بعدما رحل الملك مع قومه، تسلل رجل وراءهم واقتفى خطاهم من بعيد. ولما وصلوا إلى أرضهم بعد قضاء شؤونهم، ادعى ذلك الرجل أنه طبيب يعرف سر الأعشاب. وبدأ يسأل كل شخص يداويه عن القبيلة وملكها وأحوالها. ولم يطل الأمر حتى علم أن سيدهم ليس له بنات ولم يرزق إلا بولد واحد، رغم زواجه من ثلاث جواري. وحين سأل عن بنت شقراء، قالوا له: لا علم لنا بها، وقد تكون هي وأمها من ركاب السفن الأوروبية التي يستولي عليها القراصنة في البحر.
اكتفى الرجل بما جمعه من معلومات ورجع. ولما أخبر المرأة وبناتها بما سمعه، رموا له بصرة مال كبيرة. ثم استدعت ابنه وحكى له الرجل ما رآه وسمعه. فوجِم برهان زوج شيماء وسأله: هل أنت متأكد من كلامك؟ فأجابه: نعم، وسأحملك إلى تلك القبيلة، فأنا أعرف مكانها الآن. بعد انصراف الرجل، قالت الأم لابنها: والآن بعدما اتضح كل شيء، لا بد أن تطلق شيماء وتطردها من القرية حافية القدمين كما جاءت، وسأزوجك أجمل البنات. لكن الولد
فكر قليلا ثم قال في نفسه: ذلك يعني نهاية المكانة التي وصلت إليها بفضل تلك البنت، ثم إني أحبها ولا يهمني من تكون. ثم سأل أمه: بالله عليك أخبريني عن سبب حقدك عليها، فماذا فعلت لك ولأخواتي؟ صاحت الأم: يا لك من حقير! تتزوج من بنت لا نعرف أصلها، وفوق كل ذلك تبرع في الكذب! الله وحده! كم من مرة كذبت علينا! رد الولد: أتركيني وشأني، هذا جوابي.
ثم انصرف، وقد لاح عليه الهم، لكنه كان متأكدا أن شيماء وراءها سر كبير ولا بد أن يعرفه. ولما رآها قال لها: هل ذلك الرجل حقا أبوك؟ أجابت بثقة: نعم هو أبي، ولو واصلت الاستماع للإشاعات فسأنصرف ولن تراني أبدا، لا أنا ولا ابنك. صاح الفتى من الدهشة: ابنك! ردت: أبشر يا برهان، إني أنتظر مولودا، فلا تفسد علينا فرحتنا. مشى إليها وضمها إلى صدره وقال لها: كل ما أعرفه أني أحبك، وهذا هو المهم.
وغدا سأخبر الشيخ مختار ليضع حدا لألسنة السوء. لما سمعت أخواته خبر المولود، جن جنونهن وقلن: لا بد من التخلص من شيماء قبل أن تلد. وعوضا أن تمنعهن أمهن، شجعتهن وقالت: سأرسل لها جرة من حليب الإبل وأعصر فيه نباتا ساما يقتلها لساعتها، أما نحن فسنكون في ذلك الوقت بعيدا عن القرية. في الصباح، جاءت عجوز إلى دار شيماء بعد انصراف زوجها، وقدمت لها حليبا وفطيرا. فجاء كلبها وأخذ يدور حولها بسرور، فصبت له حليبا في صحفته.
وما كادت تبتعد حتى تمدد على الأرض وبدأ يئن، ثم مات. لم تفهم البنت ماذا يحدث، لكنها لما نظرت إلى الحليب، رمته على الأرض وصاحت: لقد حاولوا قتلي! لم يعد لي هنا مقام. ثم أخذت قربة ماء ورغيفا وغادرت القرية دون أن تعرف أين تذهب. ولما رجع زوجها، وجد الكلب ميتا والدار فارغة. كاد يغمى عليه، ثم خرج يبحث عنها. أما شيماء، فمشت طول النهار حتى تعبت وتورمت قدماها، فجلست تحت شجرة وهي تمسح عرقها.
ولما نظرت إلى القربة، وجدتها فارغة، ليس فيها قطرة ماء واحدة. فقالت في نفسها: سأرتاح من هذه الحياة، فقد تخلى عني أبواي وأنا في أمس الحاجة إليهما. لماذا فعلا ذلك؟ بدأت الشمس تغرب، فوضعت البنت رأسها على الأرض وأغمضت عينيها. وفجأة سمعت صوتا رخيما يغني ومعه أصوات أخرى: قومي ولا تستسلمي، قدرنا أن نعيش مكاننا ليس في الأرض أو السماء، لكنه هنا عامر بالحياة. إن سكنت الأرض أو تموج الهواء.
أحست البنت بقطرات ماء على شفتيها ووجهها وبرائحة الزهور. فنظرت حولها بدهشة، فرأت مخلوقات شفافة جالسة حولها، وبالقرب منها واحدة في يدها زهور برية مليئة بالندى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!