الفصل 59 | من 60 فصل

رواية غرام في العالم السفلي الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم داليا السيد

المشاهدات
11
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

توبة

مرض محمد الديب لم يكن فقط عضويًا.. كان رفضًا للواقع الذي فُرض عليه..

هارون لم ولن يسقط بالرذيلة لكن..

هو عزله، وضعه بقصر من ذهب وحيد بلا أحد.. وانتهى

الطبيب كان صديق قديم، ظل جالسا أمامه يبحث عن سبب مرضه بلا فائدة حتى قال "ليس بك شيء"

أسند رأسه على ظهر الفراش.. متعب، مجهد، فاقد الرغبة بالحياة.. أولاده كانوا العقاب على كل خطاياه..

عدل الله لا خلاف عليه

تنهد، لم ينظر للطبيب بل لماضيه "أعلم"

هذا اليقين أتى بعد وقت طويل، حارب، قاتل، لكن بالنهاية استسلم.. هارون هزمه والشيطان يضحك شامتًا.

أبعد الطبيب وجهه قليلًا ثم عاد للباشا "هل هاتفته؟"

كان يعلم كل شيء، صداقتهم امتدت سنوات ولم تنقطع، أشاح الديب بيده "لا فائدة من الاتصال، هو نسى أن له شخص كان يوما بظهره"

انحنى الرجل للأمام، عيونه تنبض بالاستنكار "لا تنتظر من هارون الاعتراف بالاحتياج فهو ليس ذلك الرجل"

لف وجهه للطبيب، ملامحه منحته دلائل عما يموج داخل صدره ونبرة صوته بها حسرة، شجن، أنين "لكنه تقبل وجودي بحياته، لا يمكنني تصديق أنه فعل ذلك لينال المكان، ليس هارون"

نهض الطبيب، لملم أدواته "وهل تابعت أخباره؟"

نفى برأسه وعاد رأسه للفراغ "ليس منذ فرض سطوته وعزلني"

أغلق حقيبته، رفع رأسه له "هاتفه، كي تستعيد نفسك"

وتحرك وخرج والديب ما زال يحدق بالحائط الفارغ أمامه.. قلبه يتمزق..

لديه ولدان وكلاهم نبذوه.. أسقطوه من حياتهم ومن اختاره قلبه طعنه طعنة موت

دقات على الباب..

لم يجيب، لا يرغب برؤية أحد، بالأساس ليس هناك سوى تميم، الرجل الوحيد المخلص له

انفتح الباب، لم يلف وجهه، لم ينظر ولم يتحدث

"عرفت أنك لا تنتظر أحد"

حقًا!؟

لف وجهه.. لا يصدق أنه صوته.. هنا، ببيته، بل بغرفة نومه

واقفا، بدلته السوداء، قميصه الأسود بلا ربطة عنق والسلسلة تتدلى على صدره الواضح من فتحة القميص..

هارون!!

شفاه العجوز تحركت باسمه بلا صوت، خشيّ لو خرج الصوت اختفت الصورة وصار حلم لكن..

الصورة تحركت.. اللافندر حقيقي، ملأ الغرفة، طغى على البخور والتوابل الشرقية

العجوز عالق بين الحلم والواقع..

ابنه هنا..

من احتل قلبه ومن طعنه..

هنا..

جلس بنفس مقعد الطبيب وصمت الرجل طبيعي، وجهه الشاحب من المرض أو من المفاجأة، كان جامد أمام صاحب اللقب

أسند الابن رأسه على أصابعه، الزرقاء لمعت على وجه العجوز وصوته خرج هادئا، مريحا لقلب منهك من الحزن "متى أصبحت ضعيفا؟"

رمش الرجل، استقر على حافة الواقع ونفض الحلم بعيدا وجذب صوته من أعماقه "عندما أخبرتني أن الراحة تناسب عمري"

لم تتبدل نظرات الديب، الريس، الكبير، أيا كان اللقب فهو ظل ثابتا، لا يندم على تصرف، قول، فعل أو أي شيء "وأنت اخترت الطريق السهل، تصديق أن هارون.. "

قاطعه، يدرك ما سيقوله "لم أصدق، لكنك أردتني أن أصدق"

أبعد يده عن رأسه، أسند أصابعه على ذراعي المقعد، الزرقاء تتحرك بعمق على وجه الأب الراقد "أردتك أن تعرف من هو هارون الديب الحقيقي، لكنك اخترت هارون الذي ظننت أنه سيكون صورة منك لمجرد أنه نال المقعد"

