خائفة
المدينة هادئة كما عرفها منذ استقر بها وأصر أن يكون هو الريس..
اليوم ليس فقط ريس المدينة بل الكبير.. الكبير على كل مكان بالبلد كلها، على كل الرؤساء الذين كانوا يناطحوه القوة..
ظل واقفا، يداه معقودة أمامه، بنطلونه الرمادي محكم على قميص بنفس اللون، نفس الجسد يختفي تحتهم لكن لم يعد نفس الرجل..
حياته اختلفت منذ استقرت الفانيليا داخل قلبه.. فتحت له الباب الصواب أخيرا حتى دون أن تقصد..
أخيرا نفذ كل ما أراده، الأبيض سطع وفاز وغمر الأسود.. طهر كل شيء بحياته، أغرق سنوات الشارع، القتل، الخراب..
كل ما التف بالرذيلة سقط واندفن
الشمس التي أشرقت حياته كانت هبة من الله ولن يتركها تفر من يمينه..
تبقى خطوة واحدة على طمس الماضي ومحوه من حياته وسينهيها..
تنفس بقوة.. أغمض عيونه لحظة ثم فتحهم، عائدا للمدينة يرى كل شيء كما لو أنه يراقب عالمًا ملكه وحده وكل شيء هادئ من حوله
لم يعد الشيطان ينفث نيران..
ابتسم بهدوء، ابتسامة صغيرة، قاتلة.
هذا الهدوء لم يأت بالصدفة. كان نتاج خطة محكمة، حسابات دقيقة، خطوات محسوبة منذ أسابيع كثيرة.. منذ البداية
عاد لمكتبه، جلس وشاشة الحاسب الآلي تضيء، تمنحه كل المعلومات التي انتظرها وهو يتابع بنظرات الديب الحادة كل كلمة، كل رقم، كل خطأ.. كل توقيع وقرار
كل شيء تحت سيطرته الآن
حتى الهواء بدا وكأنه يهمس باسمه، هارون الديب
ظل ثابتا بالمقعد، شامخا شموخ الديب المنتصر "كل شيء كما يجب أن يكون.. بالضبط"
وخلفه، المدينة تتحرك، لكن تحت يده
خلفه، رجال الأعمال يتنفسون الصعداء، لكن بلا علم.. أنه لم يتبق لهم سوى ما يرسمه لهم
خلفه، الخصوم يترنحون في الظل، لا يعرفون متى ستسقط الضربة القادمة
عاد وأغمض عيناه، هادئا، كما لو أن كل شيء الآن ملكه، بلا صخب، بلا دماء..
مجرد قوة مطلقة، عقل حاد، وسيطرة كاملة
****
الحفل كان صاخبا جدا، على شرف الكبير وزوجته التي ترافقه كظله، رجاله لأول مرة تصحب نسائهم
اعتادت رؤية زوجها وسيما، أنيقا وبكل مرة قلبها يفر منها خائفا من أن تلمح نظرة إعجاب بعينه لامرأة أخرى ممن يتلونون أمامها
لفت وجهها له، كم أنت وسيم حبيبي، لا مثيل لك بعقلك ولا قوتك ولا ثقتك بنفسك..
كم أحبك، كم أعشق كل لحظة لي معك..
الآن أرى تلك السنوات التي عشت أحلم فيها برؤيتك، لم أتخيل أن أنال رجل مثلك
ضحكة مرتفعة جعلتها تنتبه لمصدرها..
تجمدت أصابعها على حقيبتها الفضية الصغيرة..
انغلقت نظراتها السوداء على عارضة الأزياء الشهيرة والتي ظهرت فجأة أمام الكبير وفستانها صاحب المبلغ الوهمي يلمع على جسدها ذي المقاييس العالمية
وهي..
سيعود جسدها مرة أخرى لذلك الشكل المنبوذ، لن يمكنها الوقوف أمام هذا الجمال ومنافسته..
