رواية جنه في مملكة الذئاب الجزء الرابع عشر 14 بقلم هيام أيمن جنه في مملكة الذئابرواية جنه في مملكة الذئاب الحلقة الرابعة عشر “دلوقتي… هنبدأ الرواية الحقيقية.” الصوت تردد في الفراغ. ثم… الصمت. لا أرض. لا سماء. لا زمن. ولا حتى جنة. كأنها لم تكن موجودة أصلًا. لكن فجأة… ظهر سطر واحد وسط الظلام. جاري البحث عن الشخصية الرئيسية… ثانية. ثانيتان. ثم ظهرت جملة أخرى. فشل العثور على الشخصية. وفي نفس اللحظة… اهتز الفراغ كله.
لأن شيئًا مستحيلًا حدث. جميع الأكوان بدأت تنهار. ليس بسبب حرب. ولا بسبب قوة شريرة. بل لأن جنة اختفت. في عالم الذئاب… تحولت القصور إلى غبار. وفي عالم المرايا… تشققت السماء. أما مدينة الاحتمالات… فبدأت تختفي شارعًا بعد شارع. وكأن القصة نفسها تمزق صفحاتها. وفي مكان بعيد جدًا… فتح نوكس عينيه فجأة. كان مستلقيًا فوق أرض بيضاء. وحيدًا. نظر حوله بصدمة. “جنة؟ لا إجابة. وقف بسرعة. لكن شيئًا جعله يتجمد. كانت يده اليمنى تختفي.
ذرات صغيرة من النور تتطاير منها. كأنه هو الآخر يُمحى من الوجود. فهمس: “بدأ الحذف…” أما إليسيا… فوجدت نفسها داخل غرفة مليئة بالمرايا. لكن كل مرآة كانت فارغة. لا تعكس صورتها. بل تعكس صورة جنة. وفي كل مرة تقترب… كانت الصورة تختفي أكثر. حتى سمعت صوتًا خلفها. “لو اختفت الأخيرة… هنختفي كلنا.” استدارت بسرعة. لتجد الأول. لكن لأول مرة… كان يبدو عجوزًا. مرهقًا. كأن آلاف السنين سقطت فوق كتفيه دفعة واحدة. في المقابل…
وسط ظلام أبدي… فتحت جنة عينيها. شهقت. ونظرت حولها. لم يكن هناك شيء. إلا كرسي واحد. وطاولة واحدة. وفوق الطاولة… كتاب. كتاب أسود بالكامل. اقتربت بحذر. ثم قرأت العنوان. فتجمد الدم في عروقها. لأن المكتوب كان: “جنة في مملكة الذئاب.” ارتعشت أصابعها. وفتحت الكتاب ببطء. لتجد البارت الأول. ثم الثاني. ثم الثالث. ثم كل ما عاشته. كل شيء. كل كلمة. كل دمعة. كل معركة. كلها مكتوبة. وكأن حياتها لم تكن إلا حبرًا على ورق.
