لم تكن ودعة تريد الدخول إلى بيت أخواتها إلا معززة مكرمة. قال لها أخوها الصغير: "لقد خرجوا إخوتي للصيد وسيرجعون بعد قليل، والآن قصي علي ما حدث، فإني على أحر من الجمر لأعرف كيف نجوتِ. فالمكان مليء بالهوام والسباع والليل مخيف وشديد البرودة." بدأت ودعة تحكي وأخوها يستمع ويتعجب. وعندما وصلت في حكايتها إلى المدينة الضائعة، سكتت. فقال لها أخوها: "بالله عليك واصلي، فهذا والله أغرب شيء سمعته." لكن ودعة أجابت:
"سأنتظر حتى يجتمع إخوتي، فهذا الأمر يهمنا كلنا." كانت زوجة الأخ الأكبر تكنس أمام المنزل، فلما رأتها انزعجت وقالت في نفسها: "إنها تبدو في أتم صحتها، وهذا يعني أنها عرفت بأمر بيضة الثعبان، وإن لم أتصرف الآن لأصبحت أنا ورفيقاتي في وضع لا نحسد عليه." ركبت حمارها واتجهت إلى الغابة. وعندما وصلت جمعت أغصانا جافة ودقتها في الأرض، ثم أخذت لحافا وغطتها فأصبحت مثل الكوخ، وفرشته ووضعت جراب طعام. ثم اختارت شجرة عالية ونبشت تحتها.
بعد ذلك رصفت دائرة من الحجارة كأنها قبر صغير. إستراحت قليلا ثم اتجهت إلى الطريق الذي تعود أن يرجع منه إخوتها كلما راحوا للصيد. وما كادت تصل حتى رأتهم قادمين من بعيد. وعندما اقتربوا منها تعجبوا لرؤيتها هناك. وقال لها زوجها: "ماذا تفعلين هنا؟ تظاهرت بالحزن وقالت: "لقد خدعكم أخوكم الصغير، فلقد بنى كوخا لودعة وساعدتها امرأته على التخلص من جنينها، وهما يحملان لها الطعام والماء كل يوم ويستقبلانها في غيابكم." قال الإخوة:
"كيف عرفت كل ذلك؟ مضت معهم وأرتهم الكوخ الذي صنعته والقبر. وقالت لهم: "إنها تتسلل كل مرة إلى داركم وهي الآن في ضيافة أخيكم." صاحوا كلهم: "الويل لودعة ولأخينا الخائن. هذه المرة سنطردهم معا ولن نرحمهم." عندما وصلوا وجدوا الشيخ ابن عبد البر جالسا مع أخاهم الأصغر في انتظارهم. وعندما رأوهم قادمين وقفوا وسلموا عليهم. لكن إخوة ودعة لم يردوا السلام وقالوا: "من هذا الشيخ؟ وأين ودعة؟
هيا احزموا أمتعتكم وغادروا المكان وإلا لن يحدث لكم خير." أجاب عبد البر وقد لاح عليه الغضب: "أنا ساحر وطبيب السلطان، أنصحكم أن تجلسوا بهدوء، وتنصتوا لما سأقوله لكم. لا شك أنكم سمعتم عني وعن قوة سحري." لم يجد الإخوة بدا من الجلوس وقالوا له: "إن لم يقنعنا كلامك فلا شيء يمنعنا من طردكم، فهذا منزلنا ولا أحد يلومنا على ذلك." أجاب الشيخ:
"معكم حق، لكن دعوني أحكي لكم عن ودعة. لما وجدتها في مزرعتي كانت جائعة وتعاني من مرض في بطنها. وعندما فحصتها اكتشفت شيئا عجيبا." صاح الأخ الأكبر: "لا تحاول التستر عليها، فلقد كانت حامل." رد الساحر: "لقد حاول أحدهم خداعكم. منذ متى كان الحمل يظهر في الشهر الأول؟ ثم قال: "تعالي يا ودعة مع ابنك." بعد لحظات جاءت البنت وقد وضعت على رأسها التاج وأمسكت الصولجان. وتدلت من رقبتها عقود الجواهر واللؤلؤ.
وكان يسير بجانبها تنين متوسط الحجم. صاح الساحر: "قفوا أنتم في حضرة ملكة المدينة الضائعة. وهذا التنين هو ما كان في بطنها، وكان في أول أمره بيضة صغيرة أحضرتها إحدى الساحرات من قمم الجبال، وخدعت زوجاتكم ودعة لتبلعها ويتها منها في شرفها ثم تطردونها. لكنها نجت ووجدت مملكة أجدادها وأصبحت سيدتها. والآن رجعت لتنتقم." نظر الإخوة إلى بعضهم في حيرة وقالوا فيما بينهم:
"الساحر يبدو على صواب فيما رواه لنا، ومسألة الجنين دون شك مكيدة مدبرة بحذق." نادى الإخوة زوجاتهم وسألوهم عن بيضة الثعبان، فارتبكن وقالن إنها فكرة زوجة الأخ الأكبر. قالت ودعة: "سنشعل نارا وتقفزن عليها، فمن وقعت نالت جزائها، ومن لم تقع كانت بريئة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!