صوته جعلها تدرك أنه يتناقش مع الفتاة، المرأة، أيا كانت..
"لا، لم أنجذب لهذا الطريق"
الفتاة لم تنظر لزوجة الكبير، لم تلاحظها تقريبا وهي تميل عليه وتهمس شيئا بأذنه وهو ثابتا، لا يتحرك لكنه رد بهدوء "أخبرتك، ليس طريقي"
نظرتها إليه كانت حادة، غاضبة لكن بلا سبب، هو يتحدث مع الجميع.. فلماذا تدقق عليها هي بالذات؟
"ليال، ليال أين ذهبتِ؟"
التفتت، جميلة كانت تحدق بها وهي نست وجودهم معها "ماذا؟"
صفوان اقترب.. نظراته هنا وهناك وتأمينهم جميعا كان صعب، ذكره بليلة مقتل أحمد فهمي، أسما كانت زوجته والآن تلك البنوبون الصغيرة هي زوجته
"الحفل أكبر مما ظننت والحراسة قليلة"
جذبت نفسها من مشاعرها المتطفلة عليها لأول مرة ورسمت ابتسامة جافة على شفتها "أنت تبالغ صفوان، أين ألاء وأنس؟"
رفع رأسه لوسط القاعة "هناك، البسكوتة تحب الرقص وأنس يبدو رائع حقا"
التفتت، الثنائي ظهر وسط باقي الثنائيات، ابتسمت رغما عن مشاعرها، رؤيتهم هكذا أسعدتها حقا "ألاء فتاة رائعة صفوان، تستحق كل خير"
انحاز لصديقه بالفطرة "وأنس يستحق الأفضل ليال"
ضحكت، صوت ضحكتها جذب انتباه الكبير وكاد يلتفت لها لكن تلك الفتاة تلتصق به بطريقة تخنقه
والفانيليا تكمل "إذن هم يستحقون بعضهم صفوان، هل تهدأ؟"
جذبت المجنونة ذراع صفوان فانحنى تجاها بدهشة وهي تقول "أرغب بتلك الحلويات صفوان، لم لا نذهب ونتناولها؟"
ضحكت ليال مرة أخرى، تلك الفتاة لن تتبدل وصفوان بدأ يعتاد جنونها "بعد قليل العشاء، وقتها افعلي ما شئتِ"
تذمرت كالأطفال وليال ما زالت تضحك "أريدها الآن صفوان"
نفخ بقوة، رفع يده وحك لحيته والمجنونة تصحبه معها للجنون "جميلة إن لم تتوقفي عن تصرفاتك هذه فلن أبقى بجوارك لحظة واحدة"
قبضت على ذراعه، تمسكت به بقوة "لا، سأتوقف، فقط لا تذهب، أنت وسيم جدا والنساء هنا تأكلك بعيونها"
سكنت ضحكة ليال، حتى جميلة لاحظت ذلك، لكن مع الفارق، هي يمكنها الاحتفاظ بالعملاق بجوارها لكن الكبير لا يمكن تقييده
ترأس مائدة العشاء وهي على يمينه وأحد كبار الدولة على يساره واختفت عارضة الأزياء لكن لم يختفي شعورها بالغضب واعتصر الغثيان معدتها وفقدت شهيتها
الحمل يتآمر عليها.. نهضت..
رفع وجهه لها "إلى أين؟"
تماسكت "التواليت هارون"
ولم تنتظر، أسرعت وبالداخل ألقت كل ما بمعدتها حتى العصارة الصفراء، يدها اعتصرت معدتها المتألمة حتى هدأت ورطبت وجهها وغسلت فمها ورأت شحوب وجهها فانتظرت حتى استعادت الدماء وخرجت
تحركت لتراه يتجه لها.. توقفت..
القلق ظاهر بملاحه.. التساؤلات بعينيه وهي تواجه "هل أنتِ بخير؟"
هو أدرك ما كان، الحمل ونفس القصة..
