الفصل 7 | من 29 فصل

رواية حافية على اشواك ذهب الفصل السابع 7 - بقلم زينب مصطفى

المشاهدات
28
كلمة
5,270
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

اندفع بيجاد خارجًا من سيارته قبل أن تتوقف عن الدوران، وركض بسرعة رهيبة في اتجاه سيارة شمس المقلوبة رأسًا على عقب، وقد اشتعلت بها النيران. سيطر عليه الرعب وقلبه يكاد يتوقف عن العمل وهو يتجه إليها بأقصى سرعة لديه حتى وصل إليها. انقبض قلبه وهو يصرخ بهلع: = شمس. وهو يراها غائبة عن الوعي وغارقة في دمائها، يحيطها معدن السيارة المحطم والمضغوط عليها بطريقة تصعب سحبها أو إخراجها من السيارة المحطمة والمشتعلة بالنيران.

ولكنه أسرع إليها يحاول إخراجها، وقد نحّى خوفه وألمه جانبًا، وانصب بكامل تركيزه على محاولة إخراجها قبل أن تنفجر السيارة. فانحنى سريعا يحاول تحطيم الباب الذي بجانبها وهو يحدثها بألم: = متخافيش يا حبيبتي أنا هخرجك من هنا، وهتعيشي، هتعيشي ياحبيبتي.

ثم بدأ في جذب باب السيارة المحطم بقوة شديدة للخارج محاولًا فتحه، إلا أنه فشل. توقفت بعض السيارات من حوله وخرج بعض سائقيها وهم يحملون أدوات إطفاء في محاولة للمساعدة في إطفاء نيران السيارة، التي لم تستجب لمحاولتهم وزادت النيران اشتعالًا مهددة بالانفجار في أي لحظة. تعالت الأصوات والصرخات من حوله تطالبه بالابتعاد قبل أن تنفجر السيارة. لكنه لم يعرهم اهتمامًا وهو يواصل تحطيم باب السيارة، وما زال يتحدث معها:

= متخافيش يا حبيبتي أنا معاكي ومش هسيبك وهخرجك من هنا حتى لو ده كلفني حياتي. ثم تابع بتصميم وسرعة شديدة محاولاته القوية في تحطيم باب السيارة الذي انهار تحت قوة ضرباته، وهو يلاحظ برعب انبعاج مقود السيارة وضغطه على جسد شمس وحجزها بينه وبين الكرسي، مما جعل مهمة إخراجها شبه مستحيلة.

ولكنه لم ييأس، وهو يتجاهل صرخات الفزع والتحذير التي ارتفعت من حوله تطالبه بتركها والابتعاد، والنيران التي بدأت تشتعل من حولهم وجعلت المكان يصبح كأتون مشتعل. وكل تركيزه منصب على شيء واحد، وهو إنقاذها حتى ولو كلفه حياته.

فأسرع بإمالة جسدها الغارق في غيبوبة قليلًا عن المقود حتى يحميها، ثم ركل المقود بقدمه عدة مرات بقوة وسرعة حتى تحطم وأبعده. ثم حملها بسرعة وأخرجها من السيارة وهو يركض بها بعيدًا وسط صرخات الموجودين الذين ركضوا بعيدًا بعد ازدياد اشتعال النار بالسيارة والتي أصبحت على وشك الانفجار.

ليحدث الانفجار فجأة، ويدفع بعنف جسد بيجاد وهو يحمل شمس الغارقة في غيبوبة ويلقيه أرضًا، والنيران تتساقط من قطع السيارة المشتعلة حولهم وهو يحاول حماية جسدها من النار. لتصطدم رأسه بقوة في الرصيف ويغيب عن الوعي. بعد مرور أسبوع في فيلا قسمت مندور، جلست قسمت على أريكة بجوار فراش والدتها نازك هانم مندور، وقالت بتوتر: = أنا كلمت المستشفى وبيقولوا بيجاد ممكن يفوق على بكرة أوبعده بالكتير. نازك هانم بهدوء:

= طيب وإنتي إيه اللي مخوفك؟ إنتي مش كلمتي أبوها واتفقتي معاه ينفذ اللي قلناله عليه؟ قسمت بتوتر: = أيوه أنا معنديش مشكلة في أبوها، دا حيوان واللّي هنقله عليه هينفذه من غير تفكير. بس المشكلة دلوقتي في نبيلة. نازك بغضب: = ليه؟ هو إنتي لسه متكلمتيش معاها؟ قسمت بكراهية وغل:

= ماهو ده اللي أنا جايا لك عشانه. مش عاوزة أكلمها وأنا لوحدي. إنتي عارفة أنا بكرهها قد إيه ووجودك معايا وأنا بكلمها هو اللي هيخليني أقدر أسيطر على نفسي. نازك بفارغ الصبر: = لسه برضه مش قادرة تنسي اللي حصل زمان؟ إيه مبردش نارك كل اللي حصلها؟ قسمت بغل وكراهية شديدة: = أنا ميبردش ناري إلا إني أشوفها ميتة ومرمية هي وبنتها في قبر واحد وأنا اللي أهيل التراب عليهم بنفسي. نازك بغضب:

= اعقلي كده وبلاش تضيعي كل اللي عملناه عشان غيرتك اللي لسه مسيطرة عليكي. وإن كان على البنت دي، فهتموت زي ما إنتي عاوزة وهتختفي من حياتنا خالص. بس مش دلوقتي، في الوقت اللي أنا أشوفه مناسب. ثم تابعت بحدة: = يلا اتصلي بنبيلة مستنية إيه؟ خلينا نضرب الحديد وهو سخن. لم تنتظر قسمت حتى تتم والدتها كلماتها، فأخرجت هاتفها وقامت بالاتصال بها. ولم تنتظر كثيرًا، فاتها صوت نبيلة المتعب: = أيوه يا قسمت. قسمت ببرود:

= أنا سمعت إن الدكاترة طمنوكم على حالة بيجاد بيه وإنه خلاص كلها يوم أو اتنين ويفوق من غيبوبته. نبيلة بصوت حزين منهك: = الحمد لله، بس شمس اللي لسه تعبانة أوي. قسمت بغل: = ماهو ده اللي أنا بكلمك عشانه، موضوع شمس. انهارت نبيلة في البكاء وهي تقول بألم:

= قسمت أنا نفذت كل اللي طلبتيه مني، وخلاص مش هقدر أأذي المسكينة دي أكتر من كده، كفاية اللي حصلها بسببي. فياريت إنتي كمان تنفذي اتفاقك معايا وتقنعي والدتك تعرفني مكان بنتي فين. ابتسمت قسمت بشماتة ثم قالت بصوت حزين: = ياريت كان الأمر بإيدي كنت واديتك عند بنتك بنفسي، بس إنتي عارفة ماما الوحيدة اللي عارفة طريقها. ارتمت نبيلة على طرف فراشها بتعب ورأسها يدور ودموعها تسيل بيأس: = يعني إيه؟

مش إنتي قولتيلي لو نفذت كل اللي طلبتيه مني هتعرفيني طريق بنتي؟ ابتسمت قسمت وهي تنظر لوالدتها وقالت بخبث: = طبعًا هتعرفك مكان بنتك، بس هي خايفة لو بنتك ظهرت واتعرف إنها بنت منصور، ابن عمي الله يرحمه، فأكيد هاتورث كل الشركات والعقارات وحتى فلوسنا اللي في البنك. وإحنا مش هيفضل لينا حاجة. ثم تابعت بخبث:

= وأنا مش مانعة، ده حقها، بس ماما بقى الله يسامحها مش راضية. بتقول زي ما إنتي عاوزة تتطمني على بنتك اللي هاتورث كل حاجة، إحنا كمان لازم نطمن على بنتنا تارا وإنها هتعيش في نفس المستوى اللي واخداه عليه. نبيلة بلهفة: = أنا... أنا ممكن أكتب لها الفلوس اللي هي عاوزاها واللي تأمن لها مستقبلها، وكمان أوعدك يا قسمت إني مش هطالب بورث بنتي من منصور ولا حتى هاخد منكم ولا جنيه واحد. ثم انهارت في البكاء:

= أنا كل اللي أنا عاوزاه إني آخد بنتي في حضني ولو لمرة واحدة قبل ما أموت. ابتسمت قسمت بشماتة وهي تستمع لبكائها وقالت بصوت ناعم كالحرباء: = متقوليش كده يا نبيلة، بعد الشر عليكي. بس زي ما إنتي عارفة ماما صعبة أوي ومستحالة تغير قرار هي واخداه. نبيلة ودموعها تسيل بيأس: = يعني مفيش فايدة؟ مش هقدر أشوف بنتي ولا آخدها في حضني؟ ابتسمت قسمت وهي تغمز بعينها لوالدتها بسخرية:

