الفصل 4 | من 5 فصل

الفصل الرابع

المشاهدات
10
كلمة
6,878
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

رواية حكاية ضرغام والحب الجزء الرابع 4 بقلم فاطمة طه سلطان & فاطمة محمد حكاية ضرغام والحبرواية حكاية ضرغام والحب الحلقة الرابعة -يلا أنا هقفل عشان تركز في السواقة ومتنساش أول ما توصل تتصل بيا تطمني ماشي؟ -ماشي يلا سلام. أغلقت معه و وضعت الهاتف جانبًا. التفكير يليح على وجهها.

ثواني وكانت تتحرك نحو غرفة عمر تتأكد من نومه وما أن رأته يغط في نوم عميق حتى أغلقت الباب مجددًا بهدوء كي لا يستيقط ثم وضعت المفتاح وأغلقت عليه من الخارج كي لا يتمكن من الخروج إذا استيقظ. في تلك اللحظة قرع رنين الجرس وسرعان ما تشكلت البسمة على وجهها وركض نحو الباب سريعًا كي تفتح للضيف التي رتبت مسبقًا ولأيام لمجيئه…………… وما أن فعلت وفتحته حتى قالت بتذمر فوري: -اتأخرتوا كدة ليه يا صابرين كل ده؟

ألقت ميار حديثها على مسامع صديقتها المقربة “صابرين” والتي لم تأتي بمفردها بل كان يرافقها رجل يبدو من هيئته أنه قد يكون في منتصف الأربعينات أو بداية الخمسينات، يرتدي جلباب رمادي اللون وعمة خضراء، ذقنه طويلة وغريبة. ردت صابرين عليها تبرر لها سبب تأخيرهما: -الطريق كان زحمة معرفش إيه كل الناس والعربيات دي، تقريبًا كل الناس في الشارع النهاردة، المهم خليني أعرفك على الشيخ مصطفى وهو اللي إن شاء الله مشكلتك هتتحل على ايديه.

اتسعت بسمة ميار وحدقت بالشيخ مرحبة به بحفاوة: -يسمع من بوقك ربنا، أهلًا يا شيخنا اتفضل اتفضل، خشوا يا صابرين. دلف الاثنان للداخل وأغلقت ميار الباب من خلفهم ثم سارعت في التقدم تشير له نحو الصالون. جلس الرجل على المقعد، بينما جلست كل من ميار وصابرين على الأريكة. وفور جلوسها استمعت إلى سؤاله الفضولي المترقب للقادم: -قوليلي بقى إيه مشكلتك وبأذن الله حلها عندي يا ست الستات.

وكأنها كانت تنتظر منه إشارة للحديث والفضفضة عما يؤلمها ويؤرق نومها تلك الأيام لتتحدث بسرعة غريبة وهي تخبره بكل شيء دفعة واحدة: -جوزي متغير معايا يا شيخنا، مبقاش زي الأول، أنا قعدت معاه سنتين طوال عراض عمره ما زعلني وكنا مبسوطين آخر انبساط، بس آخر فترة دي أحوالنا متغيرة ومبقاش في حاجة عايزة ترجع زي الأول ما بينا. توقفت ثواني تبلع ريقها ثم استرسلت محل توقفها:

-آه دلوقتي اتصالحنا وبقينا سمن على عسل، بس أنا برضو مش مرتاحة؛ ولسه قلقانة يا شيخنا، وفي عقربة اسمها شفاء ساكنة قلب جوزي. عاد مصطفى بظهره للخلف قليلًا يريح ظهره، معلقًا على ما قالت ببسمة واسعة غفلت ميار عن سببها وأثارت حنقها:

-واضح كدة من كلامك أنك قيداله صوابعك العشرة شمع، بس هقولك نصيحة لوجه الله، هي الرجالة كدة تدلعي فيهم وتهتمي بيهم هيدوكي على دماغك ويبصوا برة، أما بقى لو أهملتيه شوية واهتميتي بنفسك هتلاقيه بيحفي وراكي عشان ينول رضاكي. ارتفع حاجبي ميار وتبادلت النظرات الغير راضية مع صديقتها صابرين، وفور إنتهاء الشيخ صاحت ميار تسأله بتهكم: -وأنت مش من الرجالة دي ولا إيه يا شيخ مصطفى، بتتكلم كأنك مش واحد منهم.

رنت ضحكة الرجل وملئت أرجاء حجرة الصالون. وهذا ما جعل ميار تندهش أكثر وتلكز صديقتها بخفة؛ التقطت صابرين ضيق ميار من طريقة مصطفى والتي لا تمت للشيوخ بصلة في نظرها. اخترق رده مسامعها عندما قال من بين ضحكاته: -ضحكتيني والله، خلينا بقى في المهم. مع لفظه للكلمات الأخيرة دس يده في جيب جلبابه الذي يرتديه وأخرج حجابًا صغيرًا. مد ذراعيه و وضعه أعلى سطح الطاولة الزجاجية من أمامه وهو يخبرها:

-ده حجاب عايزة تحطيه تحت المخدة حطيه عايزة تحطيه في الدولاب حطيه ده آمن والجديد، لأن لو حطتيه تحت المخدة ممكن يحس بيه ويقفشه زي ما حصل في مسلسل عائلة الحاج متولي، شوفتيه؟؟؟ كانت تستمع إليه بعدم استيعاب تحاول فهمه ثم عقبت بعدم فهم واضح للأعمى: -هو إيه اللي شوفته؟ الحجاب! -لا المسلسل هسألك شوفتي الحجاب ولا لا ليه ما هو قدامك يبقى أكيد شوفتيه مش محتاجة فقاقة.

هنا وبعد محاولات كثيرة من التحكم في النفس والذات، فشلت “ميار” في إحكام حنقها وهبت من جلستها وهي تردد بطريقة مثيرة للريبة: -آه شوفت المسلسل، بس شوفت أنت بقى لما الحاج متولي بلغ عن صباح وشوقي؟ رد بعفوية: -طبعًا ده أنا متفرج عليه خمس ست سبع مرات. تحدثت ميار بأنفعال حقيقي: -حلو أوي، أهو اللي عمله فيهم ده نفس اللي أنا هعمله فيك دلوقتي لو مقومتش وغورت ، قوم غور في داهية هي ناقصة قرف……

تدخلت صابرين وحاولت تهدأتها بكلمات لم تفعل شيء إلا أنها اغصبتها أكثر: -عيب يا ميار كدة ميصحش. التفتت إليها صارخة بانفعال ونظرات يغلفها التوعد: -أنتِ تسكتي خالص، حسابك معايا بعدين. ثم عادت تبصره من جديد تتابع صراخها عليه: -أنت لسة قاعد قوم غور بدل ما أطلبلك البوليس بقولك. اهتز من تهديدها بعض الشيء وقال:

-خلاص اهدي أنا ماشي وربنا يسامحك، أصلا أنا اللي غلطان إني قليت من نفسي وجيت هنا بكرة تعرفي غلطك، يارب الأسياد يسيبوكي في حالك بس… -عند أمك أنت والأسياد بتوعك. أخرجته ميار من الشقة بيد مرتجفة من شدة الغضب، ثم أغلقت الباب خلفه بعنف حتى ارتجت له الجدران قليلًا.