هزت رأسها وما زالت تتشبث بحقيبتها وكأنها المنقذ من الهلاك..
ظل يحدق بها، يشك أنها بخير.. الرجال توقفت على مقربة منهما، وهو لا يهتم بل مال عليها والجدية بكل ملامحه
"هل نرحل؟ لو كنتِ متعبة"
تصدق قلقه وخوفه لكن قلبها يتمرد عليها "لا هارون، صدقني أنا بخير"
صمت لحظة ثم منحها هزة من رأسه وهو يرى ملامحها مختلفة، صامتة، متجهمة والآن ذلك الغثيان
أمسك يدها بلا تقيد بالبروتوكولات الخاصة لهذا الوسط وتحرك وهي بجواره للداخل والأنظار ترتفع لهم ورائحة الطعام تقلب معدتها لكن عليها التحمل
ألاء كانت سعيدة جدا، تتعامل برقي يتناسب مع نشأتها وجمالها لفت انتباه بعض الرجال وأنس لمح أحدهم يقترب منها، وهي بجوار جميلة، وتحدث معها..
لم يمنح صفوان أي شيء، اندفع للرجل "لا، هي لا ترقص مع أحد"
رفع الرجل رأسه لأنس وشحب وجه ألاء
أنس عرف الرجل، مدير بنك معروف، تسلق حتى وصل لمنصبه فجأة والنساء هوايته
"أنس أمين؟ هل أنت حارسها؟"
كظم أنس غضبه، ضم أصابعه بجواره بقبضتين صلبتين "لا، زوجها"
للحظة ظلت الوجوه متلاصقة حتى فصلها صوت هادئ هدوء قاتل "اهدأ أنس، محمود لم يعني شيء، خاصة مع رجال الديب ونسائهم"
تراجع محمود.. سقطت نظراته على هارون..
كاد يتجاوز مع أنس ولكن وجود الديب الكبير يوقف أمثاله
"نعم.. بالطبع يا كبير.. لم أكن أعرف أن المدام زوجته"
انغلقت عيون الديب وأنس ظل واجما متجمدًا بتدخل هارون الذي أكمل "وعرفت، لم ما زلت واقفا هنا حتى الآن؟"
ارتبك الرجل وظل لحظة يستوعب السؤال وبلا كلمات تبخر وهارون يقف أمام أنس ليمنعه من التحرك خلف الرجل وأنس واجه هارون بقوة
"لا تجعل غضبك يهزمك أنس"
هكذا علمهم، الثبات والهدوء، ولكنه يعلم أن أنس مختلف، غضبه يسبق عقله لذا أوقفه "لن تهتز صورتك أمام كلب مثله، ابق بجوار امرأتك حتى تهدأ"
والتفت ولم ينتبه أحد لم كان، التقى بنظرة زوجته، الديبة، ما زالت صامتة
كاد يسألها عندما التهمته تلك الفتاة مرة أخرى بكلماتها فانتبه لها وليال تلف وجهها بعيدا تستدعي كل القوة التي تملكها لتحافظ على صورة الديب وزوجته بالمكان..