أخفض الرجل وجهه، مهزوم، فاقد القدرة على الحرب، فقد رحلت أسلحته "يا باشا أخبرتك أن باستطاعتي التنازل عن المقعد بالحال لمن يستحق لكني لن أتنازل عن هدفي أبدا"

رفع الرجل وجهه لابنه، لمعت دموع خفية بالزرقاء المحاطة بالتجاعيد، دليل سنوات من العمل والجد والتفاني "هدفك؟"

تنهد الديب.. أبعد وجهه لحظة، وميض من الماضي حل ثم دفعه الكبير بعيدا وعاد للعجوز "التطهير يا باشا، الأبيض، أنا أرفض الرذيلة وأحاربها، ربما طريقتي خطأ لكني أتعلم"

ابتلع الباشا ريقه.. تعرقت يداه بلا سبب ففركها بالغطاء ولم ترمش عيناه فقد تسقط دموعه أمام ابنه فيزداد انهزاما "وما فعلته بالمجلس، قوانين وانفتاح وتمريرات غير.. "

رفع يده ليوقفه وصوته خرج قويا، واضحا بلا جدال "بل قانونية، الصورة لم تصل لك كاملة لأني منعت عنك الباقي"

ضاقت زرقاء العجوز.. أنفاسه تغيرت، علت وتسارعت بلا فهم "لا أفهم هارون"

نهض، وضع يداه بجيوبه وتحرك بلا هدف "ألقيت الطعم أولا وعندما التقطت الفريسة الصنار جذبت واصطدت ولم يعد للطعم داع فأبعدته"

ظلت أنفاس الرجل عالقة وهارون شرد بالنافذة التي أمامه

وفي ذهنه، تذكر وجه غالي وهو يدخل السيارة، صورة واضحة، رغم بعده عن الواقع

باك..

لم ينظر له هارون عندما انغلق عليهم باب السيارة، كان يراه بانعكاس نافذته، وجهه أبيض بلا دماء، شفتاه المثل، ترتجف ونظراته زائغة

"ماذا حدث هارون؟ استدعاءك لي كان غريب"

لف وجهه له، قتامة عيونه مخيفة وثبات صوته يهز من أمامه "لماذا؟ الكبير له الحق باستدعاء أي فرد من أعضاء المجلس بأي وقت"

ابتلع ريقه بلا فائدة فقد جف حلقه، الكل كان يعلم من هو الريس.. وجوده كعضو معهم كان لا يخيفهم لأنه بنفس مكانتهم لكن أن يكون الكبير فهذا سحقهم

لذا يد الشيطان عندما امتدت له منحته بعض الأمان الزائف

ورحل الزيف الآن..

ارتجف صوته "وفيم استدعائك؟"

جذب هارون طرف جاكته وأغلقه "أنتظر أن تمنحني الشيء الذي لم تقدمه بالمجلس.. لا تقاطعني عندما أتحدث، تجاوزك الذي ظهر أمام الأعضاء ليس كاملا وأنت تعلم ذلك"

تألمت أصابعه فأدرك أنه كان يقبض على مسند الباب بقوة، ترك المسند ووضع يداه فوق ساقيه وارتجافهم لم يخفى على الكبير "لا أنا.. "

مالت رأس هارون بطريقة جعلته يتوقف، يفهم أنا ما ينطق به كذب فسأل بريبة "أنت تعلم؟"

عاد الرأس لمكانه الطبيعي "بالطبع أعلم وأحتفظ بالكعكة كلها لنفسي، وأنت تعلم عقوبة ما أخفيته"

ارتجف جسده، شفاهه، يده التي قبضت على قماش بنطلونه "هارون أنا خفت منه، أنت تعلم أنه لا يرحم وأنا لدي أولاد وتهديده كان صريح"

أبعد هارون وجهه للنافذة، يكظم غضبه من جنون جسار وجبروته، يدرك خوف الرجل لذا هو احتفظ بالأمر لنفسه "أرجوك هارون، سأمنحك كل ما ترغب به لكن بمقابل حمايتي منه أنا وعائلتي"

عاد له، رأى الفزع بالعيون، الخوف، الرجاء "تمام، ستفعل ما أخبرك به ولك كلمتي وحمايتي"

صوت العجوز أعاده من الذكرى للوقت الحالي "وهل فعلت؟ منحته حمايتك؟"

