ف
-الموت.. أنا شايفه وحاسه، في كل يوم وكل ليلة أحلم بيه وأعيشه، من وقت ما طلعت معاش، والدنيا اسودت وبقت مطفية، أنا مش فاهمها، ولا هي فهماني ومعبراني، لكن اللي حصل ده لا يمكن ينسكت عليه أبدًا، أيوة، كنت قاعد على السرير ومش فايق، حاسس بصداع هيفرتك دماغي، ويدوب قدرت أخد برشامة الصداع وريحت شوية، قام المحروق المحمول طلع بصوته، بصيت عليه، لقيت كام رساله مبعوتالي من رقم غريب، رقم مكتوب عليه انه مجهول، شوفت العبارة يمكن أفهم، كانت كذا صورة متصورالي وأنا قاعد على فرشتي، وتحت كل صورة تهديد، مضمونها إني هتفضح وفضيحتي هتبقى بجلاجل، يعني على آخر الزمن يوسف مصباح يتقاله الكلمتين دول؟.. لا.. فـ ماسكتش، قومت من على فرشتي أفهم العبارة، أشوف الكام صورة جايين منين، ولا مين اللي بيكلمني، فخرجت برة الأوضة، لفيت في الشقة زي المجنون، بس دماغي تقلت، ودماغي ماكنتش فيا، وقتها المجهول اداني عبارة تانية، والعبارة كانت صورة غير الأولانية.. صورة وأنا واقف في الصالة وتايه، وتحت العبارة كان مكتوبلي أمارة.. لكن أمارة ايه يا باشا.. أنا مش فاهم حاجة، هو مين المجهول، وايه الحكاية؟
-يعني انت مابتتهمش حد يا يوسف؟
-أنا، أه..اتهم طبعا يا باشا، أتهم سي المجهول صاحب الرسايل ديه، مش شايفها يا باشا، مش شايفها عاملة ازاي؟
-الصور من جوة بيتك يا يوسف، وانت بتقول انك مالقتش حد في الشقة، فـ ساعدني عشان أساعدك.
-يا باشا أنا راجل قاعد في بيته، لا بدخل، ولا أخرج، مين هيكرهني ولا هيبصلي.
-ايوة يعني انت عايز ايه دلوقتي عشان مش فاضيلك؟
-أنا عايز الأمان يا حكومة.
-والمطلوب.
-تعرفولي المجهول صاحب العبارة، وقتها أنا هتعامل يا معالي الباشا.
-اه ده انت جاي تهزر بقى يا اسمك ايه.. ما تتكلم عدل واحترم شيبتك يا عم، المكان ده مش للهزار، ففوق لنفسك واتكلم عدل.
-يا باشا والله ابدا، أنا راجل غلبان وعلى المعاش، سي المجهول ده كلمني، وأنا جيت مفزوع عشان استنجد بالحكومة.
-طيب طيب.. امشي انت وارجع بيتك دلوقتي، واحنا هنشوف هنعمل ايه، بس المهم انت يابا الحاج لا تفتح الباب لحد ماتعرفوش، ولا تتصرف من دماغك، أي حاجة تحصل اتصل بينا وهتلاقينا عندك، بس خليك فاكر، لو بلاغ كاذب، أنا مش هسمي عليك.
-يدوم الأمان يا باشا.. استأذن أنا.
وقتها يوسف مصباح مشي، ومحسن بيه ماكنش مرتاحله ولا مرتاح لطريقته، لدرجة إنه لما حكالي على اللي حصل ده، قالي انه ماكنش مصدقة وكان حاسس انه شارب حاجة أو حد بيهزر معاه، أصل الطريقة دي مش طريقة واحد مخضوض ولا خايف.. دي طريقة واحد شارب حاجة، لكن محسن بيه ابتدى يعمل اللي عليه، ودور ورا الموضوع، بس مالحقش قبل ما يحصل اللي حصل، هو وانه تاني يوم الصبح، جاله بلاغ عن قتل راجل كبير في السن، ومش أي راجل، ده يوسف مصباح، لقوه مدبوح في بيته، وعلى وشه علامات خوف وذعر.
