الفصل السادس عشر (الجزء الثاني)
ثارت ثائرته حينما علم بتفاصيلٍ أكثر عن إلقاء القبض عليها، ناله بعض التوبيخ والإيحاءات بكونه متورطًا بصورة مباشرة في التسبب بتلك الفضيحة الحرجة، بالإضافة إلى تعريض المهمة الأخرى الخطرة والخاصة بالكشف عن شبكة التجسس التي تعمل في الخفاء بالإفشال، تحمل يزيد كل ذلك في سبيل ضمان عدم توريط زوجته، تمت مراجعة أشرطة المراقبة الموضوعة على الميسترال في التوقيت الخاص بالمشاجرة ليتم اكتشاف ما حدث بالضبط، أصدر قائده عددًا من الأوامر أملاها عليه لكنها أغضبته، كور قبضة يده قائلاً باعتراض:
-بس كده هي هتظلم
رد القائد بلهجة شديدة:
-ده الأحسن، وإلا مجهود شهور هايضيع
احتقن وجهه بشدة وهو يقول محاولاً إقناعه بالعدول عن قراره:
-يا فندم دي....
قاطعه بصرامة أشد:
-مقدم يزيد، مافيش نقاش، دي أوامر عليا
أومأ برأسه هاتفًا بجدية:
-تمام يا فندم
استأذن بعدها بالانصراف ليتجه نحو الخارج، كان في انتظاره آدم الذي أقبله عليه متسائلاً بتلهفٍ:
-ها عملت ايه؟
أجابه بعبوس جلي:
-ولا حاجة، تفتكر كانوا هيرجعوا في قرارهم؟
سار معه بعيدًا عن القيادة ليتمكن من الرد عليه قائلاً بضيق واضح عليه هو الأخر:
-لأ
سأله بعد ذلك باهتمام أكبر محاولاً سبر أغوار عقله ومعرفة فيما يفكر في فعله لاحقًا:
-طب هاتعمل ايه مع فرح؟
نزع يزيد قبعته العسكرية ليحك رأسه عدة مرات وهو يقول بانزعاج حائر:
-مش عارف والله
فرك آدم طرف ذقنه مكملاً:
-يعني معنى كده إنها برا الليلة كلها؟
زادت ملامحه عبوسًا وهو يرد:
-ايوه، ده غير اعتذار رسمي منها لديما عشان نضمن إن الموضوع اتلم
ارتفع حاجباه للأعلى مرددًا:
-أوبا، دي لو استحملت الطرد مش هاتقبل أبدًا بالأسف
ضغط يزيد على شفتيه متابعًا وهو يزفر في ضيقٍ:
-فرح هتعند
ركل بقدمه حجارة صغيرة اعترضت طريقه مكملاً بتبرمٍ:
-كان لازم تمسك أعصابها شوية
رد عليه آدم مبررًا تصرفها الأرعن:
-الستات مش مضمونين في تصرفاتهم، وخصوصًا لما يكون في الموضوع واحدة ست
اتسعت ابتسامته مضيفًا بمزاحٍ:
-لأ ومش أي واحدة، حاجة متفصلة زي الكتاب ما قال
لم يكن يزيد في حاجة مزاجية تسمح له بتقبل أي نوع من الدعابات لذلك حذره بوجهه الممتقع:
-آدم، ماتخلنيش أطلع ضيقتي عليك
رفع كفه أمام وجهه قائلاً:
-يا سيدي بأهزر معاك عشان تفك شوية
التزم الاثنان الصمت لبعض الوقت يفكران في طريقة لإبلاغ فرح بالعقوبات التي وقعت عليها، ظل يزيد يتحرك بخطى متعصبة أثناء عودته إلى غرفته بوحدته العسكرية محدثًا نفسه:
-أنا محتار أقول لفرح ازاي
رد عليه آدم بخفوت:
-ده إن مكانتش عرفت بده
رفع نبرته قليلاً ليسأله:
-صحيح هي فين دلوقتي؟
أجابه دون تفكير:
-في الفندق
سأله مستفهمًا:
-طب هاتروحلها؟
رد باقتضاب:
-شوية كده
أضاف آدم محذرًا وهو يشير بسبابته:
-أهم حاجة تخليك هادي وإنت بتكلمها، الموضوع مش ناقص
رد بحذرٍ وهو يسحب مقعده ليجلس عليه بعد أن ولج إلى داخل غرفة مكتبه:
-طيب
..............................................
