تحميل رواية هتلر بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان عندنا ولد فى المدرسه غبى وفاشل دراسيآ وانا مش بطيقه، مكنتش بطيقه مش بسبب غبائه لكن بسبب حركاته المستفزة وخناقاتة ومحاولاته فرض سيطرته على الجميع. الولد دا حاول يتقرب منى لأنى كنت هادى ومؤدب وبحاول اجتهد دراسيآ لكنى رفضته ،رفضت اقعد معاه او اتسكع معاه بعد المدرسه والامر مخلاش من بعض المضايقات وان يزق عيال عليه تضربنى او تفتعل معايا المشاكل لكن انا مكنتش بسيب حقى، ايوه مؤدب ومن بيت محترم لكن مكنتش بسيب حقى وكنت بتخانق وانضرب احيانا بس كنت دايما بدافع عن كرامتى، والولد دا كبر وكبرت معاه مشاكله...
رواية هتلر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
لم يكن التحول عند محمود صاخبًا ولا ملحوظًا من اللحظة الأولى بل جاء هادئًا يتسلل كالماء بين الشقوق حتى يملأها دون أن يُرى
ظل في الظاهر كما هو نفس الجلسات ونفس الصمت ونفس النظرات التي لا تطلب لفت الانتباه لكن في الداخل كانت هناك حركة لا تهدأ
أصبح يلتقط التفاصيل بسرعة لافتة ولم يعد يسمع الكلمات فقط بل يفهم ما خلفها
يعرف متى يكون الكلام تمويهًا ومتى يكون تهديدًا ومتى يكون اختبارًا
تعلم أن هذا العالم لا يسير بالقوة وحدها بل بالترتيب الخفي للأشياء ومن يتكلم أولًا ومن يسكت ومن ينظر لمن ومن يتجنب النظر
تفاصيل صغيرة لكنها كانت بالنسبة له خريطة كاملة تقوده دون أن يشعر
ومع الوقت لم يعد ينتظر أن يُسأل وصار يتكلم في اللحظة المناسبة بجملة قصيرة لكنها كافية لتغيير اتجاه الحديث
في إحدى الليالي كانوا يناقشون مشكلة مع مجموعة أخرى وأصواتهم بدأت تعلو وكل واحد يريد أن يفرض رأيه
محمود كان صامتًا يستمع ثم قال بهدوء لو اتحركتوا دلوقتي هتدوا لهم اللي هما عايزينه خلوهم هم اللي يغلطوا الأول
ساد الصمت وكانت الجملة بسيطة لكنها أوقفت الاندفاع وجعلت الجميع يعيد التفكير
نظروا إليه ثم بدأوا يعيدون حساباتهم ولم يرفع صوته ولم يفرض نفسه لكن كلمته أصبحت تُحسب
شيئًا فشيئًا لم يعد وجوده مجرد حضور بل أصبح مرجعًا يعودون إليه دون اتفاق مسبق
الغريب أنه لم يشعر بذلك ولم يستيقظ يومًا ليقول لنفسه إنه يقودهم لكنه كان يفعل
حين يختلفون ينظرون إليه وحين يحتارون ينتظرون رأيه وحين يسكت يشعرون أن هناك شيئًا ناقصًا
كانت القيادة تخرج منه دون إعلان ودون قصد وكأنها شيء كان داخله ووجد طريقه للخروج
أما داخله فكان يتغير بطريقة أخرى ولم يعد يتردد كما كان ولم يعد يتفاجأ بسهولة
حتى خوفه لم يختفِ لكنه تعلم كيف يُخفيه وكيف يستخدمه بدلًا من أن يشله
كان يتشرب هذا العالم كما يتشرب الجسد الهواء دون وعي كامل
لكن خارج هذا العالم كان هناك شيء آخر لا يمكنه الهروب منه وهو البيت
حين يعود كان يحاول أن يترك كل شيء خلف الباب لكن التغيير كان قد سبقه
أمه لاحظت في البداية كان الأمر مجرد إحساس ونظرة أطول من المعتاد وسؤال يتكرر أكثر من مرة
كانت تقول له إنت كويس يا محمود وكان يبتسم ويقول إنه بخير لكنها لم تكن تقتنع
بدأت تلاحظ تفاصيل صغيرة سكوته زاد وحركته بقت أهدى لكن ليست طبيعية
حتى طريقته في الأكل وفي الرد وفي النظر كان فيها شيء غريب يقلقها
في مرة كانت واقفة في المطبخ وهو جالس في الصالة شاردًا فنادته أكثر من مرة ولم يرد
اقتربت منه ولمست كتفه فانتفض قليلًا كأنه عاد فجأة من مكان بعيد
بصت له بقلق وقالت مالك يا ابني إنت بقيت مش هنا
حاول يبتسم لكنه لم ينجح تمامًا وقال تعب شوية ضغط شغل
هزت رأسها لكنها لم تقتنع وفي ليلة أخرى تأخر كثيرًا وجلست تنتظره حتى عاد
عندما دخل لم تسأله أين كان بل نظرت إليه طويلًا وقالت بهدوء إنت بتتغير يا محمود
سكت ولم يعرف ماذا يقول وأكملت وهي تحاول تخفي خوفها أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل بس قلبي مش مرتاح
نظر إليها للحظة ثم أشاح بوجهه ولم يكن يستطيع أن يشرح ولم يكن يستطيع أن يكذب بطريقة تطمئنها
فقط قال أنا كويس يا أمي لكن الكلمة خرجت فارغة لا تحمل يقينًا
نظرت إليه وكأنها تسمع ما لم يقله ثم سكتت وكان في ذلك الصمت خوف أم ترى ابنها يبتعد دون أن تعرف إلى أين
عاد محمود إلى الجامعة وكأن شيئًا لم يحدث
مواعيده أصبحت أدق من المعتاد وحضوره لا يتأخر دقيقة واحدة
كان يدخل القاعة قبل الطلاب أحيانًا ويقف لحظة ينظر إلى المقاعد الفارغة
ثم يبدأ محاضرته بنفس الهدوء والتركيز وكأن العالم خارج الأسوار لا يعنيه
صوته ثابت وشرحه واضح والطلاب يتابعونه بانتباه
لم يكن يطيل ولا يختصر كان يعطي كل شيء في مكانه دون زيادة أو نقصان
زملاؤه لاحظوا التغير
انضباط حاد وهدوء أكثر من اللازم كأن كل شيء محسوب
أما مايا فكانت جزءًا من هذا المكان لكنها لم تعد جزءًا من يومه،منذ تلك الليلة لم يحاول أن يقترب ولم يكرر دعوته ولم يفتح بابًا للكلام،كانت تراه في الممرات أحيانًا
يمر بجوارها بنظرة عابرة وكأنها مجرد وجه مألوف،في البداية ظنت أنها صدفة،ثم أدركت أنه اختيار،وفي أحد الأيام لم تنتظر أكثر، وقفت في طريقه بعد انتهاء محاضرته
توقف محمود حين رآها،لم يظهر اندهاشًا ولا ترحيبًا فقط سكون معتاد،نظرت إليه مباشرة وقالت،هو أنا عملت حاجة غلط، لم يرد، أكملت بصوت أخفض،في حاجة ضايقتك مني وخليتك تبعد كده،ظل صامتًا،عيناه ثابتتان عليها لكن بلا رد
لحظة مرت،ثم أخرى،الصمت كان أطول من السؤال
تنفست ببطء وقالت،ولا أنا فهمت غلط إنك كنت عايز تقرب
في تلك اللحظة تحرك محمود قليلًا،كأنه قرر أن يخرج من صمته،قال بهدوء،إنتِ معملتيش حاجة غلط
تعلقت عيناها بالكلمة،كأنها تنتظر ما بعدها، أكمل بنفس النبرة
بس القرب مني… مش هيعملك حاجة كويسة،ارتسمت الحيرة على وجهها،قال وهو ينظر بعيدًا قليلًا،أنا طريقي مش شبهك
وأي حد يقرب مني في الطريق ده… هيخسر،سكت لحظة ثم عاد ينظر إليها، قربك مني مش هيبقى غير إحباط ليكي
لم تكن كلماته قاسية في نبرتها،لكن معناها كان حادًا بما يكفي
وقفت مايا للحظات لا تتكلم،كأنها تحاول أن تفهم أو ترفض الفكرة،أما محمود،فلم ينتظر ردًا،تحرك بهدوء وتركها واقفة مكانها.