**
بعد ما جالي البلاغ ووصلت مسرح الجريمة، محسن بيه كان هناك ومستنيني، أول ما شافني جالي ووقف معايا، قالي إنه عارف حاجات كتير عن الضحية، سألته ايه هي، فـ قال كل اللي اتحكى مم شوية، بعدها عرفت منه ان اللي اكتشف الجريمة كان الزبال، خبّط على الباب زي كل مرة عشان ياخد الزبالة، قام لقى الباب مفتوح، ولما دخل عشان يعرف اللي بيجرى، لقى جثة يوسف مصباح، ساعتها اتخض ووقع على الأرض، وعلى ما طلّع الموبايل عشان يتصل بالشرطة، كان واحد من الجيران لمحة من برة هو التاني، وقتها الناس اتلمت، والكل عرف بـ الجريمة واللي حصل، ولأن الزبال هو الشاهد الوحيد، واللي كان موجود جوة الشقة قبل أي حد، الناس اتحفّظت عليه لحد ما الشرطة وصلت، وهو دلوقتي موجود مع فردين مباحث، قاعد ومستني دوره، لكن وقبل ما أبص عليه أو اتكلم معاه، طلبت إني أشوف الجثة الأول، وشوفتها، يوسف مصباح راجل معدي الخمسين، كان مرمي على الأرض وهو مدبوح بطريقة أقل ما يقال عنها إنها بشعة، وفي نفس الوقت المكان كان تمام، يعني مافيش كالون متّطفّش، ولا شباك مفتوح، معنى كده إن يوسف فتح الباب للقاتل، ومش بس كده، ده كان متطمن لوجوده، لأنه على حسب اللي قاله محسن بيه، إن ماحدش من الجيران سمع صوت حد بيستنجد بيهم، يبقى القاتل خد يوسف على خوانة وقتله بالطريقة البشعة دي، بعدها خرج من الشقة وكأنه ماعملش حاجة، بس السؤال المهم، هو ليه ساب الباب مفتوح بالشكل ده؟.. ولو كان سابه عشان حد يكتشف الجريمة، هو ماخفش على نفسه؟..بعني واثق أوي كده اننا مش هنوصله!.. أسئلة كتيرة جت في بالي، والزبال كان بعيد كل البعد على إنه يكون القاتل، ودي حاجة أنا متأكد منها بنسبة كبيرة، لكن وبالرغم من كده، انا كان لازم أسمع أقوال الزبال، خصوصا ان الجثة باين عليها انها ماعداش عليها وقت، فـ بعد كل ده قعدت مع الزبال واللي كان اسمه منصور، أول سؤال سألته كان:
-ايه يا منصور، مش هتحكيلي اللي حصل؟
-احكيلك يا بيه.. احكيلك واقول كل حاجة، لكن انا ماقتلتش، انا راجل على باب الله، ورزقي في الزبالة، ايه اللي هيخليني ادخل في قصص القتل دي.
-طيب يا منصور، انا مصدقك يا سيدي، بس قولي بقى، ايه اللي حصل؟
-انا بعدم اللامؤخذة يا بيه زبال زي ما الكل عارف، ورزقي الزبالة، فـ كل كام يوم باجي اخبط على باب باب عشان اخد الزبالة، وفوقيها، أوقات باخد حسنة زيادة، لكن عم يوسف مش من نوعية الناس دي، ده سامحني يعني راجل قرشه عزيز وناشف حبتين، راجل مايطلّعش الجنية الا وبعد كلام كتير، لكن مايمانعش برضه ان اكسب من وراه قرش، واهو في سكتي، لما اطلع العمارة، بعدى عليه وانا نازل، اخبط واخد الزبالة، وبعد شهر بكلمه في اللي فيه النصيب، والنوبادي ماكنتش زي أي نوبة، أنا جيت أخبّط لقيت الباب موارب، ولما دخلت لقيته على الحالة دي مالمستوش، لكن والله ماعملت حاجة يا بيه، انا راجل غلبان، وعندي هم ما يتلم.
-صادق يا منصور، انت بس هتيجي معانا النيابة ناخد اقوالك، بعدها نشوف هنعمل فيك ايه.
-يا بيه ماعملتش حاجة يا بيه.. والله ما عملت حاجة.. يا بيييه.
