الفصل 7 | من 14 فصل

الفصل السابع

المشاهدات
7
كلمة
1,075
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

رواية حين يعاند القدر الجزء السابع 7 بقلم إيمان حامد حين يعاند القدررواية حين يعاند القدر الحلقة السابعة كانت الصالة تحتضن أفراد عائلة راضي في زيارةٍ هادئة، تختلط فيها الهمسات بالقلق الظاهر في العيون. جلس راضي إلى جواره سميحة وليلي، وشمس ، وعلى الجانب الآخر كان أهل مراد يتبادلون نظراتٍ صامتة. وفي أقصى المكان، جلس مراد وحده، بملامح متعبة بعد إصابته، كأنه يحاول أن يظل متماسكًا رغم كل هذا الحضور.

أسند عكّازه إلى جواره، ومدّ ساقه المصابة فوق مقعدٍ أمامه، كأنما يحاول أن يفاوض الألم أو يؤجّل حضوره. وجهه شاحب، وملامحه مشدودة، وأصابعه تقبض على مسند الكرسي بقسوة حتى برزت عروق يده، شاهدةً على صراعٍ صامت يدور في داخله. لم يكن الألم في ساقه وحدها، بل في شيءٍ أعمق… شيءٍ ينهش كبرياءه بلا رحمة. على الجانب الآخر، جلست شمس إلى جوار أمها، سميحة. كانت عيناها تتسللان نحوه بين الحين والآخر، محمّلتين بقلقٍ غامض.

هذه هي المرة الأولى التي تراه فيها. سمعت عنه كثيرًا… لكن ما رأته الآن لم يكن مجرد رجلٍ مصاب، بل روحًا محاصرة داخل جسدٍ يخذلها. دخلت الحاجة حنان تحمل صينية العصير، تحاول أن تضفي شيئًا من الدفء على الأجواء المتوترة: “تفضّلوا يا جماعة…” لكن الدفء لم يكتمل. تعثّرت قدمها بطرف السجادة، فاختلّ توازن الصينية، ومالت الكؤوس كأنها على وشك السقوط. في لحظةٍ خاطفة، اندفع مراد بدافعٍ غريزي. نسي كل شيء. نسي الألم. نسي الرصاصة.

اندفع ليمنع السقوط. لكن جسده لم يسعفه. ما إن حمل وزنه على ساقه المصابة، حتى اخترق الألم كيانه، فانفلتت منه آهةٌ حادة، قبل أن يهوي أرضًا، ويتدحرج عكّازه بعيدًا. ساد الصمت. صمتٌ ثقيل… كأن الجميع فقد القدرة على الحركة. تحرّكت شمس دون تفكير. اندفعت نحوه، وركعت إلى جواره، ومدّت يدها تسنده، وصوتها مرتجف من الخوف: “حاسب… حاسب يا كابتن… خد إيدي، قوم بالراحة.” كانت نبرتها صادقة… مليئة بقلقٍ حقيقي.

لكن مراد لم يرَ في يدها سوى شفقة. رفع رأسه ببطء، ووجهه يلمع بالعرق، وعيناه ممتلئتان بالغضب والألم. وفي لحظةٍ قاسية، دفع يدها بعنف. كادت تسقط من شدّة الدفع. صرخ بصوتٍ مبحوح، لكنه دوّى في المكان: “إوعي تلمسيني! فاهمة؟ إوعي تلمسيني تاني! توقّف لحظة يلهث، ثم تابع بنبرةٍ أكثر حدّة، كأن الكلمات تخرج من جرحٍ مفتوح: “أنا مش كسيح… ومش ميت عشان تيجي واحدة تمدلي إيدها. قومي من قدامي.” تجمّد الجميع.

تبدّلت ملامح الوجوه، وتحوّلت الدهشة إلى صدمة. انخفضت الأنفاس، وكأن الهواء نفسه صار ثقيلاً. أما شمس… فبقيت للحظةٍ في مكانها، تنظر إلى يدها التي دُفعت بعيدًا. شعرت وكأن صفعةً سقطت على روحها أمام الجميع. ارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع… دموع لم تكن ضعفًا، بل انكسارًا صامتًا. نهضت ببطء. لم تنظر إليه. لم تلتفت لأيٍّ من الحاضرين. كأنها تحاول أن تجمع ما تبقّى من كرامتها قبل أن تنهار. استدارت… واتجهت نحو الباب.