لكن غصبا عنها، ظلت عينيها تتعقب كل حركة للفتاة التي عادت تميل على هارون كل كلمة وكل همسة بينهما كانت كإبرة تغرس في قلبها
حاولت التنفس ببطء، لكن الغضب يتصاعد كاللهب الذي لا يُرى إلا في صمتها
لم تنظر الفتاة أيضا لليال، لم تُعِرها أي اهتمام، وكأنها تلاشت، مجرد هواء يمر بينهما وليال تشعر بأن يدها ترتجف، لكن عينيها لم تفارق الكبير
حين عادت الفتاة تهمس بشيء بأذن هارون، ليال شعرت برعشة مخيفة تمر بجسدها
الهواء من حولها أصبح ثقيلا، نظراتها تحاول قراءة كل تعبير على وجه زوجها، كل حركة منه وكل تفاعل
لكن.. الكبير كان هادئا كالماء الساكن، لا يلتفت، لا يتأثر، لا يتحرك
قلوب من حولها تنبض بسرعة، لكن ليال شعرت وكأن العالم كله توقف؛ كل شيء خارج، كل ضحكة، موسيقى، ضوء، أصبح مجرد خلفية لصراع داخلي
وبلحظة شعرت أن تلك الفتاة قد تسرق حبيبها منها، وبكل نفس وهمسة كانت الغيرة تصحبهم بشعور قاتل والغضب أكبر
لكنها تعلمت أن السيطرة الحقيقية ليست بمواجهة الفتاة وهزيمتها، بل بالثبات، بالهدوء، بالسيطرة على نفسها قبل السيطرة على كل ما حولها
رفعت رأسها، ابتسمت ابتسامة جافة، صامتة، لكنها كانت صاعقة في حد ذاتها
والفانيليا من داخلها عرفت، أنها لن تسمح لأي شيء بأن يحطمها هنا، لن تسمح لأي تهديد أن يقترب من حياتها أو من هارون
حتى ولو كانت تلك التي تلتف بفستان فضي كأنه صمم ليُستفز به، تقترب من الكبير
ضحكتها منخفضة، يدها ترتفع بجرأة لتستقر على ذراع هارون.. لا تمسكه، فقط تلامسه، كأنها تختبر حدوها
ووقعت عينا الفتاة على ليال.
نظرة سريعة، فاحصة، من أعلى لأسفل، بلا اعتذار.. بلا احترام
ثم ابتسامة جانبية خفيفة، مستفزة، تقول.. أراكِ الآن.. لكن لا تهمين
وشيء ما انكسر داخل ليال، ليس فقط غيرة.. بل إهانة
اقتربت خطوة واحدة، محسوبة، واثقة، جعلت وجودها يفرض نفسه دون كلمة، يوقف الانكسار ويدفع الإهانة بعيدًا
وقفت بجوار هارون تماما، لم تنظر للفتاة بالبداية، فقط رفعت يدها بهدوء وربطتها بذراع زوجها، ربطا ناعما لكن قاطعا ثم التفتت
نظرتها لم تكن غاضبة.. بل أخطر من ذلك، نظرة امرأة تعرف قيمتها، ولا تحتاج لرفع صوتها لتُثبتها
بهدوء قاتل، موجهة حديثها لهارون وعينيها على الفتاة قالت "الختام سيبدأ، هل نذهب؟"
للحظة نظرة هارون انغلقت ثم عادت لطبيعتها، مال نحوها، صوته خرج دافئا، حاسما "بالطبع ملاكي"
التفت للفتاة أخيرا، بنظرة رسمية جافة "سعيد بلقائك"
الفتاة تجمدت لحظة، ابتسامتها اهتزت قبل أن تخفي ذلك بابتسامة مصطنعة وهي تبتعد خطوة للخلف
ليال لم تتابعها بعينيها، لم تكن بحاجة
تحركت بجواره، رأسها مرفوع، خطواتها ثابتة، لكن قلبها كان يضرب بعنف داخل صدرها
لم تنتصر.. لكنها ثبتت مكانها.
وهي تعلم جيدا، هذا الهدوء.. ليس نهاية المواجهة.. هذا مجرد بداية
مع نفسها..
****
تأخرت عند أحمد، أطعمته وظلت تحتضنه وقت
احتاجت أن تمنح نفسها قوة، دفعة جديدة لتكمل ما كان، إثبات أنها ليست فقط زوجة الكبير بل أم أولاده
وهل نست أنها حبيبته؟ قلبه؟
دخول غرفتهم كان بعد نفس عميق، صمتها خلال رحلة العودة جعله يقبض على يدها بالسيارة، يراقب وجهها يسألها لكنها..
لم تمنحه شيء..