شاورت لفرد المباحث عشان ياخده ويمشي من قدامي، بعدها محسن بيه بصّلي وقالي:
-انن شاكك فيه يا عبد الرحمن بيه؟
وطيت صوتي وأنا برد عليه وبقوله:
-لا طبعًا، الواد ده ماعملش حاجة، بس لو تفتكر انت قولتلي عن يوسف مصباح حاجة مهمة، هي وانه لما جالك وراك صور له في شقته، معنى كده ان اللي قتله حاطت كاميرات جوة الشقة، ولو شايفنا أو سامعنا دلوقتي، هيتطمن ان الشكوك رايحة في نايحة تانية، مش عنده خالص.
-مش بعيد يكون منصور هو اللي قتله فعلا يا فندم وعمل التمثيلية دي كلها عشان نصدقه ونبعد عنه الشبوهات.
-وجهة نظر يا محسن بيه، عشان كده عايزك تركز مع الرجالة وتشوف لو حاجة اتسرقت كده ولا كده، أو السلاح الأبيض اللي اتقتل بيه يوسف موجود، أي حاجة تفيدنا يعني.
-اعتبره حصل يا عبد الرحمن بيه.
وبعد ساعة خد فيها فريق الأدلة الجنائية راحته وكفايته من جمع الأدلة، خدنا الجثة على المشرحة، بعدها طلعت على النيابة عشان أخد أقوال منصور الزبال في محضر رسمي، ولما اتأكدت من فريق الادلة إن لا كان فيه كاميرا، أو حتى مايك مزروع جوة الشقة، قررت أخلي سبيل منصور بضمان محل اقامته، وهنا ابتدى الشغل الحقيقي، خصوصا ان مدحت من فريق الأدلة الجنائية أكدلي على معلومة مهمة في موضوع الكاميرات والمايكات، هي وإننا سهل جدًا عن طريق حاجة زي كده، كنا نقدر نحدد مكان اللي زارع الكاميرات، بالذات انها هتبقى متوصّلة بالنت، وده هيوصلنا لموقعه، فـ لو القاتل كان زارع كاميرات فعلًا أو مايكات، هو أكيد بعد ما عمل عملته خد كل حاجة معاه، بمعنى أصح، هو ماسبش أي دليل وراه، بس طبعًا كل ده مالوش لازمة، احنا هنجيبه، يعني هنجيبه، وفي أسرع وقت ممكن كمان.
على قد ما كلام مدحت كان مهم، فـ ان فكرة عدم وجود أي شكل من أشكال السرقة في الشقة ده غريب، بس ما غريب الا الشيطان زي ما بيقولوا، وأكيد اللي عمل عملته كان عايز حاجة تانية غير الفلوس، خصوصا إن يوسف مصباح كان على الأبيض، يعني ماكنش معاه غير شوية فكة شايلهم في الشقة، هنا احنا قدام أسئلة مهمة، القاتل كان عايز ايه من يوسف مصباح أوي كده؟.. أو بمعنى أصح، ايه الفضيحة اللي كان بيكلمه عنها قبل موته، ولو كان عايز يفضحه، فـ ايه سبب قتله له؟.. أسئلة مهمة بتحطنا قدام حاجة اهم، هي وان دي مش مجرد جريمة قتل، ده انتقام، واللي هيوصلنا للنقطة دي، هي معرفه تاريخ يوسف مصباح، أكيد تاريخه مخبيلنا اجابات كتير، ودي الحقيقة، لأني وبعد ما ابتديت أدور وراه، عرفت انه مقطوع من شجره بقاله سنين، كان وحيد أبوه وأمه، وبعد ما اتوفوا وهو في ثانوي بقى لوحده، ومافيش حد جنبه، لكنه عدى ده كله وقدر انه يشتغل ممرض في مستشفى مش صغيرة، من هنا تبتدي الألغاز اللي في حياة يوسف مصباح، لأنه ماقعدش في المستشفى سنة أو اتنين، هو قعد عُمر، فـ ايه اللي يخليهم يطلعوه معاش مبكر بعد ده كله؟