= لا طبعًا. هتشوفي بنتك زي ما إنتي عاوزة، بس إنتي اعملي اللي هي طلبته منك. نبيلة بتعب: = ما أنا نفذت كل اللي طلبتيه مني. يبقى لسه إيه تاني؟ قسمت بصوت جاد: = لسه أهم حاجة يا نبيلة، تتخلصي من اللي اسمها شمس دي وتقنعي بيجاد ابن أخوكي إنه يتجوز تارا بنتي، وبكده ماما هاتتطمن عليها وهتتطمن إنها هتعيش في نفس المستوى اللي واخداه عليه. ثم تابعت بتهديد خفي: = وأظن إنكم مش هتلاقوا عروسة أحسن من بنتي. وإلا إنتي شايفة إيه؟

نبيلة بحزن ودموعها تسيل: = عندك حق، مش هنلاقي أحسن من بنتك عروسة لبيجاد. بس إنتي شفتي بنفسك هو بيحب شمس قد إيه وكان هيضيع نفسه عشان ينقذها. يبقى إزاي عاوزاني أتخلص منها؟ ابتسمت قسمت بقسوة: = مليكيش دعوة، أنا هتصرف. بس أهم حاجة إنتي متدخليش. اهتمي بصحة ابن أخوكي وملكيش دعوة باللّي هيحصل. انهارت نبيلة أرضًا وهي تبكي وتقول بارتعاش: = حاضر يا قسمت، هعمل كل اللي إنتوا عاوزاه، بس المهم أعرف طريق بنتي. ابتسمت قسمت بخبث:

= وأنا أضمن لك إن في اليوم اللي بنتي هتبقى فيه مرات بيجاد الكيلاني، هو نفسه اليوم اللي هتعرفي فيه مكان بنتك. ثم أنهت المكالمة وهي تقول بشماتة: = مع السلامة يا نبيلة، وحمد الله بسلامة بيجاد بيه. ثم قذفت الهاتف أرضًا وهي تقول بغل: = يوم جواز بنتي من ابن الكيلاني هو نفسه اليوم اللي إنتي وبنتك هتموتوا فيه.

في نفس التوقيت وفي المستشفى، اندفع رفعت وهو يشعر بالخوف إلى داخل المشفى وهو يتلفت حوله بقلق، وهو يتذكر أوامر قسمت هانم بضرورة نقل شمس إلى المنزل الجديد الذي انتقل به هو وزوجته بعد أن ترك القرية واختفى خوفًا من أن يكتشف بيجاد الكيلاني حقيقة الخدعة التي فعلوها به وبشمس. فتنهد بخوف وهو يتذكر صوت قسمت هانم الحاد وهي تقول بصرامة: = تروح تجيبها من المستشفى وتاخدها معاك على البيت اللي إنت مستخبي فيه. رفعت بقلق:

= بس هي مصابة يا هانم وعاوزة مستشفى تتعالج فيه وممكن لو خدتها تموت وإلا يجرالها حاجة. قسمت بغضب: = ما تموت وإلا تتحرق! إيه قلبك عليها أوي؟ رفعت بخوف: = لا يا هانم بس... قسمت بغضب: = نفذ اللي بقولك عليه ومتخافش، لو ماتت فعادي، واحدة عملت حادثة وماتت فيها وأنا عندي اللي يطلعلنا إذن دفنها. رفعت بتردد: = ولو... لو عاشت؟ قسمت بقسوة: = يبقى نجوزها ونفرح بيها وعريسها عندي. رفعت بصدمة: = إيه! بس. هي... مت... متجوزة... و...

قاطعته قسمت بصرامة: = اخرس. واللي أقول عليه يتنفذ. شمس ومش فاكرة حاجة، وبيجاد على ما يفوق ويبتدي يدور عليك تكون كل حاجة خلصت. ده لو قدر يوصلك. ثم تابعت بصرامة: = أنا هستنى تليفون منك تقولي إنك نفذت. ثم أغلقت الهاتف في وجهه. فاق رفعت من أفكاره وهو يتوجه بتردد إلى مكتب الاستقبال وهو يقول بارتباك: = أنا... أنا بنتي جات هنا في حادثة وكنت جاي عشان آخدها وأنقلها في مستشفى تانية. موظفة الاستقبال بعملية:

= اسمها إيه المريضة يا فندم؟ رفعت بصوت خفيض وهو يتلفت حوله بخوف: = اسمها شمس رفعت وجاية في حادثة عربية. موظفة الاستقبال بعملية وهي تنظر لشاشة الحاسوب أمامها: = المريضة موجودة يا فندم، بس ممكن بطاقتك الشخصية نتأكد من قرابتك للمريضة وإنك المسئول قانونيًا عنها قبل ما أحولك للدكتور المختص بحالتها. أخرج رفعت البطاقة وأعطاها لها، فتناولتها منه وهي تبتسم بعملية وتشير إليه بالانتظار.