لكن صوت خطوات سريعة خلفه قطع ذلك الهدوء
ركضت مايا خلفه ونادته بصوت متقطع من اللهاث استنى يا دكتور محمود،توقف دون أن يلتفت في البداية
ثم استدار ببطء ونظر إليها وهي تقترب،وقفت أمامه تحاول أن تلتقط أنفاسها،ثم قالت بنبرة صادقة أنا مستعدة أكون في حياتك بأي طريقة تحبها، ترددت لحظة ثم أكملت مهما كان طريقك،لكن من فضلك متتجاهلنيش،نظرت إليه بعينين فيهما رجاء واضح،وقالت أنا حياتي فاضية أصلا يا دكتور محمود ومصدقت حد نضيف يظهر فيها،صمت محمود قليلًا
ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة تحمل سخرية هادئة
لم تكن سخرية منها،بل من الفكرة نفسها،نظر إليها لكن عينيه لم تكونا معها،كأنهما ذهبتا إلى مكان أبعد بكثير
هي لا تعرفه، لا تعرف ما الذي مر به
لا تعرف ذلك اليوم الذي سُحب فيه على الأرض أمام الناس
ولا تعرف الإذلال الذي كسره من الداخل،لا تعرف هتلر
ولا تعرف أن اسمه محفور داخله كجرح مفتوح،لا تعرف أنه لا ينتظر شيئًا من هذه الحياة، سوى لحظة واحدة
لحظة ينتقم فيها، ولا تعرف الطريق الذي اختاره،طريق مليء بوجوه لا تعرف الرحمة،ومجالس لا يدخلها إلا من فقد شيئًا من
نفسه،نظر إليها مرة أخرى، لكن هذه المرة بنظرة أهدأ
كأن بينه وبينها عالم كامل لا يمكن عبوره
، ثم قال بصوت منخفض إنتي مش فاهمة أنا ماشي فين
وسكت بعدها،كأن الكلمات القليلة كانت كافية لتقول كل شيء
اقتربت مايا خطوة أخرى وخفّضت صوتها كأنها تحاول أن تصل إليه دون أن تضغط عليه
قالت بهدوء طيب احكي يمكن أفهمك
تعلّقت الكلمات في الهواء بينهما وكانت محاولة صادقة للاقتراب
نظر محمود إليها للحظة ثم صمت
لم يكن الصمت عجزًا عن الكلام بل امتلاء بما لا يُقال بسهولة
تساءل في داخله كيف يشرح لها ومن أين يبدأ
فكر كيف يفتح بابًا أغلقه منذ زمن ويترك جرحًا قديمًا يرى النور من جديد
شعر أن الكلام ليس مجرد حكاية بل نزيف سيبدأ ولن يتوقف
تخيّل نفسه وهو يروي كيف سُحب على الأرض وكيف انكسرت صورته أمام الناس
تخيّل عينيها وهي تسمع وهل ستظل تنظر إليه بنفس الطريقة أم سيتغير شيء في نظرتها
كانت فكرة أن تُرى هزيمته في عيون أحد أثقل مما يحتمل
شعر أن صدره يضيق أكثر وكأن الكلمات تحاول الخروج وهو يمنعها
ثم خطر بباله أنها من عالم مختلف تعيش في نظام واضح وحدود مفهومة
تساءل كيف لها أن تفهم حياة الحارة حيث يتحكم شخص واحد في كل شيء
فكر كيف يشرح لها أن القوة هناك تسبق الحق وأن القانون لا يصل إلى تلك الأزقة
هز رأسه ببطء كأنه يرفض الفكرة كلها
شعر أن هذا ليس وقت الكلام وليس المكان
فكر أنه ربما في وقت آخر حين يهدأ كل شيء داخله يستطيع أن يحكي
تخيل أنه حين يستعيد نفسه قليلًا قد يجد الكلمات دون أن يشعر بالانكسار،نظر إليها ثم ابتسم ابتسامة خفيفة
فكر أنه ربما يدعوها يومًا على فنجان قهوة هادئ ويحكي لها كل شيء،لكن ليس الآن
الفصل الثاني عشر
تطورت علاقة محمود بالمجموعة دون إعلان واضح
لم يعد مجرد مستمع بل أصبح جزءًا أساسيًا من جلساتهم
صار حضوره مطلوبًا في أغلب اللقاءات،وكلما احتدم النقاش كانوا يلتفتون إليه دون أن يطلب ذلك،كلماته القليلة أصبحت تحمل وزنًا،وأفكاره بدأت تشكل طريقة تفكيرهم حتى دون أن يلاحظ،كان يجلس بينهم بهدوء،لكن تأثيره كان يتسرب إلى كل قرار يُتخذ.
،وائل كان الأقرب إليه،وأصبح يشاركه أغلب تحركاته ويأخذه إلى أماكن خاصة،ومع ذلك ظل محمود محافظًا على مسافة خفية،لا يندمج بالكامل ولا ينسحب.
أما مايا فلم تختفِ من حياته كما حاول،كانت اللقاءات بينهما تتكرر بشكل غير مباشر،ثم تحولت الصدفة إلى لحظات قصيرة من الحديث،لم تعد تسأله كثيرًا،لكنه لم يعد يبتعد بنفس الحدة.
،وفي إحدى الليالي كان محمود جالسًا وحده،رن هاتفه فجأة،نظر إلى الشاشة فظهر رقم غير مسجل
رقم مجهول لا يحمل اسمًاتردد لحظة قبل أن يرد
ثم ضغط زر الإجابة وقال ألو.
جاءه صوت أنثوى متردد يقول دكتور محمود،انعقد حاجباه قليلًالم يكن يتوقع هذا الصوت
قال بهدوء مين معايا، جاءه الرد بخفوت أنا بتول،اتسعت دهشته للحظة،فكانت هذه أول مرة تتواصل معه مباشرة
قال في هدوء يخفي تساؤله خير يا بتول،سكتت لحظة وكأنها تجمع كلماتها،ثم قالت أنا محتاجة أتكلم معاك
شعر أن نبرتها غير مطمئنة،فسألها في إيه؟
ترددت ثم قالت مش هينفع أقول في التليفون، زاد تركيزه وقال طيب قولي بس الموضوع عن إيه، جاءه ردها سريعًا لازم أشوفك في أقرب وقت، صمتت لحظة ثم أضافت،ضروري يا دكتور،ظل محمود صامتًا لثواني،ينظر إلى الفراغ وكأنه يحاول فهم ما يحدث،ثم قال بهدوء تمام قوليلى المكان فين ، وقبل أن تنهى المكالمة شعر أن خلف كلماتها شيء أكبر لم يقال،وأن هذه المكالمة الأولى لن تكون عادية أبدًا
قبل أن يلتقي محمود ببتول كان ذهنه يميل إلى تفسير بسيط للمكالمة
فكر أنها ربما مشكلة جامعية أو خلاف عابر أو موقف تحتاج فيه إلى نصيحة
لم يكن يتوقع أن الأمر يتجاوز حدود الكلام العادي
كان يتعامل مع الموقف باعتباره طلب مساعدة محتمل لا أكثر
وصل إلى المكان المتفق عليه في وقت مبكر
كان مقهى هادئًا في شارع جانبي بعيد عن ضجيج المعتاد
جلس ينتظرها وهو يراقب المارة بصمت
يحاول أن يبقي ذهنه بعيدًا عن أي افتراضات مسبقة
بعد دقائق وصلت بتول
كانت خطواتها مترددة ونظرتها مضطربة كأنها جاءت رغم خوفها،نهض محمود بهدوء وأشار لها بالجلوس،ثم بقي صامتًا ينتظر أن تبدأ هي، جلست أمامه ولم تستطع الحفاظ على تماس نظر طويل،كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة واضحة
قال لها بهدوء خفيف خير يا بتول في إيه، لكن صوته كان يحمل جدية ملاحظة هذه المرة،صمتت لحظة أطول ثم بدأت كلامها بصوت منخفض،كان واضحًا أنها تقاتل لتخرج الكلمات من داخلها،قالت إنها ارتكبت خطأ كبيرًا دون أن تقصده
وأنها تعرفت على أحد الأشخاص الذين لهم علاقة غير مباشرة بدائرة وائل،أضافت أن هذا الشخص كان يبدو لطيفًا في البداية
وأوهمها بأنه يريد الزواج وفتح لها باب حلم بسيط عن شقة مستقبلية
قالت إنها وثقت به وذهبت لرؤية شقة الزواج التي عرضها عليها،وهناك انقلب كل شيء في لحظة، خفضت رأسها أكثر وهي تكمل بصعوبة
وقالت إنه استغل وجودها واعتدى عليها اعتداءً جسيمًا
سكتت للحظة ثم أكملت بصوت يرتجف
وقالت إنها لم تكن تتخيل أنه سيخونها بهذا الشكل
ثم قالت إن الكارثة لم تنته عند هذا الحد،فهو الآن يحاول ابتزازها ويهددها،قالت إنه يطلب منها مقابلته مرة أخرى تحت تهديد واضح، وإنه إذا رفضت أو تحدثت لأي أحد فسيفضحها أمام أخيها وأمام الجميع،هنا تغيرت ملامح محمود قليلًا،لكن صمته ظل حاضرًا وهو يستمع دون مقاطعة
كانت بتول تنتظر أي رد،بين الخوف والرجاء والارتباك
أما هو فكان عقله يعيد ترتيب كل كلمة سمعها
ويحاول أن يفصل بين الغضب والتفكير قبل أي قرار
وفي داخله بدأ شيء مختلف يتشكل،ليس مجرد سماع لمشكلة
بل إدراك أن هذا النوع من الظلم له وجه آخر أكثر قسوة مما توقع
سألها اسمه ايه ؟
همست بتول بخجل وانكسار اسمه عكاشه
عكاشه ؟ كرر محمود الاسم فى سره، عكاشه ؟
وقبل أن يمنح نفسه وقت للتفكير همس
عكاشه دا من أى منطقه؟
الفصل الثالث عشر
رفع محمود عينيه إليها وسأل بهدوء عكاشه ده من أي منطقة
ترددت بتول لحظة ثم ذكرت اسم الحارة بصوت منخفض
في تلك اللحظة لم يسمع بقية كلامها وكان الاسم وحده كافيًا
بدأ يربط بين التفاصيل دون وعي نفس المنطقة ونفس الدائرة ونفس الوجوه التي حاول أن يتركها خلفه
عاد إليه الماضي دفعة واحدة الشارع الضيق والغبار والصوت العالي والوجوه التي لا تُنسى،ثم استقر كل شيء في نقطة واحدة عكاشه،لم يعد هناك شك هو نفسه بشحمه ولحمه
الرجل الذي كان يقف خلف هتلر وينفذ ويبتسم
شد محمود فكه قليلًا لكنه أخفى ما بداخله
عاد بعينيه إلى بتول وكانت تنظر إليه بقلق واضح
خفض صوته وقال مفيش حاجة هتحصلك، ثم أضاف بهدوء اللي حصل مش غلطتك،كانت كلماته بسيطة لكنها خرجت صادقة،ارتجفت شفتا بتول ونزلت دموعها،ثم همست بصوت مكسور هتساعدني،سكت محمود لحظة ثم قال أكيد
ثم أضاف بصوت أخفض أنا ليا تار قديم مع عكاشه
ورفع عينيه قليلًا وكأن القرار استقر داخله،وقال وحان وقت دفع الثمن.
