بنى العبيد أكواخا كبيرة وأحاطوها بسور من جذوع الأشجار. وزع الأمير الطعام على أهل القرية التي أحرقها يعقوب وطلب منهم السكن في الأكواخ التي بناها. وبدأ أمر صفي الدين يعظم وسمعت القرى المجاورة ووعدته بالمساعدة. أعطاها سلاحا وطلب منها الإغارة على قوافل يعقوب، وكل ما يأخذونه يكون رزقا لهم و غنيمة. وبلغت يعقوب الأخبار بأن ثلاثة من قوافله قد نهبت. فأمر أن تتوقف حتى يجد حلا.
ثم أتى للسلطان وطلب منه أن يرسل جيشا ليطارد قطاع الطرق حول الغابة والمستنقعات. فأخبره أن ذلك يحتاج للوقت والمال. غضب يعقوب، فهو يعلم أن السلطان لا يحبه. فرغم ثرائه، لا يدفع سوى مقدار ضئيل من الضرائب، ونتيجة لذلك فخزائن المملكة فارغة. بعد أيام قال صفي الدين لكريمة: الآن بإمكاننا العودة، لا بد أن يعلم أبي ما حصل وستخبره لمياء بالحقيقة.
لن يقدر أحد أن يمنعنا، فالكثير من القرى الفقيرة أخذت نصيبا من قوافل يعقوب وانضمت إلينا. ووعدتها بالمزيد من أمواله وجيش أبي ضعيف وسيفتح الأبواب إذا علم برجوعي، وعليّ أبهة الملوك. أما يعقوب فستكون مفاجأة له، فهو يعتقد أني غرقت. كل شيء يجب أن يتغير. لقد سجن ظلما الكثير من التجار وتسبب في إفلاسهم، وأنا سأطلقهم وأرجع لهم أموالهم. لن أترك رجلا واحدا يتحكم بتجارتنا.
وسأعطي البذور للفلاحين لكي يزرعوا ويحصدوا، وسنأكل من أرضنا ولا نشتري القمح من غيرنا. أبي شخص مسالم وهو لا يصمد أمام إغراءات وهدايا ذلك الوغد، وحالة المملكة تعرفينها: الفقر والجوع وضعف التدبير. لم يلاحظ الأمير أن العبد عدنان كان يستمع إليه باهتمام، رغم أنه كان مقيدا في شجرة. بعد ذلك اقترب منه أحد القرويين، فهمس له العبد شيئا ثم انصرف دون أن يحدث صوتا.
وفي الليل تسلل شبح خارج الغابة اتجه إلى المدينة، وهو يحاذر لحسن التطواني ألا يراه أحد. في الغد سار الأمير مع عبيده وأتباعه من الفلاحين والصيادين، وقد تجهزوا للقتال. ولما وصلوا إلى أسوار المدينة صاح الفتى: أنا الأمير صفي الدين بن مؤنس، وهذه الأميرة كريمة. آمركم بفتح الأبواب وإعلام أبي السلطان بقدومي. أطل رئيس الحرس، وقال: لا أعلم من أنت وماذا تريد، فالأمير مات في المستنقعات منذ أسبوعين.
ولقد وجدنا جثته البارحة ودفناها. ثم صاح: رماة! فامتلأت الأسوار برماة السهام والحراب. قال الأمير لمن معه: تراجعوا، تراجعوا، هناك خائن بيننا. لا أحد هنا يعلم بقدومنا والأمور أصبحت أكثر تعقيدا من قبل. رجع الأمير ومن معه إلى الغابة. وفي الطرق قالت كريمة: أنا متأكدة أن ذلك العبد عدنان هو من أبلغ سيده بخروجنا إلى المدينة، وقد نصحتك بقتله. أجاب صفي الدين: لا نملك دليلا، وإن كنت لا أستبعد ذلك. وسأراقبه من بعيد. قالت كريمة:
عندي فكرة، سنقول أننا سنتسلل تحت جنح الظلام من سرداب قديم شرق المدينة. والخائن لما يسمع هذا القول سيحاول إيصاله إلى يعقوب، وعندئذ سيكون عبيدك في انتظاره وراء الأشجار. ابتسم الأمير، وقال: لو قبضنا عليه فعوض أن أعاقبه سأعطيه مالا لينقل ليعقوب أخبارا خاطئة. قالت كريمة: لقد علمتني الأحداث أن أحسن التدبير، وأنا أيضا لم أكن أعرف شيئا. الغابة علمتني كيف أعيش مع المخاطر، لعلى أحتاج ذلك يوما لاسترجاع ملك أخي من يد عمي الظالم.
أجاب الأمير: لما أتخلص من يعقوب وجماعته سأساعدك، هذا وعد مني. لما وصل الأمير إلى قريته جمع الناس وقال لهم: لم نقدر اليوم على دخول المدينة بالقوة، وسنستعمل الحيلة، وهذا ما سنفعله غدا. لما أتم كلامه قالوا له: أحسنت التدبير والله. مرة أخرى استمع العبد إلى كل شيء. كانت كريمة تنظر إليه من نافذة الكوخ. وفجأة اقترب منه رجل قصير أحدب، همس له بشيء ثم انصرف. أحست الفتاة بالتعب من طول الجلوس. وقالت في نفسها:
هل يمكن أن يكون ذلك الأحدب هو الخائن؟ عليها أن تنتظر الليل لتعرف ذلك. ثم أخرجت أخاها الضفدع من جيبها وأخذ يقفز بسعادة، فلقد كانت في اليومين الفائتين مشغولة جدا. تذكرت كريمة جرة الحكيم السابع، وقالت: ليس لدي ما أفعله، سأذهب للمستنقعات، فهناك جرة أخرى وأنا أعرف مكانها. نزل الضفدع إلى الماء وربط الجرة بحبل. ولما فتحتها خرج منها ضباب وظهر تحتها شيخ فقال: اسمعوا قصتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!