بعد مرور نصف ساعة، وقف رفعت بجانب الطبيب المختص بحالة شمس وهو يستمع للطبيب بتوتر. الطبيب بعملية: = دي كل الأشعة والتقارير الخاصة بالحالة. هي حالتها العامة مستقرة، وبتعاني من رضوض وكسر في الكاحل وارتجاج في المخ اتعافت منه. ثم تابع وهو يتابع بهدوء:

= هي مشكلتها الأساسية هي إنها ما رجعتش لكامل وعيها. هي فاقت من الغيبوبة اللي كانت فيها، بس للأسف مش قادرة تتعرف على أي حد من اللي حواليها، وعشان كده إحنا بنلجأ لتخديرها عشان نتلافى أي صدمة ممكن تحصل ليها وهي في وضعها الصحي ده. تناول رفعت ملفها الصحي من الطبيب وهو يقول بلهفة:

= متشكر أوي يا دكتور، أنا هنقلها في مستشفى كبير عندنا في بلدنا عشان تبقى قريبة مني وأقدر أبقى جنبها. أنا معايا عربية إسعاف بره هتنقلها لحد باب المستشفى. شار له الطبيب بالموافقة. ثم بدأوا فعليًا في تجهيزها استعدادًا لنقلها لعربة الإسعاف، فنقلوها على سرير متحرك واتجهوا بها للخارج. إلا أنه وفجأة، ارتفع صوت محمود، رئيس حرس بيجاد، بغضب: = إنتم واخدين شمس هانم ورايحين بيها على فين؟ الطبيب بهدوء: = إيه؟

والدها طلب نقلها لمستشفى تاني وإحنا بنجهزها للنقل. محمود بصرامة: = شمس هانم مش هتروح في أي حتة ولا هتتحرك من هنا خطوة واحدة إلا لما بيجاد بيه هو اللي يقرر هو عاوز يعمل إيه مع مراته. رفعت بصوت مهتز: = بس أنا أبوها والمسئول عنها وعاوز آخدها لمستشفى تاني عشان تبقى قريبة مني. محمود: = والدها؟ مش تقول كده. تنهد رفعت براحة، إلا أنه استولى عليه الرعب ومحمود يتابع بصرامة:

= بس القرار ده مش في إيدي. وكويس إن بيجاد بيه خلاص فاق. فتعالى معايا وقوله على اللي إنت عاوز تعمله بنفسك. ارتعش رفعت وهو يقول بفزع: = فاق... طيب خلاص أنا... أنا هستنى شوية لما يشد حيله وأبقى أقابله. أستأذنه إني أنقل شمس. مش معقولة أكلمه في حاجة زي دي دلوقتي. عن... عن إذنكم. ثم اندفع مغادرًا الغرفة وهو يكاد يركض. تركه محمود يغادر وهو يبتسم بتهكم، ثم استدار للطبيب وبصرامة:

= أنا هقدم فيكم شكوى عشان المهزلة اللي كانت هتحصل هنا لولا وصولي. الطبيب بتوتر: = شكوى ليه بس، دا والدها ومن حقه قانونيًا إنه ينقلها لمستشفى تانية و... قاطعه محمود بصرامة: = المسئول عن شمس هانم وعن كل قرار يخصها يبقى بيجاد بيه، جوزها. مش حد تاني. وادعي إنت ربنا إن الموضوع ينتهي على إنه يشتكيكم وبس. ثم أشار لأحد رجاله: = تقف هنا ومتتحركش ومحدش يدخل أو يخرج إلا لما تديني خبر الأول.

