الفصل 5 | من 5 فصل

الفصل الخامس

المشاهدات
10
كلمة
8,155
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية حكاية ضرغام والحب الجزء الخامس 5 بقلم فاطمة طه سلطان & فاطمة محمد حكاية ضرغام والحبرواية حكاية ضرغام والحب الحلقة الخامسة وضعت يدها على مقبض الباب، فشعرت صفاء بالكارثة قبل أن تحدث حاولت أن تمنعها، أن تمسك بها مجددًا، لكن شفاء كانت أقوى وأسرع منها في تلك اللحظة…. لم تكن امرأة… كانت إعصارًا….. وفي داخلها خوف مضاعف……

وكانت صفاء تعرف أن انكشاف أي شيء الآن، في هذه اللحظة تحديدًا، قد يشعل نارًا لا تنطفئ، لكنها لم تستطع إيقافها. دفعت شفاء الباب بقوة…. انفتح واتسعت عينا صفاء إلى أقصاهما لما هو قادم من فضيحة… أقترب أحمد منها، ثم ابتسم لها بتوتر وهو يتصبب عرقًا بشكل غريب ومثير للريبة، فرفع يديه ومسح العرق الذي يصب من جبينه، خاطفًا نظرة نحو شقيقته قبل أن يهتف مرحب بزوجته: -إيه ده شفاء هنا؟ وأنا أقول المكان نور ليه كدة.

توتره وخوفه كانا سببًا في جعله يغفل عن قسمات وجهها الحانقة والخائفة، كان غريبًا مما أثار شكوكها فلم تجب على ترحابه بها بل قالت بانفعال مفرط: -أنت مبتردش عليا ليه؟! ابتلع أحمد ريقه بارتباك ثم أجاب: -فين ده؟ وبعدين أنا مش عارف سيبت التليفون فين. سألته شفاء بغضب حقيقي: -شوفه فين وهتشوف إني اتصلت عليك كذا مرة، أنا مش فاهمة إيه لازمة الموبايلات اللي معاكم سوا أنت أو بنتك مدام محدش فيكم بيرد عليها.

كان مازال الاثنان يقفا عند الباب تقريبًا….. وأخيرًا أدرك أحمد أن حالتها سيئة، نبرتها تعكس حالتها كما أنه شعر بأنها على وشك البكاء لكنها تتماسك وتدعي القوة فأقترب منها وسألها بقلق: -في إيه بس أهدي يا شفاء، قوليلي إيه اللي حصل ومتنرفزة ليه كدة؟! على الفور أفصحت له وهي تشعر أن قواها تتلاشى وعلى وشك السقوط من هول ما سمعته؛ أي أم قد تسمع وتعرف ما سمعته وعرفته وتكون على ما يرام!!!! هناك ما تخفيه ابنتها..

هناك ما يحدث بالتأكيد وستعرفه، وعد وعهد بالنسبة لها خطوط حمراء لن تسمح أن يمسهم ضرر… -بنتك مبتروحش الدروس وصاحبتها بتقول أنها قالت أنها شافت مدرس تاني وكمان مش بترد على موبايلها أنا قلقانة عليها يا أحمد ومرعوبة، وعد فيها حاجة مش مظبوطة واللي بيحصل ده مش طبيعي. أثناء حديثها تلفت أحمد ونظر نحو مكتبه الذي يتوسط الغرفة، ثم عاد ببصره نحوها وفور انتهائها أخبرها ببرود لا تدري من أين يأتي به:

-يمكن مرتاحتش مع اللي بتاخد معاه وغيرته فعلًا زي ما قالت لصاحبتها متكبريش الموضوع يا شفاء، وبعدين أنا مش هينفع امشي دلوقتي في عروسة زمانها جاية و…. لم تصدق شفاء ما تسمعه ويخرج من فمه فأتسعت عيونها صدمة ودهشة وقاطعته بقوة وتهكم غير سامحة له بالمتابعة: -عروســـة!! لا فعلًا معاك حق، اقنعتني، ده سبب قوي فعلًا يخليك متجيش معايا وتشوف بنتك فين.

كل هذا كان يحدث أمام أعين صفاء التي تستجير حقًا بداخلها من أفعال شقيقها، حتى لا تعلم لماذا زوجته على ذمته حتى الآن رغم عدم الوفاق الشديد بينهما……. -هاجي فين يعني؟ ما أنتِ أصلًا مش عارفة هي فين؟ هنروح أنا وأنتِ فين يعني؟؟ اطلعي البيت لغاية ما الهانم ترجع ونشوف هنهبب معاها إيه، المرة دي مش هسكتلها عشان يكون في علمك. هنا تحولت لأخرى، صارخة في وجهه متسببه في فزعه هو وشقيقته: -أنت إيـــــــــه؟؟؟ هو أنت مش أبوها؟؟

جايب البرود ده كله منين، أنا خلاص تعبت وقرفت أنا غلطانة أني مش بتعلم وبلجألك، العيب مش عليك العيب عليا أني كل مرة بنسى أنك مش راجل يعتمد عليه. بعد إلقائها ما في جبعتها اولته ظهرها ومرت من جوار شقيقته التي تحركت جانبًا وأفسحت لها الطريق كي تمر وتغادر. بعدما تأكد أحمد من ذهابها تنفس أخيرًا بارتياح ومسح وجهه وتقدم نحو مكتبه كي يجلس عليه، اتبعته شقيقته وكان هو كمن يحدث نفسه:

-الحمدلله كانت هتمسكني متلبس، كويس أنك نبهتيني وقعدتي تعلي في صوتك، لولا كدة مكنتش لحقت أخبي سميرة. هنا وخرجت سميرة من أسفل مكتبه من تلقاء نفسها فور جلوسه، تراجع بالمقعد للخلف فاعتدلت في وقفتها تهندم ملابسها وخصلاتها التي أضحت فوضوية، نظرت إليه ثم نحو شقيقته ثم عادت تبصره من جديد ففهمت إشارته لها التي تحثها على الرحيل فسارعت في التحرك وفتح الباب، وتركتهما معًا. وبعد أن أصبحا بمفردهما صاحت به صفاء تنهره:

-عجبك القرف اللي أنت بتعمله ده؟؟؟ المرة دي جت سليمة وعرفت اتصرف وألحقك، افرض المرة الجاية أنا مش موجودة، أو أنت ملحقتش الموقف هتعمل إيه يا أحمد؟ تلخبط ثم أجاب بتلعثم: -اللي حصل حصل، متكبريش الموضوع أنتِ كمان يا صفاء أنا مش عايز وش، أنا أعصابي بايظة من غير حاجة. ردت صفاء بانزعاج جلي: -لا ده أنت بارد بجد زي ما مراتك قالت، بقولك إيه يا أحمد القرف اللي بيحصل هنا ده مش لازم يتكرر أنت سامع؟!

عك في أي حتة إلا هنا مدام مبتخافش من ربنا، المكان هنا له سمعته ولو حد شم باللي بيحصل ده مفيش ست هتفكر تدخل المكان هنا. نطق أحمد ببرود: -والله أنا حر مش هتقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه يا صفاء أنا مش عيل صغير قدامك. ردت صفاء بانفعال كبير: -لا، الكلام ده لما يكون المكان ليك لوحدك يا أحمد لكن أنا وأنت في مركب واحدة، والمكان هنا وسمعته أهم من قرفك، ومتضطرنيش أروح اقول لمراتك بنفسي على اللي مشافتهوش. ثم تابعت قبل أن تغادر:

-أنت فعلًا راجل بارد ومعندكش دم زي ما مراتك بتقول ولا حتى شاغل بالك ببنتك….. ─── منذ ليلة أمس…وشاهيناز تشعر أن عقلها يتفلت منها خيطًا خيطًا، الكلمات التي قالها ضرغام لم تكن مجرد خبر، كانت صفعة مدوية، قنبلة ألقيت في منتصف صدرها. ابنها…

ضرغام تزوج ومن دون علمهم، لا تتذكر أنها قالت شيئًا بعد اعترافه كل ما تتذكره فقط أنها كانت تحدق فيه، وكأنها لا تفهم اللغة التي يتحدث بها، حتى أنه في المساء، حين عاد زوجها، لاحظ أن البيت هادئ على غير عادته.

شاهيناز التي تملأ المكان حركة وصوتًا، كانت صامتة كأنها ليست هنا، سألها عما بها، فلم تجب، أعاد السؤال بنبرة أعلى، فظلت على صمتها حتى افتعل عبدالله شجارًا على أمر تافه، علّه يستفزها فتتكلم، لكنها لم تجب عليه بل ادعت بأنها سوف تخلد إلى النوم….. حتى في الصباح…

لم تستطع أن تتجهز لعملها، فهي مديرة مدرسة، امرأة معتادة على الانضباط والقرارات الحاسمة، لكن اليوم لم تكن قادرة حتى على الوقوف بثبات، انتظرت خروج زوجها الذي خرج بعد صلاة العصر…. ووقفت خلف النافذة تراقبه حتى ابتعد، وما إن اختفى عن مرمى نظرها، حتى استدارت بخطوات حاسمة نحو غرفة ضرغام..