ظل الرجل للحظة يحدق في الباب المغلق أمامه بصدمة وإهانة واضحة، ثم تمتم بكلمات غير مفهومة وغادر وهو يهز رأسه، بينما كانت هي واقفة في مكانها تكاد تنفجر من شدة الإستفزاز. استدارت نحو صابرين ببطء، وكانت نظراتها وحدها كفيلة بأن تجعل أي شخص يتراجع خطوتين للخلف وصدرها يعلو ويهبط بسرعة، ووجهها محتقن بالغضب، أما صابرين فكانت تنظر إليها باستغراب حقيقي وكأنها لا تفهم سبب هذه الثورة كلها. أردفت ميار بغضب حقيقي

وهي تشير ناحية الباب: -إيه اللي كنتي جايباه ده؟ رمشت صابرين عدة مرات ثم قالت ببساطة شديدة وكأن الأمر طبيعي للغاية: -جايبالك شيخ يا ميار علشان يعدل حالك، مش ده اللي طلبيته مني؟! وضعت ميار يدها فوق رأسها وكأنها تحاول استيعاب الكارثة التي حدثت للتو، ثم أخذت تدور حول نفسها في الصالة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة قبل أن تتوقف فجأة وتنظر إليها بحدة:

-قولتلك عايزة شيخ مش شيخ منصر، عايزة شيخ يعني حد يجي يقرأ قرآن، يقرأ سورة البقرة، ولا الرقية الشرعية على إزازة مية، ولا يرش ملح في البيت… مش جايبالي دجال. قالت الأخيرة وهي تكاد تصرخ في الجملة الأخيرة أما صابرين فظلت محتفظة ببرودها المثير للأعصاب ثم رفعت كتفيها ببساطة وقالت: -أهو ده اللي لقيته. اتسعت عين ميار أكثر وهي تنظر إليها بعدم تصديق: -لقيتيه فين أصلًا؟! فكرت صابرين لثوانٍ ثم أجابت بثقة:

-واحدة جارتي في المنطقة قالتلي عليه أنه شاطر ومبروك وأنا قولت أن ده طلبك واتواصلت معاه وجيبته بالعافية لأن عليه الطلب.. ضحكت ميار ضحكة قصيرة فاقدة للأعصاب تمامًا قبل أن تقول: -جارتك دي لازم تتعالج هي كمان.

ثم جلست على الأريكة بإرهاق شديد وهي تمرر يدها فوق وجهها، في الحقيقة لم تكن غاضبة من الرجل وحده، ولا من صابرين وحدها بل كانت غاضبة من نفسها لأنها وصلت إلى هذا الحال الذي جعلها تفكر فعلًا في الإستعانة بشيخ يقرأ القرآن في المنزل لعل قلبها يهدأ قليلًا، لكنها لم تكن تتخيل أن صابرين ستعود لها بهذا النموذج العجيب.

جلست صابرين بجوارها وهي تراقبها بحذر هذه المرة، فكانت تعرف ميار منذ سنوات طويلة، وتعرف أن خلف هذا الغضب توجد امرأة خائفة أكثر مما هي غاضبة. امرأة تنهشها الشكوك وتأكلها الغيرة وتخشى أن تخسر ما تحب لذلك قالت بصوت أكثر هدوءًا: -طب ما تهدي بس يا ميار، أنا كنت بحاول أساعدك والله.

أغمضت ميار عينيها للحظات ثم تنهدت بعمق لأول مرة منذ ساعات شعرت بإرهاق حقيقي جعل غضبها ينطفئ تدريجيًا ويترك مكانه لذلك الحزن الثقيل الجالس فوق صدرها. ثم فتحت عينيها ونظرت إلى صابرين وقالت بضيق صادق: -أنا تقريبًا مش محتاجة شيخ يا صابرين. صمتت لحظة قبل أن تكمل بصوت خافت منكسر: -أنا محتاجة راحة، محتاجة أبطل أفكر شوية. ───

في اليوم التالي، حيث كانت شفاء تجلس أمام المرآة داخل حجرة نومها، تحدق في إنعاكسها طويلًا، تشعر بأن من أمامها الآن امرأة غريبة لا تعرفها! وجهها شاحب اطفأت الأيام نضارته وعيونها التي كانت قبل سنوات تضج بالحياة ولم تعد كذلك بعد أن فقدت بريقها ورونقها. رفعت يدها ومررتها فوق وجنتيها ببطء تتساءل بصمت أين اختبات تلك الفتاة التي كانت تضحك من قلبها وكانت تعيش حياة يملؤها الحب والفرح والآمان.. أين ضاع الحب؟!

وسعادتها أين تلاشت؟! أين الآمان التي كانت تحيا به تحت ظل “ضرغام”. فمن بعده تلاشى وتبخر كل شيء من حياتها البائسة… فالحب الذي يدعيه أحمد ويخبرها به مرارًا وتكرارًا دون ضجر يثقل ويزهق روحها بدلًا من أن يخففها، فـأي حب هذا الذي يجعل القلب يرتجف عوضًا عن أن يطمئن ويسكن؟! كيف يمكن له أن يمنحها الآمان وهو مصدر الخطر والخوف لها؟! كيف تستند عليه وهو أول من يدفعها دائمًا نحو الهاوية؟؟!

أسئلة كثيرة تدور في عقلها ولا تجد لها إجابات، فقط ألم يتفاقم بداخلها ويزهق روحها منذ أيام وسنوات.. قاطع تفكيرها وانتشلها من شرودها اقتراب أحمد المباغت والذي لا تعرف متى استيقظ واقترب لهذا الحد المُهلك بالنسبة له والجحيمي بالنسبة لها، مائلًا بجسده نحوها يهمس لها جوار أذنيها بنبرة تنبأ برغبته بها سعيدًا بتواجدها وعودتها إلى حجرتهما من تلقاء نفسها، فقد آتت كي تمشط خصلاتها وتأخذ ملابس لها قبل أن تذهب إلى المرحاض:

-صباح الخير يا حبيبتي، كنت عارف أنك هترجعي لوحدك ومن نفسك على أوضتنا وتبطلي نوم في أوضة البنات، بس مصحتنيش ليه مدام صاحية وقاعدة كدة كنا قعدنا مع بعض شوية و وريتك قد إيه وحشاني وهموت عليكي. أنهى كلماته رافعًا ذراعيه يمرر أنامله على طول ذراعيها العاريتين، ارتجف بدنها ونفرت من لمساته لها وأنفاسه مبتعدة عنه بمسافة ليست بالكبيرة أو الصغيرة ولكنها تفي بالغرض، مجيبة ببرود كأنها لم تفعل شيء وابتعدت كما فعلت مرارًا وتكرارًا:

-صباح النور يا أحمد. حاول أحمد كبح غيظه ضاممًا لقبضة يده بغل وغضب؛ فهو لا يطيق ابتعادها ونفورها منه تلك الفترة، لكنه لم ينجح في محاولته ولم يظل صامتًا بل انفجر وصرح بما اعترى القلب من نيران آكلته: -لحد أمتى هتفضلي تبعدي عني؟ لحد أمتى يا شفاء؟ أنتِ عارفة أنك كدة بتغضبي ربنا والملايكة بتلعنك عشان جوزك طلبك وعازاك وأنتِ موافقتيش؟؟؟ ضاقت عيونها لا تصدق ما يتفوه به، بل هل هو يصدق ما يقوله ومقتنع به!!