ثم غادر في اتجاه غرفة بيجاد انتظارًا لاستعادته لوعيه. بعد مرور يومين، فتح بيجاد عينيه بتعب وعينيه تدور في الموجودين بعدم استيعاب. فاقتربت منه عمته واحتضنته وهي تبكي بحرارة: = حمد الله على السلامة يا بيجاد. حمد الله على السلامة يا حبيبي. الطبيب بابتسامة جادة: = حمد الله على السلامة يا بيجاد بيه. عقد بيجاد حاجبيه بتفكير وهو يحاول أن يتذكر ما الذي أتى به إلى هنا. ليشيق وهو ينتفض محاولًا النهوض بفزع:

= شمس.. شمس حصلها إيه؟ حاول الطبيب السيطرة عليه ولكنه فشل، وهو يسحب المحلول المعالج من زراعه يلقيه أرضًا ويهب محاولًا النهوض. فصرخت عمته وهي تبكي وتشاهد لهفته وخوفه القاتل عليها: = شمس كويسة يا حبيبي. متخافش. نظر لها بيجاد بأمل ولكنه جذب الطبيب من معطفه بقسوة وهو يقول بصرامة أخافت الطبيب: = هي فين؟ عاوز أشوفها. ابتلع الطبيب ريقه بخوف وهو يشير إليه:

= اتفضل وأنا أوديك. بس خلينا نعالج إيدك الأول، مكان الإبرة بيجيب دم و... إلا أنه لم ينتظر إكماله لحديثه، وخرج فعليًا من الغرفة وهو يترنح ويستند على الحائط محاولًا الوصول لغرفتها التي لا يعلم مكانها. ولكن شدة خوفه ولهفته عليها هي ما تحركه. فكاد أن يسقط أرضًا ورأسه يلفه الدوار، لتتلقاه يد محمود حارسه الشخصي ودعمته وهو يقول باندفاع: = حاسب. حاسب يا باشا. بيجاد بتعب وحبيبات العرق تتساقط عن جبينه: = وديني عند شمس.

دعمه محمود جيدًا وهو يقول بجدية: = حاضر. تعالى معايا يا باشا. ثم توجه به إلى غرفة شمس، ليقوم بتوجيهه إلى إحدى الغرف وهو يقول بجدية: = دي أوضتها. اتفضل يا باشا.

ثم أشار للحارس الذي تنحى جانبًا بعد أن فتح باحترام باب الغرفة لبيجاد، الذي اندفع للغرفة بسرعة. ثم تجمد أمام فراشها، عينيه تتأملها بلهفة وخوف وهو يراقب صوت تنفسها الهادئ. لينهار جالسًا بجوارها على الفراش وهو يحتضنها ويبكي، وقد انهار تماسكه وذكريات الحادث تهاجمه. الارتطام القوي وتحطم السيارة والنار التي كانت تلفها من جميع الاتجاهات والانفجار الذي نجوا منه بإعجوبة، وحقيقة أنه كان سيفقدها لولا رحمة الله به.

فضمها بلهفة أكثر إلى قلبه وهو يمرر يده على جسدها بلهفة يحاول التأكد أنها ما زالت تتنفس وأنها حقيقة موجودة بين ذراعيه. ليتفاجأ بها تشهق بنعومة وجسدها يرتجف قليلًا. فأبعدها عنه قليلًا يتأمل وجهها بقلق خوفًا من أن تكون تعاني من شيء. فكاد أن ينادي الطبيب، إلا أنه توقف وهو يراها تفتح عينيها بتعب. فقال وهو ينظر لوجهها بلهفة: = شمس. ابتسمت شمس وهي تقول برقة: = جاد.

احتضنها بيجاد بعشق وهو يغلق عينيه بألم يشكر الله على نجاتها. ثم أبعدها قليلًا وهو يتأمل وجهها بحنان وهي تتأمل المكان بدهشة: = هو.. هو إحنا فين؟ مرر بيجاد يده في شعرها وهو يبتسم ابتسامة مهزوزة وعينيه ممتلئة بالدموع: = إحنا في المستشفى يا حبيبتي. شهقت شمس وهي تقول بخوف: = مستشفى؟ مستشفى ليه؟ إيه اللي جابنا هنا؟ ثم نظرت لوجهه الممتلئ بالكدمات برعب هستيري: = وشك ماله؟ إيه اللي عمل فيك كده؟ وإيه اللي جابنا هنا؟