لم تطرق الباب تلك المرة على غير العادة بل دفعته بقوة ودخلت، وجدته نائمًا، مستلقيًا في هدوء، وجهه مسترخ لا يعرف شيئًا عن العواصف الذي تركها خلفه. اشتعل صدرها أكثر فصرخت وهي تقف بجوار فراشه: -قوم، قوملي من النوم يا ضرغام. انتفض من نومه فهو ظل ساهرًا عقله يعيد الذكريات، ففتح عينيه بصعوبة ثم اعتدل في فراشه: -في إيه يا ماما؟؟ ضحكت شاهيناز بمرارة ثم قالت: -في إيه؟ أنت لسه بتسأل في إيه؟

عارف تنام إزاي، ده أنا من امبارح عيني مش عارفة تغفل، أنت ازاي تتجوز من ورانا؟ جلس ضرغام على حافة السرير ثم مرر يده في شعره بتوتر وهو يجيب: -اهدي يا ماما واسمعيني. قاطعته شاهيناز بصوت مرتفع يكاد يرتجف: -اسمع إيه؟ قولي هسمع إيه؟؟ إيه اللي يخليك تتجوز من ورانا؟ هو أحنا كنا مانعينك من الجواز؟ ده أبوك لسانه دلدل من كتر ما بيقولك اتجوز، ومين دي اللي أهلها وافقوا بيك لوحدك؟

وإيه أصلًا اللي يخليك تعمل كده ولا يجبرك على كده، ليه تتجوز في السر؟ خفض رأسه قليلًا ثم قال محاولًا أن يوضح الأمر: -هي كانت متجوزة قبل كده بس جوزها متوفي و… شهقت شاهيناز وكأن الضغط ارتفع في عروقها دفعة واحدة: -وبعدين أخلص أنا ضغطي في السماء. تردد ضرغام لحظة ثم أكمل: -هي عندها ولد وأهل أبوه بيهددوها ياخدوه منها لو عرفوا أنها اتجوزت، غير أن في موضوع ثـأر، فالموضوع معقد شوية وطويل.

وضعت شاهيناز يدها على رأسها كأنها تحاول أن تمنعها من الانفجار: -يادي المصيبة، يادي المصيبة يا ضرغام، ليه كده يا ابني وإيه اللي يجبرك على كده؟ أبوك لو عرف أنك اتجوزت من وراه واتجوزت واحدة أرملة وفي حوار تار كمان مش هيحصل كويس أنت عارفه وعارف دماغه. قال ضرغام بصوت خافت: -أنا مش عارف أقول إيه. هدرت فيه شاهيناز بقوة: -اللي زيك المفروض يخرس يا ضرغام، يخرس وميتكلمش، مش عايزة اسمع صوتك أصلًا.

توقفت شاهيناز لحظة ثم عادت الكلمات تندفع من صدرها بلا رحمة: -امبارح الراجل بيكلمني ويقولي عدينا أول جمعة في الشهر ومتجمعناش وهو عمال يتكلم وأنا مش عارفة اقوله إيه، كنت في دنيا تانية منك لله يا ابني، منك لله يا ضرغام…….. رفع ضرغام عينيه إليها أخيرًا ثم حاول أن يقول أي شيء: -أنا عارف إني غلطت بس الظروف حكمت عندها بكده؛ وفي نفس الوقت أنا كبرت وكنت محتاج استقر خصوصا إني بقعد كتير في إسكندرية، وأكيد كنت هقولكم..

نظرت إليه بذهول قائلة: -كنت هتقولنا أمتى يا ضرغام؟؟ ولا أصلًا أنت متجوز من أمتى… صمت لحظة ثم قال بصوت بالكاد يُسمع: -من سنتين تقريبًا. كأن الأرض مالت تحت قدميها…. سنتان……. سنتان كاملتان وهو يعيش حياةً أخرى، يذهب ويعود، يجلس معهم على المائدة، يضحك، يتحدث، وكأن شيئًا لم يكن، بينما هناك زوجة له في مكان آخر…..

حدقت شاهيناز فيه طويلًا ولم تصرخ هذه المرة بل كانت نظرتها أوجع من الصراخ، هناك خليط من خيبة الأمل والخذلان بداخلها، فهي أمٍ اكتشفت أنها لم تعد تعرف ابنها كما كانت تظن. أدارت شاهيناز ظهرها، وخرجت من الغرفة ببطء، هذه المرة لم تكن غاضبة فقط بل كانت تشعر أن جزءًا من أمومتها قد سُرق منها في صمت، طوال عامين كاملين، دون أن تنتبه، فهي أم لم تفرح بزواج ابنها…. ───

عاد نوح من عمله مبكرًا اليوم على غير العادة فأخبرته راندا أن يأخذ حمامه ويبدل ملابسه وهي سوف تطلب الطعام من الخارج؛ فهي لم تتوقع حضوره باكرًا ولم تعد الطعام بعد وانشغلت في أعمال المنزل التي لا تنتهي. بعدما انتهى هو أخذت هي الأخرى حمامًا سريعًا ثم خرجت وارتدت جلباب منزلي مريح وجمعت خصلاتها للخلف، والتقطت قنينة العطر ونثرت القليل عليها.. بعد ساعة..

جلس الاثنان على السفرة في انتظار وصول الطعام..حينها ارتفع رنين الجرس وسارعت هي في فتح الباب وأخذ الطعام من عامل التوصيل، بعدها اقتربت من محل جلوسه وهي ترص أطباق الطعام على السفرة تستفسر منه: -مالك يا نوح أنت كويس يا حبيبي؟ منحها نوح بسمة صغيرة ثم أجابها: -الحمدلله يا حبيبتي مصدع بس شوية. -ألف سلامة عليك، بعد ما تأكل هعملك فنجان قهوة هيضيع لك الصداع اللي عندك ده خالص.

لم يخرج منه تعقيبًا على حديثها بينما هي أخذت تفتح الطعام وجلست وبدأ الاثنان في تناول الغداء في صمت. صمت مريب بالنسبة للكثير ولكنه معتاد بين الاثنان أثناء تناول الطعام ولم يقاطع ذلك السكون إلا صوت رنين هاتفه الذي كان موضوعًا أمامه على السفرة. ابتلع نوح ريقه ورمق بالشاشة يقرأ اسم المتصل وما أن فعل وعلم حتى تبدلت تعابيره لكنه قرر تجاهله وألا يجيب عليه. اعترى الفضول زوجته وسألته: -مش هترد ولا إيه يانوح؟ مين اللي بيتصل.

رد نوح بلامبالاة زائفة: -بيتصلوا من الشغل علشان مشيت بدري هيقرفوني اتصالات وأنا مصدع مش فايقلهم لو في حاجة مهمة هيتصلوا تاني أو على الأقل هيبعتوا رسالـ… ما لبث أن ينهي جملته حتى وجد حديثه يتحقق وتم إرسال الرسالة له، فأمسك الهاتف ووقف الطعام بحلقه ما أن قرأ محتواها… “رد عليا أحسنلك وإلا أنت عارف اللي فيها وأنا ممكن أعمل إيه..” هنا وزيف بسمة على وجهه وحدق بزوجته التي كانت تتابعه وأخبرها بمزاح:

-شوفتي مش قولتلك أهو كدة هضطر ارد، كدة في مصيبة لازم الحقها. نهض نوح ثم تحرك وابتعد كليًا عنها ودخل إلى الشرفة ثم أغلق بابها خلفه وقبل أن يعاود الإتصال كان الطرف الأخر يسبقه. فتح المكالمة وأجاب بتوتر ظهر رغمًا عنه: -ألو. جاء الصوت من الطرف الآخر قائلًا بقوة ونبرة تحمل الكثير من التهديد و الوعيد: -يعني معملتش اللي اتفقنا عليه وكمان بتصل عليك ومبتردش عليا، أفهم من كدة إيه؟؟ -محتاج بس كام يوم و..

قاطعه المتحدث بحزم ولهجه لا تتحمل نقاشًا: -معاك يومين يعني تمانية وأربعين ساعة لو منفذتش هزعلك أوي… ─── كان الشيء الوحيد الصائب والعقلاني الذي قاله أحمد هو أنها لا تعرف أين تبحث عنها، فهي اتصلت بجميع صديقاتها وأخبروها بأنهن لا يعرفن شيئًا عنها لذلك ظلت شفاء في انتظارها بالمنزل بقلق كبير. وأخيرًا….

