووجدته على الشاطئ فاقد&;ا للوعي فأخذته إلى بيتها بعد أن حاولت بكل الطرق أن تنعش جسده وتجعله يستفيق لكن دون جدوى ولأنه ليس بحوذته أوراق ولا معه شئ لم ترسله للمشفى بل طلبت من ذلك الطبيب أن يتابع حالته اقتربت قليلا&;&; وهمست للطبيب بالأيطالية

- كيف حاله الآن&; أي&;ها الطبيب&;

رفع الطبيب رأسه ببطء&; ونزع السماعة عن أذنه&; ثم نظر إليها بعين&; جادة ونبرة هادئة

- جسدي&;ا هو بخير نسبي&;ا .. لم يتعرض لإصابات خطيرة لكن جسده منهك من البرد والجوع والتعب على الأرجح&; ظل&; ساعات&; في البحر قبل أن يصل إلى الشاطئ لقد ابتلع كمية&; لا بأس بها من الماء المالح

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...