إنت كويس يا جاد؟ إنت كويس مش كده؟ احتضنها بيجاد مهدئًا، ثم مرر يده على ظهرها وهو يهدهدها بحنان: = ششش.. اهدي يا حبيبي ومتخافيش، أنا كويس وإنتي كويسة والحمد لله الحادثة عدت على خير. استكانت شمس في أحضانه وهي تقول بخوف: = حادثة؟ حادثة إيه؟ أنا مش فاكرة أي حاجة. نظر بيجاد إلى وجهها وهو يقول بقلق حاول أن يداريه: = مش فاكرة؟ مش فاكرة إيه بالظبط؟ شمس بارتجاف وقد بدأت دموعها تسيل:

= مش فاكرة حاجة خالص، أنا كل اللي فاكرة إننا كنا في الحفلة وأنا دخلت الأوضة غيرت هدومي وركبت معاك العربية عشان تروحني البيت. لكن الحادثة نفسها مش فكراها. مسح بيجاد دموعها وهو يقول بابتسامة قلقة: = حفلة إيه بالظبط اللي بتتكلمي عنها يا حبيبتي؟ شمس بدهشة: = حفلة افتتاح القرية. إنت نسيت وإلا إيه؟ ضمها بيجاد بحماية أكثر إليه وهو يقول بتوتر: = لا حبيبتي منستش. استكانت شمس بين ذراعي بيجاد، ولكنها انتفضت فجأة وهي تقول بخوف:

= يا مصيبتي! أكيد أبويا دلوقتي بيدور عليا ولو عرف إني كنت معاك ممكن يموتني. احتضنها بيجاد أكثر إليه وهو يقول بحنان: = متخافيش يا حبيبتي. بابا كان هنا وعارف إنك معايا. اتسعت عين شمس برعب: = يا نهار أسود! عرف إن أه كنت معاك؟ ده أكيد هييجي ويموتني. قوم يا جاد. قوم امشي من هنا. قوم امشي قبل ما ييجي ويموتك. احتضنها بيجاد وهو يحاول تهدئتها: = اهدي يا شمس واسمعيني يا حبيبتي.

إلا أنه توقف عن الكلام وهو يرى الطبيب يشير إليه ألا يفعل. فصيّر عينيه بتوتر وهو يبتسم ويمسح دموعها بحنان: = ممكن تستنيني ثواني، هكلم الدكتور وأجي أقولك على كل حاجة. ماشية؟ هزت شمس رأسها بطاعة وهي تشعر بالخوف يستولي عليها. فقبلها بيجاد من جبينها بحنان ثم توجه بتعب للطبيب الذي يقف بجانب الباب من الخارج. الطبيب بصوت خفيض: = ده اللي كنا عاوزين نعرفهولك يا بيجاد بيه قبل ما تقابلها. بيجاد بصرامة شديدة وقد شعر

إنه قد أصبح على الحافة: = تعرفوني إيه؟ الطبيب بهدوء: = شمس هانم عندها فقدان ذاكرة جزئي. بيجاد بفارغ الصبر والقلق: = إيه، يعني إيه فقدان ذاكرة جزئي اللي بتتكلم عنه ده؟ الطبيب بتوتر: = يعني في جزء من ذاكرتها اختفى، وغالبًا الجزء ده هو الجزء اللي مش راضية عنه في حياتها. ثم تابع بقلق من ردة فعل بيجاد: = وفقدان ذاكرتها ده ممكن يكون بسبب الحادث أو ضغوط نفسية شديدة، أو الاثنين مع بعض. بيجاد وهو ينظر لشمس بتوتر:

= والذاكرة دي هترجع لها تاني، وإلا كده خلاص الجزء اللي نسته ده هتنساه للأبد؟ الطبيب بعملية: = والله يا بيجاد بيه دي حاجة محدش يقدر يجزم بيها. ممكن ذاكرتها ترجع لها علطول أو بعد شهر أو سنة، وممكن مترجعش خالص. دي حاجة خارجة عن قدرتنا على التوقع. مرر بيجاد يده في شعره وهو يقول بحيرة: = طيب لو حاولنا نفكرها مش ده ممكن يساعدها على رجوع ذاكرتها من تاني؟ الطبيب بجدية:

= للأسف مينفعش. وده اللي خلانا نخدرها أكبر وقت ممكن لحد ما عقلها يقدر يتعامل مع المحيط اللي حواليها. وعشان لو عقلها الباطن هو اللي اختار إنها تنسى بسبب ضغوط نفسية مثلا، فهتنهار أول ما حد يحاول يفكرها وممكن تدخل في صدمة عصبية ودي عواقبها ممكن تكون وخيمة. هز بيجاد رأسه بتفهم وهو يعود للغرفة مرة أخرى. ثم جلس بجانبها وضمها إليه مرة أخرى بحماية شديدة، وهو يشعر بقلبه ينفطر من أجلها وكل ما حدث منها ولها يدور بداخله كدوامة