فتحت وعد باب الشقة ببطء وما إن خطت خطوة واحدة حتى شعرت بشيء ثقيل في الجو، صمت غير معتاد، كأن البيت كله ينتظرها؛ فرفعت رأسها، لتجد أمها تقف في منتصف الصالة، ثابتة وعيناها معلقتان بها منذ اللحظة الأولى ولم تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها بل صرخت فجأة وصوتها شق الصمت وهي تسألها بذعر أم: -كنتي فين يا وعد؟؟ ارتجفت وعد ثم أغلقت الباب خلفها بيد مرتعشة فهي لا تفهم ما الذي أصاب والدتها اليوم:

-كنت…كنت..كنت في درس الكيمياء عند مستر حسين. الكلمات خرجت متقطعة وملامحها خانتها قبل صوتها فاقتربت شفاء خطوة، وعهد تقف بجوارها، عيناها تتنقلان بين أمها وأختها بخوف واضح. -أنتِ كدابة يا وعد، أنتِ مكنتش في الدرس، أنا روحت هناك اجيبك وصاحبتك مريم قالتلي أنك بقالك أسابيع مبتروحيش، فاكرة أنك هتقدري تكدبي وأنا هعدي عملتك زي قبل كده ولا إيه؟؟ تجمد الدم في عروق وعد وشحب وجهها فأمسكتها شفاء من ذراعها بقوة، كأنها تخشى

أن تهرب منها وهي تصيح: -كنتي فين ردي عليا أحسنلك أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط في وشي. حاولت وعد أن تجمع أفكارها أن تلتقط أي كذبة تنقذها من الكارثة التي وقعت فيها: -كنت عند لوجين صاحبتي وأنا قولت لمريم إني غيرت المُدرس وفعلًا غيرته وأنا كنت في الدرس هناك عند لوجين والمستر برضو اسمه حسين أنا مش بكدب. ضحكت شفاء ضحكة قصيرة، ساخرة وموجعة وهي تعلق: -عبيطة وهبلة أنا بقى علشان اصدق اللي بتقوليه ده ولا أكونش مغفلة يا وعد؟؟

بدأ صوت وعد يعلو لا دفاعًا عن نفسها فقط بل خوفًا: -أنا كنت في الدرس، وبعدين هكون فين يعني، ليه بتشكي فيا يا ماما؟! ثم انفجرت فجأة وخرجت الكلمات منها دون حساب: -وبعدين يعني هو أنتِ علشان متخانقة مع بابا هتقعدي واقفة لينا على الواحدة، ركزي معاه بدل ما تركزي معانا متجيش علينا أحنا بعد ما هو يبهدلك وتطلعي خنقتك فينا.

سقطت الكلمات كصفعة، واتسعت عينا شفاء فلم تصدق أن ابنتها تجرأت وقالت هذا في وجهها، وعد التي كانت دومًا الحضن الحنون لها عكس عهد. في تلك اللحظة هناك شيء انكسر داخلها فلم تشعر بيدها وهي ترتفع، وصوت صفعة مدوّية شقت المكان، لقد صفعت شفاء ابنتها الحبيبة وعد. تراجعت وعد خطوة ثم وضعت يدها على خدها، وعيناها ممتلئتان بصدمة لم تستوعبها بعد….. صرخت شفاء بها:

-أنتِ قليلة الأدب وأنا معرفتش أربيكي، أنا أمك يا وعد، اللي بتتكلمي معاها دي أمك ولو مش هتعرفي تحترميني أنا هعلمك ورايح إزاي تحترميني. اختطفت الهاتف الخاص بها من يدها ثم أمسكتها من ذراعها مرة أخرى، وسحبتها نحو الغرفة بينما عهد تتوسل والدتها وهي تسير خلفهما: -خلاص يا ماما علشان خاطري كفاية. لكن شفاء لم تسمع بل دفعت وعد إلى الداخل وهي تقول بصوت مرتجف من شدة الغضب:

-ورايح مش هتخرجي من البيت إلا معايا يا وعد، حتى الدروس مش هتروحيها، أخرك المدرسة وأنا هوديكي واجيبك، وهتقعدي من غير التليفون، اقعدي بقى حطي وشك في وش الكتب مع نفسك… كانت وعد لا تزال تضع يدها على خدها، تنظر إلى أمها وكأنها لا تعرفها. أغلقت شفاء الباب بقوة ودموعها كانت تحاول الهروب فهي لم تكن تريد أن تضربها ولم تكن تريد أن تصل الأمور إلى هنا ولكن حدث ما حدث وانتهى الأمر. في الداخل…

ولجت عهد الغرفة واقتربت من أختها بحذر ثم جلست بجوارها على الفراش: -قولتلك يا وعد بلاش الكدب واللي بتعمليه ده غلط. انفجرت وعد فيها وعيناها تلمعان بدموع حارقة: -اخرسي متقعديش تديني نصايح أنتِ كمان، أنا مش طايقة نفسي، خليكي في حالك وابعدي عني. وبالفعل تراجعت عهد ببطء، ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب من خلفها بهدوء……

وبقيت وعد وحدها جالسة على فراشها، انحنت بجسدها للأمام، وبدأت الدموع تنهمر بلا توقف، لم تكن تبكي بسبب الصفعة فقط، بل كانت تبكي بسبب الخوف لأنها تذكرت زياد…. صوته الغاضب اليوم وهو يهددها بوضوح إذا تمنعت عن إرسال الصور حينما يطلب منها سوف يخبر عائلتها بعلاقتهما ولن يبالِ. كان قد أجبرها أن تقابله اليوم، قبل أن يعود إلى خدمته العسكرية التي قاربت على الانتهاء. شعرت بالاختناق….

هي لا تستطيع الاستمرار بهذه الطريقة ولا تستطيع التراجع في الوقت ذاته كما لا تستطيع الاعتراف وأن تخبر أحدهم. وضعت وجهها بين كفيها، وهي تدرك أن الكذبة التي بدأت صغيرة تحولت إلى عقدة تلتف حول رقبتها ببطء وهي ليست قادرة على فعل شيء…. ─── في منتصف الليل…. جلست سميرة أمام التسريحة ترتدي منامة بسيطة كاشفة عن ذراعيها وعنقها، تقوم بتمشيط خصلاتها بشرود….

فقد كان عقلها مع ما حدث اليوم وكيف شارفت شفاء بالإمساك بهما وهما في هذا الوضع الحميمي لولا صوت صفاء المرتفع والذي جعلهما ينتبهان ويسارع أحمد في إخفاءها على الفور ولكن يبقى السؤال الأهم هل لاحظت شفاء شيء أم مر الأمر مرور الكرام؟؟ فاقت سميرة من شرودها و زفرت وهي تهمس لنفسها بصوت مسموع: -أكيد محستش بحاجة لو كانت حست مكنتش سكتت وكانت بهدلت الدنيا، يلا الحمدلله جت سليمة المرة دي.

لملمت شعرها للخلف وللتو فقط انتبهت للعلامات الذي تركها أحمد على عنقها فاتسعت عيناها وفكرت في الإستعانة بأدوات التجميل وإخفاءها تمامًا. مدت يدها وكادت تلتقط أي شيء لولا سماعها لصوت باب المنزل الذي أغلق وصاحبه صوت زوجها الذي عاد من عمله للتو. اعتراها الخوف والقلق من أن يرى زوجها تلك العلامات فلعنت أحمد في سرها ولم تجد حل سوى ترك خصلاتها تنسدل وتغطي تلك المنطقة…

وما أن انتهت حتى فُتح الباب وطل زوجها “ياسين” من خلفه متمتم باستغراب ونبرة شبه ناعسة مرهقة؛ فهو يعمل طوال اليوم ويأتي للنوم لمدة أربع ساعات فقط حتى يسدد الديون التي تقع على عاتقه وتثقل ظهره…..فهو كـ كثير من الشباب والرجال الذين يقعون في الديون من أجل الزواج فقط، ومن بعد الزواج يظل يعمل ليلًا نهارًا حتى يسددهم، ولكن الحال كان مختلفًا مع ياسين فهو لا يسدد ديونه فقط بل أيضًا ديون عائلة سميرة حبًا واحترامًا لهم وعشقًا بها.

-إيه يا حبيبتي مش بنادي عليكي. ردت سميرة بتوتر بسيط غير ملحوظ: -معلش يا حبيبي مسمعتش والله حقك عليا. دنا منها “ياسين” وانحنى بشفتاه نحو جبينها وطبع قبلة حنونة دافئة، بعدها ابتعد عنها وهو يمرر عيناه على وجهها باشتياق، متمتم بحب رغم إرهاقه الكلي: -وحشتيني، عملتي إيه النهاردة احكيلي. منحته بسمة وقالت بلامبالاة:

-يعني هكون عملت إيه يعني يا ياسين، خلصت شغل وجيت عملتلك صينية البطاطس باللحمة اللي بتحبها وبعدين دخلت استحمى ويدوبك خرجت من شوية وكنت بسرح شعري.. مرر ياسين أنامله على طول ذراعيه وقبل أن يعلق انتبه لتلك الكدمة الزرقاء على ذراعيها، قطب حاجبيه بقلق واهتمام سألها: -ماله ذراعك يا سميرة إيه اللي عمل فيه كدة؟؟ لانت قسماتها وهي تتذكر ذات السؤال الذي طرحه أحمد عليها اليوم عند رؤيته لذراعها، فابتلعت ريقها وتجنبت النظر

في عينيه مباشرة وهي تخبره: -مفيش ياحبيبي متقلقش أنا بس اتخبطت في الباب. -طب دهنتي أي مرهم أو حاجة؟ هو وجعك؟ أنا هنزل اشوفلك حاجة من الصيدلية. كاد أن يتحرك ويهبط بالفعل ويأتي لها بعلاج من الصيدلية، لكنها مسكت به ورفضت ذهابه مغمغمة: -متكبرش الموضوع يا ياسين دي خبطة بسيطة ومش وجعاني، خش أنت خد دش وأنا هحضرلك العشا عقبال ما تخلص، متتعبش نفسك يا حبيبي أنت شقيان طول اليوم.

