الفصل 1 | من 4 فصل

رواية جنه في مملكة الذئاب الفصل الأول 1 - بقلم هيام أيمن

المشاهدات
3
كلمة
2,787
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

كانت جنة قاعدة على طرف السرير الحديد القديم وهي باصة للسقف السايب منه حتت محارة صغيرة كل شوية تقع على الأرض، البيت كله كان غرقان في صمت غريب بعد الخناقة اللي حصلت من شوية بينها وبين أبوها. مسحت دموعها بسرعة وهي سامعة صوته من برة بيزعق لأمها، كأن البيت ده معمول مخصوص عشان يدفن أحلامها وهي عايشة. فتحت اللاب توب القديم اللي جابته من شغل الإجازة وقعدت تكتب أكواد البرمجة بسرعة، دي كانت الحاجة الوحيدة اللي بتحسسها إنها عايشة فعلًا، الحاجة الوحيدة اللي لما بتمسك فيها بتنسا إنها بنت فقيرة في آخر قرية محدش يعرف اسمها.
في نفس الوقت كان سيف واقف قدام الواجهة الزجاجية لمكتبه في الدور الأربعين، القاهرة كلها تحت رجليه، عربيات وأنوار وناس رايحة جاية، لكنه رغم كل ده كان حاسس بوحدة تخنقه. فك رابطة الكرافتة بعصبية وبص لصورة أمه المحطوطة جنب المكتب. الصورة الوحيدة اللي عمره ما غير مكانها. ابتسم غصب عنه وهو بيفتكر صوتها، لكن الابتسامة اختفت أول ما الباب اتفتح ودخلت مرات أبوه.
“لسه سهران؟”
قالتها وهي بتقفل الباب وراها.
رفع عينه ليها ببرود.
“في حاجة؟”
قربت أكتر.
“قلقان عليك.”
ضحك ضحكة قصيرة مالهاش روح.
“بقالك عشر سنين بتقولي نفس الجملة.”
وقف وسابها ومشي، أما هي ففضلت باصة لطيفه بعين مليانة حاجة أبعد بكتير من الاهتمام.
بقلمي هيام أيمن الطوخي بعد أسبوع كامل كانت نتيجة المسابقة نزلت، وجنة كانت قاعدة وسط الفصل وماسكة الموبايل بإيد بترتعش. قلبها كان هيقف لما شافت اسمها في المركز الأول. للحظة حست إن العالم كله وقف. عينيها دمعت وهي بتضحك لوحدها، لكن الفرحة ماكملتش دقيقة لما أبوها دخل عليها البيت بالليل وقال وهو بيرمي الجريدة على الترابيزة:
“جهزي نفسك… كتب كتابك آخر الشهر.”
رفعت راسها بصدمة.
“إيه؟”
“اللي سمعتيه.”
“أنا مش هتجوز.”
القلم نزل على وشها في ثانية.
لأول مرة في حياتها تحس بالإهانة بالشكل ده.
وقفت قدامه رغم الدموع.
“أنا هكمل تعليمي.”
“وأنا قولت لأ.”
أما في القاهرة فكان سيف بيقلب ملفات الفائزين. وقف عند ملف معين. الاسم شد انتباهه. المشروع شد انتباهه أكتر. بدأ يقرأ سطر ورا سطر لحد ما ملامحه اتغيرت.
“مين دي؟”
الموظف رد بسرعة:
“البنت اللي كسبت يا فندم.”
“بنت؟”
“أيوة.”
سكت ثواني طويلة.
“هاتوها.”
“حضرتك الشركة مش…”
قاطعه بحدة:
“قولت هاتوها.”
لأول مرة من سنين ياخد قرار يناقض القاعدة اللي حاططها بنفسه.
كانت الطريق للقاهرة طويلة بشكل خنق جنة، طول السكة وهي باصة من شباك الأتوبيس ومش مصدقة إن دي أول مرة تخرج فيها من حدود بلدها. كانت شايلة شنطة صغيرة فيها هدوم بسيطة وملف فيه كل أحلامها، بينما قلبها كان مليان خوف وأسئلة. كل شوية تفتكر كلام أبوها وضربه ليها قبل ما تمشي، وتحس بوجع في قلبها أكبر من الوجع اللي في وشها.