لم يكتفِ أحمد بهذا القدر بل تابع بقوة وصراخ لم يهز شفاء وذلك لأن المنزل خالي وابنتاها نزلا منذ زمن وذهبا إلى المدرسة: -المفروض اعمل معاكي إيه أكتر من اللي بعمله، بطلت سهر وشرب، وبطلت امد أيدي عليكي وبرضو مفيش خطوة منك، أروح ابص برة يعني واعملها في الحرام عشان الهانم مش راضية عني، خلي بالك ده حقي و واجب عليكي ترضيني متخلنيش أخدك عافية يا شفاء. هنا وانفجرت هي الأخرى، تحولت من قطة وديعة إلى أخرى شرسة تدافع عن نفسها:

-وأنت كل ده مخدتنيش عافية، خليني ساكتة الله يخليك وبعدين مين اللي المفروض يحاسب مين أنا ولا أنت؟؟ ثم تابعت بغضب حقيقي: -وبعدين أنتَ عارف كويس ليه مش بخليك تلمسني متقعدش بقا تعيش دور الضحية، أنتَ اللي خليتني أقرف منك أكتر وأكتر، لأني مش هعمل أي حاجة تغضب ربنا ومش هعمل اللي أنتَ عايزه، لأنك مصمم تقريبًا على القرف اللي في دماغك ده… أردف أحمد بنبرة لعوب:

-بصراحة أنتِ ست مملة يا شفاء، مملة بشكل لا يطاق إيه المشكلة يعني لما نجرب مرة؟؟ ليه كل حاجة تكبري الموضوع؟؟ مش يمكن لما تجربي يعجبك؟؟ -قولتلك حرام وأنا مش هعمل حاجة حرام لما تتراجع عن اللي في دماغك وقتها نتكلم… ثم تابعت بانفعال وشراسة:

-وبعدين أنتَ ماسك في حاجة واحدة عشان تريح نفسك، وسايب بنتك اللي امبارح راجعة متأخر ومكنتش بترد وبدل ما تقلق وتقعد تستناها معايا وتديها كلمتين وتعرفها أن في حدود، دخلت الأوضة ونمت ولا كأن في حاجة حصلت.. ختمت حديثها بقوة: -قبل ما تبص لحقوقك أعمل واجباتك واللي عليك يا أحمد واعمل اللي عليك عشان اعمل أنا اللي عليا. ضحك أحمد ساخرًا ثم هتف بانفعال مفرط:

-لا بلاش جو قلب التربيزات ده ومتغيريش الموضوع، مبقاش بكلمك في موضوعنا تدخليلي البت في الحوار. ثم تابع حديثه وهو يبرر لها فعلته: -وبعدين أنا دخلت ونمت عشان ممسكهاش ارنها علقه على تأخيرها ده، بس لو هتنبسطي همسكها أرنها علقة متقومش منها، بس ساعتها المشكلة هتبقى عندك أنتِ وهتقولي اللي بيضرب بناته أهو وهتتقمصي مني وتكبري الموضوع، أنتِ مش طبيعية خلي بالك. صاحت شفاء به بانفعال حقيقي: -أنا اللي مش طبيعية ولا أنت؟

شوف أنا بكلمك في إيه وأنت برضو بتكلمني في إيه؟ هو يا تخش تنام يا تضربها، متعرفش تتصرف تصرف طبيعي؟ -أنا طبيعي جدًا على فكرة، لكن أنتِ اللي مش طبيعية. ثم تابع وهو يقترح عليها بجدية شديدة: -مبتفكريش تتعالجي يا شفاء؟؟ أقولك على حاجة أنا هدورلك على دكتورة كويسة. انطلقت ضحكة ساخرة من فم شفاء، ثم علقت باستهزاء واضح: -ماشي، دور يا أحمد وأهو بالمرة ابقى احكيلها على اللي حصل منك وكل حاجة عملتها فيا والدفاتر تتفتح.

إلتوى ثغره تهكمًا ثم علق وهو يهم بالمغادرة وتركها: -لا وعلى إيه الطيب أحسن، خلي الدفاتر بقفلها أحنا لسة هنفتحهم. ─── دلفت ليل إلى شرفة المنزل المطلة مباشرة على الشارع، تحمل في يدها ممسحة وفي اليد الأخرى دلوًا صغيرًا ممتلئًا بماء فاتر….. وضعت الممسحة مستندة إلى الحائط، ثم أنزلت الدلو بجوارها وهي تطلق زفرة طويلة.

فها هي تستعد لتنظيف الشرفة التي تراكم فوق أرضيتها بعض الغبار، لكن الحقيقة أن الأمر لم يكن متعلقًا بالشرفة وحدها.. كانت تحاول تنظيف رأسها من الزحام وقلبها من الضيق وأفكارها من الغضب، وربما الأهم من كل هذا هو إزعاج “علي” قليلًا في طريقها.. ابتسمت لنفسها وهي تلتقط هاتفها، ثم ضغطت على إحدى الأغنيات المفضلة لديها؛ الأغنية التي كانت تسمعها كلما أرادت أن تخرج ما بداخلها دون أن تتحدث مع أحد.

“متحاسبنيش على ذنب عملته أنت يا حبيبي ومتلومنيش طول عمري بخاف أن أنا احرج يوم إحساسك، ما تسبني أعيش أنا رافضة ارجعلك بعد خيانتك ليا مفيش…………….” امتلأت أرجاء الشرفة بالموسيقى… ومع إنتهاء الأغنية لم تبحث عن غيرها، بل أعادتها من البداية مرة أخرى، هذه المرة ارتفع الصوت أكثر، أعلى مما ينبغي وأعلى مما تسمح به أي فتاة عاقلة تقف في شرفة تطل مباشرة على المارة.

لكن ليل لم تكن مهتمة لا بنظرات الناس ولا بالسيارات والعربات المارة ولا حتى بالسيدات اللواتي توقفن لثوانٍ يتأملنها باستغراب مما تفعله. فقد بدأت بتردد كلمات الأغنية مع المغنية وكأنها تخاطب شخصًا بعينه… شخصًا تعرف جيدًا أنه سيسمع في ورشته فكانت تتحرك بالممسحة بين حين وآخر، ثم تتوقف لتردد الكلمات بحماس أكبر حتى إنها كادت تضحك من نفسها، فهي تعرف جيدًا أنها تتصرف كطفلة لكنها استمتعت وتلذذت بذلك.

استمتعت بفكرة أن شخصًا معينًا تعمدت استفزازه وإثارة غضبه على مشارف الانفجار من الغيرة، فقد كانت تراقبه دون أن ينتبه وحتى دون أن تبدي اهتمامها أو ملاحظتها له، لكنها لمحته من جانب عيناها وهو يقف يترصد لها أفعالها الصبيانية الفجة التي لا ترضي أحد. لم تنتظر طويلًا وحدث ما أرادت ودبرت له بعدما فشل علي في كبح أعصابه عنها. وفجاءة دوى صوته غاضبًا ومشتعلًا أمامها بالأسفل: -اقفلي الأغاني دي.

توقفت ليل في منتصف الشرفة ثم ابتسمت ببطء، الابتسامة نفسها التي تظهر حين تعرف أنها أخيرًا نجحت… بينما علي كان وجهه متجهم وعيناه مشتعلة بالضيق، تغافلت ليل عما تراه بعيناه وقالت ببراءة مصطنعة لا تليق بها: -خير يا علي في حاجة؟ نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يقول بانفعال واضح ولكن بنبرة حاول قدر المستطاع جعلها منخفضة وألا يسمعها غيرها: -يا بجاحتك…هو أنتِ فاكرة نفسك في أوضة نومك مع نفسك ولا إيه؟!

مش قولتلك بطلي العادة المهببة دي؟! رفعت حاجبيها باستنكار وضيق مصطنع بينما كانت في الحقيقة مستمتعة بكل كلمة تخرج منه.. ردت عليه باستفزاز ودلال مقصود: -الصوت مكنش عالي أوي يا أسطا علي، أنت بس اللي تلاقيك مركز زيادة. اشتدت ملامحه أكثر وحدقها بنظرة تعرفها جيدًا، نظرة الرجل الذي يحاول التماسك بصعوبة…. أخذ نفسًا طويلًا، ثم تحدث بهدوء لا يشبه حقيقة ما يمر به الآن:

-ليل متختبريش صبري، إياكي أسمع صوت أغاني جاي من عندك تاني، وبعدين نزلي الستارة دي ولا أي نيلة على دماغك أنتِ بتعملي استعراض لمين يعني؟ كادت تضحك لكنها تماسكت وأجابت بكل بساطة: -ليك يا حبيبي هيكون لمين يعني غيرك، هو أنا أساسًا ورايا غيرك. ساد الصمت لثانية……. ثانية واحدة فقط لكنه شعر خلالها أن قلبه تعثر أما هي فاستمتعت تمامًا بذلك الأثر الذي ظهر على وجهه رغم محاولته إخفاءه.