التقط ياسين يديها وقبلها بنهم وامتنان حقيقي وحب صادق نابع من قلبه نحوها فهي المرأة التي يعشقها: -تسلم أيدك يا سميرة، بس مرة تانية متعمليش أكل وأنتِ تعبانة وكلميني قوليلي وأنا اجيب أكل وأنا جاي. اعترضت على مطلبه وقالت: -ده لما ابقى تعبانة بجد لكن أنا مش تعبانة، لو فعلًا ذراعي واجعني كنت قولتلك، بس متقلقش و يلا بقى خش خد دش أنا جعانة ومكلتش مستنياك. -حاضر.

بعد إنتهائه اقترب من الخزانة وأخذ ملابس له، ثم خرج من الغرفة وتحرك صوب المرحاض، انتهزت ذهابه فسارعت في لملمة خصلاتها من جديد وإخفاء تلك الأثار على عنقها بمهارة فائقة رغم أنها تعلم بأنه سيتناول طعامه وسيخلد للنوم على الفور ولن يلاحظ شيئًا؛ بسبب الإرهاق البادي على ملامحه…. ─── خلعت شفاء مئزرها ببطء……

كما لو كانت تخلع يومًا كاملًا عن كتفيها، لا مجرد قطعة قماش، أصابعها المرتعشة بالكاد استطاعت فك العقدة، ثم ألقته على الكرسي القريب دون اهتمام، تقدمت نحو الفراش، أزاحت الغطاء بعصبية مكتومة، وجلست على الحافة لحظة، كأنها تخشى أن تستسلم للراحة.. اليوم كان مُرهقًا لأعصابها حد الانهيار…. لم يكن مجرد يوم عادي، بل كان يومًا كسرت فيه شيئًا داخلها

فقد رفعت يدها على ابنتها، تلك اللحظة ما زالت عالقة أمام عينيها؛ صوت الصفعة، النظرة المصدومة في عيني الصغيرة، لم تكن صفعة قوية بقدر ما كانت موجعة لقلبها هي.. هذه أول مرة تقريبًا ترفع يدها عليها وتفعلها. بكت بعدها لأنها ذعرت من الطرق التي قد تمشي فيها بناتها دون أن تدري، من أن يقعن في أخطاء لا تُغتفر وهي لا تعرف كيف تتصرف… بدت مهزومة وضعيفة للغاية.. حتى أحمد لم يترك لها احترام أمام بناتها.

رفعت شفاء رأسها تنظر إلى الطاولة الصغيرة بجوار الفراش، هناك هاتفها وبجواره هاتف ابنتها الذي انتزعته منها وأغلقته… أخذت نفسًا عميقًا….ثم بدأت تفكر. هل تفتحه؟ هل تبحث فيه؟

كانت الرغبة تعصف بها؛ أن تعرف، أن تطمئن، أن تمسك الحقيقة بيديها لكن خوفًا آخر كان يمنعها، خوف أن ترى ما لا تستطيع تحمله، أو أن تكسر الثقة بينهما إلى الأبد، فهي لا تريد أن تتحول إلى أم تفتش خلف ظهر ابنتها، فلا تريد أن تكون علاقتهما مبنية على الشك، لا تريد أن تعاملها كما يعاملها زوجها. في تلك اللحظة، فُتح الباب، دخل أحمد وهو يدندن بصوت عالٍ، متمايلًا بخفة، كأنه خارج من حفل لا من يوم عادي:

يا دكتور شوفلي تصريفة، ابوس ايديك اكتبلي روشتة، ده أنا جوايا حتة نضيفة، خدها ارميها في أي حتة، نفسي اقطعها نفسي اقلعها، زي ما بقلع الجاكتة….. توقف فجأة عندما رآها جالسة أمامه، ملامحها شاحبة، عيناها محمرتين من فرط البكاء، اقترب منها بابتسامته المعتادة صوته يحمل تغزله الدائم الذي لا يليق بالحالة التي تمر بها: -كل يوم بتحلوي أكتر عن اليوم اللي قبله يا شفاء، كل يوم بتبقي خطر أكتر على قلبي.

نظرت شفاء إليه غير مصدقة فكيف يستطيع أن يكون بتلك الخفة وهي تغرق؟ وكيف يستطيع أن يكون بمزاج رائق بعد ما حدث اليوم؟! رفعت كفها وضربت الأخرى في صمت معبر عن استسلامها لجنونه، فهم أحمد نظرتها فتغيرت نبرته قليلًا: -أنا فتحت الأوضة على عهد ووعد ولقيتهم نايمين، عملتوا إيه؟ والبت كانت فين… خرجت منها ضحكة ساخرة وجارحة: -كتر خيرك والله على سؤالك ده، مع أنه أتأخر شوية. ثم أضافت باستهزاء:

-أهم حاجة أن العروسة طلعت زي القمر، هي مش هتلاقي أحسن من أحمد حكيم الجندي يعملها شعرها. لم يلتقط الإهانة في كلماتها أو ربما تجاهلها عن عمد، قائلًا بانفعال مصطنع: -أيوة يعني البت كانت فين متقعديش تنرفزيني وتخليني أروح اصحيها من النوم اديها علقة وأنتِ كمان معاها. تنهدت شفاء بعمق، تنهيدة خرجت من قاع صدرها: -الكلام خسارة فيك يا أحمد؛ عارف يعني إيه خسارة فيك؟؟ أنا هنام ولو على البت كانت عند واحدة صاحبتها.

كذبت لأنه لن يفعل شيئًا. ولو فعل سيبرحها ضربًا ولن يحل الأمر لذلك لم يكن هو الشخص المناسب كي تخبره. راقبها وهي تتمدد على الفراش تسحب الغطاء فوق جسدها فقال بهدوء بارد: -أهو عشان تعرفي أن الموضوع كان بسيط ومكنش مستاهل اللي عملتيه ده كله. هذا البرود سيقتلها يومًا ما، أغمضت عينيها محاولة الهرب. لا منه فقط بل من نفسها. تغيرت نبرته وهو يتمتم بسعادة واضحة من نومها بالغرفة: -مبسوط أنك رجعتي تنامي تاني في الأوضة.

اليوم هي مجبرة على أن تتحمله وتشاركه غرفة واحدة. لن تتمكن من النوم مع بناتها في الحجرة بعد ما حدث وفعلته مع وعد.. لذا لم تجيب عليه، أما هو فكان سعيدًا بوجودها ولا يفكر في أي شيء أخر. مرت ساعة تقريبًا…. كان أحمد قد استحم، وبدل ملابسه، وعاد يجلس بجوارها على الفراش، يقلب في هاتفه بلا اهتمام…. لاحظ حركتها الخفيفة تحت الغطاء، فهي على ما يبدو لم تنم وكيف تفعل بعد ما حدث؟!

ترك أحمد الهاتف، واستلقى بجوارها ثم مرر يده على ذراعها ببطء فانكمشت فورًا وهي تقول محذرة: -أحمد… رد أحمد بهدوء ناعم: -عيون أحمد، كنت عارف أنك صاحية ومش عارفة تنامي القلوب عند بعضها. لم تلتفت له فحاولت إبعاد يده التي بدأت تتحرك بحرية أكبر فوق جسدها: -أنا مش طايقة نفسي يا أحمد، فأرحمني بقى أنا على أخرى واليوم كان متعب. اقترب أكثر، صوته صار مبحوحًا تاركًا قبلة فوق كتفها: -طب سبيني أنا اهديكي وانسيكي كل اللي مضايقك.

-واضح أنك مش فاهم إني تعبانة فعلًا، ومش قادر تفهم اليوم كان صعب عليا إزاي، فلو مش هتسكت هقوم أنام برة على الكنبة…. رد عليها أحمد هازئًا: -وعلى إيه؟ الطيب أحسن أصلًا أنتِ تقفلي أي بني آدم من الدنيا كلها، ست قفيلة وباردة ولا تطاقي كمان وربنا. لم ترد عليه… ربما لأنها اعتادت تلك الكلمات لذا لم يعد لها تأثير صخب عليها. ─── بعد مرور يومين…. تركت سميرة عملها فور رؤيتها لـ أحمد الذي آتى للتو ولحقت به صوب حجرته

وهي تخبره بصوت وصل إليه: -مستر أحمد فاضي خمساية؟ عايزة أتكلم معاك. بالتأكيد لن يرفض أحمد لها مطلبًا مثلما تفعل هي معه فهو في الحقيقة ظن أنها قد اشتاقت إليه…. دلف أولًا ثم هي وفور إغلاقها للباب وإختفائهم عن الأنظار التفت إليها وحاصرها بين جسده والباب من خلفها، مقتربًا بوجهه منها يهمس لها أمام شفتيها: -للدرجة دي وحشك، ومش قادرة تصبري؟!

دنا منها أكثر لا ينتظر سماع جوابًا واثقًا منه، ولكن قبل أن ينجح في تقبيلها كانت تضع يدها أعلى صدره تدفعه وتخبره بتوتر ملحوظ: -أكيد واحشني بس مش ده اللي أنا عايزة أكلمك فيه، في حوار تاني خالص عرفته النهاردة الصبح وعايزة أقولك واحكيلك عليه. أثارت فضوله بكلماتها لذا ابتعد عنها وسألها بتوجس: -حوار إيه ده خشي في الموضوع علطول بلاش مقدمات ملهاش لازمة يا سميرة.