لم يلتفت للباشا بل أجاب بهدوء "للمرة الثانية تقلل مني يا باشا"

ولف وجهه له والتقى بالعيون المنتظرة "كلمتي عقد لا يمكن تمزيقه"

احترق الأزرق بعين الرجل، لهفته للمزيد أكلته "كنت تتلاعب بجسار؟ بلا هجوم ولا قتل أو تفجير"

عاد للزجاج، الغروب لا يُظِهر الشمس وهي تنحني لليل، فقط بقايا أشعتها البرتقالية محاطة بأحمر ناري "لا أحب إعادة كلماتي" ولف وجهه له مرة أخرى "لدي زوجة وابن وعائلة، الاندفاع والتهور لم يعد طريق مناسب"

هز الرجل رأسه، تنفس بقوة، وزاغت نظراته "وهو، جسار؟ ماذا أصابه؟"

تحرك هارون له، وقف أمام فراشه ومنحه ما لن يعجبه كأب "احترق بنيرانه"

****

عندما خرج من عند الديب الكبير دخل سيارته وهاتفه يعلن عن نفسه، الفانيليا تهاتفه "اشتقت لك يا كبير، متى ستعود هارون؟"

له يومان هنا، بالقاهرة وهي من المرات النادرة التي يفعل بها ذلك لكن الحرب لها عدتها "الليلة يا قلب هارون، هل انتهيتِ؟"

ضحكت وهي تتراجع بمقعد مكتبه بالبيت، ضحكتها أسرت قلبه، منحته الراحة أنها بخير "من ماذا بالضبط يا كبير؟"

أبعد وجهه للنافذة "المركز يا زوجة الكبير"

لفت بالمقعد مبتعدة عن الجهاز وعبثت بخصلاتها التي تم الاعتناء بها جيدا اليوم لأجل الكبير "نعم، واخترت ألوان جيدة من المول ستعجب الكبير"

رفع يده للحيته وأخفض نبرة صوته "الكبير لا يحب تلك الألوان، يعشق الطبيعة المجردة من أي شيء"

توردت رغما عنها وضحكت مرة أخرى فتنفس بعمق وهي ترد بنعومة تذهب قوته رغما عنه "الكبير أصبح شقي"

لم يطيل الأمر كي لا يسمع رجاله "ربما، ماذا عن السيستم صغيرتي؟"

عادت لجهازها بالحال والجدية تعلن عن نفسها "كما رغبت يا باشا، أنتظر لحظة البدء منك"

مكالمة منتظرة على هاتفه، أبعد الهاتف ورأى الاسم فعاد لها "ربع ساعة ليال ونفذي"

ردت بجدية "تمام"

أجاب الرجل المنتظر على الهاتف "هل انتهيت؟"

الرد وصله حاسم "نعم يا كبير، كل شيء كما أمرت"

أغلق ونظر لصفوان بالمرآة "مكتب جسار صفوان"

وجوده بالقاهرة كان لتنفيذ ما أراده، زيارة الديب الكبير والآن.. الشيطان

ووصل..

بلحظة انهيار جسار.. لحظة إدراك هزيمته أمام هارون الديب

بلا قوة، بلا دم

ظهر..

بهدوء لم يكسره أي صخب، لم يظهر أي أثر للعجلة، لم يرتجف طرف من أطرافه ولم يرمش رمش واحد منه

هارون الديب

وقف عن مدخل المكتب، يراقب كل شيء بعينين لا تحملان سوى العتمة.. ظلام

نظراته كانت تتوغل في عقل جسار قبل أن تلمس جسده.. ابتسامة تكاد لا تُذكر على وجهه

ليست ابتسامة فرح.. بل ابتسامة من يعرف كل خطواتك، ويعلم متى تنكسر

جسار متجمد، فاقد قوته التي حارب بها حتى نفسه.. التصق بالمقعد، أين الشيطان الذي كان يقوده؟ أين نيرانه وزهوه وغروره؟

انتهى، بل انهزم.. سقط أمام الكبير وفر جبانا متخليا عن رفيقه..

تحرك الكبير للداخل بخطوات ثابتة، تعرف طريقها جيدا، بالضبط كما كان يعرف ماذا يفعل بالشيطان..

وجلس أمام التمثال الذي انصب خلف المكتب، كان يحاول استيعاب ما يحدث حوله، يجد ما يتشبث به وهو ينهار للقاع..

