قبل أن يخبر الرجل ودعة بالخبر، قال لها: أريد أن أشرب أولاً. فأمرت له بقلة ماء، وبعد أن شرب مسح شفتيه وقال: جيش السلطان محمد بن منصور في طريقه إليكم، ولا يبعد عنكم سوى مسافة ثلاثة أيام أو أربعة على أقصى تقدير. سألت ودعة: هل الجيش كبير؟
أجاب: لقد صعدت فوق هضبة مرتفعة لأتأكد مما تراه عيناي، لقد أتى إليك في جمع عظيم ومعه آلات الحصار، أمامك وقت قصير لتحزمي أمرك، وسأساعدك فأنا بناء ولقد رأيت الأسوار، وهي لن تصمد إذا لم نجدد ما انهدم منها. نادت ودعة إخوتها، فقالوا: ليس لنا وقت للتأكد من صدق الرجل، لكننا سنستعد للحرب. إن كذب نكون قد أنشأنا نواة جيشنا، وإن صدق كنا جاهزين للدفاع عن المدينة، لكن يلزمنا الأسلحة.
قالت ودعة: انزلوا إلى السرداب مع الساحر، هناك غرف لم نفتحها. أما أنت يا أخي الأصغر فأكلفك بدفاعات المدينة، خذ هذا البناء معك، فإني عينته رئيس البنائين، واجمع العمال وأصلح السور والأبراج، هيا بسرعة لا وقت لدينا. نزل بقية إخوتها إلى السرداب واتبعوا إشارة المنجل السحري، وتعجبوا لكثرة الممرات، لكن هناك اتجاه واحد صحيح، أما الأخرى فهي تؤدي إلى طرق مسدودة، وكل من يغامر بالنزول دون المنجل يضيع ولا يخرج من هناك أبداً.
بعد قليل وصلوا إلى مكان الكنز، وما زالت الأكياس أمام الغرفة كما تركها الساحر. تقدموا قليلاً، كان هناك غرف أخرى، فتحوا واحدة كانت مليئة بجرار القمح والزيت والخمير. فتحوا الثانية فوجدوا أكواماً من المخطوطات القديمة التي ترجع إلى أقدم الأزمان. قالوا: لم يبق سوى غرفة واحدة. وعندما فتحوها أصابتهم الدهشة، فلقد فيها من الدروع والرماح والسيوف ما يكفي لتجهيز جيش بأكمله.
في آخر الممر شاهدوا نوراً خافتاً، وعندما ذهبوا لرؤيته عرفوا أنها حفرة تقود إلى خارج المدينة. بعد ساعتين كان مع الإخوة ما يكفي من السلاح، وأعلنوا النفير في المدينة. في اليوم الموالي أكد الوافدون الجدد خبر زحف السلطان، وزادت الاستعدادات، وأصبحت المدينة كخلية نحل، والجميع يعمل نساءً ورجالاً. في اليوم الرابع ظهرت طلائع الجيش، واجتمعت
ودعة بإخوتها وقالت: رغم كل جهودنا لم نتمكن من إصلاح كل الأسوار والأبراج، وينقصنا العمال والبنّائين، ولم نجمع إلا ثلاثمائة جندي. أكاد أجزم أن السلطان جاء من أجل كنوزنا. لذلك سننصب لهم فخاً في كل مكان، وسيساعدنا الساحر ابن عبد البر. هيا كل واحد منكم سآخذ قيادة كتيبة وتختفون بين المنازل، وأنا سأنتظرهم في القصر، وعندما يأتون سأهرب إلى السرداب ومعي المنجل، أما الجزء الأخير من الخطة فلن أخبركم عنه.
عندما اقترب الجيش كانت الأسوار خالية وأبواب المدينة مفتوحة. قال السلطان: أعتقد أنهم سمعوا بقوتي ففروا، والآن هيا إلى السراديب، وليكن السحرة في المقدمة، فإني أعلم أن كنوزهم محروسة بالطلاسم والتعاويذ. في الطرقات كان إخوة ودعة ورجالهم يطلقون سهامهم ومقاليعهم على جنود السلطان ثم يختفون. أما ابن عبد البر فألقى سحره على المقبرة وأخرج لهم جيشاً من العظام تحمل السيوف، وما هي إلا دقائق حتى تبددت أفواج كثيرة من جنود السلطان.
أما التي وصلت القصر فإنها لاحقت ودعة وتاهت في السراديب وهلك كل السحرة. عندما رجع الناجون أخبروا السلطان أن المدينة مسحورة، وكل من يدخلها يموت. غضب السلطان وأمر بوضع النفط في المنجنيقات وإحراق المدينة بأكملها. لكن في هذه اللحظة سمع صيحات حادة في السماء، وعندما رفع عينيه شاهد سرباً من التنانين الضخمة يتقدمها تنين ودعة (مفاجأة ولغز القصة) . لقد كان ذلك الفصل الأخير في الخطة لودعة.
صاح السلطان: أهربوا أنجوا بأنفسكم. وفر على جواده كالأرنب المذعور. تفرق الجيش في كل مكان، وتركوا ورائهم خيامهم وأسلحتهم ومؤنهم. وكان ذلك شيئاً عظيماً. خرج الناس من المخابئ وبدأوا يرقصون ويغنون ويهتفون باسم ودعة. وبعد الهزيمة قتل السلطان محمد بن منصور وانهارت مملكته، وسيطرت عليها ودعة وأصبحت من أعظم الملكات.
وجاء الأمير فريد الدين ابن السلطان مع أخواته الثلاثة وأمه لخطبة الملكة. وبعد تزوجا، وتزوج إخوة ودعة من الأميرات الثلاث، وأقاموا حفلاً كبيراً وعاشوا جميعاً في سعادة وهناء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!