في تلك اللحظة تفحصها للمرة الأولى منذ أن خرجت إلى الشرفة. كانت ترتدي جلبابًا منزليًا واسعًا وبسيطًا يبدو أنه يعود لوالدتها، وشعرها مرفوع لأعلى بعشوائية ولا تضع أي زينة ومع ذلك بدت جميلة وأنثوية بصورة أزعجته أكثر فقال وهو يشيح بنظره عنها للحظة ثم يعيده إليها من جديد: -كنت أتمنى بس لما تكوني في بيتي مش في الشارع يا ست ليل.

اختفت الابتسامة قليلًا من فوق شفتيها لأن تلك الجملة تحديدًا كانت دائمًا تصيبها في مكان حساس داخل قلبها بيتهم وحياتهم. والأيام التي ينتظرانها تنهدت بضيق وهي تحاول الهروب من تأثير كلماته: -خلاص، مش هنظف ولا غيره نفسي اتقفلت. رد فورًا عليها: -أحسن… رمقته بنظرة غاضبة…

بينما كان هو يخفي ابتسامة صغيرة كادت تفضحه، انحنت ليل وأمسكت الدلو وأخذت الممسحة واستدارت نحو الداخل لكن قبل أن تختفي تمامًا التفتت إليه مرة أخيرة وجدته ما زال واقفًا مكانه يراقبها كعادته وكأنه لا يطمئن إلا حين يراها أمام عينيه أما هو فظل واقفًا للحظات حتى بعد دخولها…. يطيل النظر إلى الشرفة الفارغة ويهز رأسه باستسلام ثم تمتم لنفسه يحدثها بضيق ممزوج بحب لا يستطيع إخفاءه: -هتجننيني في يوم يا ليل.

أما هي فكانت في الداخل تبتسم وحدها لأن حملتها لتنظيف الشرفة فشلت لكن حملتها لاستفزاز علي نجحت نجاحًا ساحقًا. ─── جاء “ضرغام” ليلة أمس تناول العشاء ثم نام وحينما استيقظ اليوم كان والده في العمل وشقيقه نوح ألقى التحية سريعًا وهو يصعد إلى شقته، تاركًا ضرغام جالسًا مع أمه في الصالة الواسعة التي شهدت عمرًا كاملًا من الحكايات……

كانت شاهيناز تجلس على الأريكة، ظهرها مستقيم، ونظارتها تستقر فوق أنفها، وبين يديها الهاتف فاتحة ملف خاص بأحدى الكتب، لم تكن تقرأها بقدر ما كانت تقلب الصفحات بشرود…… نظر إليها ضرغام ثم ابتسم بمكر خفيف وقال: -صحيح يا شوشو رجعتي البيت إزاي؟ رفعت رأسها نحوه بكبرياء مصطنع وهي تجيب عليه بهدوء يلائمها: -رجعت لوحدي علشان خاطر أنت جاي لولا كده مكنتش هرجع طبعًا. ضحك ضرغام رغمًا عنه…

فهو يعشق علاقة والده ووالدته واللعبة التي تدور بينهما، في طفولته لم يكن يفهم كيف يمكن لامرأة مثقفة، مُعلمة لغة إنجليزية، أن ترتبط برجل بسيط خريج معهد، يعمل في محل سمك مع أبيه كوالده.. لم يفهم لماذا كانت الشجارات تشتعل بينهما لأسباب تبدو تافهة، نظرة، كلمة، غيرة زائدة من الحاج عبد الله الذي كان يرى زوجته أجمل نساء الحي وتختلط بالرجال بحكم عملها، وكان يخشى عليها حتى من الهواء.

وكانت لها هي الأخرى نصيب أن تغار عليه من كثرة النساء التي يتعامل معهم ورُبما يمتلكون من الميوعة والغنج أكثر منها بطبيعتها العملية نوعًا ما…. لكن حين كبر… فهم أن الحب لا يشترط التكافؤ في الشهادات، ولا في الطباع ولا حتى في مستوى الغيرة….

فهم أن بينهما شيئًا أعمق من كل اختلاف، شيئًا جعل زواجهما يصمد قرابة أربعين عامًا، أربعين عامًا من الشجار، المصالحة، الغيرة، الضحك والعناد ثم العودة لبعضهما كأن شيئًا لم يكن حتى بعد إدراك والدته لزواج والده السري……. لايستطيعان أن يفترقا فالحب هو من يجمعهما رُبما ينكرا ذلك لكن تلك الحقيقة الملموسة…. قالت شاهيناز وهي تنظر إليه بتمعن:

-سيبك من رجعت ليه دي علشان أنا وأبوك متعودين على كده من زمان، طمني عنك أنت إيه أخبار شغلك؟ وليه بقيت مستقر في الفرع هناك أكثر. أجاب عليها ضرغام بنبرة مبهمة: -كده أحسن يا ماما. كان بالفعل يرى أن هذا هو الأفضل للجميع…. يتذكر منذ سنوات حينما سمع أنهم يحتاجون شخصًا ما في الإسكندرية، وقتها ألح على مديره المباشر ليلًا ونهارًا أن يرشحه حتى أنه يظن حتى الآن بأن الرجل رشحه ونقله بالفعل فقط لأنه سأم من إلحاحه.

فقد كان حينها يرغب في الابتعاد عنها.. عن شــفــاء.. فلو جاءه وقتها عملًا في قارة أخرى كان ليفعلها أيضًا ويبتعد….. رُبما كان أحمقًا يظن بأن المشكلة تكمن في المكان ليس في قلبه المفتون بها ويحملها في كل مكان يذهب إليه. لكنه مازال يرى بأن خطوته للعمل هناك غالبية الشهر ليعود هنا بضعة أيام فقط هي الأفضل على الأقل ذهابه للإسكندرية هو ما جعله يلتقي بـميار، ميار التي كانت مسكن له.

ميار لم تكن حبًا عاصفًا ولم تكن اشتعالًا كالذي عرفه مع شفاء، لكنها كانت سكينة… مسكنًا له، امرأة تحبه وتحترمه، تُقدّره، تمنحه هدوءًا افتقده طويلًا؛ تعطيه أشياء كثير يحتاجها رجل في عمره، تمنحه استقرارًا نفسيًا وألفة يشعر بها بأنه ليس بمفرده، وهو يكن لها مشاعر أيضًا تولدت بينهما رُبما ليست كشفاء لكنها في النهاية تسمى مشاعر… كان يحاول أن يقنع نفسه أن هذا هو الحب الحقيقي..

حب ناضج وهادئ بلا وجع، ورُبما هو كأي رجل لأنه لم يحصل على شفاء ولم تكن له مازالت في عقله وقلبه، كان يقنع نفسه بتلك السطحية رغم أنه يعرف بأنه كاذب………. ففي أعماقه كان يعلم… أن في قلبه غرفة لم تُغلق بعد…. سمع صوت والدته وهي تسأله سؤال أخر وكأنها تجري تحقيقًا معه: -إيه إسكندرية مفيهاش واحدة حلوة؟ كنت مستنية أنك تقولي أن الأسباب الحقيقية مش شغل بس.

ابتسم ابتسامة صغيرة، ولم يُجب فهو لا يحب الكذب، لكن الصمت أحيانًا أسهل فهناك امرأة، ليست مجرد امرأة فقط بل هو متزوجًا بها. لم تصمت شاهيناز بل تابعت بجدية أكبر: -يا ابني أنا شايفة أن أبوك معاه حق، لازم فعلًا تتجوز أنت مبقتش صغير، الخطوة دي هتاخدها لما تكون في الأربعينات يعني؟؟؟ هتتمتع بشبابك أمتى وتخلف أمتى بس؟ رد عليها ضرغام رد مقتضب: -كل حاجة وليها وقتها، وده نصيب. تنهدت والدته ثم قالت بنبرة حنونة:

-مقولناش حاجة يا حبيبي، بس مفيش مانع أننا نحاول، شرط الجواز هو القبول، شوف واحدة تناسبك وتتقبلها كزوجة وتكون شريكة حياتك. ثم شحبت ملامحها قليلًا وكأنها تقترب من الجرح مباشرة: -يشهد ربنا عليا أنا بحب شفاء قد إيه، بس برضو أنت ابني، مينفعش تضيع سنين عمرك أكتر من كده؛ شفاء مش هتخلص من الراجل ده وخلاص مبقاش ينفع، غير أن عندها بنات ما شاء الله عرايس يا ابني، يعني فكرة طلاقها لو دي في بالك فهي مستحيلة.