نطق الكبير بعد أن جالت نظراته بالفوضى التي أحدثها جسار بالمكتب "خسارة، المكتب كان رائعا حقا"

اسود وجه جسار، تجمد جسده أكثر، توترت كل أعصابه وتخدرت عضلاته، الديب اختار لحظة المواجهة.. لحظة سقوط الشيطان

رفع الكبير يده، أشار للهاتف على المكتب والذي كان يضيء باتصال "أجب.. لكن تذكر، لا أحد يعمل إلا بما أسمح به"

رفع جسار عينيه ببطء للهاتف، أصابعه لا تطيعه، كأنها لم تعد تخصه، منذ متى فقد قوته هكذا وبدا واهنا حد الذل والمهانة؟

لم يكن يعرف أن الديبة نفذت أوامر الديب، أسقطت كل شيء على نظام جهازه والتحويلات والملفات.. كانت عبقرية..

رن الهاتف مرة أخرى.. بإلحاح مستفز ونظرات هارون تخترق عيون جسار التي بهت الزيتون منها واسودت كلون وجهه

الكبير منحه هدوء أشد فتكا من الصراخ وهو يقول "أجب"

قبض على الهاتف وضغط زر الإجابة، صوته مبحوح، مكسور لأول مرة بحياته وأمام عدوه الوحيد "نعم"

جاءه الصوت من الطرف الآخر مرتبكا، متوترا أو ربما خائفا "يا باشا، النيابة طلبت كشف التحويلات كاملة.. والملفات التي كانت لدينا اختفت، هناك من سبقنا بخطوة والدمار قادم"

أغمض جسار عينيه، أخفي مرارته التي لمعت بعينيه عن غريمه وهو يعلم من الذي سبق رجاله..

يجلس أمامه.! يشمت به.. يخبره أنه انتصر

تدخل هارون فجأة بصوت هادئ، واضح وكأنه صاحب الهاتف "لم تختفي، بل حُفظت"

فتح جسار عيونه، واجه نظرات هارون القاتمة.. لم يرى الشماتة التي ظنها ولا زهو الانتصار، لم يرى أي شيء

هذا هو هارون الديب.. نفس الوصف الدائم، بئر عميق لا ينضح إلا بما يريد والآن، ظلام حالك يطفو على سطحه

وأكمل الديب الصغير أمام أخيه الأكبر "تم حفظها بإذن قانوني، توقيعك، أختامك، وكل شيء يثبت أنك من أدار اللعبة"

لم يرد جسار وأصابعه تضغط بقوة على الهاتف، جف حلقه، أضاع الكلمات وهارون يسند رأسه على أصابعه يكمل "لعبة كنت تلعبها وحدك.. ونسيت أنك لست الوحيد الذي يفهم القواعد"

ارتجفت يد الشيطان بالهاتف، أفلته دون أن يغلق المكالمة، لم يهتم ونظراته ثابتة على هارون والجنون يشتعل داخل صدره مختلط بطعم المر

"أنا لا أخسر هارون، جسار لا يُهزم، جسار يتراجع ثم يضرب بقوة، بلا رحمة"

نفس الابتسامة الصغيرة على شفاه الكبير هي ما واجهت جسار ونبرته الهادئة رفيقته "هذا إذا سمحت أنا لك بالرجوع"

ونهض، أغلق جاكته الأسود ولف وجهه لأخيه "تلك المرة أنا تأكدت أن كل الأبواب لرجوعك مغلقة جسار، وضعت عليها أقفال لن يمكنك فتحها ولو حاولت ستمضي عمرك كله تحل واحد وراء الآخر ولن ينتهوا"

والتفت ليذهب لكن الشيطان لا يقبل السقوط، ضرب على سطح مكتبه بجنون العظمة وهو كل ما تبقى له.. "أبدا هارون، اللقيط ابن الخادمة لن يهزمني"

ثبت مكانه، قد كانت تؤلمه تلك الكلمات لكن الآن، لا

الآن لديه من ينتمي لهم، امرأة تحبه ويعشقها، أخوة يلتف بهم، أولاد ستحمل اسمه من بعده ومن داخله لن ينكر الأب الذي يتمنى وجود ابنه بحياته..

حتى الخادمة لم يعد ذكرها يجرحه فكما سبق وقال "كانت امرأة شريفة تعمل بيدها"

التفت له مرة ثانية، لا يهرب أبدا من المواجهة..