لما وصلت الشركة وقفت قدام المبنى الضخم وهي رافعة راسها لفوق. المبنى كان عالي بشكل يخوف. دخلت وهي حاسة إن كل الناس حواليها أحسن منها وأغنى منها وأشيك منها، لكن جواها كان في حاجة بتقولها إنها مش أقل من حد.
الموظفة أخدتها للدور الأخير.
وقفت قدام باب مكتب سيف.
خبطت.
“ادخل.”
دخلت بثبات رغم التوتر.
كان قاعد على كرسيه، لابس بدلة سودا، وشكله بارد بطريقة مستفزة.
رفع عينه من الملف.
أول ما شافها سكت.
كانت أجمل بكتير من الصورة اللي في الملف.
أما هي فكانت متخيلة إنها هتشوف راجل كبير في السن، لكن اللي قدامها كان مختلف.
ملامحه حادة.
وعيونه غامقة بشكل غريب.
الصمت طال بينهم.
لحد ما قال:
“إنتِ جنة؟”
ردت بسرعة:
“أيوة.”
“المشروع ده بتاعك؟”
“أيوة.”
“لوحدك؟”
عقدت حواجبها.
“حضرتك فاكر إن في حد عاملهولي؟”
اتعدل في قعدته.
واضح إنها مش من النوع اللي بيخاف.
“أنا بسأل.”
“وأنا جاوبت.”
أول مرة حد يرد عليه بالطريقة دي.
أي موظف كان بيترعش قدامه.
لكن البنت دي لا.
فضل باصلها كام ثانية.
وبعدين قال:
“تمام.”
استغربت.
“تمام؟”
“أيوة.”
“يعني إيه تمام؟”
لأول مرة ابتسامة صغيرة ظهرت على طرف فمه.
“يعني نجحتي في المقابلة.”
خرجت من المكتب وهي مش فاهمة إذا كان مغرور ولا مريض نفسي ولا الاتنين مع بعض.
أما هو ففضل باصص للباب بعد ما خرجت.
في إحساس غريب اتحرك جواه.
إحساس بقاله سنين مدفون.
لكن هز راسه بعصبية ورجع للشغل.
في المساء…
كانت جنة واقفة في البلكونة الصغيرة للشقة اللي الشركة وفرتها ليها.
القاهرة من فوق كانت مختلفة.
صوت عربيات.
أنوار.
ناس.
حياة كاملة غير اللي كانت عايشاها.
رن موبايلها.
أخوها.
ردت.
لكنها اتصدمت من أول كلمة.
“أبوكي دخل المستشفى.”
اتجمدت مكانها.
“إيه؟”
“وقع فجأة.”
قلبها انقبض.
مهما كان بيعمل فيها.
لسه أبوها.
قفلت المكالمة وهي تايهة.
في اللحظة دي بالذات سمعت خبط على الباب.
فتحت.
واتفاجئت بسيف واقف قدامها.
بصتله باستغراب.
“حضرتك؟”
قال ببرود:
“عندي شغل لازم تخلصيه.”
بصتله بصدمة.
“دلوقتي؟”
“أيوة.”
عيونها لمعت بالدموع لأول مرة قدامه.
“أبويا في المستشفى.”
سكت.
لثواني.
ولأول مرة يشوفها ضعيفة.
مش البنت العنيدة اللي كانت بترد عليه.
ولا المبرمجة العبقرية.
بس بنت صغيرة خايفة.
نزلت عينه على دموعها.
وحاجة جواه اتوجعت بشكل مفاجئ.
قال بصوت أهدى:
“هتسافري؟”
هزت راسها.
“مش عارفة.”
فضل ساكت شوية.
وبعدين مد إيده بمفتاح عربيته.
اتصدمت.
“خديه.”
“إيه؟”
“السواق هيوصلك.”
بصتله وكأنها مش مصدقة.
لأن كل اللي كانت سمعاه عنه إنه راجل قاسي.