،في الجهة المقابلة من الشارع كانت سيارة متوقفة في الظل،زجاجها داكن بالكاد يُرى ما بداخلها لكن من الداخل كانت الرؤية واضحة تمامًا نحو المقهى
عدسة صغيرة مثبتة خلف الزجاج موجهة بدقة نحو الطاولة التي يجلس عندها محمود وبتول،على الشاشة أمامهم كانت الصورة مكبرة،وجه محمود واضح وملامحه هادئة لكنها حادة
ووجه بتول في الجانب الآخر وعيناها قلقتان ودموع لم تجف بعد،أحدهما كان يثبت الكادر بعناية ويتابع كل حركة
قال بصوت منخفض كده تمام الاتنين في الكادر
رد الآخر وهو يقرب الصورة أكثر استنى لما تقرب وشها شوية
مرت لحظة صمت قصيرة،ثم قال بهدوء اهو كده
إيده على الطاولة قدامها ووشها واضح، ثم ابتسم وحط ايده على كتفها كمان.
نهض محمود من مكانه بهدوء بعد أن هدأت الكلمات بينهما
أشار لبتول أن تتحرك فنهضت وهي تمسح أثر دموعها
خرجا من المقهى بخطوات متباطئة وكان كل واحد منهما غارقًا في أفكاره،الشارع كان هادئًا لكن داخلها لم يكن كذلك
وقف محمود لحظة ينظر إليها وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر
لكنه اكتفى بنظرة ثابتة وقال خدي بالك من نفسك
هزت رأسها بصمت ولم تستطع الرد،تحرك هو في اتجاه وابتعدت هي في اتجاه آخر
كانت خطواتها غير مستقرة كأن الأرض لم تعد ثابتة تحتها
لم تمض دقائق حتى اهتز هاتفها في يدها
نظرت إلى الشاشة فتغير لون وجهها في لحظة
توقف جسدها مكانه وأصابعها ارتعشت وهي تفتح الاتصال
رفعت الهاتف إلى أذنها بصعوبة ثم همست بصوت مكسور أنا عملت اللي قلت عليه اهو
توقفت لحظة كأنها تبتلع خوفها ثم أضافت من فضلك بلاش تفضحني
جاءها الصوت من الطرف الآخر هادئًا باردًا لا يحمل أي انفعال
قال إنها أدت المطلوب منها وإنه ربما يفكر في تركها وشأنها
تعلقت بتلك الكلمة وكأنها نجاة
لكن الصوت أكمل بهدوء أشد لسه في حاجة تانية وهقولك عليها بعدين،انقطع الاتصال وبقيت بتول واقفة مكانها تنظر إلى الفراغ.
ثم انهار كل شيء وانهمرت دموعها دون توقف
انحنى جسدها قليلًا كأن الحمل أصبح أثقل مما تتحمل
همست لنفسها بكلمات غير مكتملة تحمل لومًا وخوفًا وندمًا
شعرت أنها عالقة لا قادرة على الرجوع ولا قادرة على الهروب
كانت روحها مرهقة كأنها تُسحب ببطء نحو شيء لا تريده
مسحت وجهها بيد مرتجفة ثم تحركت في اتجاه بيتها
بدا الطريق أطول من المعتاد وكانت خطواتها أثقل
وكل ما بداخلها كان ينهار بصمت
الفصل الرابع عشر
في غرفة ضيقة يغمرها ضوء خافت كان هتلر جالسًا أمام شاشة صغيرة يراقب المشهد بعين ثابتة
توقفت اللقطة عند لحظة محددة وكان وجه بتول واضحًا وملامحها مرتبكة،وكان محمود أمامها في وضع لا يحمل إلا تفسيرًا واحدًا لمن يريد أن يفسر.
تحركت شفتاه ببطء وارتسمت ابتسامة ساخرة لم تصل إلى عينيه، لم يكن يضحك بل كان يستمتع،أعاد المقطع مرة أخرى كأنه يتأكد من كل تفصيلة،وقف عكاشه إلى جواره يراقب بصمت
ثم قال وهو يلتفت إليه نبعته لوائل،لم يرفع هتلر عينيه عن الشاشة وقال بهدوء مقتضب لا،سكت لحظة ثم أضاف بنفس البرود مش دلوقتى.
كانت كلماته قليلة لكنها تحمل قرارًا واضحًا بالتأجيل
كأنه لا يريد أن يحرق الورقة سريعًا بل يفضل أن يتركها في الوقت المناسب.
في مكان آخر كانت تحركات مجموعة وائل تسير بثقة متزايدة،كانت الصفقات تمر بنجاح وكانت التحركات محسوبة بشكل لم يعتادوه من قبل
لم تعد مجرد أعمال عشوائية بل أصبحت خطوات مدروسة بدقة،هذا التغير لم يمر دون ملاحظة،كانت هناك أعين أكبر تراقب من بعيد،كان تجار كبار اعتادوا قراءة السوق كما يقرأون وجوه الناس،بدأوا يلاحظون نمطًا مختلفًا فيه ذكاء في التوقيت وحذر في التنفيذ،لم يكن هذا أسلوب رجال الشارع المعتادين،بدأ البحث بسؤال هنا ومعلومة هناك
حتى تجمعت الخيوط في نقطة واحدة وهي محمود
لم يكن هو من يظهر في الواجهة لكنه كان العقل الذي يحرك كل شيء من الخلف، تبادلوا النظرات ثم جاء القرار دون تردد
كان واضحًا أن شخصًا مثله لا يُترك حرًا،بل يجب أن يكون تحت السيطرة.