من الألم وهي تهمس بخوف: = الدكتور قالك إيه؟ بابا هييجي ياخدني مش كده؟ ابتسم بيجاد وهو يمرر يده في شعرها ويقول بحنان: = اسمعي يا حبيبي أنا هقولك على كل حاجة وإنتي توعديني تسمعي وتحاولي تستوعبي اللي هقوله من غير زعل. هزت شمس رأسها وهي تقول بارتجاف: = حاضر. ابتسم بيجاد لها وهو يقول بهدوء: = الدكتور كان بيشرحلي حالتك. للأسف الحادثة اللي حصلتلك عملت لك فقدان ذاكرة جزئي. ثم مرر يده في شعرها وهو يقول

بهدوء حتى تستوعب ما يقوله: = يعني نسيتي شوية حاجات معظمها مش مهم إلا حاجة واحدة. اتسعت عين شمس بحيرة وهي تقول بارتباك: = حاجة إيه دي؟ ضمها بيجاد إليه بحماية وهو يقول بحنان: = إننا اتجوزنا يا حبيبتي. وبابا عارف إننا متجوزين عشان كده مش لازم تخافي إنه يعرف إننا مع بعض. شهقت شمس بصدمة وأمل في آن واحد، فامتلأت عينيها بالدموع وهي تبتسم بفرحة: = متجوزين؟ بجد يا جاد؟ بس أنا إزاي أنسى حاجة زي دي؟ يضحك بيجاد بمرح مصطنع

وهو يقبل وجنتها بحنان: = شفتي؟ أنا زعلان. وهاخصمك. يعني فاكرة كل حاجة وناسية جوازنا. لفت شمس يدها حول خصره وهي تنام على كتفه وتقول بحزن: = ليك حق تزعل مني يا حبيبي. أنا كمان مش فاهمة إزاي ممكن أنسى أسعد لحظة في حياتي. ابتعد بيجاد قليلًا عنها وهو يتأمل وجهها بدون تصديق: = أسعد لحظة في حياتك يا شمس. تناولت شمس يده المجروحة وقبلتها وهي تقول بحب:

= طبعًا أسعد لحظة في حياتي. اللحظة اللي تمنيتها كتير وكنت خايفة إنها متحصلش. ثم ابتسمت بسعادة وهي تعود لاحتضانه: = بس مش مهم. المهم إني دلوقتي بقيت مراتك ومحدش يقدر يفرقنا عن بعض. ضمها بيجاد إلى قلبه وهو يهمس بتعب: = أيوه يا حبيبتي، المهم إنك دلوقتي مراتي. ابتعدت شمس وهي تقول بفضول: = آه صحيح. مقولتليش الحادثة دي حصلت لنا إزاي؟ ابتسم بيجاد وهو يقول بتوتر:

= إحنا كنا لسه كاتبين الكتاب وكنا مسافرين نقضي أسبوع في شرم. والعربية اتقلبت بينا. عقدت شمس حاجبيها بحزن: = كنا هنسافر شرم. خسارة. ضحك بيجاد وهو يضمها إليه ويقول بمرح: = يعني مش زعلانة على كل اللي حصل لنا ده وزعلانة على الأسبوع اللي كنا هنقضيه في شرم؟ ضحكت شمس وهي تقول بمرح: = عندك حق. بس أصل أنا من زمان بسمع عنها وكان نفسي أشوفها. أو يمرر بيجاد يده في شعرها وهو يقول بحنان:

= خلاص يا ستي. أوعدك أول ما تفكي الجبس هنسافر نقضي أسبوع هناك. ضحكت شمس وهي تحتضنه بمرح طفولي. فضمها هو أكثر إليه وهو يغلق عينيه بألم. ثم قال بهدوء وهو يبعدها قليلًا عنه: = أنا هسيبك ترتاحي وهاروح أنا لأوضتي. لفت شمس يدها بقوة من حوله وكأنها تخشى أن تركته ستفقده وهي تقول بخوف وقد بدأت دموعها بالنزول: = خليك هنا. عشان خاطري بلاش تسيبني لوحدي. أنا حاسة لو سبتني ممكن يجرالي حاجة.