بارد.
ميهموش غير نفسه.
لكن لأول مرة…
شافته بشكل مختلف. بقلمي هيام أيمن الطوخي أما في الناحية التانية…
كان أبوه قاعد في الفيلا وبيكلم مرات سيف.
“البنت دي لازم تبعد.”
سألته بقلق:
“ليه؟”
ابتسم بخبث.
“لأن ابني بدأ يبص ليها.”
سكتت لحظة.
لكن الغيرة كانت بتاكل قلبها.
قبضت على الكوباية اللي في إيدها بعنف.
وقالت:
“سيب الموضوع عليا.”
ابتسم.
وكانت دي بداية كارثة محدش فيهم متخيل حجمها…
رجعت جنة الصعيد تاني وهي طول الطريق قلبها بيدق بعنف. أول ما وصلت المستشفى نزلت تجري تدور على أوضة أبوها، كانت متوقعة تشوفه تعبان أو في حالة صعبة، لكن أول ما دخلت لقيته قاعد على السرير وبيتكلم عادي. وقفت مكانها باستغراب.
“إنت كويس؟”
بصلها أبوها ببرود.
“الحمد لله.”
بصت لأخوها.
“مش قولتلي حالته خطيرة؟”
أخوها لف وشه الناحية التانية.
وفي اللحظة دي فهمت.
فهمت إنهم كذبوا عليها عشان ترجع.
رجعت تبص لأبوها.
“ليه؟”
قال وهو بيعدل جلابيته:
“عشان كتب الكتاب بعد أسبوع.”
كأن حد ضربها على دماغها.
“إيه؟”
“هتتجوزي.”
“أنا قولت لأ.”
“وأنا قولت أيوة.”
الدم غلى في عروقها.
“أنا مش ملكك.”
في ثانية كان واقف قدامها.
“إوعي تنسي نفسك.”

لكن لأول مرة في حياتها متراجعتش.
بصت في عينه مباشرة.
“أنا مش هتجوز حد غصب عني.”
وسابته وخرجت.
خرجت وهي بتتنفس بصعوبة.
وكأن البلد كلها بتخنقها.
وكأن كل شارع فيها بيقولها إنها عمرها ما هتعرف تهرب.
في القاهرة…
كان سيف قاعد في مكتبه.
الملف قدامه مفتوح.
بس هو مش مركز في أي حاجة.
عقله كله رايح عند البنت العنيدة اللي قلبت نظام حياته في أسابيع.
دخل عليه مساعده.
“اجتماع المستثمرين جاهز.”
هز راسه.
لكن قبل ما يقوم قال فجأة:
“وصلت؟”
المساعد استغرب.
“مين؟”
رد بسرعة وكأنه بيتدارك نفسه.
“ولا حاجة.”
خرج المساعد.
أما هو ففضل باصص للشباك.
ومتضايق من نفسه أكتر من أي وقت.
لأنه لأول مرة من سنين…
كان قلقان على حد.
وفي نفس الليلة…
كانت مرات أبوه واقفة قدام أوضته.
الباب كان موارب.
شافته وهو ماسك صورة قديمة لأمه.
عينه كانت مليانة حزن.
ابتسمت بخبث.
ودخلت.
“لسه فاكرها؟”
رفع عينه ليها.
“اطلعي برا.”
قربت أكتر.
“أنا الوحيدة اللي واقفة جنبك.”
“قولت اطلعي.”
لكنها فجأة حطت إيدها على كتفه.
سيف انتفض وكأنه اتلسع.
ومسك إيدها بعنف.
“متلمسينيش.”
عيونها دمعت.
بس مش من الوجع.
من الغيرة.
من الغضب.
لأنها عرفت إن قلبه بدأ يروح لمكان تاني.
ولشخص تاني. بقلمي هيام أيمن الطوخي بعد يومين كانت جنة قاعدة في أوضتها بالليل، بتفكر تهرب.
أيوة تهرب.
لأنها وصلت لمرحلة معندهاش حل تاني.
وفجأة موبايلها رن.
رقم غريب.