جلس محمود وحده بعد أن هدأت الأصوات من حوله،كان يفكر في كل ما سمعه وكل ما رآه،ثم استقر القرار داخله دون تردد،قرر أن يخوض هذه المعركة بمفرده،لن يخبر وائل ولن يكسر قلبه على أخته،ولن يمنح أحدًا فرصة للشماتة أو الشك
أصبح ما حدث يخصه وحده وعليه أن ينهيه بطريقته
كان يرى الأمر بوضوح فوضى يجب تنظيفها ودين يجب سداده،ومن أجل صديقه ومن أجل نفسه سيتحرك
نهض ببطء وملامحه هادئة لكن داخله ثابت على قرار لا رجوع فيه،تحرك نحو المنطقة التي يعرفها جيدًا نفس الحواري ونفس الظلال ونفس الرائحة القديمة،لكنه لم يعد نفس الشخص الذي غادرها من قبل،كان يسير بثقة ويحمل داخله خبرة لم تكن موجودة من قبل
أساليب تعلمها دون أن يشعر ولغة فهمها من الجلسات وطريقة تفكير بدأ يتقنها،لم يكن معه سوى ما يكفي وثقته بنفسه
وصل إلى أطراف المكان حيث تبتعد البيوت ويبدأ الفراغ
هناك كانت العشة،مكان معزول خارج العمران بعيد عن أعين الفضول،توقف محمود في الظل وعيناه ترصدان المكان بدقة
رأى الحركة ورأى رجالًا يدخلون ويخرجون وسمع ضحكات متقطعة وسكونًا يخفي ما تحته
وكان السلاح في يده يقبض عليه بإحكام كأنه جزء منه
لم يتعجل وظل يراقب ويحسب وينتظر اللحظة المناسبة
ثم جاءت اللحظة فتحرك خطوة للأمام ثم أخرى وخرج من الظل،وفي لحظة واحدة انفجر الصوت وطلقت نار شقت الصمت،ردت العشة فورًا بصراخ وارتباك وأصوات تتحرك في كل اتجاه، بدأ الاشتباك وتحرك محمود بسرعة وجسده ينفذ دون تردد وعقله يقود كل حركة.
الفصل الخامس عشر
انطلقت أول رصاصة فمزقت الصمت،وفي اللحظة نفسها جاء صوت هتلر صارخًا دا محمود
لم تكن صرخة خوف بل كانت صرخة معرفة،كأن الاسم وحده أشعل كل ما في المكان
تحرك الرجال فورًا وكانت أجسادهم تعرف ما تفعل دون أوامر طويلة،انتشروا في شكل نصف دائرة يحاولون احتواءه بدلًا من مطاردته،لكن محمود لم يقف مكانه وكان يتحرك مع كل طلقة،كان يغير موقعه قبل أن يصل الرد
انخفض خلف كومة تراب ثم اندفع جانبًا قبل أن تُصب عليه النيران،لم يكن يقاتل بعشوائية بل كان يقاتل بعقل بارد داخل فوضى مشتعلة،كانت كل حركة محسوبة وكل خطوة تهرب من طوق يتشكل حوله،حاول أحدهم الاقتراب من اليمين لكن محمود سبقه،أطلق طلقة واحدة ثم اختفى خلف الظل
بدأ الرجال يفهمون أنه لا يواجههم مباشرة بل يفتتهم
صرخ هتلر مرة أخرى لفوا عليه متسيبوش يتحرك
بدأ الطوق يضيق وكانت خطواتهم تتقدم وأصواتهم تقترب من كل اتجاه،لكن الأرض لم تكن في صالحهم
كان الطريق الصحراوي مفتوحًا لكن محمود انسحب تدريجيًا إلى الخلف
لم يكن انسحابه هروبًا بل كان سحبًا للمعركة إلى مكان يريده كانت كل خطوة للخلف محسوبة حتى تجاوز حدود الطريق
ودخل الرمال،هناك تغير كل شيء
لم تعد هناك حدود واضحة ولا نقاط ثابتة للاختباء،لكنها كانت أرضًا يعرف كيف يستخدمها،أصبحت خطواته أخف وصوته أقل أما هم فكانت حركتهم أثقل والرمال تفضح كل اقتراب،اختفى محمود للحظة وكانت لحظة قصيرة لكنها كافية،توقف أحدهم ينظر حوله في توتر
ثم جاءت طلقة من الخلف فسقط قبل أن ييصرخ
عاد الارتباك وبدأوا يدورون حول أنفسهم يحاولون تحديد موقعه،لكن محمود لم يكن في مكان واحد، كان يتحرك بينهم يضرب ثم يختفي،كلما حاولوا التقدم كانوا يخسرون خطوة
وكلما ظنوا أنهم اقتربوا كان ينسحب إلى نقطة أخرى
لم تعد المعركة مواجهة مباشرة بل أصبحت مطاردة عكسية
كانوا يطاردونه لكنه كان من يتحكم في الاتجاه، بدأ الليل يبتلع كل شيء ببطء،وتحولت الرمال إلى ساحة لا ترحم
وفي وسط ذلك كان صوت أنفاسهم أعلى من صوت الرصاص
أما محمود فكان صامتًا يتحرك وينتظر ويضرب،كأن الصحراء نفسها تقاتل معه
صرخ هتلر بصوت حاد محدش يجرى وراه في الخلاء ارجعوا خدوا ساتر
لكن الأوامر جاءت متأخرة وكان كل شيء قد تغير بالفعل
رجاله الذين كانوا يملؤون المكان تقلصوا إلى أربعة فقط
الارتباك كان واضحًا والفراغ حولهم أصبح أوسع مما يحتمل
شد هتلر فكه وهو ينظر في الظلام، كان يعرف أن المطاردة في الخلاء ليست في صالحهم،وكان يعرف أيضًا أن محمود لن يتركهم بسهولة،لم يكن هناك خيار فدفع أحد رجاله بقوة إلى الأمام، تحرك الرجل رغم خوفه خطوة ثم أخرى
وفي اللحظة التالية اخترقت رصاصة جسده،سقط على الرمال لكن قبل أن يسقط كان قد أعطى ما أراده هتلر
حدد موقع محمود من اتجاه الطلقة،ثبتت عينا هتلر في الاتجاه ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة
همس بهدوء حمد لله على السلامة يا دكتور، التفت بسرعة وعاد صوته حادًا،قال يا عكاشه اترمى ورا الصخرة اللي هناك دى، وأشار بيده نحو كتلة صخرية بارزة وسط الرمال
كان المكان كافيًا ليخفي جسدًا ويمنح زاوية رؤية واضحة
أكمل بصوت منخفض لكنه قاتل متتحركش من وراها مهما حصل، ثم قال ولما يظهر قدامك معاك إذن الموت
كانت كلماته واضحة وهذه لم تعد مواجهة عشوائية
بل أصبحت لحظة صيد،وكانت الفريسة تقترب دون أن تدرى
بدأ هتلر في التراجع خطوة وراء خطوة وهو يطلق طلقات متقطعة تغطي انسحابه
تحرك نحو اتجاه العشة مرة أخرى وكأنه يبحث عن ساتر أخير،كان يظهر ارتباكًا متعمدًا وصوته يعلو كأنه يفقد السيطرة
اندفع نحو الخيمة القشية واحتمى بها وكأنه يهرب من المواجهة
تابعه رجاله بما تبقى منهم وهم يظنون أن القتال انكسر
لكن محمود لم يتحرك خلفهم وظل في مكانه يراقب بصمت
مرت لحظات ثقيلة ثم جاء صوت هتلر من الداخل وهو يصرخ هو مجاش ورانا ليه ؟؟
لم يكن السؤال بريئًا بل كان اختبارًا،وقف محمود في الظل يراقب المشهد بعين ثابتة ولم يبتلع الطعم
كان يعرف أن ما يُعرض أمامه ليس إلا جزءًا من خطة أكبر
همس لنفسه بهدوء من لم يتعلم من أخطائه يستحق نفس الصفعة مرارًا وتكرارًا،تحرك بعد ذلك ببطء شديد وكانت خطواته ثابتة فوق الرمال
أخرج سيجارة وأشعلها بهدوء وسحب نفسًا عميقًا كأن المعركة توقفت للحظة
لم يكن مستعجلًا وكان يعرف أن كل شيء لم ينته بعد
تصاعد الدخان حوله وكانت عيناه ثابتتين نحو العشة
كان يعرف أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد وأنها ستكون مع هتلر نفسه،هتلر الذي ينتظره على بعد أمتار
لكن قبل أن يصل إليه كان هناك أمر يجب أن ينتهي
عكاشه، لم يكن ممكنًا أن يتركه خلفه ولم يكن ممكنًا أن يتجاهل وجوده،ألقى نظرة أخيرة نحو الصخرة ثم تحرك ببطء،كأنه يتجه نحو نهاية محسوبة بدقة.