هقولكم، وأنا بدور في تاريخه، عرفت معلومة مهمة، هي وإن يوسف قبل ما يطلع معاش، طلعت عليه سُمعة إنه مهمل، وإن وجوده في المستشفى هيبقى خطر عليه، وقتها ومن غير تفكير ادارة المستشفى خافت على سمعتها وطلعوه معاش مبكر، خصوصا يعني إن آخر عملية يوسف كان موجود فيها جوة أوضة العمليات، المريضة اتوفت، فـ الكلام مابقاش فيه أكتر منه، واختصارًا لده كله، المستشفى قررت تبعد عنها الشبهوهات وعملوا اللي عملوه، بس ايه اللي يخلي المستشفى تطلعه معاش بدل ما تطلعه منها بفضيحه، على اقلها ماكنش هياخد مكافأة نهاية خدمة كبيرة زي اللي أخدها، بصراحة الموضوع مُحير وبيحطنا قدام احتمالات كتيرة، منها إن المستشفى مشاركة في كل حاجة عملها يوسف مصباح أيًا كانت، وانهم بشكل من الأشكال كانوا عارفين بعمليات الاهمال اللي كان بيعملها، أو يمكن هو كان ماسك حاجة على المستشفى خليتهم مايقدروش يجوا عليه، عشان وقتها بس هيقول كل حاجة عنهم، بصراحة القصة مش سهلة، ويوسف على قد ما كان راجل كبير في السن، الا انه وراه أسرار كتيرة، لا وكمان خطيرة، آخرها ايه؟.. ده اللي هنعرفه من مدير المستشفى دكتور تامر المغربي، لأن ومن حظنا الحلو، هو إن دكتور تامر ومن وقت ما يوسف طلع معاش وهو لسه مدير المستشفى وماتغيرش، دكتور هو التاني وراه علامات استفهام كتيرة، يعني هو ماكنش أنسب حد للمكان اللي هو فيه، ماهو مش معقولة واحد مات تحت ايده أكتر من مريض بالغلط، بقدرة قادر اترشح انه يكون مدير المستشفى، والأغرب من كده، هو طريقة التعتيم عن أمور زي دي، وإن الصحافة غمت عينيها عن موضوع زي ده وماتكلموش عنه كتير وقتها، شيء غريب الحقيقة، إلا وإن كان في الأمور أمور.
بعد ما قدرت اوصل للمعلومات دي واللي ساعدني فيها محسن بيه، قررت إني هخطف رجلي كزيارة سريعة للمستشفى عشان اشوف دكتور تامر، وفي خلال نص ساعة تقريبًا، كنت وصلت المستشفى وركنت عربيتي، سألت عن مكتب المدير فين ومن غير ما اعرف هو موجود ولا لأ، لأني وقبل ما اتحرك من النيابة كنت عارف انه لسه واصل ومش هيتحرك دلوقتي، فـ أول ما عرفت مكان المكتب وطلعت، خبّطت على باب المكتب ودخلت، عرفت دكتور تامر بيا وقولتله:
-أنا أسف جدًا على الإزعاج يا دكتور، بس احنا وقتنا ضيق ومحتاجين نعرف منك كام معلومة.
-أنا مش فاهم حاجة، الامن ازاي دخلك بالطريقى دي، ومعلومات ايه اللي عايز تعرفها يا فندم، احنا مستشفى محترمة، مابنطلعش أي معلومة برة.. بس تمام تمام، تيم الأمن كله هيتجازى، أما نشوف آخرة الاستهتار ده.
-حيلك حيلك يا دكتور، ماهو مش معقولة لما يعرفوا اني وكيل نيابة، هيسألوني داخل ليه وبعمل ايه، ايوة.. زي ما فهمت، معاك عبد الرحمن دياب، وكيل نيابة.
-نيابة!.. أنا مش فاهم حاجة، حضرتك جاي بخصوص ايه؟.. المستشفى عندنا على أعلى مستوى، وماظنش إن فيه حاجة حصلت عشان تستدعي وجود النيابة.
-حضرتك متوتر ليه، أنا جاي اسأل كام سؤال وامشي، وماظنش إن حضرتك هترفض تساعدني، ولا ايه؟
-أه طبعا.. اتفضل.. اتفضل اقعد، تشرب ايه؟
-مالوش لزوم، بس لو حضرتك مُصر، يبقى قهوة سادة على روح الميت، يوسف مصباح.
اتوتر أول ما سمع اسم يوسف مصباح، لكنه بسرعة رفع سماعة التليفون وطلب قهوة سادة، بعدها نزل السماعة وهو بيرد عليا وبيقولي...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!