ردت بحذر.
“ألو؟”
الصوت اللي جه خلاها تتجمد.
“إنتِ فين؟”
سيف.
سكتت لحظة.
“حضرتك جبت رقمي منين؟”
“سؤال ملوش لازمة.”
اتعصبت.
“بالنسبالي ليه لازمة.”
لكن لأول مرة صوته كان هادي.
بشكل غريب.
“إنتِ كويسة؟”
السؤال وقع عليها بشكل مختلف.
لأن محدش سألها السؤال ده من زمان.
قوي.
يمكن عمره ما حد سأله أصلًا.
بلعت ريقها.
وقالت بصوت مكسور:
“لا.”
سكت.
وسكتت هي كمان.
ثواني طويلة.
ولا واحد عارف يقول إيه.
لحد ما قالت:
“هيجوزوني.”
قبضته شدت على الموبايل.
“غصب؟”
“أيوة.”
سكت تاني.
لكن المرة دي الصمت كان أخطر.
لأن جواه حاجة بدأت تتحرك.
حاجة خلت الدم يغلي في عروقه.
ولأول مرة…
حس إنه عايز يتدخل.
مش عشان موظفة عنده.
ولا عشان مشروع مهم.
لكن عشان جنة.
وفي آخر المكالمة قال جملة واحدة.
جملة خلت قلبها يدق بعنف.
“محدش هيجبرك على حاجة طول ما أنا موجود.”
وساعتها…
ولا هو كان عارف إنه داخل على حرب مع عيلتها.
ولا هي كانت عارفة إن الجملة دي هتغير حياتهم هما الاتنين للأبد بقلمي هيام أيمن الطوخي
قلب جنة فضل يدق بسرعة بعد ما قفل الخط. فضلت باصة للموبايل كأنها مستنية يرن تاني. أول مرة في حياتها تحس إن في حد واقف في ضهرها، حد لما قالتله “لا” ما ضغطش عليها، ولما قالتله “خايفة” ما سخرش منها.
لكن الفرصة إنها تفكر مكنتش موجودة.
باب الأوضة اتفتح بعنف.
وأخوها دخل.
“بتكلمي مين؟”
خبّت الموبايل بسرعة.
“ملكش دعوة.”
قرب منها بعصبية.
“في راجل بيكلمك؟”
وقبل ما ترد خطف الموبايل من إيدها.
بدأ يقلب فيه.
وجنة كانت بتحاول تاخده منه.
لكن فجأة…
عينه وقفت على رقم سيف.
وشه اتغير.
“مين ده؟”
سكتت.
“انطقي.”
لأول مرة ابتسمت بسخرية.
“واحد محترم… حاجة مش متعودين عليها هنا.”
الكلمة نزلت عليه زي النار.
رفع إيده.
لكن قبل ما يضربها مسكت إيده.
وبصتله بجرأة عمرها ما شافها فيها.
“لو لمستني تاني هبلغ عنك.”
اتصدم.
وهي كمان اتصدمت من نفسها.
لكنها كانت وصلت لمرحلة مبقتش تخاف.
في القاهرة…
كان سيف قاعد في مكتبه الساعة اتنين بالليل.
الشركة كلها فاضية.
لكن هو كان لسه صاحي.
قدامه تقرير كامل عن عيلة جنة.
أسماء.
ديون.
مشاكل.
كل حاجة.
كان بيقرأ بصمت.
لحد ما دخل عليه صديقه الوحيد.
عمر السيوفي
وقف قدام المكتب.
“إنت بتهزر؟”
رفع سيف عينه.
“في إيه؟”
“بقالك أسبوعين مش بتتكلم غير عنها.”
اتعصب.
“عن مين؟”
ضحك عمر.
“البنت الصعيدية.”
سيف رمى القلم.
“متجيبش سيرتها.”
“خلاص يبقى بتحبها.”
الصمت اللي جه بعد الجملة كان كافي.
لأن سيف نفسه مكانش عارف الإجابة.
كان كل اللي عارفه إن أول ما اسمها بيتقال…
بيحس بحاجة غريبة جواه.
