الفصل السادس عشر (الجزء الأول):
اعتلى ثغرها ابتسامة انتصار لكونها قد أفسدت عليها وقتها وعكرت صفو نهارها العملي، هكذا ظنت في نفسها، ابتعدت فرح عن غريمتها وهي ترمقها بنظرات متباهية، لكنها لم تعلم أنها قد زجت بنفسها في متاعب لا حصر لها لكونها لم تضع في الحسبان ردة فعلها، ظلت أنظار ديما مسلطة عليها تفكر مليًا في طريقة لرد اعتبارها والخلاص منها، بالطبع لم تكن بحاجة لمجهود كبير لتحسم أمرها وتوقعها في مكيدة محكمة – من وجهة نظرها – لتضمن ابتعادها عنها، همست لنفسها قائلة بوعيدٍ:
-راح تشوفي كيف راح أدعسك!
لمحت بطرف عينها بعض المجندين وهم يتابعون ما دار بينهما فعمدت إلى استغلال ذلك بحرفية تجيدها، أجهشت بالبكاء المصطنع وتوجهت إلى مركز القيادة بالميسترال مدعية بالباطل هجوم فرح العدواني عليها دون أي تبرير، ومحاولتها لإيقاعها من الأعلى من أجل التسبب في إلحاق الأذى الشديد بها، أصرت على تحرير شكوى رسمية ضدها لإساءتها المتعمدة لشخصها، ولجأت أيضًا إلى اختلاق الأكاذيب مستخدمة كيدها الأنثوي في تدعيم موقفها والاستشهاد ببعض الأفراد المتواجدين وقتها، ولم يخلُ الأمر من تهديداتها شديدة اللهجة باللجوء لسفارتها لتصعيد الأمر إن لم يتم اتخاذ إجراء صارم ضد المعتدية عليها، قام أحد الضباط المسئولين بتسجيل أقوالها والبدء في التحقيق عن تلك الواقعة المسيئة، جلست ديما باسترخاء مترقبة على أحر من الجمر نتائج ما تلفظت به ضدها، همست لنفسها بإعجاب:
-هلأ راح تعرفي مين أنا!
.....................................
لبرهةٍ راقبت أمواج البحر المتلاطمة وهي تتحطم على مقدمة الميسترال بنظرات طويلة متأملة، مازالت تحتفظ بتلك الرهبة الخفية منه ومن عمقه المظلم الذي ابتلع والدها منذ زمن بعيد، أقنعت فرح نفسها بأنها قادرة على هزم مخاوفها، الأمر فقط يحتاج منها للدعم النفسي والثقة بمقدرتها على التغلب عليه، تنفست بعمقٍ قبل أن تتحرك من مكانها لتبحث عن زوجها، هي بحاجة للحديث معه، ولجت إلى داخل قمرة القيادة باحثة عنه، رأته وهو يعطي تعليماته المشددة لضباطه التابعين له، تابعته بإعجاب ملحوظ على محياها حتى انتهى مما يفعله، التف مصادفة للخلف ليجدها تطالعه بتلك الطريقة الغريبة، اقترب منها متسائلاً بفضول وهو يتفرس وجهها:
-شكلك مروق على الأخر، في حاجة جديدة حصلت؟
ردت بابتسامة متسعة وهي تداعب أذنها بيدها:
-بصراحة مبسوطة إني فشيت غلي
لم يفهم يزيد بالضبط المقصد من جملتها الغامضة تلك، تعقدت تعابيره نوعًا ما وهو يتابع أسئلته التحقيقية:
-في مين يا ترى؟ اوعي تكوني عملتي كارثة من ورايا، فرح أنا محذرك و...
هزت كتفيها مقاطعة في عدم مبالاة:
-لأ، ماتخدش في بالك، دول كلمتين بأقولهم كده بس
ساورته الشكوك من طريقتها، فحذرها قائلاً بصرامة وقد قست ملامح وجهه:
-فرح، أنا منبه عليكي مش عاوزين قلق هنا، ده مش هزار ولا...