قاطعها ضرغام بانفعال نابع من أن والدته تؤكد أنها لن تترك هذا الرجل: -أنا مالي بيها، أنا ولا عايزها تطلق ولا غيره ميخصنيش يا أمي، وبعدين شفاء ملهاش علاقة بجوازي. كان نصف حديثه الأول كذبًا…… ويستطيع أي أحد معرفة بأن هذا الرجل يكذب، فالكذب كان واضحًا في ارتجافة صوته… ردت شاهيناز بصرامة وقد انفلت لسانها نوعًا ما: -الكل شايف كده، حتى أبوك شايف أن بنت أخته السبب، ده أبوك وصل يشكك أنك عندك مشكلة.

سألها ضرغام بعدم فهم كأن الغضب تملك منه ولم يعد يدري ما يسمع: -عندي مشكلة يعني إيه مش فاهم؟ مشكلة إيه اللي هتكون عندي؟ لم تستطع شاهيناز أن توضح أكثر حتى ولو كان ابنها فقالت وهي تكررها: -عندك مشكلة يعني أنك تتجوز، غير أنه متأكد أن شفاء السبب وأنك لسه بتحبها. هدر ضرغام بانفعال كأنه ينفي تهمة وجريمة عن قلبه رغم أنه ارتكبها بالفعل: -أنا مبقتش بحب شفاء مبقتش بحبها، أنا محيتها من زمان……

خانته دمعة، سقطت رغمًا عنه، لم يقصد أن تبكي عيناه أمامها، فلم يرد شفقة، لكن الكلمة خرجت ثقيلة وكأن قلبه يكذبه. نظرت إليه شاهيناز بعينين ممتلئتين بالشفقة والقلق، ولأنه لم يرغب في الشفقة أكثر فجر القنبلة وأخبرها بسره: -أنا أصلًا متجوز في إسكندرية يا ماما، علشان بس تعرفوا أن شفاء مبقتش في بالي زي ما بتفكروا. انعقد لسانها. اتسعت عيناها.. لا تصدق ما تسمعه…. هل يمزح؟ هل ينتقم من اتهامها؟ لكن لا… عينيه لا تكذبان…

كان ينظر إليها بنظرة رجل مُنهك، عيناه تحكيان ألمًا عميقًا وجسده يرتجف وظل الصمت بينهما كثيفًا وخانقًا. ثم نهض…. لم يحتمل نظرتها….. لم يحتمل الأسئلة التي ستأتي منها…. تركها مذهولة في مكانها…ورحل.. ─── انتهت صلاة العشاء….. وتفرّق أغلب المصلين في أزقة الحي الضيقة، بعضهم عائد إلى بيوتهم، وبعضهم إلى عمله لم يبقى في المسجد إلا القليل؛ رجل يسبّح في هدوء، وآخر يطيل الدعاء في الصف الأخير…

كان إسلام يقف أمام المحراب، يُعدّل وضعية الميكروفون، ويتأكد أن الأسلاك في مكانها الصحيح، فاعتاد ألا يغلق المسجد حتى يطمئن أن كل شيء مرتب، وأن الأبواب والنوافذ مُحكمة…. فهو الإمام وهو المؤذن للمسجد.. وبينما كان ينحني ليرفع سجادة صغيرة من طرفها، شعر بظل يقترب منه…… أقترب منه رجل في أواخر الخمسينات من عمره متمتم بترحاب: -إزيك يا إسلام يا ابني؟

عرفه إسلام قبل أن تكتمل ملامحه في الضوء الخافت فهو عم محمد والد “إلهام” طليقته التي مازالت في فترة العدة…… تصلب جسده للحظة لكنه أخفى ذلك خلف ابتسامة مهذبة: -الحمدلله يا عم محمد، حضرتك عامل إيه؟ اقترب الرجل منه بخطوات بطيئة، وكأنه يزن كل خطوة قبل أن يضعها، كان يبدو أكبر من عمره، أو ربما أثقلته الأيام الأخيرة. -الحمدلله يا ابني نحمده ونشكر فضله، بصراحة أنا كنت مستني الرجل تخف والأغلبية يمشوا علشان اجي اتكلم معاك.

شعر إسلام بأن الحديث لن يكون عابرًا وصدق حدسه حينما قال محمد بتردد واضح: -عدة إلهام خلاص كلها أيام وتخلص. تغيرت ملامح إسلام قليلًا لكن صوته ظل ثابتًا: -وأنا قصرت في حاجة؟ مصاريفها وكل حاجة ببعتها وده حقها عليا، وهي اللي حبت تخرج من البيت قبل ما تنتهي العدة حتى وقتها طلبت منها تقعد في شقتها معززة مكرمة وأنا اقعد مع جدي لكنها رفضت. ابتسم له محمد بإرتباك وحرج ثم أجاب على حديثه:

-ما هو بعد ما رميت عليها اليمين يا إسلام هي متحملتش تقعد؛ وأنا عارف أنك يا ابني مقصرتش وعمرك ما قصرت. سكن الرجل لحظة ثم أكمل بصوت أخفض: -بس هي ندمانة يا إسلام، وصدقني عرفت غلطها يا ابني وعايزاك تردها، وهي هتوعدك قدامنا كلنا أنها مش هتعملها تاني. عامان فقط كانا مدة زواجهما…..

عامان كانا كافيان ليكتشف أن الصورة التي أحبها لم تكن كاملة، تذكر أيام الخطبة وعقد القرآن كانت هادئة، تحب أن تسمع منه، تسأله عن الدين، تبدي رغبة في أن تكون أفضل. لم تكن ملتزمة كما كان يتمنى، لكنها كانت طيبة، مرنة، تشعره أنه رجل يُحترم. بعد الزواج تغير كل شيء تدريجيًا…. أصرت ألا تنجب في البداية، قالت أنها تريد أن تعتاد عليه ويعتاد عليها، حتى لا يأتي طفل إلى بيت غير مستقر لم يعجبه الأمر، لكنه وافق لأن لكل شيء ميعاد.

لكن المشكلة كلها لم تكن هنا بل لاحقًا حين ظهرت امرأة سليطة اللسان بشكل فج، تعامله كما تعامل طفل صغير، لا تستمع إلى الكلام.

تنقل إلى والدتها وشقيقتها الكُبرى كل كبيرة وصغيرة تخصهما، حتى بات يشعر بأنه متزوج ثلاث نساء وليست امرأة واحدة؛ من كثرة التدخل في أمور منزله، حتى أنها كانت تخبرهما بأسرارهما وأمورهما الخاصة جدًا التي تكن مساحة محرمة على أن يصل إليها أحد، وكان تبريرها دومًا بأنها تفضفض إلى والدتها وتحب أن تخبرها كل شيء وبأن الأمر طبيعيًا.. وكل خلاف بينهما كان ينتهي بجملة واحدة: “أنا معملتش حاجة غلط، أنت اللي بتكبر المواضيع يا إسلام”.