التقى بالزيتون القاتم بمقلتيه، الأصفر الذي لون وجهه "اللقيط ابن الخادمة هزمك بالفعل شئت أم أبيت"

وتنفس بعمق وهو يكمل "والكبير لن يسمح لك بأن تنهض من جديد"

صراخه هز الجدران وهو يعبث بدرج مكتبه والجنون ارتقى لأعلى الدرجات وهارون عقد ذراعيه أمام صدره، يتابعه بثبات ثم منحه كلماته

"لا تبحث عنه فلن تجده"

لكنه لم يكن يسمعه، بل قلب واحدًا تلو الآخر، كأن المكتب يبتلعه، ولا شيء.. لا شيء يعود إليه فقط صرخ

"اللعنة، لا، كان هنا، أنا لن أرحمك، سأقتلك"

لم يجيبه وجسار يثير الفوضى بكل مكان بلا عقل، فقد عقله واتزانه حتى أنهكه البحث وأدرك أن لا فائدة من البحث

ببطء رفع عينه للزرقاء التي انتظرته وشحوب وجهه علامة التراجع..

والكبير عرف أنه يأس فمنحه كلماته المؤلمة "هل ظننت أني أترك سلاح بجوارك أخي وأنت بحالتك هذه؟ خشيت أن تقتل نفسك.. والهزيمة لا تستحق أن تموت من أجلها بل تعيش لتستمتع بمرارتها"

والتفت خارجا ولم ينتظر الرد

خرج وترك غريمه خلفه، ربما انتصر ولكن ما زال هناك انتصار لم يكتمل بعد..

قضية شريف السمنودي..

****

العشاء كان ينتظره عند عودته وبالطبع طالما طعام الديبة إذن رفاقه معه

تلقاها بين ذراعيه، كعادتها لا تهتم لوجود العالم من حولها، فقط أحضانه هو الأهم

رأسه استقرت بين خصلاتها المتناثرة، الفانيليا تغرقه وهو يستمتع "تأخرت يا كبير"

ابتعدت ليواجه ملامحها المشرقة ودائما يخبرها أنها ليست بحاجة لذلك المركز فجمالها الطبيعي لا يحتاج لأي شيء "والفانيليا ستغفر لي"

ضحكت وألاء تخرج للقاء الغاضب الذي ابتسم لها، ضمها بذراعه "البسكوتة تبدو بخير"

ضحكتها الخافتة تأسر قلبه، تمنحه الراحة والسعادة "لرؤيتك أنس"

وضع قبلة سريعة على وجنتها "كيف حال حمزة؟"

أجابت "بخير، نائم بغرفة أحمد، مع المربية"

صفوان لف بوجه بحثا عن المجنونة، هل عثرت على رحلة للأدغال تلك المرة؟

ليال لم تمنحه نظراتها ليسألها وما أن التفت ليرتد للخارج ربما يجدها ببيتهم، حتى اصطدم بجسد يندفع له وصوتها "صفوان أنت.. "

وسقط الكعك كله على الأرض وتبعثر بعض السكر على ملابسه وهي صرخت من الفزع وهو لعن بسره والجميع تجمد لحظة

باللحظة التالية انفجر الجميع بالضحك، حتى المجنونة والعملاق، ضحكوا.. هكذا بدأت حكايتهم

صدام، عراك ثم.. انتهى به

بالغرام..

غرفة الكبير كانت مكان راحته، بحث عن قلبه فوجدها تخرج من غرفة الملابس، اللون الأزرق كان مثيرا.. خلابا.

هي تحبه لأنه لون عيونه.. هكذا كانت تخبره

ابتسمت وهو يتحرك لها وقبل أن يقترب أكثر رفعت يدها له بعلبة متوسطة..

سقطت نظراته عليها، لا يفهم ما هي وماذا تحمل داخلها، رفع عيونه لها باستفهام واضح داخلهم فقالت "أردت مساعدتك"

مالت رأسه بلا فهم وعادت نظراته للعلبة فرفع يده وفك شريط الستان الأبيض الذي انسل بعيدا ورفع الغطاء..

تجمدت نظراته.. اهتز قلبه.. ارتجفت أطرافه..

مصحف.. سجادة صلاة، وسبحة

ظلت عيونه ثابتة عليهم وهلة، هو بالفعل أراد التوبة، رغب بذلك الطريق، بدأ من باب وتبقى هذا الباب..