وفي اللحظة التي خرجت فيها، انكسر صمتها أخيرًا، وانفلت صوت بكائها، حادًا وموجوعًا، قبل أن يُغلق الباب خلفها. وبقيت الصالة بعد رحيلها غارقة في صمتٍ أثقل… صمتٍ يحمل في داخله بداية شرخٍ لن يمرّ دون أثر. مراد لسة على الأرض، ساند ضهره للكنبة، بينهج وعينه بتدمع من الوجع والندم. بص لإيده اللي زقتها… كأنه بيكرهها. همس لنفسه بصوت مسمعوش غير عمار: “غبي… غبي يا مراد”. بعد الواقعة بيومين –مكتب حسن الراوي في الفيلا*

كان حسن جالسًا خلف مكتبه، ظهره مستقيم، لكن كتفيه مثقلتان بما لا يُرى. أوراق مبعثرة أمامه، ونظارته بين يديه، كأنه يحاول أن يقرأ… لكنه في الحقيقة كان غارقًا في أفكاره. عند النافذة، وقف مراد. يسند جسده على الحافة، يحدّق في الحديقة بلا تركيز. كان يعرج عرجةً خفيفة، لكنها كاشفة… كاشفة لوجعٍ لم يعد قادرًا على إخفائه، مهما حاول أن يتماسك. رفض أن يجلس. كأن الوقوف… هو آخر ما تبقّى له من كرامة.

أما عمار، فكان يقف في المنتصف، بينهما… كجسرٍ يحمل ثقل الاثنين. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال: “يا حسن… أنا عايز أتكلم معاك في موضوع.” رفع حسن رأسه ببطء، وخلع نظارته، كأن الكلام القادم يحتاج أن يُرى لا أن يُسمع فقط: “خير يا عمار يا ابني؟ تردّد عمار لحظة. ألقى نظرةً سريعة على مراد… نظرة فيها تقدير… وفيها قرار. ثم عاد بعينيه إلى حسن: “أنا وليلى… قررنا مانجهزش الشقة دلوقتي.” سكت ثانية… وكأن الكلمة التالية أثقل من أن تُقال

بسهولة: “هنجهّز الجناح هنا… ونتجوز. هنقعد في الفيلا.” ساد صمتٌ قصير… لكنه كان ممتلئًا بالمعاني. في تلك اللحظة، دخلت الحاجة حنان تحمل صينية الشاي. توقّفت مكانها حين سمعت. اهتزّت الصينية قليلًا بين يديها… لكن هذه المرة لم تقع. دموعها سبقت كلامها: “ربنا يخليك لينا يا ابني… ويجبر بخاطرك… ألف مبروك.” كان صوتها خليطًا من الفرح… والامتنان… وكأنها فهمت ما لم يُقال. نهض حسن فجأة. اقترب من عمار، واحتضنه بقوة، لا تشبه المجاملة…

بل تشبه السند: “ده بيتك يا عمار… طول عمرك راجل… وسند.” لكن عينيه، للحظةٍ خاطفة، اتجهتا نحو مراد. كأن القرار لم يكن مجرد فرح… بل تضحية صامتة. مراد لم يلتفت. لكن أصابعه شدّت أكثر على حافة النافذة. —كانت الحديقة تغرق تدريجيًا في هدوء الليل. نسيم خفيف يحرّك أوراق الأشجار، ورائحة الياسمين تملأ المكان كأنها تحاول أن تُرمّم شيئًا مكسورًا. على المرجوحة الخشبية في ركنٍ بعيد، جلس عمار وليلى.

كانت ليلى تستند برأسها إلى كتفه، وعيناها معلّقتان بالسماء: “لسة مش مصدقة إني هبقى مراتك يا عمار.” ابتسم عمار، وقبّل رأسها بحنانٍ عميق: “وأنا لسة مش مصدق إن ربنا رزقني بيك يا حبيبة قلبي.” ساد صمتٌ دافئ… صمتٌ مريح. لكنها لم تستطع أن تستسلم له طويلًا. رفعت رأسها قليلًا، وقالت بصوتٍ منخفض، يحمل قلقًا حقيقيًا: “عمار… أنا خايفة.” تحرّك فورًا، كأن الكلمة وخزته: “خايفة من إيه يا قلب عمار؟ تردّدت… ثم قالت:

“خايفة أكون تقيلة على أهلك… حاسة إني جاية في وقت مش وقته.” نظر إليها طويلًا… نظرة لم تكن عادية. ثم رفع يديه، وأمسك وجهها برفق، لكنه بثبات: “ليلى… بصّيلي هنا.” رفعت عينيها إليه. في عينيه كان يقين… مش مجرد كلام يطمن. قال بهدوء عميق، كأنه يزرع الكلمات داخلها: “إنتِ مش تقيلة… إنتِ الحاجة الوحيدة الخفيفة في البيت ده.” سكت لحظة… ثم أكمل بنبرة أصدق: “إنتِ مش جاية في وقت صعب… إنتِ جاية عشان الوقت الصعب ده يعدّي.”

اهتزّت عيناها. فشدّها إلى صدره، وضمّها بقوةٍ مطمئنة: “البيت ده محتاجك… وأنا محتاجك… وكلهم عايزينك معانا.” دفنت وجهها في حضنه، وكأنها أخيرًا سمحت لنفسها أن تصدّق: “فاهمة يا عمار… فاهمة.” مرر يده على شعرها، وقبّل جبينها ببطء… وبقي محتضنًا إياها، لا كحبيب فقط… بل كأمان. وفي تلك اللحظة… كانا يحاولان صنع بداية. بينما، في مكانٍ 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ يومين 0 6 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...