دخلت لتراه ممدد بالفراش والتلفاز مفتوح أمامه رغم تأخر الوقت
رفع نظراته لها وهي تتحرك بنفس الصمت..
خطواتها ليست ثابتة.. عيونها زائغة.. بعيدا عنه
وضعت الفستان بمكانه بعد أن ارتدت ملابس النوم، اختارت قميص مما يحبه ولا تعرف السبب..
هي تحاول إثبات شيء، لكن لا تعرف ما هو؟
أغمضت عيونها، قلبها يؤلمها بشدة لمجرد التفكير لحظة أنه قد ينظر لامرأة سواها أو يفكر أنها لم تعد تصلح له
إحساسها قاتل بالضعف، كأنها زجاج رقيق وُضع في مهب الريح؛ لا يُكسر بسهولة، لكنه يرتجف مع كل نفس
اليوم كانت على حافة الهاوية هرموناتها تطحنها بلا رحمة، تجعلها كمدينة بلا أسوار؛ كل نظرة عابرة تُشعل فيها حريقًا، وكل شك صغير يتحول إلى زلزال
والزلزال الأكبر ألا يكون هارون معها..
حياتها ستتوقف.. ستموت
فزعت بشدة عندما لمسها بيده وكادت تفلت منها صرخة حتى أنه تراجع بدهشة "إنه أنا ليال، ماذا حدث؟"
عندما واجهته بعيون فزعة ممتلئة بالدموع ووجه شاحب فاقد للدماء، اقترب منها، والقلق تسرب له
منذ الحفل وهي تتصرف بغرابة لا يفهم سببها والآن؟
أمسك يدها، جذبها خارج غرفة الملابس وبرفق جعلها تجلس على طرف الفراش وركع أمامها على الأرض
هو ليس الكبير الآن، هو الزوج.. الحبيب، هو الرجل الذي يعيش لأجلها
"ماذا بكِ؟"
سقطت دموعها، لم تنهار بأي يوم رغم كل ما مرت به.. كانت تُذكِر نفسها أنها امرأة الديب ولابد أن تكون قوية ومتماسكة لكن..
بالنهاية هي امرأة، هشة، ضعيفة وبالحمل، هناك الكثير مما يصيب المرأة يجعلها كالوردة التي تفتحت أكثر مما ينبغي؛ جميلة، لكنها تخاف أن تُدهس بنظرة
واليوم نظرة تلك الفتاة له حطمتها.. جعلت دموعها تسقط بلا صوت، واحدة تلو الأخرى، وكأنها تخجل من ضعفها أمامه
حاولت أن تبتلع شهقاتها، لكن صدرها خانها، ارتجف
رفع يده لوجنتها المبللة والغضب تسرب له لحزنها الغير مفهوم "ليال ما سبب كل ذلك، ما الذي حدث؟"
لم يعد عقلها يفكر بكبريائها، بل بالصفعة التي نالتها لذا لسانها فلت من زمامها "خائفة"
كلمة واحدة منها.. كلمة ضربته بقوة.. امرأته؟ امرأة الديب؟ الكبير، خائفة!