فأمست حياتهما الخاصة والغير الخاصة مادة للنقاش خارج جدران المنزل. تحدث معها مرة. اثنان.. عشرة… مئة… حتى إلى عدد لا يتذكره…ولكن الحديث معها دون جدوى ومثل عدمه تمامًا. باتت الحياة بينهما جحيم لا يُطاق وكانت امرأة لا تقبل أبدًا بأنها قد أخطأت بل دومًا ترى نفسها على حق….. رد إسلام على الرجل بعد تنهيدة خرجت منه:

-حضرتك يا عم محمد على عيني وعلى رأسي، بس على يدك الحياة بيني وبين بنتك كانت عاملة إزاي، واستحالة تنصلح لو كان ينفع تتصلح كنا قدرنا نصلحها وأحنا مع بعض، وإلهام مش هتتغير ووالدتها حتى الآن مش مطلعة بنتها غلطانة. ثم تابع بجدية: -وأخر مرة الاتنين قالولي كلام ميقبلهوش راجل على نفسه، وغلط فيا وفي أهلي بدون سبب ويشهد ربنا على كلامي وهي نفسها تشهد أن مفيش حد من أهلي ادخل في حياتنا ولا حتى ضايقها بكلمة واحدة. خفض محمد رأسه..

هو يعرف.. يعرف ضعف شخصيته أمام زوجته. يعرف أنه لم يستطع أن يوقف التدخلات في وقتها وتدخل متأخرًا جدًا، تدخل بعد فوات الآوان. -والله أنا اتخانقت مع مراتي ورجعتها عند أمها، واتكلمت مع إلهام وهي مستعدة تيجي وتتكلم معاك بنفسها وتتكلموا لوحدكم. نظر إليه إسلام بعينين هادئتين لكن داخلهما تعب قديم: -عم محمد صدقني مبقاش ينفع أنا مش هقدر اصفي ليها من تاني، العيشة بينا بقت مستحيلة، ربنا يصلح حالها ويرزقها الأفضل مني إن شاء الله…

ارتعشت شفتا الرجل قليلًا بحسرة لن ينكرها بأن ابنته قد أضاعت رجلًا مثله: -مفيش أفضل منك يا ابني بنتي خسرتك، وأنا معرفتش اعمل حاجة للأسف، هنقول إيه، بعد اللي قولته مفيش كلام يتقال يا ابني، السلام عليكم. تمتم إسلام وهو يراقب طيفه أثناء رحيله: -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. لم يشعر بانتصار ولا براحة كاملة….. فقط شعور ثقيل… أن بعض القرارات، حتى لو كانت صائبة تظل موجعة ومؤلمة لأصحابها… ─── -أنت بتقول إيه يا ضرغام؟

يعني إيه قولتلها؟؟ ليه تقولها بس ليه عملت كدة!!!!!! تساءلت ميار بصدمة…. لا تعرف هل تسعد أم تحزن. جزء منها سعيد باعترافه لوالدته وجزء آخر يخبرها بأن ما حدث لم يجب حدوثه على الأقل في الوقت الحالي ربما لاحقًا، لكن التوقيت الآن ليس صحيحًا. أجابها بنبرة عادية لم تتمكن من تميز حقيقتها أكانت برود أم لامبالاه أم الاثنان معًا: -عادي مفيش سبب. كادت تعترض وتتابع حديثها معه قائلة: -بس أ…

أوقفها عن المتابعة، مطلقًا تنهيدة محملة همًا و وجعًا: -مفيش بس، ماما عرفت خلاص وحصل اللي حصل ملوش فايدة كلامنا، أنا هقفل دلوقتي جالي مكالمة شغل، هكلمك تاني سلام. لم يتمهل لسماع ردها وسارع في إنهاء المكالمة، حقًا طاقته ورصيد قدرته على التحمل قد نفد

فدفع جسده بإنهاك على الفراش وحدق في السقف بعينين مثقلتين تحمل على أعتاقها هم الدنيا بأجمعه وكيف لا يحدث وحبه القديم ما زال يسكن بين أضلعه كالجرح الذي لم يعرف طريق الالتئام والشفى بعد؟! فهي كانت شفاءه… فـ أين يأتي بالشفاء من بعدها!!!!! ظن أن الزمن قادر على شفاءه ولكن اتضح له أن ظنونه خاطئة من أين له أن يأتي بالشفاء في غيابها… أوصد عيونه وعاد بذاكرته إلى ذلك اليوم الذي انكسر فيه قلبه انكسار لم يسمع صداه سواه!!

ومنذ ذلك اليوم لم يعرف قلبه للترميم سبيلًا… تفاصيل اليوم تعاد أمامه تفتح جروحه التي لم تلتئم من الأساس… يوم زواج شفاء الذكرى التي لاتزال محفورة في ذاكرته حتى الآن…………………………. وصل ضرغام إلى حارته الذي يقطن بها، ولكن لم يستطع المتابعة بسيارته. يرى الأنوار الملونة المعلقة وصوت الأغاني الصاخبة النابعة من مكبرات الصوت الموزعة في أنحاء الشارع، مما جعله يتقن أن هناك عرس مقام في منطقتهم ولكن من!!!

لم يهتم كثيرًا للمعرفة بل كل ما كان يشغل باله وقلبه الآن هي حبيبته التي فسخت خطوبتها منه وآبت العودة إليه رغم محايلاته ومحاولاته والتي كانت تقابل بالرفض…. وهذا ما جعله يفكر في الغياب بضعة أيام ويتركها حتى تهدأ وتعيد التفكير وتشتاق إليه ربع اشتياقه لها. صف سيارته وبدأ يخطو خطواته نحو هلاكه…

قاصدًا بناية عائلته ولكن ما حدث جعله يشعر بالريبة، نظرات كل من يراه كانت غريبة إلى حد ما، لم يفهمها وقتها ولكنه فعل لاحقًا حيث كانت نظرات ما بين الشفقة والشماتة…. من لا يدري بقصة الحب الكبيرة التي بينه وبين ابنة عمته، الجميع يعلم ما بينهما وكيف يعشقان بعضهما البعض… انتقل ببصره ينظر لمن يتهامسون ومن نظراتهم نحوه أدرك أن الحديث يدور حوله، حينها ارتجف قلبه وغفل عن السبب ونظر بدون سبب نحو “الكوشة” المخصصة للعريس والعروس…

تجمد مكانه…. توقف الزمن به… يراها بثوبها الأبيض، جالسة بجوار آخر غيره؛ غيره يمسك بيدها.. انهار بصمت في تلك اللحظة ولم يدري عنه أحد… كل تصفيق واحتفال أي شخص من حوله بهما بمثابة رصاصة تنهش وتستقر في صدره وتقتله بلا رحمة. عيونه ظلت معلقة بها يحاول تكذيب ما يراه، يدعو ويناجي ربه أن يكون هذا كابوسًا فـ أن يكون كابوسًا ارحم وأهون بكثير، لم يبكي بعد، لم يصرخ بل ظل يتقدم بخطوات متثاقلة.

حتى وصل وبات واقفًا أمامها، انتبهت إليه ولاحت الصدمة على وجهها، لم تتوقع حضوره، من المفترض أنه كان مسافرًا، لم حضر وآتى اليوم بالتحديد!!!! وعلى الفور سحبت شفاء يدها من بين يد أحمد وهذا ما جعله يناظرها ويندهش من فعلتها ولكن قبل أن يميل عليها ويتحدث معها.. استمع لصوت ضرغام الذي خرج متحشرجًا تزامنًا مع توقف الموسيقى: -إيه اللي بيحصل ده؟! ، وقاعدة جمبه ليه قومي معايا، قومي يا شفاء…..

صرخ بجنون وصوت جهوري جعلها ترتعب وترتجف وتتجمع دموعها في عيونها في لمح البصر، مد يديه وحاول الإمساك بها كي ترحل معه لولا والده و نوح شقيقه اللذان تقدما منه ومنعاه عن لمسها. حيث تدخل والده وصاح به: -امشي معايا يا ضرغام. -مش ماشي، مش همشي من غيرها هو إيه اللي بيحصل ده إيه التهريج ده؟! أنا عايز افهم إيه اللي بيحصل؟! بقى اغيب كام يوم عشان اسيبها تفكر، ارجع الاقيها بتتجوز؟!