الفصل السادس عشر
هتلر
١٦
تحول اتجاه الرصاص تدريجيًا نحو العشة ولم يعد الصوت يأتي من الصحراء المفتوحة فقط بل أصبح يتركز حول المكان
داخل محيط العشة كان هتلر قد اتخذ موقعه وانخفض خلف صخرة صغيرة بالكاد تحجب نصف جسده وكانت عيناه ترصدان كل حركة في الخارج
بجواره ثلاثة من رجاله توزعوا بسرعة حيث احتمى أحدهم خلف قطعة أثاث مكسورة وانخفض الآخر خلف بقايا جدار قديم من مخلفات مباني واختار الثالث كومة حجارة غير منتظمة يحاول أن يجعل منها ساترًا
لم يكن أي من هذه المواقع مثاليًا لكنها كانت كافية لثواني إضافية من الحياة
بدأ إطلاق النار من جديد وكانت الطلقات متقطعة تخرج من أكثر من اتجاه تغطي المساحات الفارغة وتمنع أي اقتراب مباشر
كان الرصاص يرتطم بالحجارة ويتناثر غبار خفيف مع كل إصابة
كان هتلر يتحرك قليلًا كل بضع ثواني ويغير زاوية جسده دون أن يكشف نفسه بالكامل وكان يعرف أن الثبات يعني الموت
أما رجاله فكانت حركتهم أكثر توترًا لكنهم كانوا يحاولون الالتزام بإيقاع القتال حيث يطلق كل واحد منهم ثم يختبئ ويراقب ثم ينتظر
لم تعد العشة مجرد مكان بل تحولت إلى نقطة اشتباك وكان الصمت بين الطلقات أخطر من الصوت نفسه
اشتد الغضب في ملامح هتلر وهو ينخفض خلف صخرته وكانت الطلقات تمر فوقه وتتناثر الرمال حوله لكنه لم يعد يكتفي بالرد على النار
أدخل يده في جيبه بسرعة وأخرج هاتفه ثم رفع رأسه قليلًا يتأكد من زاوية الرؤية وعاد للاختباء
فتح الشاشة بأصابع سريعة وكأن كل شيء محفوظ في ذهنه وتوقف لثانية وعيناه تلمعان بشيء أخطر من الغضب
ضغط زر الإرسال ولم ينتظر تأكيدًا وكأنه يعرف أن ما أرسله كفيل بأن يبدأ العاصفة
عاد يسند ظهره على الصخرة وصوت الرصاص لا يزال يملأ المكان ثم أطلق ابتسامة ساخرة ببطء وهمس لنفسه بهدوء خليه تتطربق على الكل
انخفض محمود خلف نتوء رملي ثم تحرك كظل سريع بين الفجوات واقترب من أحد رجال هتلر دون أن يلفت الانتباه
أطلق طلقة قصيرة محسوبة أنهت حركته وسقط جسده بلا صوت يذكر ولم يبق سوى هتلر ورجل واحد يتشبثان بما تبقى من ساتر
في اللحظة التالية ظهر محمود وخرج من طرف الطريق السريع كأنه اندفع من العدم وكان يركض بكل سرعته وجسده منخفض وعيناه ثابتتان نحو الهدف
انطلقت رصاصة من الرجل الأخير ومرت بين قدمي محمود وهو في اندفاعه لكنه لم يتوقف ولم يغير مساره
بعد لحظات قليلة انقلب المشهد وسقط الرجل نفسه بعدما أصابته طلقة دقيقة وخلا المكان إلا من محمود وهتلر
هدأ الصوت فجأة وبقيت أنفاسهما وحدها تسمع بين المسافات
وقف محمود على بعد خطوات ورفع نظره نحوه دون استعجال وقال بصوت ثابت إن الكلام بينهما قديم وأن الدم والحساب لم ينسهما أحد
ابتسم هتلر ابتسامة قاسية وقال إنه كان ينتظر هذا اليوم من زمان
تقدم كل واحد منهما خطوة ثم أخرى حتى أصبحت المسافة بينهما واضحة ومفتوحة
خفض محمود سلاحه ببطء وألقاه على الأرض ورد هتلر بالمثل دون تردد
لم يعد هناك رصاص ولا رجال ولا شهود بل مجرد أرض مفتوحة ووعد قديم وحساب مؤجل
التقت نظراتهما للحظة طويلة ثم فهم كل واحد منهما الآخر دون كلمة إضافية وكانت المعركة القادمة بلا أي شيء يختبئ خلفه أحد
تقدم الاثنان في صمت ثقيل ثم انفجرت اللحظة واندفع هتلر أولًا بقوة طاغية كأنها موجة لا تتوقف
كانت ضرباته مباشرة وعنيفة لا تعرف التردد واستقبل محمود الصدمة الأولى بصعوبة وارتد جسده خطوة للخلف
توالت الضربات من هتلر بلا توقف وكانت قبضاته ثقيلة واندفاعه الجسدي يحاول سحق كل مقاومة لكن محمود لم يسقط
بدأ يستعيد توازنه ورفع ذراعيه ليصد ويحتوي وتحول القتال إلى اشتباك قريب جسد بجسد وأنفاس متلاحقة
كانت ضربة من هتلر تقابلها مراوغة من محمود ثم رد سريع يترك أثره
تأرجح القتال بينهما وكانت هناك لحظة يفرض فيها هتلر قوته ولحظة يستعيد فيها محمود السيطرة ولم يكن هناك تفوق ثابت بل صراع إرادة لا ينكسر بسهولة
سقط محمود مرة على الأرض ثم نهض وهو يلهث وسقط مرة أخرى ثم عاد واقفًا وكان يتحمل الضربات وكأن شيئًا داخله يرفض السقوط
بدأ شيء مختلف يظهر في عينيه ولم يعد الأمر مجرد قتال بل تحول إلى انتقام
اندفع من جديد لكن هذه المرة بقوة مختلفة وأمسك بهتلر واصطدم به بعنف ثم دفعه أرضًا
انقلبت الموازين وأصبح محمود هو من يضغط وهو من يهاجم بلا توقف
أمسك بملابس هتلر وجره على الأرض بقسوة وكانت الرمال تحت جسده والصوت يعلو من احتكاكه بها
كان المشهد يعيد نفسه لكن هذه المرة الأدوار انعكست
دخل به إلى العشة ودفعه بقوة ثم جلس محمود على مقعد قديم وأمسك بعنق هتلر بين يديه وبدأ يصفعه من كل جهة
توالت الصفعات حتى بدأ وجه هتلر يتشقق تحت الضرب وفقدت ملامحه ثباتها لأول مرة
توقف محمود أخيرًا وتنهد بعمق كأنه أخرج ما بداخله دفعة واحدة
سحب حبلًا وقيد يدي هتلر ثم جره مرة أخرى إلى الخارج وألقاه في خلفية سيارة نصف نقل كما لو كان يحمل شيئًا انتهى منه
كان يعرف إلى أين سيأخذه إلى الحارة حيث بدأ كل شيء ليسترد ما سلب منه
صعد محمود إلى السيارة وأدار المحرك وتحركت ببطء في البداية ثم بدأ يزيد السرعة
وفي اللحظة التي اندفعت فيها السيارة شق صوت رصاصة الهواء واخترقت كتف محمود
اهتز جسده وتوترت يده على المقود لكن السيارة لم تتوقف
الفصل السابع عشر
ترنح محمود ،الرصاصه آلتى اخترقت كتفه جعلت جسمه كله يرتعش ،حاول يخرج من العربيه بيده السليمه لكنه تعثر
بص لبره فى المرآيه وشاف شخص ماشى ناحيته، لكنه توقف عند مؤخرة السياره ثم بعد ذلك ظهر وجهه
وائل يسير جوار هتلر بعد أن حل قيده، وائل ؟ صرخ محمود لرؤية صديقه.
كان لازم اعرف انك شخص وسخ صرخ وائل وهو يهشم وجه محمود ،بعد العيش والملح بتعتدى على عرضى ؟
حاول محمود يحمى وشه بيده السليمه ،كذب صرخ محمود بكل صوته، انت فاهم غلط يا وائل
متنطقش أسمى لكمه وائل على وجهه، كفاياك كذب ولئم وخسه ،لولا هتلر كان زمانى معرفتش حقيقتك النجسه
كنت جاى تقضى على هتلر ورجالته عشان سرك يموت معاهم ؟
وائل ؟ انا جيت عشان احمى شرف اختك واسألها بنفسك ؟
متجيبش سيرة شرف اختى على لسانك الوسخ ياض
قلتلك كفايه كذب، خنق وائل عنق محمود إلى قعد يصرخ اسأل اختك ،اسأل اختك .
سألتها صرخ وائل، سألتها ومكنتش مصدق ودانى وهى بتحكى عن خستك وقرفك وخيانتك ،دا انا كنت بعتبرك اخويا إلى مجبتوش آمى ،لكن البركه فى هتلر هو الى فتح عنيه على الحقيقه بقا كنت بتغفلنى ؟ بتاخد اختى غصب ؟
انهار محمود شعر ان كل حصونه تدمرت ، حمل وائل محمود ورماه فى مؤخرة السياره وغاص داخل الصحراء
سأله هتلر هتقتله ؟
لم يستمع وائل ان يفضح نفسه ،ان يقول انه غير قادر على قتله، يده لا تطاوعه فصرخ ،الموت السهل إلى زيه رحمه
انا هرميه للكلاب تنهش جدته حته حته ،بعد مسافه طويله
كتف محمود من ايديه ورجليه ورماه فى الصحرا ثم انطلق عائدا إلى العمار.
