رواية حين يجبر العشق الجزء الثالث عشر 13 بقلم لولا نور حين يجبر العشقرواية حين يجبر العشق الحلقة الثالثة عشر في جناح سلطان… مع أول خيوط الصباح …. تسللت خيوط الضوء الأولى عبر الستائر، فغمرت الجناح بهدوء دافئ. كان سلطان قد استيقظ منذ قليل … وقف أمام المرآة يرتدي قميصه الأسود ببطء، ثم رفع يده يعدّل ياقة الثوب قبل أن تستقر عيناه على انعكاسه لحظة. لكن ذهنه لم يكن هناك. عاد إليه مشهد الليلة الماضية كما لو أنه يحدث الآن.
خضار عينيها المرتبك… أنفاسها المتسارعة فوق صدره… وهمستها الخافتة: أنا عمري ما قربت منك علشان واجب يا سلطان… ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم يحاول إخفاءها. ثم تناول ساعته ووضعها في معصمه. كان الجناح ساكنًا. وحور… لم تخرج بعد من غرفتها الصغيرة. تردد لحظة. ثم اتجه نحو الباب. رفع يده وقبل ان يطرق الباب وفي اللحظة نفسها انفتح الباب من الداخل. وظهرت حور امامه… وتوقف كل منهما يحدق في الاخر …
بدت وكأنها كانت على وشك الخروج. عباءتها الصباحية بلون فاتح ينساب بهدوء حولها، وشعرها ما يزال نصف رطب، تتشبث بخصلة صغيرة منه خلف أذنها. أما عيناها… فما إن التقتا بعينيه حتى اتسعتا قليلًا. وتورد وجهها في الحال. ساد صمت قصير. صمت امتلأ بكل ما لم يُقل. خفضت بصرها أولًا، وقالت بخفوت مرتبك: صباح الخير. ظل ينظر إليها لحظة أطول مما ينبغي. ثم أجاب بنبرة هادئة دافئة: صباح النور.
رفعت عينيها نحوه سريعًا، فوجدت ابتسامته ما تزال هناك. ابتسامة هادئة… وفي عينيه جرأة لم تعهدها منه من قبل. جرأة لم تكن وقحة، بل ممتلئة بإعجاب صريح واستمتاع واضح بخجلها. ازدادت حمرة وجنتيها. وقالت وهي تحاول التماسك: شكلك صاحي من بدري …. سلطان بمشاكسه : ما انا استنيت انك تصحيني لقيتك مش معبراني .. لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور. لكنها عادت تشيح بوجهها سريعًا. راقب ارتباكها في صمت.
ولأول مرة شعر أن هذا الصمت بينهما ليس فراغًا.. بل قربًا. ثم قال بهدوء: نمتي كويس؟ هزت رأسها دون أن تنظر إليه. تابع بمكر : يا بختك اومال انا معرفتش انام ليه؟ رفعت راسها اليه تساله بقلق : ليه انت تعبت باليل؟؟؟ غاص داخل نظراتها القلقه عليه وتابع بخفوت : يمكن علشان اتعودت اني بنام وانتي جانبي … ارتجف قلبها عند نبرته. وأشاحت بنظرها نحو الأرض. فمال برأسه قليلًا، كأنه يحاول التقاط عينيها من جديد : حور !!
رفعت بصرها إليه بحذر : نعم؟ سالها مشاكساً : هو أنا بخوفك ؟؟ اتسعت عيناها اندهاشاً ونفت مسرعه: لا! خرجت الكلمة أسرع مما أرادت. فتأملها لحظة، ثم ابتسم : أمال كل ما أبص لك… تهربي بعنيكي مني ؟؟ عضت على شفتها بخجل : ما بهربش. اقترب خطوة واحدة فقط حد الخطر وتابع بصوت منخفض: يبقى بصي لي. رفعت عينيها ببطء. ولثانية كاملة… ثبتت نظراتها في عينيه. شعرت بحرارة تسري في وجهها كله. لكنها هذه المرة لم تهرب فورًا. أما هو…
فاكتفى بالنظر إليها كأنه يحفظ ملامحها في هذا الضوء الصباحي الهادئ. ثم تنفس ببطء، وتراجع خطوة حفاظًا على ما بينهما من ارتباك جميل. وقال بنبرة طبيعية كأنه لم يفعل شيئًا: جهزي نفسك. رمشت بعينها متسالة: ليه؟ اجابها بغموض : عندنا مشوار. تسالت بفضول : مشوار فين؟ ارتدي ساعه معصمه وهو يخفي ابتسامته : مفاجأة. انعقد حاجباها بفضول: سلطان.. علشان خاطري قول لي بس رايحين فين. هز رأسه نافياً بمشاكسه: لو قلت لك… هتبقى مفاجأة إزاي؟