حاجة بقالها سنين ميتة.
**بقلمي هيام أيمن الطوخي**
بعدها بثلاث أيام…
البلد كلها كانت بتجهز لكتب الكتاب.
رغم إن جنة رافضة.
رغم إنها بتعيط كل ليلة.
ورغم إنها حاسة إنها بتتسحب لمصير مش بتاعها.
وقفت قدام المراية.
بصت لنفسها.
والدموع نازلة.
وفجأة…
سمعت صوت عربيات كتير برة.
استغربت.
البلد كلها استغربت.
لأن عربيات فخمة بالشكل ده عمرها ما دخلت الشوارع الضيقة دي.
الناس بدأت تتجمع.
والهمس زاد.
“مين ده؟”
“مين اللي جاي؟”
“أكيد حد مهم.”
وجنة خرجت للبلكونة.
بصت لتحت.
واتجمدت.
سيف.
كان نازل من العربية.
لابس بدلة سودا.
وشكله يخوف.
البلد كلها ساكتة.
وهو ماشي بخطوات ثابتة.
لحد ما وقف قدام بيتهم.
أبوها خرج وهو متوتر.
“حضرتك عايز مين؟”
رد سيف بهدوء.
“جنة.”
الناس بدأت تبص لبعض.
وأبوها وشه قلب.
“ليه؟”
رفع سيف عينه.
وقال الجملة اللي خلت كل الموجودين يتصدموا:
“جاي أخدها.”
الصمت نزل على المكان كله.
وجنة نفسها نسيت تتنفس.
أخوها قرب بغضب.
“إنت مين أصلًا؟”
لف سيف ناحيته ببطء.
ونظرة واحدة منه كانت كفاية تخليه يسكت.
أما جنة فكانت واقفة فوق.
حاسّة إن الأرض بتهتز تحت رجليها.
لأنها عارفة إن اللحظة دي…
مش هتعدي بسهولة.
وإن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ.
وفي مكان تاني…
بعيد عنهم…
كانت مرات أبوه قاعدة في أوضتها.
قدامها صورة لجنة.
وجنبها ملف كامل عنها.
ابتسمت ابتسامة مخيفة.
وهمست:
“لو سيف اختارك…
يبقى لازم تختفي.” بقلمي هيام أيمن الطوخي
الهواء كان تقيل بشكل غريب في الشارع. الناس متجمعة قدام البيت، والكل مستني يشوف النهاية. جنة واقفة في البلكونة، وإيديها بتترعش، أما سيف فكان ثابت مكانه كأنه جبل.
أبوها ضحك ضحكة ساخرة وقال:
“تاخدها؟ هي شنطة سفر؟”
رد سيف بهدوء أخطر من العصبية:
“لا… إنسانة. وليها حق تختار.”
الكلمة دي عمرها ما اتقالت في البيت ده.
ولا في الشارع ده.
ولا حتى في البلد دي بالنسبة لناس كتير.
أخوها قرب أكتر.
“اسمع يا باشا… دي مشاكل عيلة.”
رفع سيف عينه ليه.
“ومن إمتى الإجبار بقى مشكلة عيلة؟”
بدأ الهمس يزيد بين الناس.
وأبوها حس إن الموقف بيخرج من إيده.
فبص لفوق ناحية جنة وزعق:
“انزلي هنا.”
لكنها لأول مرة…
متحركتش.
وقفت مكانها.
وبصتله.
وبعدين بصت لسيف.
لثواني محدش فيهم نطق.
لحد ما سيف قال:
“القرار قرارها.”
الناس كلها بصت عليها.
قلبها كان هيطلع من مكانه.
سنين من الخوف.
وسنين من السكوت.
وسنين من الأوامر.
واتحطوا كلهم في لحظة واحدة.
وأخيرًا قالت:
“مش هتجوز.”
الصمت نزل على المكان.
وأبوها وشه احمر.
“إيه؟”
“قولت مش هتجوز.”
ولأول مرة في حياته…
بنته تقف

قدامه بالشكل ده.
رفع إيده بعنف.