رفع وجهه لها "أنا ارتكبت الكثير من الذنوب بحياتي ليال"

حررت يد ورفعتها على وجنته "باب التوبة مفتوح للخطائين حبيبي"

نظراته ثابتة على عيونها، قلبه يدق بعنف، لم يسأل، لم يشكك في مغفرة الله عز وجل لكن شك في أنه يستحق المغفرة

"ربما لا يقبلني"

ابتسامتها تحرر قلبه من المخاوف، تغلق الباب بوجه الشيطان، تجذبه لطريق النور "هو لا يغلق بابه بوجه أحد وإلا ما حثنا على التوبة"

عادت نظراته لمكنون العلبة.. رغب بهم لكن لم يجرؤ على الاقتراب منهم.. وضعت العلبة بعيدا وهو جامد بمكانه..

عادت له، احتوت وجهه بيداها وامتلكت نظراته كما تمتلك قلبه "الأبيض كان موجود بقلبك منذ الأذل حبيبي، أنت أردته، تمنيته وسعيت له، لا أحد لا يخطئ، المهم التراجع عن الخطأ والندم عليه وعدم العودة له"

يده اخترقت عنقها، قرب وجهها منه ورأسه تنحني لها "وماذا عن ذلك الخوف الذي لم أعرفه يوما بحياتي؟"

ابتسامتها تربت على قلبه المرتجف، يداها ترتاح على صدره "هو ما سيدفعك للنور حبيبي، هو ما سيجعلك تهزم الرذيلة للأبد وتحيا بفضيلة ناصعة بلا بقع سوداء"

علت أنفاسه، تجذب مخاوفه للسطح، تطرحها على مائدة توبته وهي تحرقها بيقين أن الله يغفر الذنوب إلا أن يشرك به

"أخشى أن أضعف"

ضغطت على قلبه المنتفض بدقات قوية مفزعة "سأكون معك، كلانا يقوي الآخر.. يوقفه عند التجاوز.. سنلجأ معا له وأنا واثقة أنه لن يردنا"

ظل واجما لحظة، خوفه واضح بعينيه، يتجلى أمام امرأته، بلا رياء ولا كبرياء..

حتى.. جذبها لأحضانه، يده ما زالت بشعرها، تضغط رأسها على صدره وهي تحاوطه بذراعيها، تخبره ليس فقط بالكلمات بل وبلمساتها أنها معه بكل شيء

همسه اخترق أذنها "أحبك ليال، لم ولن أحب سواكِ"

أغمضت عيونها، تستمتع بوقع الكلمة منه "أحبك يا قلب ليال"

****

وانغلقت الدائرة أخيرا..

أحكمت حلقاتها وأضيئت.. بالأبيض

المجلس..

جلسة أخرى طارئة..

ومكان غالي فارغا.. ولا أحد يفهم شيء

الديب تركهم قليلا يتهامسون.. يتباهى الفائز على الخاسر.. هارون لم يتلطخ بالأسود.. خرج من المعركة أبيض

ودخل الكبير..

الصمت دخل معه.. انحبست الأنفاس لرؤيته.. الآن وبعد انكشاف المستور أصبح اسمه يدوي بكل مكان، يصحب معه، الاحترام والخوف

الاحترام لمن يسيرون على الصراط، والخوف لمن اختاروا الاعوجاج

جلس، واليوم لم يرتدي جاكته، قميصه الرمادي على بنطلون اسود فقط.. يخبرهم أن المكانة لا ترتبط بمظاهر ولا قوة، بل بالعقل..

رفع وجهه لهم، التقى بكل الأسئلة النابضة بعيونهم ولديه الإجابات..

"بسم الله الرحمن الرحيم.. نبدأ الجلسة"

وهي أول مرة تذكر البسملة بذلك المجلس ومن رجل عاش بعالم سفلي انغمس بكل ما هو غير مباح لكنه ارتقى وعلا وصعد فوق السطح

بالإيمان..