لكنها توقفت عند الصفحة الأخيرة. لأنها كانت فارغة. وفوقها جملة واحدة فقط. “اكتبي ما سيحدث.” تراجعت خطوة. “مين اللي كتب ده؟ فجأة… سمعت تصفيقًا هادئًا خلفها. استدارت. فاتسعت عيناها. لأن الشخص الجالس هناك… لم يكن القارئ. ولم يكن الكاتب. ولم يكن أي شخص رأته من قبل. كان يرتدي قناعًا أبيض. وفي القناع… شق طويل يشبه ابتسامة مخيفة. نهض ببطء. وقال: “أنا أول شخصية تم حذفها.” شعرت جنة بقشعريرة تسري في جسدها. أما هو…
فأشار إلى الكتاب. وقال: “لو عايزة تنقذيهم…” “يبقى لازم تعرفي السر اللي مخبيه عنك الكاتب من أول سطر.” ارتجفت. وسألته: “أي سر؟ اقترب أكثر. ثم همس: “أنتِ مش البطلة الحقيقية.” الصمت. ثم بدأت الصفحات كلها تتقلب وحدها. بعنف. بسرعة. حتى توقفت عند صفحة لم ترها جنة من قبل. صفحة تحمل اسمًا واحدًا فقط. اسم لم تسمعه طوال الرواية. اسم جعل قلبها يتوقف. “هيام.” وفي اللحظة نفسها… انشق الكتاب نصفين. وخرج منه ضوء أحمر هائل. بينما
ظهر فوق السماء سؤال واحد: “من الذي يكتب الآخر … “هيام.” الاسم ظل يتردد داخل الفراغ. مرة. ثم مرتين. ثم مئات المرات. حتى بدأت الصفحات ترتجف. أما جنة… فكانت تحدق في الاسم وكأنها تراه لأول مرة. همست: “مين هيام؟ لكن الرجل صاحب القناع لم يجب. بل ابتسم. وفجأة… اشتعلت الصفحة. وتحول الاسم إلى باب من الضوء. اهتز المكان كله. والكتاب الأسود سقط على الأرض. ثم انفتح وحده. لتخرج منه آلاف الكلمات. كلمات طارت حول جنة كالعاصفة.
بعضها كان أسماء. وبعضها ذكريات. وبعضها أحداث لم تقع بعد. ثم ظهر صوت. صوت فتاة. تبكي. وتضحك في الوقت نفسه. “أنا تعبت…” تجمدت جنة. لأن الصوت كان مألوفًا بشكل غريب. أما الرجل المقنع… فنظر نحو الباب. وقال: “اسمعي جيدًا.” “لأن الحقيقة لا تُقال مرتين.” في الجانب الآخر… كان نوكس يركض بين العوالم المنهارة. كل شيء يختفي. الجبال. البحار. النجوم. حتى الهواء. لكنه لم يتوقف. كان يبحث عن جنة. فقط جنة. وفجأة…
ظهرت أمامه ساعة عملاقة. مكسورة. ومتوقفة عند رقم واحد. اقترب منها. فسمع صوتًا يخرج من داخلها. “لو أردت الوصول إليها…” “فعليك أن تضحي بآخر شيء تملكه.” أغمض عينيه. ثم ابتسم بحزن. وقال: “معنديش غيرها أصلًا.” —أما إليسيا… فكانت تقف وسط بحر المرايا. حتى ظهر انعكاس مختلف. انعكاس لطفلة صغيرة. تحمل كتابًا. وترتدي فستانًا أبيض. قالت الطفلة: “البطلة بتضيع.” شهقت إليسيا. لكن الطفلة أكملت: “والوقت خلص.”