لكن قبل ما يلمسها…
كان سيف وصل.
ومسك إيده.
الشارع كله اتجمد.
وأبوها اتصدم.
لأن محدش عمره وقف قدامه.
لكن سيف قرب منه وقال بصوت واطي:
“إياك.”
كانت كلمة واحدة.
بس كأنها طلقة.
وبعد نص ساعة…
كانت جنة قاعدة في العربية جنب الشباك.
مش مستوعبة اللي حصل.
كل حاجة حصلت بسرعة.
أسرع من إنها تفهم.
أما سيف فكان سايق وساكت.
لحد ما قالت فجأة:
“ليه عملت كده؟”
مردش.
“أنا بسأل.”
تنهد.
وبعدين قال:
“معرفش.”
بصتله باستغراب.
أما هو فكان بيقول الحقيقة.
لأنه فعلًا مكنش عارف.
مش عارف إمتى بدأ يهتم.
ولا إمتى بقى قلقان عليها بالشكل ده.
ولا إمتى بقى وجودها بيفرق معاه.
وصلوا القاهرة قبل الفجر.
الشوارع كانت هادية.
والمدينة شكلها مختلف.
جنة كانت نايمة من التعب.
وسيف وقف بالعربية تحت العمارة.
وبص عليها.
شعرها نازل على وشها.
ووشها كان باين عليه الإرهاق.
فضل يبص ثواني.
وبعدين لف وشه بسرعة.
كأنه بيهرب من حاجة.
في نفس الوقت…
في الفيلا.
كان أبوه واقف قدام مرات سيف.
ملامحه كلها غضب.
“الولد جن.”
قالتها وهي بتحاول تهديه:
“إحنا لسه نقدر نسيطر على الموضوع.”
لكن الحقيقة إن الاتنين كانوا مرعوبين.
لأن لأول مرة من سنين…
سيف بيتصرف بقلبه.
ومش بعقله.
وده كان أخطر شيء ممكن يحصل.
تاني يوم…
جنة راحت الشركة.
وأول ما دخلت حسّت إن في حاجة غريبة.
الموظفين بيبصولها بطريقة مختلفة.
وهمسات في كل مكان.
دخلت المصعد.
لكن قبل ما الباب يقفل…
دخلت بنت جميلة جدًا.
شكلها راقي.
ولبسها غالي.
وقفت جنبها.
وبعد لحظة قالت:
“إنتِ جنة؟”
هزت راسها.
ابتسمت البنت.
بس ابتسامة باردة.
“أنا لينا.”
لينا الجارحي
سكتت ثانية.
وبعدين كملت:
“خطيبة سيف.”
الكلمة وقعت على جنة كأن حد ضربها في قلبها.
وبصتلها مصدومة.
أما لينا فابتسامتها وسعت.
لأنها كانت عارفة بالضبط هي بتعمل إيه.
وكانت عارفة إن الحرب بدأت من اللحظة دي. بقلمي هيام أيمن الطوخي
أما سيف…
فكان في مكتبه.
لسه ميعرفش إن بعد دقائق…
حاجة هتحصل هتقلب حياته كلها رأسًا على عقب.
جنة فضلت واقفة مكانها جوه المصعد كأنها اتجمدت. بصت للينا ثواني طويلة وهي بتحاول تستوعب اللي سمعته.
“خطيبته؟”
قالتها بصوت واطي.
لينا عدلت شعرها بابتسامة واثقة.
“آه… مستغربة؟”
باب المصعد اتفتح.
خرجت لينا بخطوات هادية وكأنها رمت قنبلة ومش فارق معاها الانفجار اللي هيحصل بعدها.
أما جنة ففضلت واقفة مكانها.
حاسة بوخزة غريبة في قلبها.
كانت بتقنع نفسها إن الموضوع عادي.
هو راجل ناجح وغني.
أكيد عنده خطيبة.
أكيد عنده حياة كاملة قبل ما هي تدخلها.
لكن ليه زعلت؟
ليه حست إن نفسها مخنوقة فجأة؟
وليه أول حاجة جت في دماغها هي المكالمة اللي بينهم؟
وكلامه؟
ونظرته؟
وهروبه من أي بنت غيرها؟
خرجت من المصعد وهي تايهة.