قصة محمود خلصت همس هتلر فى هاتفه ،والجماعه اتفرقت
من غير محمود ،عقلهم هم عباره عن مجموعة مجرمين تافهين وجاهزين نضرب ضربتنا
وصله صوت هاديء واثق ،تمام ،خد الرجاله وخلص عليهم.
جمع هتلر رجاله وانضم اليه رجال تاجر المخدرات الكبير
كان وائل وجماعته يدخنون الحشيش ،وائل يحرق السجائر وأحده تلو الأخرى يسب ويلعن
أصحابه يحاولون تهدائته ،لكن غضب وائل كان هائل
ثم فجأه انطلق الرصاص وارتفع الصوت غاره يا رجاله
امسك كل واحد بسلاحه لكن الحمل كان ثقيل
الرصاص كثيف والعدد أكبر من ان يقاوم، مين الى عمل كده؟
الرصاص اخترق البوص والقش والمقاعد والناس تحولت العشه لغربال واسع مملوء بالجثث
وقف هتلر فوق جثثهم وصرخ ،دا هيكون عقاب اى شخص يفكر يخون المعلم الكبير.
الفصل الثامن عشر
تُرك محمود في قلب الصحراء كجسد منسي وكان الليل يهبط عليه طبقة بعد طبقة
كانت الرصاصة في كتفه كجمرة لا تنطفئ وكانت تنبض مع كل نبضة قلب وتبعث ألمًا ينتشر في جسده كله
لم يكن الألم محصورًا في الكتف فقط بل كان يسري في صدره وظهره وذراعه حتى أطراف أصابعه
حاول أن يفتح عينيه بالكامل لكنه شعر بثقل كأن الظلام نفسه يضغط على جفونه
كان يتنفس بصعوبة وكان الهواء يدخل إلى صدره ببطء كأنه يمر عبر جرح لا يُرى
كل شهيق كان معركة صغيرة وكل زفير كان استسلامًا مؤقتًا
حرك يده فصرخ جسده كله وكانت القيود مشدودة بقسوة حول معصميه وكاحليه
احتكت الحبال بجلده حتى شعر أنها جزء منه ولم يعد يعرف أين ينتهي جسده وأين يبدأ الألم
حاول أن يستجمع ذاكرته فعاد صوت وائل ووجهه والضرب والخذلان كطعنة جديدة
همس بصوت بالكاد يُسمع أنه ليس خائنًا لكن الصحراء لم ترد
مر الوقت بطيئًا أبطأ من الألم نفسه
ثم بدأ يسمع حركة خفيفة واحتكاك الرمال وأنفاسًا ليست له
فتح عينيه أكثر ورأى نقاطًا لامعة تتحرك في الظلام
كانت الكلاب تقترب بحذر وتشم الهواء وتتتبع رائحة الدم
حاول أن يتحرك لكن جسده لم يستجب كما يريد فارتفع قليلًا ثم سقط
اقترب أحدها أكثر حتى شعر بأنفاسه الساخنة على جلده
انتفض محمود بعنف وصرخ وحاول أن يركل لكنه لم يستطع
جاءت العضة الأولى مفاجئة وكانت صدمة أشعلت الألم في جسده كله
تبعها عضة أخرى فخرج صوته من أعماقه كصرخة بقاء
بدأ يتحرك بجنون ودحرج جسده واصطدمت كتفه المصابة بالرمال فاشتعل الألم أكثر
ضرب الأرض وحاول أن يبعدها بكتفيه وركبتيه واحتك بالحبال حتى مزقت جلده أكثر
كانت الكلاب تتراجع خطوة ثم تعود وتختبر ضعفه وتنتظر لحظة سقوطه الكامل
لكن محمود لم يسقط وكان بداخله شيء يرفض أن ينتهي بهذه الطريقة
هدأ فجأة وبدأ يتنفس ببطء رغم الألم وركز في تحريك يديه داخل القيد
كان الحبل خشنًا وكل حركة كانت تقطع جلده لكنه استمر
ضغط ولف وشد مرات كثيرة حتى شعر بارتخاء بسيط
تعلق بالأمل وضغط أكثر حتى انفلتت يده أخيرًا وسقطت على الرمال بلا إحساس
بقي لحظة لا يتحرك ثم فك القيد الآخر ثم ساقيه
ظل ممددًا على الأرض وجسده مليء بالجروح وأنفاسه متقطعة لكنه كان حيًا
بدأ يزحف ببطء شديد ويسحب نفسه على الرمال وكان كل شبر كأنه جبل
ابتعدت الكلاب قليلًا تراقب ولم تعد تهاجم بنفس الشراسة كأنها تنتظر
لكنه لم يمنحها الفرصة واستمر في الزحف حتى شعر أن جسده لم يعد يحتمل
حاول أن يقف فسقط ثم حاول مرة أخرى ونجح للحظة
وقف مترنحًا وخطا خطوة ثم أخرى وكان يمشي كطفل يتعلم السير
كان الظلام يحيط به والألم يرافقه لكنه استمر في الحركة
ثم لمح خيمة بدوية وحيدة وسط الصحراء ولم يعرف إن كانت حقيقية أم وهم
تعلق بها وتقدم نحوها خطوة بعد أخرى حتى اقترب
ثم فجأة انهار وسقط أمامها مباشرة
استسلم جسده أخيرًا لكن داخله ما زال يقاتل
ثقل جسده أكثر واستسلم أخيرًا وغاب وعيه تمامًا كأن الظلام ابتلعه
مرت عليه أيام لا يعرف عددها وكان بين الغياب والحضور كروح معلقة لا تستقر
في تلك الأيام كانت امرأة بدوية تقف على رأسه وتغسل جراحه وتربط كتفه بضمادات بسيطة
كانت تضع له الماء عند شفتيه وتنتظر حتى يبتلع قطراته ببطء
كانت تنظف الدم المتجمد عن جسده وتزيل أثر الرمال من جروحه بصبر طويل
لم يكن يسمع صوتها بوضوح لكنه كان يشعر بوجودها كظل رحيم لا يغادر
بدأ وعيه يعود ببطء شديد
فتح عينيه نصف فتحة ورأى سقف خيمة من القماش المهترئ
كانت الرؤية مشوشة والضوء يدخل على شكل خطوط متقطعة
حاول أن يتحرك فصرخ جسده لكن الألم هذه المرة كان أهدأ كأن النار أصبحت جمرًا تحت الرماد
نظر حوله في تيه كامل ولم يعرف أين هو ولا كم مر من الوقت
كانت الأفكار تتصادم في رأسه دون ترتيب بين الصحراء والكلاب ووائل والرصاصة
حاول أن يتكلم لكن صوته خرج ضعيفًا جافًا كأنه لم يستخدمه منذ زمن
رفع يده ببطء ورأى الضمادات حول كتفه وفهم أنه لم يكن وحده
مرت لحظات قبل أن يستجمع نفسه ثم دفع جسده لينهض
جلس أولًا وهو يلهث ثم وقف مترنحًا ممسكًا بجانب الخيمة
خرج إلى الخارج بخطوات بطيئة وكانت الشمس أعلى والهواء مختلف
نظر حوله فلم ير أحدًا ولم تكن هناك المرأة ولا أثر واضح لها
كأنها لم تكن موجودة من البداية فوقف في مكانه للحظة وشعر بشيء بين الامتنان والدهشة
ثم همس بصوت خافت شكرًا دون أن يعرف لمن يقولها
بدأ يتحرك خطوة ثم أخرى وكان جسده أضعف لكن إرادته أكثر صلابة
سار في الصحراء حدسه لا أكثر وكانت الشمس ترشده والأرض تقوده
بعد وقت طويل لمح الطريق الصحراوي كخط أسود وسط الامتداد الأصفر
اقترب منه ببطء حتى وصل ووقف على حافته يتنفس بعمق
ثم تحرك مستندًا على نفسه حتى وجد وسيلة تعيده
كان الطريق إلى البيت أطول مما تذكر لكنه استمر حتى وصل
وقف أمام بابه للحظة كأن المكان لم يعد كما كان
ثم دخل وعاد إلى حياته لكن ليس كما خرج منها
الفصل التاسع عشر
١٩
دخل محمود شقته بخطوات بطيئة وكان أول ما فكر فيه قبل الألم هو أمه
توقف لحظة عند الباب يستمع وكأنه يخشى أن تسمع حركته في تلك الحالة
تحرك بهدوء إلى الداخل محاولًا ألا يصدر صوتًا
لكن الباب الداخلي انفتح فجأة وظهرت أمه
وقفت للحظة تنظر إليه وكأنها لا تصدق ما ترى