تنهدت سميرة ثم بدأت تسرد عليه ما رأته وحدث معها اليوم مع إحدى الفتيات اللواتي يعملن هنا وسبق لها الزواج: -البت مي اللي شغالة معانا هنا، دخلت الحمام أول ما جيت النهاردة لقيتها قاعدة بتعيط ومنهارة، وبتعيط بشحتفة كدة المهم خدتها في حضني وقعدت اطبطب عليها وأسالها مالك وفي إيه فضلت ساكتة ومكنتش راضية تقول، فقولت خلاص مش هزن عليها أكتر وبراحتها. صمتت تبتلع ريقها فتساءل أحمد بحيرة وعدم فهم:

-وبعدين استفدت إيه أنا من اللي قولتيه وبعدين أنا مالي ما تعيط ولا تتفلق حتى، المهم الشغل يكون كويس هو أنا فاتح جمعية لحقوق المرأة بروح أمك… علقت سميرة على الفور: -مالك مش صابر ليه؟ ما أنا لسة هكملك أهو، وبعدين الموضوع يخصك أو بمعنى أصح يخص صاحبك منصور. لانت قسمات أحمد وبدا اهتمامه واضحًا لها، مغمغم بترقب: -ومال منصور بـيها؟؟؟ وبصوت خافض خوفًا من أن يسمع أحدهما بهذا السر:

-مي قالتلي أنه قبل ما يخطب خلود اللي سابها دي كان معاها، عشمها بالحب والجواز وكل شوية مقابلات وفسح، بس بعدين بلكها واختفى ولما سألت ودعبست وراه عرفت أنه خطب بس المشكلة بقى مش هنا. مط شفتاه وخمن بمكر: -البت حامل منه ولا إيه؟ نفت سميرة وتابعت له:

-لا، بعد ما ساب خطيبته رجع كلمها تاني وقعد يعتذر ويتأسف عشان تسامحه وهي عبيطة وكانت بتحبه فسامحته، قعدوا بتاع أسبوع مشبعها كلام وأشعار وفي غمضة عين لقيته اختفى تاني وبلكها يا حبة عيني، فمستحملتش المرة دي وانهارت عشان حست أنه مبيحبهاش وبيلعب بيها عشان ضامن حبها. اتسعت عين أحمد وصاح مصدومًا: -منصور صاحبي عمل كل ده؟؟؟ أخس عليه، طب لما اشوفه…… أيدت سميرة كلماته الأخيرة وشجعته قائلة:

-ياريت يا أحمد ده البت قطعت قلبي عليها، وشكلها حبيته بجد وخايفة يكون استغل أنها مطلقة وبتحبه وعمل معاها حاجة عشان كدة سابها، هي موضحتش بس أنا خمنت، منك لله يا منصور الكلب. هنا وصرخ في وجهها ينهرها على سبها لصديقه: -أنتِ هتشتمي صاحبي قدامي ولا إيه ؟؟؟ احترمي نفسك وبعدين متوجعيش دماغي وقفلي على الموضوع ده وأنا لما اشوفه هبقى أكلمه وافهم منه.

حل السكون بينهما لثواني قبل أن تقترب منه وتبدأ في فرض طاقتها الأنثوية عليه، متمتمة بدلال لا يراه إلا معها: -بقولك إيه صحيح، كنت مزنوقة في قرشين لو تعرف تدهوملي النهاردة. حدق أحمد بيدها التي تمررها على صدره العاري الظاهر من أعلى قميصه المغلق، مبتسمًا بمكر وهو يرفع بصره ثم غمغم بتأثر وهو يقترب منها ويده تغلق الباب من خلفها بإحكام:

-الوحيدة اللي بتعرف تقلبني في فلوس وأنا راضي ومبسوط هي أنتِ، خلي بالك محدش بيعرف ياخد مني المبالغ اللي بتاخديها بس علشان راحتي معاكي بعديها، قوليلي بقى عايزة كام واحولهوملك……. انطلقت ضحكة مائعة منها مرددة بدلال: -ماشي، وبعدين اهدى شوية مش خايف مراتك تطب علينا تاني؟؟؟ مال عليها وهمس لها بجوار أذنيها: -لا من الناحية دي متخافيش هي مش هتعملها تاني. حاوط خصرها وبدأ يقبل عنقها وأثناء انغماسه بها أخبرته بتحذير:

-خلي بالك بقى وبلاش رقبتي عشان أنت المرة اللي فاتت بهدلتها وربنا ستر وياسين مخدش باله وأنا اتصرفت…….. ─── في المساء.. داخل شقة شفاء وأحمد… تحديدًا غرفة خصصتها شفاء لعملها حيث كانت تعمل من وقت لأخر في صنع منتجات التجميل الطبيعية بعدما فتحت صفحة مؤخرًا تبيع فيها تلك المنتجات، لم يكن الاقبال كبيرًا لكن كان كافيًا أن يشعرها بأمل تحديدًا تلك المرأة التي تطلب منها كثيرًا وتدعو “هدير”..

أثناء انهماكها وشرودها رن هاتفها وأعلن عن اتصال من والدتها فسارعت في النهوض والتقاط هاتفها والإيجاب عليها… -ألو، أزيك يا ماما أخبارك إيه؟ وصل إليها رد نوال تزامنًا مع دخول أحمد واقتحامه الغرفة دون استئذان وعندما شارف على الحديث انتبه لحديثها مع أحدهم وهي توليه ظهرها…. التزم الصمت واقترب رويدًا رويدًا ثم وعلى حين غرة حاوطها وعانقها من الخلف بتملك وحب كبير…..

انتفض جسدها على أثر لمسته وتلك المفاجأة التي لم تسرها وابتعدت عنه متابعة حديثها مع نوال ترمقه بشزر وضيق واضح من فعلته وهو لم يبالي بنظراتها وبدأ في الإنصات ومتابعة ردها على والدتها والذي كان: -لا يا ماما معلش مش هعرف اجي. جاء رد نوال صادمًا وكأنها تدرك سبب تغيب ابنتها الدائم عن التجمعات والعزومات العائلية:

-لو بتقولي لا علشان ضرغام فـمتقلقيش، أكيد مش هيبقى موجود هيمشي أكيد على يوم الخميس زي كل مرة، لو موجود مكنتش هقولك أكيد، أنا أكتر واحدة مش عايزة يحصل احتكاك بينك وبينه…. صمتت شفاء للحظات تفكر في كلماتها وحديثها. فقد صدقت نوال هي دائمًا ما تتحجج ولا تأتي كي لا تراه كم تفادت من لقاءات وتجمعات وفضلت البقاء والجلوس تحت سقف منزلها حتى لا تراه فقط… -أنا مش عايزة اجي.. تسرب الفضول إلى قلب أحمد وهذا ما دفعه لسؤالها:

-مش عايزة تروحي فين؟ ردت عليه ببرود: -شاهيناز مرات خالي عاملة عزومة العيلة بتاعت أول كل شهر وماما عايزاني اجي. آتى جوابه صادمًا بالنسبة لها: -طب ما تروحي، غيري جو كدة وخدي البنات معاكي ووعد تفك بدل ما أنتِ معقباها كده. وبإصرار علقت شفاء: -لا مش رايحة في حتة يا أحمد. ابتسم أحمد ثم قال مازحًا: -طب إيه رأيك بقى لو مروحتيش هطلقك. ارتفع حاجبيها وقالت:

-كدة أنت بتهددني يعني والمفروض أخاف، على فكرة أنت كدة بتخليني اتمسك بقراري أكتر. قال أحمد مصدومًا: -ده أنتِ عايزة تطلقي مني بقى؟ -والله كلك نظر… آتاها صوت نوال والتي سمعت وتابعت الحوار القائم بينهما: -سمعة نفسك بتكلمي جوزك إزاي؟؟ عرفتي أنك بتيجي عليه والغلط بيبقى من عندك، غلط في إيه هو دلوقتي عشان تكلميه بالطريقة والأسلوب ده؟؟ الحق عليه أنه عايز يحافظ لك على صلة الرحم…

أخذت نوال نفسًا طويلًا أطال أحمد النظر خلالهم بشفاء والتي كزت على أسنانها لا تدري أكان غضبًا من والدتها أم من أحمد أم من نفسها… -اسمعي يا شفاء أول وآخر مرة هقولهالك اتقي الله في جوزك وإياكي تيجي تشتكيلي منه تاني، الراجل لو عمل فيكي إيه هيبقى عنده حق، شوفي جوزك عايزك تيجي ولا لا واللي يقولك عليه اسمعيه ونفذيه وأنتِ ساكتة بلاش قرف… هزت شفاء رأسها باستسلام وأجابتها بصوت مكتوم: -حاضر سلام.

انتهت المكالمة بينهما وعلى الفور التهم أحمد المسافة بينهما واقترب منها حد الالتصاق هامسًا لها بصوت يغلفه الشوق والهوس وعيونه تدور عما كانت تفعل منذ قليل: -كنتي بتعملي إيه قبل ما أمك تكلمك. حاولت الإنصات إلى كلمات والدتها وردت مضطرة محاولة تفادي النظر في عيونه: -كنت بعمل ليب جلوس.