مدت يدها لتضعها على ذراعه قائلة بنعومة:
-اطمن يا حبيبي
ورغم كونه تصرفًا عفويًا منها نحوه، إلا أنه لم يرغب في تماديها بذلك الشكل متناسية تنبيهاته الشديدة، ضاقت أعينه نحو يدها الموضوعة عليه هاتفًا من بين شفتيه المضغوطتين:
-فرح
زوت ما بين حاجبيها مرددة بعدم فهمٍ:
-في ايه؟
أزاح يدها برفق وهو يجيبها:
-ماينفعش الكلام ده هنا
-كلام ايه؟
أوضح لها هامسًا:
-يعني زي ما عملتي، إيديكي تتحط عليا، المفروض نحافظ على الرسميات بينا
أبقت يدها إلى جانبها قائلة بامتعاض طفيف انعكس سريعًا على تعبيراتها:
-أوكي، فهمتك خلاص
سألها يزيد مهتمًا وقد دس يديه في جيبي بنطاله العسكري:
-ها قوليلي كله تمام معاكي؟
أومأت برأسها قائلة باقتضاب:
-ايوه
أزعجه أن يفسد لحظتهما الودية فسألها مجددًا باهتمام أكبر:
-والدوخة؟
تنهدت قائلة بهدوء:
-أنا خدت برشام قبل ما أطلع عشان مايحصلش زي المرة اللي فاتت ويجيلي دوار البحر
أومأ لها بعينيه مادحًا بإعجاب:
-بيعجبني فيكي ذكائك، غير طبعًا الحاجات التانية
توردت بشرتها من غزله الضمني، وردت بدلالٍ يحمل الغرور:
-دي أقل حاجة عندي
رفع حاجبه مرددًا:
-بجد؟
-طبعًا، تقدر تقول غير كده
-هو أنا أقدر؟
انتصبت أكثر في وقفتها متابعة بتفاخرٍ قليل:
-أكيد .......
لم ينتبه يزيد لباقي جملتها بسبب تلك الحركات الغير عادية على مقربة منه، التفت برأسه للجانب ليعرف ما الذي يدور، لم يكترث للأمر في البداية لكن اشتدت تعابير وجهه صلابة حينما تفاجأ بعددٍ من الضباط يقتربون منه رافعين أسلحتهم أمام صدورهم، قطب جبينه متسائلاً بجدية وهو يمرر أنظارهم الحادة عليهم:
-في حاجة جدت؟
أجابه أحدهم برسمية شديدة وهو يشير برأسه نحو فرح:
-الأستاذة مطلوبة للتحقيق
ارتسم على وجه فرح علامات الذهول، فغرت شفتيها مصدومة ورمشت بعينيها مبدية اندهاشها التام، التفتت برأسها نحو يزيد تطالعه بأعين حائرة دون أن تنبس بكلمةٍ، هتف الأخير متسائلاً بنبرة مزعوجة وشبه متعصبة:
-إنت بتقول ايه؟ تحقيق! إنت اتجننت، دي .....
قاطعه الضابط متابعًا بشراسة:
-يا فندم دي أوامر عليا، الأستاذة فرح عبد الحميد مطلوبة للتحقيق فورًا
حل الوجوم الشديد على تعبيراتها وهي تسأله بارتباك:
-تحقيق ايه بالظبط؟ حضرتك أنا ملتزمة هنا بكافة التعليمات وتقدر تتأكد بنفسك
صاح به يزيد بنبرة شبه منفعلة وقد احتدت نظراته على الأخير:
-كلمني أنا، التحقيق ده تبع مين وعشان ايه؟
رد الضابط بهدوءٍ جاد:
-معنديش تفاصيل يا فندم
شعرت فرح بتقلصات تضرب أسفل معدتها من فرط التوتر، هي معتقدة أنها لم تتصرف بما يخالف طبيعة مهمتها هنا، وعلى قدر المستطاع هي ملتزمة بما أملاه عليها زوجها، أفاقت من شرودها السريع على صوت الضابط الذي هتف آمرًا وقد بدت نظراته مليئة بالاتهامات:
-من فضلك يا أستاذة اتفضلي معانا دلوقتي بهدوء
ابتلعت ريقها وهي تضع قبضتها على ذراع يزيد لتهمس له بخوفٍ:
-يزيد
شعر بتلك الرجفة الخفيفة التي أصابت بدنها، وضع يده على قبضتها مشددًا عليها ليبث لها القوة وهو يقول بتشنجٍ:
-ماتقلقيش يا فرح، أنا هاعرف بالظبط في ايه
تشبثت أكثر بذراعه وكأنها تحتمي به، توسلته بنبرة أقرب للبكاء وقد لمعت عيناها بقوةٍ:
-يزيد ماتسبنيش
حاول طمأنتها ليهدأ من روعها بعد أن رأى حالة التوتر التي سيطرت عليها، لم يختلف حاله عنها كثيرًا رغم ادعائه العكس أمامها، كان مزعوجًا للغاية بسبب ذلك الاستدعاء الغامض، هتف الضابط من جديد بتجهمٍ:
-يالا يا أستاذة
رد يزيد بجدية وهو يشير بعينيه لها:
-روحي معاهم وأنا هاحصلك
أدركت فرح أنه لا مهرب لها من الذهاب معهم، شعرت بجفاف حلقها وباضطراب ضربات قلبها وهي تتبعهم بقلقٍ مُرتاب، حاول يزيد التصرف سريعًا لكي يلحق بها دون أن يؤثر غيابه على سير المناورة التدريبية لكونه عضوًا فعالاً فيها ومسئولاً عن تنفيذ مهامٍ بعينها.