صرخت باسمه واندفعت نحوه وكانت عيناها مليئتين بالخوف وهي ترى حالته
كانت ملابسه ممزقة ووجهه شاحب وآثار الدم لم تختفِ بعد
حاول أن يطمئنها بكلمة بسيطة لكنه لم يجد صوته
أمسكت به وساعدته على الجلوس وكانت يداها ترتجفان وهي تتحسس وجهه وكتفه
سألته ماذا حدث لكنه لم يجب مباشرة وقال بصوت منخفض إنه تعرض لحادث بسيط
لكن عينيها لم تصدق الكلمة
أحضرت الماء بسرعة وقطعة قماش وبدأت تنظف وجهه بحذر وكأنه طفل عاد مصابًا
لم تسأله كثيرًا لكنها لم تتوقف عن النظر إليه
ساعدته على الوصول إلى الحمام وبقيت بالقرب منه تراقبه وهو يغسل آثار الدم والغبار،كانت تتألم بصمت مع كل حركة يئن منها
بعد ذلك أعادت تضميد كتفه بيدين أكثر ثباتًا مما كان يتوقع
لم تكن خبيرة لكن عاطفتها جعلتها دقيقة
أجلسته على السرير وأصرت أن يبقى مستلقيًا
جلست بجواره ولم تتحرك،في تلك الليلة لم تنم
كانت تراقب أنفاسه وتضع يدها على جبينه من حين لآخر
كأنها تخشى أن يختفي إذا أغمضت عينيها
مرّت الأيام التالية وهو داخل الشقة لكنه لم يكن وحده هذه المرة، أمه كانت معه في كل تفصيلة
كانت توقظه ليأكل وتعطيه الدواء وتغير له الضمادات
وتحاول أن تخفي قلقها بابتسامة ضعيفة
وكان يتحرك ببطء ويتعافى تدريجيًا
لكن نظراتها لم تتغير،كانت ترى أنه عاد شخصًا آخر أقل كلامًا وأهدأ بشكل غير مريح،وكانت عيناه تحملان شيئًا لم تفهمه
كانت تسأله أحيانًا إذا كان هناك شيء يريد أن يقوله
لكنه كان يكتفي بهز رأسه،لم يرد أن يقلقها أكثر ولم يستطع أن يقول الحقيقة، كان يجلس أحيانًا أمامها صامتًا
تشعر أنه قريب جسديًا لكنه بعيد بشيء آخر
وفي الليل حين تظنه نائمًا كانت تظل تنظر إليه طويلًا
كأنها تحاول أن تستعيد ابنها الذي خرج،ولا تعرف إن كان قد عاد بالفعل، ومع مرور الوقت بدأ جسده يستعيد قوته والجرح يلتئم ببطء،لكن الصمت بينه وبين أمه كان يزداد عمقًا
لم يكن صمت جفاء بل صمت يحمل أشياء لم تُقال
وكان محمود يعرف أن أكثر ما يؤلمه الآن ليس الجرح في كتفه بل نظرة أمه حين تشعر أنه يتغير ولا تستطيع أن توقف ذلك
مرّت أيام ثقيلة داخل الشقة وكان الصمت فيها أعمق من أي صوت
وفي ظهيرة باهتة دوى طرق عنيف على الباب كأنه استغاثة لا تنتظر
نظرت إليه أمه بقلق قبل أن ينهض ويفتح الباب
فاندفعت بتول إلى الداخل قبل أن ينطق وكانت تبكي بعنف ووجهها شاحب وعيناها غارقتان في الدموع
توقفت أمامه تلهث وكأنها قطعت الطريق جريًا
حاولت أن تتكلم لكن الكلمات خانتها للحظة ثم خرج صوتها مكسورًا وهي تقول إن وائل مات
تجمد محمود في مكانه ولم يتحرك كأن الكلمة لم تصل بعد أو أنه يرفض استقبالها
انهارت بتول أكثر وهي تكرر أن أخاها قُتل وأنهم ضربوا العشة ولم يتركوا أحدًا
كانت تبكي وتتشبث بالكلمات كأنها آخر ما تملك
اقتربت خطوة وقالت بصوت مرتجف إنها تريد حقه وأنها لا تملك غيره الآن
رفعت عينيها نحوه وكأنها تبحث عن وعد
لكن محمود ظل صامتًا ونظر إليها نظرة طويلة خالية من أي تعبير واضح
لم يكن يرى فقط فتاة مكسورة بل كان يرى كل ما حدث من البداية حتى النهاية
المكالمة واللقاء والفخ والدم والرصاصة في كتفه
تحرك أخيرًا خطوة إلى الخلف وكأنه يضع مسافة بينها وبينه
قال بصوت بارد إنه لا يستطيع مساعدتها
توقفت عن البكاء للحظة وكأنها لم تفهم ما سمعته
سألته بضعف كيف لا يستطيع وهو الوحيد الذي يمكنه فعل شيء
لكن صوته جاء أكثر قسوة هذه المرة وقال إن كل ما حدث كان بسببها
وأنها جلبت هذا الخراب إليه دون أن تدرك
اتسعت عيناها بصدمة وبدأت تهز رأسها بالنفي
قالت إنها لم تقصد وإنها كانت ضحية لما حدث
لكنه قاطعها بحدة وقال إن نواياه كانت سليمة لكنه هو من دفع الثمن
وكانت كلماته كصفعات متتالية جعلتها تتراجع خطوة إلى الخلف
حاولت أن تقترب مرة أخرى وتطلب منه أن يسمعها
لكن يده ارتفعت في إشارة حاسمة أن تتوقف
قال لها أن تخرج بصوت لا يحتمل النقاش
وقفت للحظة مكانها تنظر إليه وكأنها ترى شخصًا آخر غير الذي عرفته
لم تحاول أكثر واستدارت ببطء واتجهت نحو الباب
فتحت الباب وخرجت وهي تبكي بصمت هذه المرة دون أن تلتفت
أغلق محمود الباب خلفها دون أن يناديها
عاد إلى الداخل بخطوات ثابتة لكنه كان يشعر أن صدره يضيق من جديد
وقف في منتصف الشقة ينظر إلى الفراغ دون أن يتحرك
لم يكن غاضبًا فقط بل كان مثقلًا بشيء أكبر يشبه الخذلان
وكان يعلم في داخله أن ما حدث لن يمر بسهولة
لكن هذه المرة لم يسمح لأي شيء أن يظهر على وجهه
مرت الأيام ببطء حتى بدأ جسد محمود يستعيد توازنه بالكامل
الجرح في كتفه التأم وترك أثرًا صلبًا يذكره بكل ما حدث
لم يعد الألم يعيقه لكنه لم يختفِ تمامًا بل تحول إلى إحساس خافت دائم،وقف أمام المرآة صباحًا ونظر إلى نفسه طويلًا
لم يعد ذلك الرجل الذي عاد محطمًا من الصحراء
كان أكثر ثباتًا ونظراته أعمق وكأنها تعلمت أن ترى ما خلف الوجوه، ارتدى ملابسه بهدوء وفتح باب الشقة وخرج لأول مرة منذ عودته، الشارع كان كما هو لكن إحساسه به تغيّر
كل وجه يمر أمامه كان يقرأه وكل حركة أصبحت تحمل معنى،بدأ يعود إلى الأماكن التي عرفها من قبل
أوكار صغيرة خلف المقاهي وغرف ضيقة يختبئ فيها الحشاشين ،وأركان معتمة يتجمع فيها الخارجون عن القانون
لم يدخل كغريب لأنه كان يعرف بعضهم وكانوا يعرفونه
في البداية كانت النظرات حذرة ثم تحولت إلى احترام صامت،لم يسألوه كثيرًا لكنه كان يسمع أكثر مما يتكلم
جلس في أكثر من مكان يشرب الشاي ويدخن ويترك الكلام يأتي إليه،وبدأت الخيوط تتجمع من حكايات متفرقة عن تلك الليلة،عن الغارة وعن الرصاص الذي لم يتوقف وعن رجال سقطوا قبل أن يفهموا ما يحدث
كل رواية كانت تضيف تفصيلة وكل تفصيلة تقرب الصورة أكثر،علم أن الضربة لم تكن عشوائية بل كانت محسوبة بدقة
عدد المهاجمين وتوقيت الهجوم وطريقة الانتشار كلها كانت تشير إلى تخطيط واضح،وتكرر اسم هتلر في كل حديث ليس كمنفذ فقط بل كيد تضرب نيابة عن غيرها
بدأ محمود يربط ما يسمعه حتى ظهرت الحقيقة تدريجيًا أمامه
لم يكن هتلر هو صاحب القرار بل مجرد أداة تُستخدم عند الحاجة