بعد أن حصل على جوابه أضحى ملتصقًا بها بالفعل ويديه تسللت إلى خصرها يحاوطه بتملك، يستفسر منها وهو يميل برأسه ينوي تقبيلها وجعلها ترى كم يتوق إليها وإلى قربها المُهلك له: -طب إيه مش هدوق؟ ثم تابع: -على فكرة ده حقي وأنتِ مانعاني عنك بقالي كتير من غير أي عذر.. ردت عليه شفاء رد قاطع: -مش هوافق أنك تلمسني يا أحمد وأكون راضية إلا لما تتراجع عن اللي في دماغك وتقول أنها كانت وسوسة شيطان، وقتها ساعتها مش هفتح بوقي وهديك حقك.

نظر لها بضيق فهو لا يجد نفسه مخطئًا في طلبه حينما حاول معها أكثر من مرة لفعل هذا الأمر؛ وكانت ترفض هي بشكل قطعي…. حتى أنه في ليالي كثيرة كان على وشك أن يدب بينهما شجارًا عنيفًا لولا أنه يتراجع في اللحظة الأخيرة ربما لأنه كان يعلم في أعماقه أنه على خطأ وهي على صواب في تلك النقطة تحديدًا ولن يفعلها إلا برضاها… ─── حل يوم الجمعة سريعًا….. يوم العزيمة التي تولت شاهيناز أمرها….

ففي شقة الجد “ضرغام” كان الاستعداد جارٍ على قدم وساق… رائحة المحشي تتسلل إلى الصالة، وصوت الملاعق يصطدم بحواف الأواني في المطبخ، وضحكات النساء تتداخل مع تعليمات شاهيناز الحازمة كعادتها رغم أن الجميع شعر بأن هناك شيئًا بداخلها إلا أنها حاولت أن تنسجم مع الأجواء التي تفضلها وتحبها. البعض كان قد وصل بالفعل، والبقية في الطريق والبيت يستعد ليكون ساحة اجتماع العائلة.. أما في المطبخ.

كانت شاهيناز تتحرك بثقة صاحبة المكان، تتابع التفاصيل الصغيرة بعين لا يفوتها شيء… بجوارها زوجة ابنها “راندا” تساعدها وليل تضحك بين حين وآخر محاولة تخفيف التوتر المعتاد في مثل هذه التجمعات. بينما في الصالة… كانت نوال تجلس إلى جوار والدها، متصلبة، كأنها ضيفة لا تنتمي للمكان، فهذا التجمع الشهري لم يعد يريحها منذ زمن…

تشارك فيه بجسدها فقط، أما روحها فتظل حبيسة شقتها، حيث اعتادت العزلة وهدوء الجدران، وصمت لا يطالبها بشيء فكانت تحدق في الفراغ أمامها، بينما والدها يراقبها من طرف عينه فهو رجل يقترب من الثمانين لكن قلبه ما زال ينقبض كلما رأى ابنته هكذا. لم تكن هذه نوال التي يعرفها، كانت يومًا ما أكثر أولاده ضحكًا، أكثرهم عنادًا، وأكثرهم تعلقًا بالحياة قبل أن تعرف محمود حينها تغيرت تمامًا وتبدلت وكأنها أصبحت شخص أخر. تنهد في صمت…

ربما كان عليه أن يقف بقوة أكبر منذ سنوات وأن يمنع تلك الزيجة التي شعر منذ البداية أنها خطأ، لقد حاول وعارض، ورفض، ورفع صوته…. لكنها كانت مسحورة به أحبته حد الجنون…. هددته بأنها ستؤذي نفسها إن منعها، حتى أنها فعلت وحاولت الانتحار أكثر من مرة وقتها شعر بالعجز، كأن هذا الرجل ألقى عليها تعويذة لا تُكسر فاستسلم، واستسلمت هي لحياة لم تمنحها سوى الألم…

توفي زوجها، لكن لعنة تلك السنوات لم تنتهِ بموته بل امتدت إليها وإلى ابنتها فكانت منبوذة باختيارها….. قطع ضرغام الصمت أخيرًا وسألها: -مالك يا نوال ساكتة كده ليه؟ ده أحنا في نفس البيت وبشوفك بالعافية. التفتت إليه نوال بارتباك خفيف: -هو أنا مقصرة معاك في حاجة يا بابا؟ هز رأسه ببطء وصوته حمل عتابًا خفيفًا: -مقصرة بروحك يا نوال، لما بتكوني وسطنا كأنك مش موجودة الحداد ده هيخلص أمتى؟

أشار بعينيه إلى ملابسها السوداء في نهاية حديثه معها.. سنوات.. وهي لم تخلع الأسود أو تتخلى عنه، الجميع يظن أنه وفاء لزوجها لكن الحقيقة أعمق بكثير فكان حدادًا على نفسها… على الفتاة التي كانت عليها قبل أن تتزوج، على الضحكة التي انطفأت والأهم روحها وضــمـيـرها….. -مش بأيدي يا بابا. ثم نهضت سريعًا كأنها تخشى أن يخترق نظره ما تحاول إخفاءه: -أنا هروح اشوفهم لو محتاجين اساعدهم في حاجة في المطبخ.

تركته وجلس هو وحده ينظر إلى أثر خطواتها وقلبه يزداد ثقلًا. ─── جلس “حكيم” والد أحمد في شرفة الشقة الواسعة يحتسي قهوته بهدوءه المعتاد، يراقب الشارع أسفل البناية بعينين اعتادتا رؤية الكثير من الوجوه والكثير من الحكايات…… كانت تلك البناية تحديدًا واحدة من ممتلكاته، قبل أن يكتبها باسم ابنيه أحمد وصفاء منذ أعوام، استجابة لإلحاح أحمد المستمر وخوفه الدائم على “حقه” كما كان يردد……

حكيم نفسه كان رجلًا لا يشبه أغلب الآباء، رجل تزوج كثيرًا وتنقل بين النساء كما يتنقل بين المدن، كان رجل اعتاد أن يختار نفسه أولًا حتى مع زوجته المرحومة أم صفاء وأحمد..

ورغم أنه ورث عن أبيه سلسلة كبيرة من محلات الذهب والحلي في القاهرة وأدارها لسنوات طويلة، إلا أنه عندما تجاوز الستين شعر بالتعب من الركض اليومي، خاصة مع عدم رغبة أحمد في حمل المسؤولية، فترك الإدارة لشقيقه الأصغر واكتفى بالحضور بين الحين والآخر للاطمئنان على العمل… ويرسل كل شهر لأولاده ما يكفي من الأموال وهذا حق أحمد الذي لا يتنازل عنه حتى وهو لا يباشر العمل…… أما حياته الحقيقية الآن…

فكانت في مدينة ساحلية هادئة يعيش فيها مع زوجته الجديدة، زوجته الأخيرة أو هكذا يقول في كل مرة، كان يرتدي سوارًا ذهبيًا وساعة فاخرة وسلسالًا رفيعًا حول عنقه، وهي أشياء لم يتخلى عنها منذ شبابه، وكأن الذهب أصبح جزءًا من جلده لا يستطيع نزعه……. ارتشف حكيم رشفة من القهوة ثم قال بضيق وهو يلتفت نحو أحمد الجالس أمامه: -أختك دي غاوية فرهدة لما قالتلي في التليفون جيت أهو أشوفها واطمن عليها عشان متقولوش بس أني مش بسأل فيكم.

تنهد أحمد بملل وهو يهز رأسه، فقد كان يعلم سبب زيارة والده الذي لا يأتي إلا لعلة من الأساس. فقد خضعت صفاء ليلة أمس لإجراء تجميد البويضات…. قرار ظلت تؤجله سنوات طويلة، سنوات من الخوف والتردد والانتظار والأمل الذي كان يضعف ثم يعود للحياة من جديد فكانت تعرف أنها تجاوزت الأربعين وتعرف أن فرصها لم تعد كما كانت في الزواج أو الإنجاب.