ضحكت ضحكة خافتة خرجت رغماً عنها. فتعلق بصره بها للحظة. كان صوت ضحكتها تاني اجمل حاجه راها بعد صفاء عينيها … فقال برقة غير معتادة: قدامك نص ساعة تكوني جهزتي … ثم أضاف وهو يتجه مبتعدًا خارج الجناح ، والتفت إليها مرة أخيرة. وقال وعيناه تلمعان بخفة : حور !! نظرت اليه مبتسمه : نعم .. نظر إليها لحظة ثم قال بهدوء: البسي حاجه بسيطه!!! عقدت حاجبيها باستغراب: بسيطه ازاي مش فاهمه…. تردد لثانية، ثم قال
وهو يدير ساعته في معصمه: يعني حاجه تكون مش ملفته… ثم التفت ليغادر لكنه توقف فجأة… وعاد ينظر إليها نظرة سريعة، قبل أن يقول بنبرة هادئة: وشعرك … ياريت تلميه. اتسعت عيناها بدهشة : شعري!! أومأ برأسه مؤكداً : أيوه …. ثم غادر الجناح. ظلت حور واقفة مكانها تحدق في الباب الذي أغلقه خلفه. رفعت يدها تتحسس خصلات شعرها المنسدلة فوق كتفيها، ثم عقدت حاجبيها في حيرة. منذ متى يهتم سلطان بما سترتديه… أو كيف ستصفف شعرها؟ لم تجد إجابة.
لكنها وجدت نفسها، دون أن تشعر، تبتسم ابتسامة صغيرة… هزت رأسها وهي تتمتم بخفوت: هو ماله النهارده؟! ✦في بهو الدار …. كانت هانم تجلس في الصالة تحتسي قهوتها الصباحية في هدوء، بينما جلس سلطان إلى جوارها يقلب بعض الأوراق أمامه، إلا أن تركيزه لم يكن معها بالكامل. ارتشف آخر رشفة من فنجانه… وفي تلك اللحظة، صدح صوت خطوات هادئة على درجات السلم. رفع رأسه تلقائيًا فكانت حور تهبط الدرج بخطوات رقيقة.
ارتدت بنطالًا من الجينز الداكن ومن فوقه بلوزة بيضاء طويلة نسبيًا تنتهي عند منتصف فخذيها، مع حذاء رياضي بسيط، بينما جمعت شعرها في ذيل حصان كما طلب منها. توقفت أمامه بابتسامة خفيفة وقالت: أنا جاهزة. لم يجب بل رفع عينيه إليها، وأخذ يتأملها من رأسها حتى قدميها. نظرة طويلة…هادئة… نظرة رجل يقيم ما يراه بعناية. ثم توقفت عيناه عند شعرها المربوط. فارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا صغيرة. وأخيرًا
قال وهو ينهض: وانا كمان جاهز يلا بينا …. التقط مفاتيح سيارته واتجه نحو الباب. رمقته هانم باستغراب، ثم قالت: رايحين فين يا سلطان؟ توقف لحظة، ثم التفت إليها بهدوء : مشوار مهم. عقدت حاجبيها متسائله بفضول : مشوار إيه؟ أجابها بنفس الهدوء: لما ارجع هتعرفي … ثم فتح الباب، وأفسح المجال لحور لتخرج أمامه. ظلت هانم تتابعهما حتى أُغلق الباب واشتدت قبضتها حول فنجان القهوة بغل ..
همست بضيق: من إمتى بقيت أعرف آخر واحدة هو رايح فين ومن امتي بقي في مشاوير مهمه تروحها مع بت المحروج دي!!!! ✦في الخارج …… سار سلطان إلى جوار حور في طريقهما نحو السيارة. فتح لها الباب أولًا، لكنها وقبل أن تركب هتف بهدوء: حور…. التفتت إليه. كانت عيناه مثبتتين على بلوزتها. ثم قال بنبرة هادئة، لكنها حملت شيئًا من التملك والغيره الذي لم ينتبه إليه هو نفسه: احمم ..بعد كده خلي البلوزة أطول وأوسع من كده شوية.
رمشت في دهشة ثم نظرت إلى نفسها تلقائيًا بلوزتها كانت محتشمة بالفعل رفعت رأسها إليه باستغراب : مالها ماهي طويله وواسعه …… تردد لثانية…وكأنه أدرك أنه لا يملك سببًا منطقيًا لما قاله. ثم قال باقتضاب: اللي عندي قلته … ظلت تنظر إليه لحظات، تبحث في ملامحه عن تفسير لكنه كان قد أشاح بوجهه، وكأنه أنهى الحديث. ابتسمت حور ابتسامة صغيرة لم يستطع أن يراها وركبت السيارة في هدوء.