اهتز من داخله.. تصلبت يده على وجهها وهو يردد بنبرة مختنقة من الغضب المرتبك، غضب خائف من معنى الكلمة
"خائفة وأنتِ معي؟"
لم تهتم بنبرته ولا غضبه، كانت بعالمها هي، دائرتها المنغلقة والتي أرهقتها حد الدمار "خائفة ألا أكون معك"
ضاقت عيونه، تشنج فكه، ليس غضبا تلك المرة بل صدمة وعدم فهم لذا الجواب كان قاطع "أنتِ لن تكوني سوى معي"
لم يتركها البكاء، لم يرحمها القلق والخوف ونظرات الفتاة تلتصق بذهنها "ولكنك قد تكون مع سواي، وأنا لن أتحمل ذلك هارون، لن أتحمل"
نفس الصدمة من كلماتها ظلت على وجهه، ارتفاع أنفاسه لحالتها الغريبة "ليال تعلمين أني.. "
لم تعد تسمعه وهي تكمل بتهور اختلف عن ليال العاقلة "أنا رأيت نظراتها لك، وهي جميلة وفاتنة وأنا، أنا الحمل.. لم أعد أصلح لك أنا.. "
لم تعد تعرف ماذا تقول وهو بعد لحظة من الصدمة استوعب معنى ما قالت
وانهارت الفانيليا
لم تصرخ، لم ترفع صوتها، فقط انهارت كما تسقط شجرة أنهكتها الريح
لكن الكبير
اعتدل بالحال، احتواها بذراعيه، ضمها لصدره بحنان لم ينقص ذرة، بل بكل يوم يزداد أضعاف
يده التفت حول رأسها، ضغطها عليه كأن العالم كله صار فجأة خطرًا
“كفى صغيرتي، بكائك يمزقني"
صوته كان منخفضًا، ثابتًا، دافئًا إلى حد الوجع
صدره هو المكان الوحيد الذي يمنحها الراحة، السكينة وذراعيه، الأمان
صوته جذبها وهو يبعدها "ليال، انظري لي"
لكنها لم تفعل، فرفع ذقنها بإصبعه، أجبرها برفق أن تواجهه، دموعها تغرق عيونها ووجهها
عيناه كانتا قريبتين.. صادقتين
صوته خرج من قلبه "أنا لست الرجل الذي تسرقه النظرات ولا الكلمات"
ظلت دموعها تغطي رؤيتها وراحتيه تضم وجهها ووجهه قريب منها حتى أن الأنفاس اختلطت "سأعيش وأموت أخبرك أني لم ولن أحب امرأة سواكِ"
تنفست بعمق، تجذب هواء لصدرها المختنق من الألم وهو ما زال يحتضن وجهها بيداه، يحرك إبهامه على وجنتها بحنان وفقط..
عيونه تغرق داخل عيونها وصوته يربت عليها وهي ضعيفة كصوتها "لم أعد كما عرفتني، حمل وولادة وحمل آخر.. أنا"
ابتسم، ارتاح قلبه، أوقف هذيانها "لم أحبك لمظهرك فقد كنتِ طفلة وقتها، قلبي من اختارك ليال والقلب لا يمزح بالحب"
راحة تتسرب لقلبها "تلك الفتاة بالحفلة.. هي لم تفارقك هارون وأنا.."
وصمتت
وهو تفهم فأكمل "أنتِ قلب هارون، قلبه الذي لا يدق إلا لصغيرته"
أغمضت عيونها، تسحب الهدوء لكيانها المهترئ مما أصابها "الكبير قد يرغب بالتغيير، أنا أرغب بهارون الديب، الرجل الذي حماني وأنقذني ومنحني حياة"
وفتحت عيونها لتستقر على وجهه المحبب لقلبها وهو منحها الرد "الكبير خارج تلك الأبواب، مع من ليسوا جزء مني، لكن مع امرأتي، أنا هارون، نفس الرجل والذي سيظل لا يتمنى سوى حبك وقلبك"
وأخيرا رفعت يداها لوجهه، لحيته الناعمة "لا أملك سواهم لأقدمهم لك حبيبي"
ابتسم "وهم كل ما أريد"
وجذب وجهها، وضع قبلة على جبينها وضمها له مرة أخرى وقد هدأت مخاوفها واستقر قلبها
****
دخلت ليال مركز التجميل الخاص بها، منذ دخلته بأول زواجها وهي لا تستبدله والجميع الآن يعرفها
زوجة الكبير..
ابتسمت بثقة بعد أن رحبت بها مديرة المركز، وتحركت لمكانها، المكان مشبع بالضوء الأبيض والروائح الناعمة التي تعد النساء بالراحة
وهي بحاجة للراحة..
جلست، أسندت ظهرها، خلعت نظارتها الشمسية ببطء..