لكنها أيضًا كانت تعرف شيئًا آخر أن حلم الأمومة لم يمت داخلها يومًا حتى لو كان الجميع يراها حالمة أكثر مما ينبغي، حتى لو كان الجميع يخبرها أن الوقت انتهى والآوان قد فات. تمتم أحمد بنفاد صبر واضح: -والله بنتك مش واقعية ولا باصة لسنها ولا باصة لنفسها، كل اللي بتعمله ده ملهوش لازمة دي واحدة عندها ثلاثة وأربعين سنة يعني عقبال ما تشوفلها راجل وتتجوزه وتفكر تخلف هتكون دخلت في الخمسة وأربعين. ثم أطلق ضحكة ساخرة قبل أن

يكمل بقسوة أبرد من الجليد: -وبعدين يعني اللي معملتهوش السنين اللي فاتت دي كلها هتعمله دلوقتي وتتجوز بعد ما عجزت؟ كانت الكلمات تخرج من فمه بسهولة مخيفة، سهولة شخص اعتاد جرح الآخرين كأن الحديث عن أحلام أخته المكسورة لا يعنيه كأنها ليست أخته التي شاركته البيت والعُمر بل مجرد موضوع عابر يتناقش فيه. أما حكيم فظل صامتًا للحظات يفكر ثم قال فجأة: -هو الواد منصور صاحبك ده اتجوز؟ رفع أحمد رأسه باستغراب، وأجاب:

-لا وبعدين هو إيه دخل منصور في موضوعنا دلوقتي؟ رد حكيم بهدوء وكأنه وجد حلًا عبقريًا: -طب ما تتكلم معاه وتجس نبضه وافتح معاه موضوع أختك مهوا كبير برضو من سنها باين صح؟ نظر إليه أحمد وكأنه قال شيئًا مستحيلًا ثم انفجر ساخرًا: -منصور فسخ خطوبته من خلود خطيبته عشان أمه قالت عليها كبيرة وفي الثلاثينات ما بالك بصفاء بقى، هو عايز واحدة صغيرة علشان يخلف هيعمل إيه بصفاء؟؟ ولا جمال ولا غيره. لم يكتفِ بذلك بل أكمل بوقاحة أكثر:

-أي حد هيتجوزها في السن ده هيكون طمعان فيها مش أكتر… للحظة تجهم وجه حكيم وقال بحزم خفيف: -احترم نفسك ومتقولش على أختك كده.. لكن كلماته جاءت متأخرة لدرجة أنها لم تعد تملك قيمة لأنه رغم اعتراضه، كان هو نفسه جزءًا من الجرح وجزءًا من القصة…… جزءًا من الوحدة التي عاشتها صفاء طوال عمرها فكم مرة كان منشغلًا بزوجة جديدة؟ وكم مرة ترك أبناءه يواجهون الحياة وحدهم؟

وكم مرة كانت صفاء تنتظر منه كلمة دعم أو إحتواء لكنها لم تجد سوى الغياب؟ لم ينتبه الاثنان أن هناك شخصًا ثالثًا يستمع خارج الشرفة تمامًا….. فكانت صفاء واقفة… جاءت لتسألهما إن كانا يريدان شيئًا، لكنها توقفت عندما سمعت اسمها ثم سمعت كل شيء…

وقفت كأن أحدهم سكب فوقها ماءً مثلجًا، شعرت بأن ساقيها فقدتا القدرة على حملها وأن الهواء اختفى من حولها، حاولت أن تمنع شهقتها فوضعت يدها فوق فمها بسرعة لكن دموعها كانت أسرع من قدرتها على التماسك ومن قدرتها على الإدعاء أنها بخير، استدارت ببطء شديد وعادت إلى غرفتها فأغلقت الباب خلفها دون صوت ثم جلست على طرف الفراش وحدها كعادتها دائمًا، تحدق في الفراغ بينما كلمات أحمد تتردد داخل رأسها بلا رحمة… “عجزت” “ولا جمال”

“أي حد هيتجوزها هيكون طمعان فيها” أغمضت صفاء عينيها بقوة لكن الكلمات لم تختفي بل أصبحت أوضح، أشد وأقسى والأسوأ من ذلك أنها لم تأتي من غريب بل لم تأتي من امرأة حاقدة ولا من جارة فضولية ولا من شخص لا يعرفها بل جاءت من أخيها من لحمها ودمها، من الشخص الذي يفترض أنه أول من يدافع عنها.

وأول من يواسيها وأول من يصدق أنها تستحق الحب فانهارت دموعها أكثر لأن أحاديث الناس تؤلم نعم لكن أحاديث الأهل تقتل ببطء وتترك ندوبًا لا يراها أحد. كانت صفاء تعرف أنها لم تكن يومًا الفتاة التي يتهافت عليها الرجال، لم تكن صاحبة الحكايات الكثيرة ولا صاحبة الخطاب الذين يطرقون الباب كل شهر ولم تكن تلك الفتاة التي تتفاخر بها الأمهات أمام الأقارب بل كانت دائمًا عادية وهادئة، رُبما منسية قليلًا….

تمر السنوات بجوارها دون أن يلتفت إليها أحد، وفي كل مرة كانت تقنع نفسها أن نصيبها سيأتي، أن الله يؤخر ولا ينسى، وأن القادم أجمل…. لكن الليلة ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعرت أن الجميع سبقوها وأنها ما زالت واقفة في المكان نفسه تحمل حلمًا صغيرًا جدًا ومع ذلك يراه الجميع أكبر من حقها….. في الشرفة… كان لايزال حكيم يجلس مسترخيًا في مقعده، وساعته الفاخرة تلمع مع ضوء العصر، بينما كان يتحدث بنفس الثقة المستفزة التي تلازمه……..

بعد صمت قصير.. كأنه تذكر فجأة أن لديه ابنًا وأحفادًا فالتفت إلى أحمد قائلًا بجدية مصطنعة: -صحيح مراتك والعيال اللي بيلغبطوني فين؟ إيه غضبت تاني ولا إيه؟ رفع أحمد رأسه عن هاتفه ورد ببرود: -لا، مهي لسه راجعة من كام يوم، وأنا لامم نفسي عشان ميحصلش مشاكل تاني، هي دلوقتي عند أمها النهاردة الجمعة وهما متجمعين راحت هي وعهد، ووعد فوق بتذاكر مراحتش معاهم…. أطلق حكيم ضحكة ساخرة قصيرة ثم هز رأسه بضيق واضح وقال:

-والله أنا ما عارف إيه غيتك في بنت محمود البومة، صحيح هي تعتبر بنت أخويا بما أن أبوها الله يرحمه كان ابن عمي بس ولا بطيقها ولا بطيق أبوها الله يجحمه. ثم أكمل وهو ينفث أنفاسه بضجر كأنه يسترجع مصيبة قديمة لا زواجًا مر عليه عشرات السنين:

-لولا بس أنك كنت مريل عليها من ساعة ما كانت عيلة صغيرة وحتى بعد ما اتخطبت لابن خالها، وكلفتنا كتير في أم الجوازة الشؤم دي مع إني مكنتش راضي وعملت كل اللي عملته ده عشان خاطرك أنت وبس لأنك كنت مجنون بيها. توقف لحظة ثم قال بفظاظة لا تعرف الرحمة: -مش طالع لأبوك أنت، بتختار النسوان الفقر وشفاء دي فقر، فعلًا الجمال مش كل حاجة، في نسوان كده تشوفها حلوة بس أسلوبها يسد النفس سبحان الله.

انقبض فك أحمد بعنف ورغم كل ما بينه وبين شفاء من خلافات وكراهية وتشويه متبادل، إلا أن سماع والده يتحدث عنها بهذه الطريقة كان يثير بداخله غضبًا غريبًا تحديدًا وهو يذكر الأمر في بدايته… فأحمد قد يهينها ويضربها ويؤذيها ويحطمها لكنها في النهاية كانت اختياره هو وكان يرى في كلام أبيه انتقاصًا منه هو شخصيًا قبل أن يكون منها….. لاحظ حكيم تغير ملامحه، لكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في عبثه المعتاد فقال فجأة:

-هو ضرغام لسه متجوزش برضو؟ اشتعل شيء في عيني أحمد فور سماع الاسم الذي ظل يطارده سنوات طويلة، اسم الرجل الذي شعر دومًا أنه حاضر في حياته أكثر مما يجب فرد بغيظ واضح وهو يكز على أسنانه: -لسه.. ثم أضاف بوقاحة متعمدة: -شكله ملهوش فيها. ابتسم حكيم ابتسامة جانبية وهو يرتشف قهوته ثم قال بلامبالاة قاتلة: -أو لسه بيحب شفاء. في لحظة واحدة نهض أحمد من مكانه بعنف حتى كاد المقعد ينقلب خلفه و ردد من بين أسنانه:

-ظلمك اللي سماك حكيم، و ظلم الاسم معاك. ضحك حكيم بصوت مرتفع ضحكة رجل يستمتع بإشعال النار ثم الجلوس لمشاهدتها وقال ساخرًا: -مباخدش منك إلا طولة اللسان وقلة الأدب، على العموم أنا سايبها ليك يا حبيبي، ساعتين كده واطلع في الطريق والسواق هيجي….. ثم فجأة تغيرت نبرته وظهر ذلك الفخر الساذج الذي يملأه كلما تعلق الأمر بنفسه، فقال وهو يبتسم ابتسامة واسعة:

-سوزي حامل صحيح، هيجيلك أخ، أنا مرضتش أقول قدام أختك أحسن تاخد على خاطرها. نظر إليه أحمد بعدم تصديق، فوالده الذي تجاوز الستين ما زال يتحدث عن الزواج والإنجاب وكأنه في الثلاثين ما زال يركض خلف وهم الشباب الذي يرفض الاعتراف بانتهائه. فقال بامتعاض: -أنت لسه فيك حيل يا حكيم. ضحك الآخر في زهو واضح: -فيا، وسوزي بتتوحم على حتة فيلا كده هجيبها وننقل فيها قريب. ثم مال للأمام قليلًا وقال بمكر:

-ما تتجدعن كده أنتم جيبتوا البنتين وريحتوا ولا إيه؟؟ لمعت عين أحمد للحظة، لمعة غريبة لم ينتبه لها حكيم، لمعة رجل يخفي شيئًا أو ينتظر شيئًا أو يخطط لشيء لن يعجب أحدًا فرد بنبرة مبهمة: -قريب أوي إن شاء الله هسمعك خبر حلو. ثم تابع حديثه: -ويا بتاع الفيلا متخليش البت تأكل بعقلك حلاوة كده متجيش على كبر وتخيب ده لو كانت حامل أصلًا. رد حكيم عليه بابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه: -اطمن، وبعدين حامل بجد وهخلف، موت بغيظك…… ───

في فناء منزل عائلة ضرغام الديب…. كان ضرغام الحفيد يجلس على الدرج الحجري، يميل بظهره إلى الحائط، يمسك سيجارته بين أصابعه، وينفث دخانها ببطء……. الدخان كان يتصاعد في خطوط متعرجة، تمامًا كأفكاره، والدته لا تحادثه و تتجاهله، كانت محقة، لا يستطع عتابها لكن هذا يزعجه. صمتها أقسى من أي صراخ فهو يعلم أنها مجروحة ويعلم أنه السبب لكنه أيضًا لا يستطيع أن يندم بالكامل. أغلق نوح بوابة المنزل ودخل ولمحه جالسًا بتلك الهيئة،

فتقدم نحوه ثم سأله: -إيه اللي مقعدك كده؟ سحب ضرغام نفسًا طويلًا من سيجارته ثم أخبر نوح: -أمك عرفت أني متجوز.. شحب وجه نوح فورًا وتجمد مكانه لثواني فقط، ثم سأله: -يخربيتك؛ عرفت إزاي؟ -سألتني وأنا قولتلها. قالها ببساطة لكن صوته كان مثقلًا، ضرب نوح كفًا بأخر: -جدع يا حبيبي.. ثم اقترب منه بخوف حقيقي متمتمًا: -قولتلها أني عارف؟ اوعى تكون قولتلها. هز ضرغام رأسه نافيًا فتنفس نوح الصعداء وهو يقول: -الحمد لله… صمت لحظة ثم جلس

بجواره على الدرج قائلا: -وعملت إيه معاك؟! ضحك ضرغام ضحكة قصيرة بلا روح: -من ساعتها مش بتكلمني، وأكيد مكنتش هقولها أنك عارف علشان متزعلش منك أنت كمان، كفاية أنا، وبدل ما اروح امبارح قولت اقعد يومين كمان ولا حاجة علشان أحاول اتكلم معاها تاني وأصالحها قبل ما أسافر وأرجع إسكندرية… سأله نوح: -هي قالت لأبوك؟ وقبل أن يجيبه أكمل نوح وكأنه يجيب على نفسه:

-أكيد لا، لو أبوك كان عرف مكنش زمانهم قاعدين بيحضروا عزومة أول الشهر عادي كده كان زمانه ولع فيك وفينا كلنا معاك. أطفأ ضرغام سيجارته تحت قدمه ناطقًا بجدية: -بس لازم يعرف، أن مكنش النهاردة ولا بكرة هيجيله يوم ويعرف… كان البيت ممتلئ بالحياة… لكن تحت هذا السقف الواحد، كانت هناك أسرار تتراكم……..

نوال تهرب من ماضيها وشاهيناز تغلي في صمتها وضرغام يخفي زواجًا قد يشعل البيت أما الجد يجلس في الصالة، يظن أن الأمور ما زالت تحت السيطرة لكن الحقيقة هذه الجمعة مازالت تحمل الكثير….. ─── خرجت نوال من المطبخ حاملة للصحون ومن بعدها شاهيناز وشفاء وكذلك عهد، وفور رؤية نوال لضرغام الذي حضر ولم يسافر بعد كما اعتقدت، حتى صدمت وتوقفت عن الحركة وعلامات الانزعاج تشكلت على محياها…. لم تصمت وقالت بنبرة حاولت إخراجها طبيعية:

-أهلًا يا ابن أخويا، يعني مسافرتش؟ التقط ضرغام حقيقة مشاعر عمته ورغم إدراكه إلا أنه ابتسم لها وأخبرها وعيناه تسترق نظرة سريعة نحو شفاء التي تجاهلته كأنه سراب أو هواء لا يُرى: -قاعد شوية لسة يا عمتي مش هسافر دلوقتي. بعد أن أخذت نوال الجواب لاحقت البقية الذين سبقوها ووضعوا الصحون أعلى السفرة.. دارت عين ضرغام أثناء ذلك وفي الأخير استقرت على عهد متحدثًا معها على مرأى ومسمع من الجميع: -إزيك يا عهد عاملة إيه؟؟

هي وعد مجتش ولا إيه. رفعت عهد عيناها بصدمة نحوه فهو تعرف إليها وتمكن من التفريق بينها وبين وعد رغم أن أبيها لا يفعل، تخطت صدمتها سريعًا ثم رمقته بكره شديد وكيف لا تفعل وهو سبب رئيسي ودائم في خلافات والدها ووالدتها.

هي تعلم أنه حبيب والدتها السابق والرجل الذي يغار والدها منه، وسبب كل ما تعايشه وتصراعه هي وشقيقتها..لم تجيب عليه وتجاهلته فهي دومًا لا تمنحه وجه وتتساير وتتبادل معه أطراف الحديث كما تفعل توأمتها الحمقاء والتي تراه بمنظور مختلف وتكن له كل الحب والاحترام الذي لا يستحقه في نظرها. سارت عين شفاء على الاثنان.. تارة ابنتها وتارة ضرغام الذي تعامل كأن شيء لم يكن بمهارة. بينما كانت شفاء ترتجف كليًا..

تخبر نفسها بأن ليتها لم تستمع إلى والدتها و زوجها وتأتي اليوم، فقد حدث ما كانت تحسب له حسبان وآتى الرجل الذي لا تحب أن تراه وتجتمع معه كثيرًا….. لحظات وكان الجميع يجلس على المائدة… الابتسامة على وجوه البعض كـ شاهيناز وضرغام الجد وابنته الحبيبة والاقرب إلى قلبه ومدللته الصغيرة “ليل”… كذلك نوح و زوجته… أما ضرغام فكان عقله وقلبه منشغل بها رغم تظاهره بالإنشغال مع إسلام وبالسؤال عن الوجه الأتعس فكان من نصيب نوال..

رغم أن ضرغام ابن أخيها إلا أنها لا تحبه بمقدار حبها إلى أحمد، المظلوم والضحية كما تراه…. لم تنبته شفاء لأي من والدتها أو ضرغام وصبت تركيزها على ابنتها والتي كلما سمعت صوت ضرغام لاح اشمئزازها وتفاقمت رغبتها في الرحيل بأسرع وقت… مالت شفاء على أذنيها وهمست لها: -عهد أنتِ كويسة؟ -لا، عايزة امشي زهقت ومش طايقة نفسي. -حاضر كملي أكلك ونمشي علطول.

هنا ودوى جرس المنزل اندهشوا وتبادلوا النظرات وتساءلوا فيما بينهم عن هوية الزائر…. نهض ضرغام من مكانه وقرر تولي أمر تلك المهمة السهلة….. دنا من الباب وفتحه وحينئذ اكتشف أن تلك المهمة لم تكن بالسهلة كما ظن!!! بل صعبة للغاية…. فقد كان الضيف هو “أحمد” صدم أحمد من وجود ضرغام،فـ نوال قالت أنه لن يكون موجودًا، لكن سرعان ما تدارك صدمته وتعامل ببرود معه.

حيث التوى ثغره بإبتسامة ساخرة و ولج قبل أن يسمح له بالدخول وتجاهله كما فعلت عهد منذ لحظات فقط وما أن ولج حتى صاح بأسلوب مرح: -متجمعين عند النبي، أنا قولت مينفعش اللمة الحلوة دي تحصل من غيري هتبقى نقصاني عشان كدة جيت. تعالت خفقات شفاء وازداد توترها أكثر بحضور زوجها فسارت عين أحمد على الجميع ورحب به ضرغام الجد على مضض: -أهلًا يا بني نورت، نوح هاتله كرسي و….

لم يكد أن يختم الجد حديثه ويخبر ليل بأن تأتي بصحن وملعقة حتى وجدوه يتحرك صوب مقعد ضرغام ويجلس محله بأريحيه.. لم يكتفي بفعلته بل ختمها بتناول الطعام المتواجد بصحنه واستخدم ملعقته. ظل ضرغام واقفًا فقط يتابعه بأعين قد ضاقت وأعصاب على مشارف الانفلات والانفجار، لن يحسب حسبان للعائلة وسينال منه ولن يتركه إلا جثة هامدة. وبطريقة متعمدة ونبرة استفزازية رفع أحمد بصره نحو ضرغام الواقف وقال له:

-معلش قعدت مكانك وكلت أكلك بس عادي مش خسارة فيا أكيد. فعلته تلك تسببت في صمت الجميع وكأن على رؤسهم الطير وإدراكهم أن القادم ليس خيرًا على الإطلاق….. وقد كان…. بعدما أكد ضرغام حدسهم وعلق بنبرة حملت بين طياتها الكثير من المعاني: -عادي ميهمكش يا أحمد، مش جديد عليك أنت متعود على كدة، متعود تحط عينك على مكاني وكل اللي يخصني…………………. …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...