ومنحهم الرد "غالي قدم استقالته من المجلس وهي مدمجة بمحضر الجلسة، لدي اسم ليأخذ مكانه وأحتاج التصويت"

الحسيني تحدث "ألن تخبرنا عن غالي و.. جسار"

تحركت زرقة عينيه نحوه.. كان يعلم أن ذلك حق الأعضاء "طالما ربط الاسمان معا حسيني ففيما سؤالك؟ تورط غالي مع جسار جعله يدرك أين وضع قدمه"

عضو آخر تساءل "أنت وراء ما حدث مع جسار أليس كذلك؟ قصتكم يعلمها الجميع"

عيونه سقطت ببطء على الرجل "وماذا فعلت معه؟ هو من حفر حفرته بيده، أنا فقط منحته العتاد"

الحسيني ابتسم ورفع حاجبه "وأنا أحييك هارون، أنت حتى لم ترفع إصبع واحد لإسقاطه"

أخفض نظراته وأجاب بثبات "لأني انتهيت من عصر القوة والذراع حسيني، لدينا الأهم، مستقبل منير، بعيدا عن الأسود لأني لن أقبل به بعد اليوم"

ثم رفع عيونه لهم وواجه نظراتهم وأكمل "وهذا أول بند سنناقشه بجلسة اليوم"

****

نفحة ريح عطرة مرت بجواره.. رمشت عيونه، ليال لا تترك النوافذ مفتوحة بغرفتهم..

مرة أخرى تلك الريح التي تداعبه فلف وجهه وعيونه الناعسة تواجه عيونها الباسمة، إشراقة وجهها تمنحه صباح جميل

مالت عليه فتساقط شلال شعرها الحالك على صدره "تأخرت حبيبي، إنها الظهيرة"

اعتدل على ظهره، دفع راحته بعنقها بين شعرها الغزير "أخبرتك أني اجازة صغيرتي"

لفت وجهها لتواجه شفتاها راحته وتقبلها "وصغيرتك تعشق وجودك معها، لكن هاتفك لا يتوقف، الباشا يلح بالاتصال"

جذب وجهها له، نال قبلتها وكأنه لم يمضي الليل كله حتى الفجر معها، غارق بالفانيليا

عندما أبعدها قليلا منحها رد "يرغب برؤية أحمد"

كانت تعلم.. توقعت ذلك "هو حفيده الوحيد حبيبي"

أصابعه تداعب شعرها ونظراته تتجول على وجهها بصمت حتى قالت "لا تنسى أنه أصبح وحيد هارون، بلحظة ظننت أنه.. "

ولم تكمل.. فهم..

"أنه سيطلب من خديجة العودة؟"

ظلت تحدق به، كيف يقرأ كل ما يدور بذهنها؟

اعتدلت جالسة، تتحرر من راحته وهو لم يفلتها، سكن خلفها، يجذب جسدها لظهره ورأسه تتخلل عنقها بقبلات دافئة

"لقد فعل صغيرتي"

لفت وجهها لتواجه وجهه وذراعه تحكم قبضته عليها، ابتسامته الهادئة تواجه نظراتها "حقا؟"

وضع قبلة على وجنتها "نعم، بعد طلاقه من هدى تقابلا وطلب منها العودة"

هي لا تصدق أن ذلك يحدث "وهي رفضت؟"

قبلة أخرى وهمسه كان على وجنتها "نعم.. اختارت أن تكون نفسها، بلا رجال جديدة"

الهاتف عاد يهتز بجوار الفراش ولكنها لم تفلته "هي من أخبرتك؟"

ابتسم وهو يميل للهاتف "لا ملاكي، ولا واحد منهم أخبرني بالأمر"

جذب الهاتف وأجاب "الباشا يصر على إيقاظي بيوم اجازتي"

ظلت صامتة، بكل يوم تدرك قوة الرجل الذي منحته قلبها ولم تندم..

الباشا منحه الرد "تنام حتى موعد متأخر كهذا هارون؟ ليست عادتك"

نهض من الفراش ويده تبعد شعره الطويل للخلف "أنت لا تعلم شيء عن عاداتي يا باشا، فيما اتصالك؟"

رفع الرجل رأسه والسيجار بيده وقد استعاد نفسه بعد زيارة ابنه الصغير له

مصير جسار كان محدد منذ زمن بعيد لكنه تأخر، كان يعلم أنه سيسقط وكم مرة حاول أن يساعده لكن بلا فائدة

"أخبرتك أني أرغب برؤية حفيدي، ماذا عن اليوم وأنت اجازة؟"

لفته من الخلف كعادتها، رأسها استقر على ظهره وهو يجيب "تمام يا باشا، ننتظرك"

همست على ظهره "ماذا عن الغداء معنا هارون"

صمت لحظة، جامدا، منغلق النظرات ولكنه لم يلتفت لها وهو يتخذ القرار "ليال تدعوك على الغداء يا باشا وطعام الديبة مميز"