........................................
ما أشعرها بالإهانة حقًا هو طريقة استبعادها من على الميسترال، بدت أمام أعين المراقبين لها وهي تنتقل لزورق تابع للقوات البحرية ليعود بها إلى الميناء كالمتهمة التي ارتكبت جريمة نكراء وتم إلقاء القبض عليها توًا، حافظت فرح على ثباتها وهي تصعد على متنه، لكن تلك النظرة تحديدًا والتي كانت موجهة لها شخصيًا جعلتها تدرك حجم الكارثة التي تنتظرها، رأت غريمتها ديما وهي واقفة بشموخ وواضعة ليديها على منتصف خصرها في تحدٍ واضحٍ لها، خمنت أن تكون بالفعل وراء ذلك، اغتاظت من تلويحها المستفز لها بيدها في إشارة موحية لها بأنها نجحت في طردها من المناورة بعد إذلالها، لم يدم استغرابها طويلاً، فور وصولها للقاعدة البحرية وبدء التحقيق معها في الاتهامات الموجهة لها تيقنت من حدسها، وأن تلك اللئيمة حاكت حولها مؤامرة وضيعة، ما أدهشها أيضًا هو مدى الافتراء الكاذب الذي لجأت إليه تلك الحقيرة، ومع ذلك لم تنكر محاولاتها للاعتداء عليها مما وضعها في موقف حرج، تابع المحقق العسكري حديثه موضحًا:
-الأستاذة طالبت بتصعيد الأمر للسفارة، ده غير إنها عاوزة تلجأ للمنظمات الدولية و...
قاطعته فرح بانفعال مبررٍ:
-والله العظيم كدابة، أنا مقربتش منها أصلاً، دي كان معاها موبايل وبتكلم فيه بلغة غريبة كده، أنا سمعتها وكانت مش على بعضها
نظر لها مطولاً وهو يسألها بهدوء:
-وفينه الموبايل ده؟
شعرت بنغصة في صدرها تؤنبها لتسرعها الأحمق، فلو تريثت قليلاً لكان الآن بحوزتها دليل براءتها، ضغطت على شفتيها قائلة بندمٍ:
-للأسف رميته في البحر، بس قسمًا بالله كان معاها
بدا من نظراته نحوها أنه غير مقتنع بحديثها، زفر المحقق متسائلاً على مضضٍ:
-عندك شهود بالكلام ده؟
أجابته بضيق كبير:
-كنا لوحدنا
تابع مضيفًا:
-أستاذة فرح حضرتك صحفية وعارفة كويس إن اللي حصل ده مش في صالحك، وللأسف موقفك سيء من غير وجود دليل يدعم كلامك
صاحت بعصبية:
-ماهو أنا أكيد مش هاقرب منها من نفسي
رد بجدية وقد انزوى ما بين حاجبيه:
-يا أستاذة فرح افهمي، عشان نقدر نصدقك كان لازم يكون معاكي الموبايل ده، لأن حتى لو سألناها تاني طبيعي تنكر وجوده معاها لأن مافيش ما يثبت كلامك
وضعت فرح يدها على جبينها ضاغطة عليه، تهدل كتفيها في حيرة وهي تسأله:
-طب والعمل ايه دلوقتي؟
رد بجمودٍ:
-هانكمل باقي التحقيقات وهانشوف
استشعرت بقوة غبائها المستحكم الذي أوقعها في تلك الشاكلة، تنهدت بتعب لتسأله بقلق واضح في نبرتها ونظراتها نحوه:
-يعني أنا هايكون وضعي ايه .............................. ؟؟؟
...................................................................
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!