ثم تحطمت جميع المرايا دفعة واحدة. عادت جنة تنظر إلى الباب المضيء. ثم تقدمت. خطوة. خطوتين. حتى عبرته. وفجأة… وجدت نفسها داخل غرفة صغيرة. غرفة عادية جدًا. مكتب. كرسي. هاتف. دفاتر. وأوراق مبعثرة. لكن الشيء الذي أوقف أنفاسها… كان الفتاة الجالسة أمام المكتب. كانت تكتب بسرعة. دموعها تسقط فوق الورق. ورغم ذلك لا تتوقف. شهقت جنة. لأن الفتاة كانت تشبهها. لكنها ليست هي. رفعت الفتاة رأسها ببطء. ونظرت إليها. ثم ابتسمت. وقالت:
“أخيرًا وصلتي.” ارتجفت جنة. “إنتِ مين؟ نزلت دمعة من عين الفتاة. وأجابت: “أنا أول شخص صدق الحكاية.” الصمت. ثم أشارت إلى الأوراق. “وكل ما كتبته…” “اتحول لعالم.” نظرت جنة إلى الورق. فوجدت أسماء الجميع. نوكس. إليسيا. الأول. الطفلة صفر. كلهم مكتوبون هناك. كأنهم ولدوا من الكلمات. لكن فجأة… اختفت ابتسامة الفتاة. ونظرت خلف جنة بخوف. خوف حقيقي. شهقت جنة واستدارت. فتجمد الدم في عروقها. لأن الظل العملاق عاد. لكن هذه المرة…
لم يكن عينًا فقط. بل جسدًا كاملًا. جسد مكوَّن من صفحات ممزقة. وكتب محترقة. وحروف سوداء تتحرك فوق جلده. ابتسم. وقال: “انتهى وقت اللعب.” ثم رفع يده. فاحترقت الأوراق كلها. واحدة تلو الأخرى. واختفى اسم نوكس. ثم اسم إليسيا. ثم اسم الأول. صرخت جنة: “لااااا! لكن الظل ضحك. وقال: “طالما تُمحى الكلمات…” “تُمحى العوالم.” وفي اللحظة نفسها… بدأ جسد جنة يختفي. ذرات صغيرة من الضوء تتساقط منها. أما الفتاة… فأمسكت القلم بقوة.
لكن يدها كانت ترتجف. قالت: “في حل واحد.” نظرت إليها جنة بسرعة. “إيه هو؟ أجابت وهي تبكي: “لازم حد يكتب النهاية…” “قبل ما هو يكتبها.” ساد الصمت. ثم ظهر فوق السماء عداد جديد. 00:59 00:58 00:57 والرقم ينخفض. بينما الأكوان كلها كانت تحتضر. أما الظل… فجلس فوق جبل الكتب المحترقة. وابتسم. وقال: “اكتبوا إذن…” “إذا كنتم تملكون الشجاعة.” وفي آخر ثانية… ظهر اسم جديد على الصفحة البيضاء. اسم لم يكن موجودًا من قبل.
اسم جعل الجميع يتجمد. حتى الظل نفسه. “الذئب الأول.” وفجأة… سمع الجميع عواءً هائلًا. عواءً جعل الأكوان كلها ترتعش. ثم ظهرت عينان حمراوان داخل الظلام. وخرج صوت مرعب يقول: “لقد عدت…” الصوت هز الفراغ كله. وتوقفت الثواني على العداد. 00:41 ثم… 00:41 ثم… 00:41 كأن الزمن نفسه خاف أن يتحرك. أما الظل الجالس فوق جبل الكتب المحترقة… فاختفت ابتسامته. لأول مرة. وقال بصوت منخفض: “مستحيل.” ومن داخل الظلام… ظهرت عينان حمراوان.
ثم أربع. ثم عشرات. ثم آلاف. كأن جيشًا كاملًا يراقب من خلف الستار. لكن فجأة… اختفت كلها. ولم يبقَ سوى زوج واحد من العيون. أقرب. وأخطر. وأقدم. ثم خرج الذئب الأول. ضخمًا. هيبته وحدها كانت تكفي لإسقاط الجبال. فراؤه أسود كالليل. لكن بين خصلاته كانت تتحرك نجوم حقيقية. وكأن الكون نفسه يعيش داخله. أما عيناه… فكانتا تحملان حزنًا أقدم من الزمن. نظر إلى جنة. وساد الصمت. صمت طويل. ثم انحنى. انحنى لها. شهقت جنة. أما الجميع…
فتجمدوا. حتى الظل. حتى الرجل المقنع. حتى الفتاة الكاتبة. الذئب الأول قال بهدوء: “أعتذر لتأخري يا ملكتي.” ارتجفت جنة. “ملكته؟! لكن قبل أن يجيب… اهتزت الأرض بعنف. لأن الظل انفجر غضبًا. وصرخ: “لن تتكرر الكارثة! رفع يده. فتمزقت السماء. وانطلقت ملايين الحروف السوداء نحو الذئب الأول. لكن الذئب لم يتحرك. فقط نظر إليها. فتحولت الحروف إلى غبار. وكأنها لم تكن موجودة أبدًا. أما نوكس… ففي اللحظة نفسها عاد إلى الوجود.