توقعت أن يكون قد أحرز تقدمًا في قضيتها، لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، هبت واقفة من جلستها على الفراش مبدية سخطها التام على تلك الإجراءات التعسفية التي اتخذت ضدها من أجل تلك المراسلة السمجة، لم تستوعب فرح كيفية تراخي زوجها عن الدفاع عنها باستماتة مثلما كانت ستفعل معه إن وضعت في نفس الموقف، نظرت له بأعين حانقة وهي تصيح منفعلة:
-وإنت صدقتها؟
لم يعلق عليها واكتفى بالتحديق الصامت فيها، كذلك عمد إلى إخفاء الجزء المتعلق بالتسجيلات المرئية كي لا تزداد ثورتها الغاضبة، وضع يديه على ذراعيها قائلاً:
-اهدي بس يا حبيبتي، الحكاية مش كده
نفضت ذراعيها بقوة لتنزع يديه عنها وهي تصرخ فيه:
-اومال ايه بالظبط؟
لم يستطع الرد عليه، بدا في موقف حرج للغاية، لم يرغب أبدًا في رؤيتها هكذا، لكن ما باليد حيلة، عليه أن يلتزم بالقوانين حتى معها شخصيًا، ترقرقت العبرات المستشاطة بداخل حدقتيها وهي تواصل صراخها المتشنج:
-يعني دي أخرتها، أطلع أنا الغلطانة؟ طب فين دفاعك عني؟ وفين....
قاطعها موضحًا وهو يقف قبالتها:
-فرح إنتي عارفة كويس إن الموضوع ده أكبر من سلطتي
ضاقت أعينها المشتعلة غيظًا منه نحوه، ثم صاحت فيه بصوتها المحتد:
-بس كان ممكن تتدخل، تعمل أي حاجة عشاني
زفر قائلاً باستياء من لومها الزائد عليه:
-صعب يا فرح
انفعلت من بروده معها فهدرت فيه بصراخٍ محتد:
-ليه؟ فين وعودك إنك هاتكون سندي وفي ضهري؟
تحكم بصعوبة بالغة في أعصابه كي لا تنفلت ويخرج عن عهده الذي ألزم به، راقبت جمود تعابيره وحدة نظراته بتفرس، أيقنت أنه لن يفعل لها شيئًا، رمقته بنظرات تحمل العتاب قبل أن توليه ظهره لتقول بنبرة مختنقة:
-شكرًا يا سيادة المقدم
سحب يزيد نفسًا عميقًا ليطفئ به نيرانه المتأججة بداخله، ألمه أن يقف هكذا أمامها مكتوف الأيدي عاجزًا عن التصرف، تحرك ليقف خلفها ثم وضع يده على كتفها ليديرها نحوه وهو يقول:
-اسمعي بس
انتفضت من لمسه لها وكأن حية لدغتها توًا لتصيبه حركتها تلك بالانزعاج، ضاقت أعينه نحوها ليرمقها بنظرات أكثر حدة كاظمًا غضبه في نفسه، ابتعدت فرح عنه قائلة:
-أنا تعبانة
تفهم ردة فعلها الغاضبة ناحيته، وحاول قدر الإمكان أن يبدو هادئًا أمامها، تنهد مطولاً قبل أن يكمل بتريث:
-فرح، الموضوع لسه مخلصش لحد كده
كتفت ساعديها أمام صدرها لتسأله بعبوس متجهم:
-في ايه تاني؟
أجابها بهدوء متوقعًا انفجارًا وشيكًا منها:
-مطلوب منك تعتذري لديما
أرخت ساعديها مصدومة مما قاله، كان معتقدة أن الأمر سيتوقف عند مسألة إقصائها من تغطية أخبار المناورة، لكنه تخطى ذلك بكثير، لم تتحمل المزيد فصرخت باهتياج وقد احتقنت بشرتها بحمرة غاضبة:
-كمان
رغم إدراكه لحجم العصبية المبررة لتصرفها معه هكذا إلا أنه أكمل موضحًا ببرودٍ وهو يجبر نفسه على إخفاء ضيقه:
-القيادة شايفة إن ده من مصلحـ.....