انعكس وجهها بالمرآة أمامها.. جميلة، متماسكة، حتى تعب الحمل نجحت بتجاهله وتحمله كالعادة..
حتى رفعت عينيها.. فرأتها
الفتاة تجلس غير بعيدة، شعرها مصفف بإتقان مبالغ، ضحكتها خفيفة، حضورها يفرض نفسه بلا جهد
كعارضة أزياء، تعرف أنها تُرى
انقبض صدر ليال
عادت لليلة الحفل، لولا احتواء زوجها لسقطت من انهيارها وغيرتها..
تقابلت النظرات.
ابتسمت الفتاة أولا، ابتسامة تعرف طريقها، ثم نهضت واقتربت من ليال "صدفة غريبة"
صوتها كان ناعما، لكنه محسوب، أيضا مبالغ ككل شيء فيها
رفعت ليال رأسها، نظرتها ثابتة، لم تهتز ولم ترتجف، خرج صوتها هادئًا "الدنيا صغيرة"
نظرة الفتاة انزلقت على ملامح ليال ببطء، تقييم صامت، هل ترى كم هي جميلة؟ أم تظنها قبيحة؟
قالت وكأنها تتحدث عن شيء عابر "تبدين مختلفة.. أكثر هدوءً"
شدت ليال أصابعها على ذراعي المقعد، عرفت اللعبة "الهدوء لا يعني ضعف"
ابتسامة الفتاة اهتزت للحظة، لكنها تماسكت "لم أقصد"
نهضت ليال، اقتربت خطوة، ليس تهديدًا.. بل حضورًا "لكنني فهمت"
صمت قصير، ثقيل. ثم قالت ليال بنبرة منخفضة، واضحة "ما رأيته في الحفل.. كان.. دعوة؟"
خرجت الكلمات بشكل سؤال يخفي تحته يقين، كامرأة تفهم جيدا نظرة امرأة أخرى لرجل
اتسعت عينا الفتاة قليلا، قبل أن تعود لابتسامتها المصطنعة "أنا لا.. "
قاطعتها ليال بهدوء قاطع لكن مخيف "ولا تفكري"
ثم أضافت وعيناها لا ترتعشان "بعض الرجال لا يُتاحون للنظر أصلًا"
لم تنتظر ردًا..
استدارت، عادت لمقعدها بكل ثبات وثقة مخيفة
في المرآة.. لم تر امرأة خائفة
رأت امرأة تعرف مكانها جيدا.. بقلب الديب
تنفست بعمق. القلب ما زال يرتجف، لكن قدميها ثابتتان
الاختبار لم يكن للفتاة.
كان لها هي. خرجت منه أقوى مما كانت
****
الشيطان الآن يرقص على قبره، يرى نهايته على الحافة
لكنه..
كان يرفض الاعتراف بالهزيمة..
ولأن الهزيمة لم تكن سريعة، لم تأتي دفعة واحدة، ولا من الباب الذي انتظره..
لذا.. زلت قدمه بالحفرة.. بلا حبل ينقذه وما زال يتهاوى ببطء حيث ينتظره مصيره الأكيد
عصاه دقت على أرض مكتبه بلا صوت من السجاد، مكتبه الكبير يبتلع نصف الغرفة وهو جلس على المقعد خلفه
لأول مرة يديه تهتز، عرقه ينساب من جبينه وهو لم يتحرك سوى خطوات من المصعد لمكتبه والمكيف يعمل..
كل ما حوله صار كأن المدينة نفسها ضده.
الأوراق على المكتب، الملفات، الحسابات.. كلها تتآكل أمامه، كما لو أن الأرض انزلقت من تحت قدميه
للحظة ظل يسند رأسه على راحته، الصداع يدق كطبول الحرب
السكرتير تبعه "يا باشا.. الوضع ليس كما تعتقد.. لقد تم تحويل كل الأموال إلى حسابات مشبوهة، وبعض العقود أُلغيت بشكل نهائي.. والتقارير.. أرقامك.. كل شيء يختفي من النظام كما لو أنه لم يكن موجودا أبدا"
ظل صامتا.. المصائب تأتي جزافا..