ابتسم الرجل بسعادة لم يعرفها من قبل "كل شيء بالديبة مميز، وأنت تستحق امرأة مثلها"

التفت ولفها بذراعه وملأ عيونه من ملامحها المحببة لقلبه "وهي تستحق الأفضل"

ونطق الرجل بما نطقت به هي، وكأنما كانا متفقين مسبقا "وأنت الأفضل"

ثبت عليها، قلبه يدق بلا توقف

هل يرتد لوقت كان يجلس بالخفاء يراقبها من بعيد وهو تنمو أمامه يوما بيوم؟ هل يرى نفسه وهو يعاتب نفسه على حب فتاة نقية لا يمكن أن تحب رجل مثله؟

قبل أن ينطق أسكتته "أنت الأفضل حبيبي، أنت كل ما حلمت وتمنيت"

وارتفعت على أصابع قدميها، لفته بذراعيها، منحته الجائزة، قبلة على شفتيه، أخذها بقوة كل ما كان يمر به الآن من ذكريات

****

وقف الشيطان المهزوم أمام صورته الكبيرة ببهو فيلته.. صورة كان ينوي وضع نسخ منها بكل مكان سيستولي عليه، بداية بالمجلس ونهاية بأملاك الباشا..

الصورة تعني العظمة، القوة، السطوة والغرور

صورة تجسد فيها كل الشر الساكن داخله والآن وهو يقف أمام انعكاسه لم يعد يرى نفسه، بل صور هارون وهو يغادر مكتبه بذلك اليوم بخطوات ثابتة

كل شيء وقتها بدا وكأن الأرض اختفت تحت قدميه، شعور الهزيمة لم يكن أمام رجل، بل أمام آلة لا تعرف الرحمة، لا تعرف التعاطف، فقط تطبيق صارم لعدالة الأبيض وربما..

تحقيق الانتقام..

أغمض عيناه وضاقت أنفاسه، احترقت السيجارة بين أصابعه ففتح عيونه ولعن بسره، وتحرك بعصاه ليدهس عقب السيجارة بالمطفأة

الرماد الذي أخلفته جعله يرى نفسه به، هو الآن كهذا الرماد المحترق، هارون أحرقه وحوله لرماد سيتناثر مع أول نسمة خفيفة عابرة..

هارون أسقطه.. منذ متى كان ينتصر عليه؟

منذ كانوا صغار وهارون ينتصر، يسقطه على الأرض ويثبت أكتافه..

لذا كان يكرهه، رآه الأقوى، الأذكى، الأكثر شجاعة ومحبة عند الكبير وعند كل الرجال من حوله..

لم تفلح كل طرقه لإزاحته من طريقه.. جعل الكبير يرفض الاعتراف به كابن لزواج عرفي وبالمقابل وافق على عدم الاعتراف به هو الآخر..

الشرعية لم تشغله بأي يوم..

ابتعاد هارون كان انتصار له، خلت له الساحة، أصبح النائب وبث الرعب بقلوب الجميع لكنه لم يحظى أبدا بالاحترام

عكس الريس..

ترفع له القبعات بأي مكان تواجد به، احترام، وعند الخطأ، خوف ورهبة..

اليوم.. سقط قناع الشيطان الذي ارتداه طوال تلك السنوات.. احترق بنيرانه كما قال هارون

اهتزت يده بالمطفأة.. أبعدها، ونظراته ما زالت على الرماد..

لا بد أن يرحل.. لم يعد من الممكن بقائه هنا.. الشرطة، النائب العام، الصحافة، كل الأبيض سيسطع بوجهه ليسقطه..

رفع هاتفه واتخذ قراره "احجز لي على أول طائرة لسويسرا"

وأغلق.. عادت عيونه لصورته وهو يدرك أنها زائفة.. ليست حقيقية فالحقيقة أنه ابن غير شرعي لامرأة لم تهتم بشرفها..

هو اللقيط.. هو الابن غير المشرف.. وليس هارون..

خسر كل شيء.. الأب، المكانة، وحتى البلد التي ينتمي لها..

الشيطان لا يمكن أن يتألم فكيف يتألم الآن؟

هل ما زال به بقايا إنسان؟

لا، هو لن يكون ضعيف بأي يوم، سيرحل، يعيد نفسه من جديد وسيعود..

لينتقم..

الفصل الستون من هنا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...