ثم انهارت في البكاء وهي تحتضنه بخوف شديد. ضمها بيجاد إليه بقوة وهو يقول بحنان: = خلاص بقى يا حبيبي متعيطيش. أنا هنا أهو. ومش همشي وهفضل معاكي ومش متحرك من هنا. ثم تمدد بجانبها وهو ما زال يحتضنها بحماية ويده تمر بحنان على جسدها وهو يهمس في أذنها بكلمات عاشقة رقيقة حتى غفت بأمان بين ذراعيه.

تنهد بيجاد بألم وهو يغلق عينيه بتعب وقد اختلط عليه الأمر. فما يراه أمامه هو أنثى عاشقة له حتى النخاع تناقض كل ما علمه عنها في السابق. ليقوم بتحرير نفسه منها بهدوء ثم اتجه للخارج ليجد عمته تقف بقلق وقد احمرت عينيها من كثرة البكاء. فأتجه إليها واحتضنها وهو يقبل أعلى رأسها ويقول بحنان: = أنا كويس قدامك أهو يا بيلا والحمد لله عدت على خير. روحي ارتاحي وأنا على بكرة بالكتير هكون في البيت. نبيلة باعتراض

ودموعها ما زالت تسيل: = بس... مسح بيجاد دموعها وهو يقول بصرامة حانية: = مفيش بس. فيه سمعان كلام. التفت لمحمود وقال بهدوء: = اتصل بحد من رجالتك وخليه ياخد عمتي ويوصلها للبيت ترتاح وتعالى عشان أنا عاوزك. هز محمود رأسه ثم اتجه إلى نبيلة التي قبلت بيجاد مودعة. ثم قادها إلى المصعد. في اليوم التالي، جلس بيجاد في غرفته بالمشفى وهو ينظر إلى محمود رئيس فريقه الأمني: = عملت إيه في اللي طلبته منك؟ وضع محمود ملف صغير أمام بيجاد

الذي تناوله بغير تصديق: = إنت متأكد من الكلام اللي إنت كاتبه ده؟ محمود بجدية: = طبعًا متأكد يا بيجاد باشا. إنت عارفني مستحيل أبلغك بمعلومة إلا لما أبقى متأكد منها مليون في المية. بيجاد بغضب: = يعني مرات أبو شمس هي اللي وزعت الصور على أهل البلد؟ محمود بثقة: = أيوه. وأول واحد راحتله بالصور هو إمام الجامع. بيجاد بحدة: = أنا مش فاهم إيه اللي يخليها تعمل كده وإيه مصلحتها في اللي هي عملته ده؟

والأهم من كل ده جابت الصور المتفبركة دي منين؟ خصوصًا إن الصور دي اللي عاملها حد احترافي وكان قاصد يفضحني. ثم صمت قليلًا وهو يضيق عينيه بتفكير: = أو يفضح شمس. ثم تابع بغضب شديد: = أنا عاوز الست دي وجوزها تجبهوملي حالًا. تنحنح محمود بحرج: = للأسف هي وجوزها اختفوا من البلد. بس الغلطة دي المرة دي غلطتي. عقد بيجاد حاجبيه وهو يقول بصرامة: = غلطتك إزاي مش فاهم؟ محمود بجدية:

= قبل ما إنت وشمس هانم ماتفوقوا من الغيبوبة اللي كنتوا فيها، والدها جه هنا واستغل إن مفيش حد موجود وكان عاوز ياخدها من المستشفى. ثم بدأ يقص عليه كل ما حدث حتى انتهى. اشتعلت عينا بيجاد وهو يصرخ بغضب: = يعني إيه كان عاوز ياخدها؟ وكان عاوز يعمل فيها إيه؟ ثم صمت وعقله يعمل في كل اتجاه، ثم قال فجأة بصرامة مخيفة: = وقف حارس على أوضة شمس وجهزلي العربية أنا طالع على بلد شمس. محمود بدهشة: = وهنعمل إيه هناك؟

وأبوها ومراته سابوا البلد ومحدش يعرف طريقهم؟ بيجاد بغضب مشتعل كأتون من نار يحرق أوردته: = لما نروح هناك هتعرف. أسرع محمود بتنفيذ أوامر بيجاد وهو يستشعر غضب بيجاد المشتعل تحت رماد سيطرته على نفسه، وبيجاد يهمس بغضب مشتعل: = والله لو مختفي في قبرك هوصلك يا رفعت إنت والحية مراتك. يتبع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...