صمته جعل الشاب يخرج بلا انتظار رد، والشيطان أدرك رحيله، لم يحتج لمن يخبره، الطريقة التي انسحب بها كانت كافية ليعرف؛ هو يسقط
رفع رأسه إلى الشاشة، مفتوحة، تومض بالأرقام التي تتراقص أمامه وكأنها ترفض أن تكون له
كل التحويلات، التي حسب أنها حصن ستحميه وتصنع منه الكبير بلا مساندة من أحد، خاصة محمد الديب، أُلغيت، جُمدت، توزعت بطريقة لا يفهمها في طرق لا يمكنه الوصول إليها
لكن الديبة كانت تعرف.. موهوبة
حاول أن يتنفس، يفكر، لكن العقل يصرخ؛ كل شيء تحت سيطرة شخص واحد، اسم واحد، يد واحدة
هارون الديب
فجأة..
انطفأت الشاشة أمامه..
اعتدل محاولا استيعاب ما يحدث، الكهرباء لم تنقطع، الجهاز سليم و..
أُضيئت الشاشة لكن على جملة واحدة "اللعبة انتهت.. هارون الديب"
وانطفأت الشاشة مرة أخرى وجُن جنونه، ضغط على الأزرار بلا فائدة، شاشة سوداء تواجه غضبه ضرب الجهاز، أطاح به حتى أسقطه أرضا متحطما
لا يمكن أن يسيطر حتى على جهازه الخاص..
اهتزت الأرض تحته، فجأة كل سنواته من الغرور والزهو، السيطرة والهيمنة تتبخر أمام عينيه.
صرخ، صوته يهز المكتب، لكنه لم يسمع أحد، لا أحد يمكنه إيقاف ما يحدث داخله.
كل خطأ صغير أو كبير ارتكبه، كل خطوة ظن أنها ذكية.. الآن تحولت إلى فخاخ تلتهمه
وقف فجأة، غاضبا، المقعد ارتد للخلف من قوة نهوضه، رفع عصاه وأطاح بها كل ما على المكتب بكل قوته..
الأصوات ترددت، لكنها لا تعيده، لا شيء يمكنه إرجاع السيطرة التي فقدها
ثم توقف فجأة عن حرب اللا شيء..
استوعب أخيرا.. نظر حوله، الهدوء قاتل أكثر من أي صخب
المدينة، الأسواق، رجال الأعمال، كل شيء تحت سيطرة رجل واحد فقط، أكبر عدو له.. هزمه، جعل كل شيء، كل شيء، خارج عن متناوله
وتراقصت ابتسامة هادئة، قاتلة، جالسة في ذهنه للكبير، هارون الديب
لقد خسر.. خسر أمام العقل لا القوة
سقط على المقعد واهنًا، ساقاه ترتعشان، قلبه يئن من حجم الهزيمة، لم يعد فارس الظلام، لم يعد الكبير ولا حتى الشيطان
أغمض عيونه من ألم الهزيمة الحارق، لحظة إدراك، استيعاب ما يحدث..
جسار أصبح رجل أمام الحقيقة.. حقيقة تقول أن هارون الديب ملك كل شيء الآن، وهو لا يغفر ولا يترك ثغرة
في تلك اللحظة فتح عينيه على صوت خافت، خطوات لم ينتظرها
ابتلع ريقه، قلبه يدق بسرعة.. لكن لا شيء يظهر في المكتب
ثم ظهر..
نهاية الفصل
ان شاء الله باقي لينا فصلين وتنتهي روايتنا
هارون.. ليال..
صفوان.. جميلة
أنس.. ألاء
ومش حننسى
رشدي.. أحلام
الفصل التاسع والخمسون من هنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!