الجوازة دي مش هتحصل على جثتي أنها تحصل وشفاء تبقى لغيري أنا مش هسيبها سامعين. هنا وجاء دور والد شفاء “محمود” و زوج عمته والذي لم يعجبه ما يحدث والفضيحة الذي افتعلها ضرغام أمام أحمد وعائلته والباقي من المعازيم: -لا هتمشي، وشفاء ملكش كلمة عليها، وبعدين مش هتقولهم مبروك أحنا كتبنا الكتاب خلاص مع الأسف وصلت متأخر؛ البت اتجوزت خلاص اللي يقدرها ويصونها، اتجوزت سيد الرجالة أحمد……….. لم يتحمل ما سمعه…

قلبه فقد الحياة ومات ما أن علم الحقيقة المُرة فاقترب نوح من شقيقه وحاول إبعاد ضرغام وأخذه معهما والرحيل لكنهما لم يتمكنا…. فقد ظل ضرغام يبصرها لا يصدق ما فعلته به، غدرت به، خذلته…. أين وعودها وعهدها معه!!!!!! حبهما أين ذهب!! ترى هل تلاشى وتبخر في بضعة أيام؟! لا من المستحيل أن يحدث، فهي لطالما عشقته……. انزعج أحمد من نظراته المطولة والتي تحوم على زوجته فقط مما جعله يتحدث بحنق: -هو أنت هتفضل واقف تبحلق فيها كتير!!!!

مـ…. لم يستطع أحمد أكمال كلماته بفضل انقضاض ضرغام عليه وكأنه كائن مفترس جرد من إنسانيته لا يسمع توسلًا ولا يرى رجاءًا ممن حوله، فقط تحركه كرهيته؛ غيرته وعشقه الضائع من بين يديه………… لا يتذكر ضرغام ما حدث سوى أنه بعدها كان في قسم الشرطة… حيث كانت رائحة الرطوبة ممزوجة برائحة السجائر القديمة تخنق الأنفاس، والمقاعد الحديدية تصدر صريرًا خافتًا كلما تحرك أحد….

الإضاءة البيضاء الباهتة تسقط على الوجوه فتُظهر الشحوب بوضوح، وكأن المكان يتغذى على انكسارات الداخلين إليه……. وقف ضرغام في المنتصف، كأنه المتهم الوحيد في الدنيا كلها، بينما وقف والده عبد الله إلى جواره، وملامحه مشدودة بعصبية مكبوتة، وشقيقه نوح إلى الطرف، يشيح بوجهه تارة وينظر إليه تارة أخرى بنظرة تحمل عجزًا أكثر مما تحمل لومًا……..

أما الجد، فكان قد غادر إلى المستشفى، يحاول أن يلملم ما يمكن لملمته، يسعى خلف تنازل من أحمد… كان المحامي يقف معهم صامت كأن الصمت في هذه اللحظة أكثر حكمة من أي دفاع تحديدًا أن الضابط أخبرهما بأن يحاولا حل الأمر وديًا مع السيد أحمد. تمتم عبدالله بانفعال حقيقي وصوته يرتجف بين الغضب والخوف على ابنه: -إيه اللي هببته ده؟ أنت اتجننت هتودي نفسك في داهية، أنت عارف لو متنازلش الزفت ده هيحصل إيه؟؟ ثم انفجر فجأة وكأن

الكلمات كانت تحرق صدره: -أمك لو عرفت اللي حصل هطب فيها الحمدلله أنها في العمرة مع جدك… تدخل المحامي بسرعة بنبرة منخفضة حازمة: -وطي صوتك يا حاج عبدالله أحنا في قسم ومش عايزين نخرب الدنيا ولا الموضوع يكبر أكتر من كده. لكن ضرغام… لم يكن يسمع….. كان يقف صامتًا، صدره يعلو ويهبط بعنف، كأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق…

عيناه زائغتان، تحدقان في الفراغ أمامه، وكأنه يرى مشهدًا آخر غير هذا يرى شارعًا مضاءً، وزينة معلقة، وضحكات تعلو وزغاريط النسوة أما اسم شفاء يُكتب بجوار اسم رجل غيره……… “غيره” تلك الكلمة كانت كفيلة بتهشيم ما تبقى منه….. أخيرًا، خرج صوته مبحوحًا، مكسورًا، لكنه مليء بوحشية الألم وهو يتنفس بصعوبة على وشك أن يفقد عقله، فلا يصدق ما يحدث. -هقتله، هقتله… وضع عبدالله يده على فمه بعنف: -اخرس خالص، اخرس مش عايز اسمع صوتك.

لكن ضرغام نزع يده بعصبية وصاح بانفعال يكاد يمزقه: -مش هخرس، أنتم السبب، إزاي سكتوا؟ إزاي محدش فيكم يقولي أنها هتتجوز؟؟؟ لولا أني جيت بالصدفة مكنتش عرفت حاجة، لا وعاملين الفرح في الشارع يعني كلكم كنتم عارفين. كانت عينه تلمع بدمعة حارقة لكنه رفض أن تسقط، كان يبكي من الداخل فقط بكاء صامتًا يقطع قلبه فهو يتألم بشكل لم يتعهده…… حاول نوح أن يتكلم ولكن صوته خرج خافت ومُرتبك:

-يا ضرغام الموضوع كله حصل في خلال أسبوع، حتى حاولنا نتكلم مع شفاء وقالت أنها موافقة على الجوازة فمرضيناش نقولك علشان منزعلكش. هل هناك شيء قد يحزنه أكثر من أن شفاء حبيبته باتت لرجل غيره؟ لم يكن الأمر خيانة صريحة، لكنه كان أقسى من الخيانة. كان استبدالًا وإعلانًا واضحًا أنه لم يعد كافيًا فشعر ضرغام أن شيئًا في صدره انكسر بصوت مسموع لا يسمعه سواه كأن قلبه انشطر نصفين، وتركه ينزف كرامة قبل أن ينزف حبًا…… همس

لنفسه بصوت بالكاد مسموع: -كانت بتقول عمرها ما هتكون لغيري. ثم ضحك ضحكة قصيرة مكسورة، ضحكة رجل اكتشف أن كل وعود الدنيا لا تساوي شيئًا أمام قرار واحد……… لقد انتهى ضرغام اليوم…. قتلته شفاء اليوم…. لم يُهزم في مشاجرة ولم يُقتل…. بل انكسر حين رأى اسمه يُمحى من حياتها. هدر عبدالله بقوة محاولًا أن يعيده إلى الواقع: -ما تولع شفاء وأمها واللي خلفوها، أنت لازم تخرج أنت سامع؟؟ لكن ضرغام لم يعد يفكر في الفضيحة… ولا في القسم…

ولا في الناس…… كان يفكر في لحظة واحدة. لحظة رأى فيها شفاء بفستانها الأبيض… تمسك بيد رجلٍ غيره….. رجل أخذ مكانه….. تمتم المحامي بهدوء يحاول إحتواء العاصفة: -هدي نفسك يا حاج عبدالله، إن شاء الله الحاج ضرغام هيعرف يوصل معاه لحل الموضوع لسه ممكن يتحل. لكن الحقيقة التي لم ينطق بها أحد… أن ما انكسر في قلب ضرغام لا يُصلح بمحضر يُتنازل عنه ولا بجلسة صلح… عاد ضرغام بذاكرته إلى الوقت الحاضر، مطلقًا تنهيدة حملت الكثير والكثير…