تحركت بخطوات متشنجة لتقف قبالته، رمقته بنظرات متحدية مقاطعة إياه بإصرار عنيد:
-لو أخر يوم في عمري مش هايحصل
انتصب في وقفته أمامها ليزداد طولاً وهو يحذرها:
-بلاش تركبي دماغك في حاجة تافهة زي دي
اغتاظت من استهانته بما يخصها فصاحت منفعلة:
-بالنسبالك تافهة، بس عندي لأ!
رد بقوة أجفلت بدنها:
-ماهو إنتي السبب يا فرح، لو كنتي من الأول اتصرفتي صح مكوناش بقينا في الورطة دي
هدرت صارخة وهي تلوح بيدها في الهواء:
-برضوه هاتطلعني الغلطانة؟
أجابها بنبرة غليظة وهو يلكز جبينها:
-عشان اتصرفتي بغباء!
احتقنت نظراتها نحوه لكنه تابع بحدةٍ:
-لاقيتي معاها موبايل وبتتكلم وخدتيه منها، روحي سلميه، أو حتى بلغي عنها، مش ترميه وتحطي نفسك في موضع شبهة
صاحت فرح صارخة بعصبية وقد اهتاجت الدماء في عروقها
-دلوقتي بقيت المتهمة وهي الملاك البريء؟
رد بجمود:
-إنتي بتفسري الأمور على هواكي
لوحت بيدها قائلة بتشنجٍ:
-ماشي أنا كنت متسرعة، بس ده مش معناه إني أروح أقولها سوري يا بيبي وحقك عليا والهبل ده كله، استحالة أعمل كده
قبض على ذراعها هاتفًا من بين أسنانه المضغوطة وهو يحذرها:
-لو الحكاية كبرت إنتي اللي هاتتبهدلي
نفضت ذراعها بقوة من يده لتسأله بنبرة ذات مغزى:
-إنت معايا ولا معاها؟
أدرك المقصد من وراء سؤالها، بأنها تحدد له اختياراته، فإن أجابها بغير المتوقع ستكون ردة فعلها مبالغًا فيها، تنفس بعمق ثم أجابها بتمهلٍ مدروس ليخبت ثورتها:
-معاكي يا حبيبتي وعشان كده بطلب منك تحليه ودي
انفعلت من عدم تدعيمه لها، فهدرت فيه بتهور جامح:
-متقولش حبيبتي، إنت مابتفكرش فيا بس غير لما مزاجك يطلب ده
فهم سريعًا المغزى من كلماتها الموحية والتي تشير إلى كونه يسعى خلفها فقط تلبية لغرائزه وشهوته وليس لأنه زوجها الذي يحبها ويشاركها مشكلاتها حتى يصل معها للحل المناسب، برزت عروقه من جانب عنقه وهو يصيح محذرًا ومشيرًا بسبابته:
-فرح خدي بالك من كلامك معايا!
تجاهلت كافة تحذيراته متابعة بصياح غاضب:
-إنت لو عاملي كرامة ولا حتى على الأقل معتبرني مراتك بجد مكونتش قبلت البهدلة دي ليا
رد بصوت جهوري خشن:
-أنا عملت اللي عليا يا فرح وزيادة، بس ده جيش، مش شغل أهلي عشان أتصرف فيه بمزاجي، افهمي بقى!
استشعرت من نبرته التي ازدادت قوة تهديدًا خفيًا بالانفجار في وجهها، تراجعت عنه مولية إياه ظهرها لتقول بوجه مكفهر:
-سيبني دلوقتي يا يزيد
نظر لها بأعين محتقنة قائلاً:
-ماشي، بس اعملي حسابك هتعتذريلها
التفتت ناحيته قائلة بعندٍ:
-مش هايحصل
رد متحديًا بنبرة لا تقبل النقاش:
-لأ هايحصل وده كلام نهائي يا فرح
نظرت له بأعين مشتعلة وهو ينصرف مبتعدًا ليصفق الباب خلفه بقوة بعد أن خرج من الغرفة، عاودت فرح الجلوس على الفراش وهي تهز جسدها بعصبية، نفخت قائلة بإصرار أشد عندًا:
-أنا مش رايحة لو اتطربقت السماء على الأرض .............................. !!
.....................................................
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!