القرار جاء من الأعلى من رجل لا يظهر لكن الجميع يعرف وجوده
رجل يملك ما هو أكبر من الشوارع ويتحكم من بعيد
ويحرك الناس كما لو كانوا قطعًا على رقعة صامتة
كان يرى في مجموعة وائل خطرًا بدأ يكبر
وكان يرى في محمود عقلًا يجب كسره أو وضعه تحت السيطرة
ولهذا جاءت الضربة
ضربة واحدة أنهت كل شيء دون إنذار
جلس محمود في أحد تلك الأماكن صامتًا يدخن سيجارته ببطء
لم يظهر عليه الغضب ولا الحزن بل كان هدوءه أثقل من أي رد فعل
كان يفكر ليس في ما حدث بل في ما سيأتي
لأن الحقيقة أصبحت واضحة أمامه
والمعركة لم تنته بعد
الفصل العشرون
٢٠
جلس محمود طويلًا بعد أن اكتملت الصورة في رأسه ولم يعد الغضب يدفعه كما كان من قبل
هذه المرة كان يفكر بهدوء كمن يبني شيئًا لا يحتمل الخطأ
أدرك أنه لن يخوض هذه المعركة بمفرده ليس لأن القوة لا تكفي بل لأن المعركة نفسها أكبر من رجل واحد
بدأ يتحرك ببطء ولم يعلن شيئًا ولم يفتح قلبه لأحد
كان يعود إلى الأوكار نفسها يجلس ويراقب ويختار
لم يكن يبحث عن الأكثر شهرة ولا الأكثر كلامًا بل كان يبحث عن نوع خاص
رجال جربوا كل شيء ورجال لا تهزهم الدماء ورجال فقدوا الخوف أو دفنوه عميقًا
اختارهم واحدًا تلو الآخر بدقة وبصبر
كان يختبرهم دون أن يشعروا في الكلام وفي ردود الفعل وفي لحظات الصمت
كان يرى من يتردد ومن يندفع ومن يملك عقلًا خلف القوة
لم يكن يريد مجموعة كبيرة بل مجموعة تعرف متى تتحرك ومتى تتوقف
بعضهم رفض وبعضهم خاف وبعضهم لم يفهم
لكن القلة التي بقيت كانت كافية
بدأ يجمعهم على فترات وليس في مكان واحد بل في أماكن مختلفة
كان كل واحد يعرف جزءًا صغيرًا ولا يرى الصورة كاملة
وكان يعلمهم طريقته دون أن يشرحها وينقل لهم أسلوبه وهدوءه وصبره
بدأ العمل من أقل درجة بمعلومات صغيرة وأسماء وأماكن وتحركات
لم يهاجم مباشرة بل بدأ يقترب
ضربة خفيفة هنا واختبار هناك وكان يراقب رد الفعل ويتعلم أكثر
كل خطوة كانت محسوبة وكل خطأ كان مرفوضًا
لم يكن الهدف الانتقام السريع بل الوصول الصحيح
ومع مرور الأسابيع بدأت المجموعة تتماسك
أصبحوا يفهمونه دون أن يتكلم كثيرًا ويتحركون بإشارة خفيفة
ومحمود بينهم لم يعلن نفسه قائدًا لكنهم كانوا يرونه كذلك
لم يطلب منهم الولاء لكنه حصل عليه
وفي داخله كان يعرف أن ما يبنيه الآن ليس مجرد رد فعل بل بداية حرب
حرب لن تنتهي بضربة واحدة بل بسقوط كل من ظن أنه فوق الحساب
بدأ محمود يفهم ما يحرك هؤلاء الرجال وما يجعلهم يثبتون أو يختفون ولم يخاطبهم بالشعارات ولا بالكلام الكبير بل أعطاهم ما يريدونه مباشرة
المال كان هو المفتاح لكنه لم يكن مالًا سريعًا وخطرًا بل مالًا يأتي من عمليات صغيرة محسوبة
كانت ضربات خفيفة قليلة المخاطر لكنها متكررة وكثيفة وكل عملية تنجح تزيد الثقة وكل نجاح يربطهم به أكثر
كان يختار الأهداف بعناية ويحدد أماكن لا تجذب الانتباه وتحركات لا تترك أثرًا واضحًا وأوقات لا يتوقعها أحد
ومع كل خطوة كانت الدائرة تكبر تدريجيًا دون ضجيج
رجاله بدأوا يتحركون في أكثر من اتجاه وكل واحد منهم يحمل خيطًا مختلفًا
واحد يعرف شخصًا في قسم شرطة وآخر له علاقة بمرشد وثالث يملك عينًا في الشارع ترى وتسمع
لم يطلب منهم أكثر من أن ينقلوا ما يعرفونه وكان يجمع الخيوط كلها عنده بهدوء
ببطء تشكلت شبكة لم تكن ظاهرة لكنها متوغلة في كل مكان
كانت تمتد من مكاتب صغيرة داخل الأقسام إلى زوايا الشوارع إلى المقاهي وإلى أماكن لا يلتفت لها أحد
أصبح يعرف ما يحدث قبل أن ينتشر ويسمع الهمس قبل أن يتحول إلى خبر ويرى الحركة قبل أن تصبح فعلًا
ومع كل هذا الاتساع ظل محمود في مكانه لا يظهر ولا يتحرك كثيرًا ولا يربط اسمه بشيء
كان الرجل الذي يدير كل شيء دون أن يُرى وكان اسمه غير متداول وصورته غير معروفة
حتى رجاله أنفسهم لم يكن كلهم يعرفونه بشكل كامل
كان يقابل البعض ويرسل للبعض ويترك الآخرين يتحركون دون أن يروه
صار وجوده فكرة أكثر منه شخصًا وصار تأثيره أكبر من حضوره
وفي عالم يعتمد على الظهور لإثبات القوة اختار هو العكس
أن يكون الغامض الذي يعرف كل شيء ولا يعرفه أحد.
وصل محمود إلى المرحلة التي لم يعد فيها مجرد مراقب أو جامع خيوط بل أصبح في موقع يسمح له بالمواجهة والتصدي والهجوم
لم تأتِ هذه اللحظة فجأة بل كانت نتيجة تراكم طويل من الصبر والعمل الصامت
صار يعرف متى يتحرك ومتى يضرب ومتى ينتظر ولم يعد يتردد في اتخاذ القرار لأن الصورة أمامه أصبحت مكتملة
في تلك المرحلة بدأت قوة رجاله تظهر ولم يعودوا مجرد أفراد متفرقين بل كيان يتحرك بتناغم واضح
ضرباتهم أصبحت أدق وتحركاتهم أسرع وردود أفعالهم محسوبة وبدأت الأعين الكبيرة تلتفت إليهم
كبار التجار الذين اعتادوا السيطرة شعروا أن هناك رقمًا جديدًا دخل المعادلة
رقم لا يمكن تجاهله ولا يمكن فهمه بسهولة لأنهم كانوا يرون النتائج ولا يرون المصدر
يسمعون عن التحركات لكن لا يصلون إلى من يديرها
اسم بدأ يتردد بينهم دون أن يرتبط بوجه وخرج من الفراغ كأنه فكرة أكثر منه شخص
الرجل الكبير
لم يكن أحد يعرف من هو ولا أين يوجد ولا كيف يتحرك لكن تأثيره كان حاضرًا في كل مكان
في القرارات وفي التوازنات وفي الخوف الذي بدأ يتسلل إلى من اعتادوا السيطرة
ومحمود كان يعرف أن الصمت الذي حماه في البداية لم يعد كافيًا وأن المرحلة القادمة تحتاج شيئًا مختلفًا
اختار أن يتوقف عن الاكتفاء بالمراقبة وأن يكون المحرك لا المستقبل
بدأ يتحرك بشكل أوضح داخل دائرته ولم يكشف نفسه بالكامل لكنه لم يعد يختبئ كما كان
أصبحت أوامره أكثر مباشرة وخططه أكثر جرأة
ثم جاءت اللحظة التي جمع فيها رجاله وكان هذا الاجتماع مختلفًا في نبرته وفي هدفه
وقف بينهم بهدوء ونظراته مرت على كل وجه يعرفه جيدًا دون حاجة إلى كلام كثير
كانوا يشعرون أن شيئًا كبيرًا على وشك أن يحدث وأن ما بنوه معًا لم يكن إلا تمهيدًا لهذه اللحظة
تحركوا معه بدافع يتجاوز المال إلى الثقة والخوف والإيمان بالطريق الذي يقوده
واتجهوا نحو هدف واحد هو هتلر وكانت هذه الخطوة محسوبة ضمن حرب بدأت تتشكل ملامحها الحقيقية