فحتى بعد مرور سنوات طويلة لم يتمكن من نسيان ما حدث أو ترميم جراحه التي لازالت تنزف حتى يومنا هذا، وكأن كل ما حدث بقلبه حدث بالأمس وليس ما يقارب الثامنة عشر عامًا……………….. ─── في اليوم التالي، في حجرة أحمد الخاصة في صالون التجميل، كانت الغرفة معتمة إلا من ضوء أصفر خافت ينبعث من مصباح جانبي، يُلقي بظلال طويلة على الجدران……

الستائر مسدلة بإحكام، تعزل المكان عن ضجيج الخارج، وكأن ما يحدث هنا لا يجب أن تراه عين ولا تسمع به أذن… فقد كان أحمد يحتجزها بين ذراعيه، لا كعاشق يضم محبوبته، بل كرجل يحاول أن يخمد نارًا تشتعل داخله، قبضتاه تحيطان بها بقوة، وكأنه يعصر بها شيئًا أعمق من جسدها، يعصر غضبه، إحباطه، وغيرة تأكله منذ شهور…. سميرة……

إحدى العاملات في المكان، في الثلاثين من عُمرها، تعمل هنا منذ أن كان كل شيء تحت إدارة والدته لذلك كانت سميرة امرأة تعرف الممرات، والأسرار، وتقلبات مزاجه؛ اعتادت صوته المرتفع، خطواته الغاضبة، وصمته الثقيل. فهي ذراعه الأيمن في المكان واعتادت أيضًا أن تكون ملاذًا مؤقتًا حين تضيق به الدنيا، كان يقبّلها أحمد بنهمٍ مرتبك وشهوة مجنونة كأنه ينتقم من فكرة عالقة في رأسه، لا منها هي…..

وهي تستقبله بترحاب تعلمته مع الوقت؛ لا حبًا، ولا حتى شغفًا خالصًا، بل مزيجًا من الاعتياد والحاجة…………. هي تعرف جيدًا أن من يدفعه إلى هذه الحالة ليست هي…. إنها شفاء….. تعلم هوسه بها، تعلقه الذي تجاوز الحد المعقول تعلم كيف يتحول حين تُذكر أمامه، وكيف يجن أن شعر أن أحدًا يقترب منها، والحقيقة التي لا تعترف بها إلا في أعماقها.. أنها تحسدها….. تحسدها لأن أحمد، بكل جبروته، يضعف أمام اسمها………..

ابتعد عنها فجأة، وهو يلهث، يمرر يده على كتفها العاري، بعد أن نزع عنها قميصها الأسود الذي يحمل “اللوجو” الخاص بالعمل وبقيت بقميص داخلي بلا أكمام، يفضح أثرًا داكنًا على ذراعها……… توقف أحمد ثم حدق في الكدمة وعقد حاجبيه وهو يسألها: -ذراعك وارم ومزرق ليه كده يا سميرة؟ ردت عليه سميرة بانزعاج واضح: -جوزي الله يسامحه كان عايز قرشين مني ولما مرضتش مد أيده عليا.

تبدلت ملامحه للحظة فاقترب منها مجددًا، لكن صوته صار أخفض، أخطر وهو يُقبل عنقها: -سبيه؟ مستحملاه ليه؟ تستحملي راجل بيهينك وبيمد أيده عليكي ليه؟ -عشان العشرة اللي ما بينا. سألته بنبرة لعوب وهي تفتح أزرار قميصه بمجون اعتادت عليه تحاول أن تشغله عن أمر زوجها: -قولي لو أطلقت تتجوزني يا مستر أحمد؟ نظر إليها طويلًا ثم ابتسم ابتسامة جانبية باردة: -أحنا تخطينا مرحلة الجواز دي من زمان يا سميرة، وبعدين يعني متعشمة تكوني التانية؟

ضحكت سميرة بميوعة مصطنعة تخفي خلفها لحظة خيبة عابرة: -لو العاشرة مدام معاك معنديش مشكلة. همس لها أحمد بحرارة: -طب وطي صوتك… اقترب منها يشبع حاجته فكانت تعرف سميرة كما يعرف هو، أن ما بينهما ليس أكثر من مساحة يهرب إليها حين تعصف به رغباته وغضبه…. وأن قلبه، رغم كل ما يفعل، ما زال معلقًا بامرأة أخرى…….. امرأة لا تمنحه ما تمنحه هي أبدًا….. لكنها تمنحه شيئًا أخطر…

تمنحه الهوس وتوافقه على ما لا توافق عليه شفاء في علاقتهما الزوجية….. خارج الصالون…. أوقفت شفاء سيارتها أمام الصالون بيدين ترتجفان، وكأن الطريق كله كانت تقوده بقوة العادة لا الوعي فلم تكن ترى إشارات المرور، ولا وجوه المارة، ولا حتى صوت المنبهات حولها، كان في رأسها صوت واحد فقط….. وعد لا تأتي منذ أسابيع….

ذهبت أولًا إلى مكان الدرس الخاص بابنتها، بعد أن أنهت شراء طلبات المنزل لكن لم تجدها هناك فسألت صديقتها، فجاءها الرد عاديًا: “وعد مش بتيجي بقالها أسابيع يا طنط ولما سألتها قالت أنها هتغير المستر”. المُدرس نفسه أكد الأمر… والمساعدون كذلك وحتى رقم الهاتف الذي كتبته في الإستمارة كونه يجب أن يخص ولي أمرها لا يجيب….. ابنتها تركت رقم أخر لا تعلم من أين آتت به.. خرجت من هناك وهي لا تشعر بجسدها….

ابنتها لا تذهب إلى الدرس منذ أسابيع، وهي لا تعلم شيئًا… لا أحد يعلم أين تذهب؟! لا أحد يعرف مع من تكون؟! ….. اتصلت بها وهاتفها مغلق…. أما عهد كالعادة لا تعرف شيئًا انهت درسها وعادت مبكرًا…. بالكاد استطاعت أن تفتح الباب، ساقاها تخونانها، تحملانها بصعوبة، كأن كل خطوة تحتاج جهدًا مضاعفًا، دخلت المكان، والوجوه المألوفة ارتسمت عليها ابتسامات ترحيب معتادة: -أهلاً يا مدام شفاء.

لكنها لم تر أحدًا ولم تسمع شيئًا إلى أن توقفت أمامها صفاء شقيقة أحمد الكبرى. شحبت صفاء على الفور بمجرد رؤيتها وسألتها بتوتر: -رايحة على فين؟ لم تحتمل شفاء السؤال فصرخت في وجهها بصوت مبحوح متوتر: -فين أحمد، مش بيرد على تليفونه ليه؟ ما عربيته واقفة برة. ارتبكت صفاء حاولت أن تبدو طبيعية لكن صوتها خرج عاليًا أكثر مما يجب: -أحمد جوا بس…… لم تنتظر شفاء أكثر….

بل تحركت بخطوات سريعة نحو الممر الذي تعرفه جيدًا، فتعرف طريق حجرته.. أسرعت صفاء خلفها، أمسكت بذراعها بقوة: -اهدي بس فهميني في إيه؟ انتفضت شفاء ثم سحبت يدها بعنف وصاحت بصوت كاد يُسمع في الشارع: -وأنتِ مالك، أنا عايزة جوزي يشوف بنته فين. كان في صوتها شيء أقرب إلى الجنون لم تعد زوجة غاضبة، كانت أمًا مذعورة.

وضعت يدها على مقبض الباب، فشعرت صفاء بالكارثة قبل أن تحدث حاولت أن تمنعها، أن تمسك بها مجددًا، لكن شفاء كانت أقوى وأسرع منها في تلك اللحظة…. لم تكن امرأة… كانت إعصارًا….. وفي داخلها خوف مضاعف…… كانت صفاء تعرف أن انكشاف أي شيء الآن، في هذه اللحظة تحديدًا، قد يشعل نارًا لا تنطفئ، لكنها لم تستطع إيقافها…. دفعت شفاء الباب بقوة…. انفتح….. واتسعت عينا صفاء إلى أقصاهما لما هو قادم من فضيحة………… …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...