ودخلت مكتبها.
لكنها مكنتش مركزة في حرف واحد.
لحد ما الباب اتفتح.
ورفعِت عينها.
كان سيف.
بص عليها باستغراب.
“مالك؟”
ردت بسرعة.
“مفيش.”
عرف فورًا إنها بتكدب.
لكن قبل ما يسأل أكتر قالت:
“مقولتليش إنك مخطوب.”
سكت.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين فهم.
فهم إن لينا وصلت ليها.
سند بإيده على المكتب وقال بهدوء:
“عشان أنا مش مخطوب.”
جنة رفعت عينها بسرعة.
“إيه؟”
“لينا بنت شريك قديم لأبويا.”
“بس هي قالت…”
قاطعها.
“هي بتقول حاجات كتير.”
قلبها ارتاح بشكل غريب.
لدرجة إنها اتضايقت من نفسها.
ليه ارتاحت أصلًا؟
وإيه اللي فارق معاها؟
أما سيف فكان مركز في تفاصيل وشها أكتر من اللازم.
ولما شاف الراحة اللي ظهرت في عينيها للحظة…
ابتسم غصب عنه.
ودي كانت أول مرة جنة تشوفه بيبتسم بجد.
بقلمي هيام أيمن الطوخي
في نفس اليوم…
كان أبو جنة قاعد في القهوة وسط رجالة البلد.
ووشه كله غضب.
الإهانة اللي حصلتله قدام الناس كانت حارقاه.
وفجأة قعد قدامه راجل غريب.
جلابية سودة.
ونظراته غامضة.
قال بهدوء:
“عايز تنتقم من بنتك؟”
أبو جنة بصله باستغراب.
“وأنت مالك؟”
ابتسم الراجل.
“اعتبرني صاحب مصلحة.”
وبدأ يحكيله حاجات خلت عينه تلمع بالطمع.
أما في القاهرة…
فكانت لينا واقفة قدام مكتب سيف.
“البنت دي لازم تمشي.”
رفع عينه من الورق.
“مين؟”
“متستعبطش.”
رجع للورق تاني.
“وأنا أسمح لنفسي ليه أناقش حاجة زي دي؟”
اتعصبت.
“عشان أنا بحبك.”
ضحك.
ضحكة قصيرة باردة.
“دي مشكلتك.”
الكلمة نزلت عليها كأنها صفعة.
لكن اللي وجعها أكتر…
إنها لأول مرة تحس إنها بتخسر.
خرجت من المكتب وهي بتغلي.
وفي اللحظة دي خدت قرار.
قرار لو اتنفذ…
هيكسر جنة.
ويمكن يكسر سيف معاها.
في المساء…
كانت جنة ماشية لوحدها بعد الشغل.
الجو كان هادي.
والشارع شبه فاضي.
لكنها فجأة حست إن في حد وراها.
بصت بسرعة.
مفيش.
كملت مشي.
وبعدين سمعت خطوات تاني.
قلبها بدأ يدق.
سرعت مشيتها.
الخطوات سرعت.
وفجأة…
إيد قوية شدت ذراعها من ورا.
شهقت بخضة.
ولفت بسرعة.
لكن الصدمة كانت أكبر من الخوف.
“أنت؟!”
الشخص اللي واقف قدامها كان المفروض يكون في الصعيد.
كان المفروض بعيد عنها بآلاف الكيلومترات.
لكن أخوها كان واقف قدامها.
وعينه مليانة كراهية.
وقال من بين سنانه:
“فاكرة إنك هتهربي بسهولة؟”
بقلمي هيام أيمن الطوخي
وفي نفس اللحظة…
كان موبايل سيف بيرن.
رقم مجهول.
رد بضيق.
لكن أول ما سمع الصوت اللي على الناحية التانية…
ملامحه اتغيرت بالكامل.
والقلم وقع من إيده لأول مرة من سنين.
تتوقعو سمع صوت مين و اي الي يصدمه

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...