سقط على ركبتيه وهو يلهث. ثم رفع رأسه. ورأى جنة. حقيقية. أمام عينيه. ابتسم لأول مرة منذ زمن. لكن الابتسامة اختفت سريعًا. لأنه رأى شيئًا خلفها. شيئًا جعل الدم يبرد في عروقه. خلف جنة… ظهرت بوابة عملاقة. وعليها رمز لم يره أحد من قبل. رمز الذئب ذي الأجنحة. همس الأول: “لا…” إليسيا نظرت إليه. “إيه؟ أجاب بصوت مرتجف: “دي بوابة الأصل.” اقترب الذئب الأول من جنة. ثم وضع أمامها شيئًا صغيرًا. قلادة فضية قديمة. فيها نصف قمر.
ونجمة مكسورة. بمجرد أن لمستها… انفجرت الذكريات داخل عقلها. لكنها لم تكن ذكرياتها. رأت فتاة. تقف فوق عرش أبيض. حولها آلاف الذئاب. وعلى رأسها تاج من نور. رأت ممالك. وحروبًا. وأكوانًا تولد وتموت. ثم رأت نفسها. لكن ليس كجنة. بل باسم آخر. اسم جعل قلبها يتوقف. “ليان.” شهقت وسقطت على ركبتيها. أما الذئب الأول… فأغلق عينيه بحزن. وقال: “تذكرتِ؟ دموع جنة نزلت دون أن تفهم السبب. “مين ليان؟ فتح عينيه. وقال: “اسمك الحقيقي.” الصمت.
ثم أكمل: “قبل الأكوان.” “قبل الحكاية.” “قبل الكُتاب والقراء.” “وقبل أن يصبح للزمن اسم.” لكن فجأة… انفجر الظل ضاحكًا. ضحكة مرعبة. ثم وقف. وتحول جسده إلى بحر من الكلمات السوداء. وقال: “إذن سأخبرها بالحقيقة كاملة.” ارتجف الجميع. أما الذئب الأول… فأخفض رأسه. كأنه يعرف ما سيقال. ابتسم الظل. ثم نظر مباشرة إلى جنة. وقال: “أنتِ لا تتذكرين.” “لكن كل هذا حدث من قبل.” شهقت. أما هو فأكمل: “هذه ليست أول رواية.” “ولا الثانية.”
“ولا الألف.” “لقد وصلنا إلى الرواية رقم…” وفجأة ظهر رقم هائل فوق السماء. 9,999,999 تجمد الجميع. أما الظل… فقال: “وفي كل مرة…” “ينتهي كل شيء بنفس الطريقة.” رفعت جنة رأسها. وهمست: “إيه الطريقة؟ اقترب منها. ثم قال: “في كل مرة…” “أنتِ من تدمر العالم.” الصمت. صمت مرعب. حتى الهواء اختفى. أما نوكس… فصرخ: “كذاب! لكن الظل لم ينظر إليه حتى. بل ظل يحدق في جنة. وقال: “اسألي الذئب الأول.” “من دمر العوالم الأولى؟
“من اطفأ اول شمس ؟ “من الذي مزق كتاب المصائر؟ دموع نزلت من عيني الذئب الأول. ولم يجب. وهنا… شعرت جنة بالخوف لأول مرة. خوف حقيقي. لأن صمته… كان أسوأ من أي إجابة. وفي اللحظة نفسها… ظهر سطر جديد فوق السماء. بلون أحمر قاتم. “الحقيقة الأخيرة بدأت في الظهور…” ثم انطفأ كل شيء. ما عدا عيني جنة. اللتين بدأتا تتوهجان بلون ذهبي مخيف. …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!