وهي لم تفهم سبب طلبه ،لكنها شعرت، للمرة الأولى باهتمام سلطان الحقيقي نحوها ….. ……………… شقّت سيارة سلطان الطريق بهدوء. جلس خلف المقود، وعيناه مثبتتان على الطريق، بينما يلف الصمت بينهما. أما حور…فكانت تنظر إليه بين الحين والآخر في حيرة. منذ أن غادرا الدار، وهو لم ينطق بكلمه وكلما حاولت أن تستشف من ملامحه وجهتهما، تري ملامحه منغلقه لا تفسر شيئاً …/ لم تحتمل أكثر فضول حواء بداخلها تغلب عليها ،فالتفتت
إليه مبتسمة وقالت: هو إحنا رايحين فين بقى؟ ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، دون أن يحيد بنظره عن الطريق : هتموتي وتعرفي… نفخت وجنتيها في تذمر طفولي: جداً ، مش بعرف اصبر بصراحه … أطلق ضحكة قصيرة لم تتجاوز شفتيه. ثم قال بهدوء:لازم تصبري ، ولا عاوزه تحرقي المفاجأة… عقدت ذراعيها أمام صدرها، وأشاحت بوجهها نحو النافذة وقالت بدلال :خلاص… مش هسأل. اختلس سلطان النظر إليها للحظة ورأى انعكاس ملامحها على زجاج النافذة.
فارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهه… ثم عاد ينظر للطريق. وبعد دقائق… بدأت معالم المدينة تتغير واتسعت عينا حور وهي تنظر إلى الأماكن من حولها فهي لاول مره تنزل المدينه …. واخيراً …..توقفت السيارة وأطفأ سلطان المحرك. ثم التفت إليها وقال بهدوء: وصلنا …. نظرت إليه… ثم أسرعت تنظر من النافذة. وفي اللحظة التالية… تجمدت تمامًا. اتسعت عيناها حتى كادتا تدمعان. وظلت تحدق في المبنى الضخم أمامها. اللافتة الكبيرة…جامعه الجنوب !!!
بوابة الجامعة… الطلاب يدخلون ويخرجون من بوابتها .. كل شيء كان حقيقيًا. همست وكأنها لا تصدق ما تراه: الجامعة…؟ لم يتحدث بل ظل يراقب ملامحها في صمت.. التفتت إليه وعيناها تمتلئان بدموع الفرحة. وقالت بصوت مرتعش: سلطان… هو…هو اللي أنا فهمته صح؟ نظر إليها طويلًا ثم ابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي أصبحت لا تظهر إلا معها. ابتسامه تشع دفئا ًوحناناً: أيوه… اللي فهمتيه صح. انتي هنا… علشان تحققي حلمك وتكملي دراستك.
وضعت يدها على فمها تمنع شهقة خرجت رغماً عنها وتساقطت دموعها دون أن تشعر. هزت رأسها بعدم تصديق: انا مش مصدقه….انت … انت ما نسيتش!!! أجابها بهدوء وهو يمسح دموعها من علي وجنتها الناعمه بحنان وتابع وهو ينظر في خضار عينيها اللامع بفعل دموعها حتي يده ظلت تحاوط وجنتها : انا وعدتك. أخفضت رأسها، وأخذت تبكي بصمت. فنظر إليها سلطان بارتباك وتاثر: ليه الدموع دي كلها…. رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت مختنق: أنا… كنت فاكرة إنك نسيت.
ظل ينظر إليها وعلي وجهه ابتسامه هادئه سلطان العامري عمره ما بينسى وعد وعده . شعرت أن قلبها امتلأ بعشقه حتى لم يعد يتسع لمزيد من المشاعر. ظلت تنظر إليه طويلًا…كأنها تراه للمرة الأولى. ثم همست : أنا… مش عارفة أشكرك إزاي. ابتسم ابتسامة هادئة وقال وهو يفتح باب السياره: متشكرنيش دلوقتي … اشكريني يوم ما أشوفك متخرجة… ورافعة راسك بشهادتك.
اضطربت دقات قلب حور بعشق ولمعت عينها بسعاده فاقتربت منه بعدما ترجلت من السياره ووقفت امامه ترفع راسها تنظر اليه بعيون عاشقه يلمع خضارها تحت ضوء الشمس وهمست بشقاوه اطاحت بصوابه: هو انا ينفع احضنك ….؟؟؟ اختلجت نبضات قلبه وفقد احدي دقاته بعد جملتها البسيطه التي عصفت بكيانه … نظر حوله ثم عاد بنظره اليها وفي عينيه دكنه غريبه تراها لاول مره وهمس بخفوت: هو اكيد ينفع بس دلوقتي صعب….. ثم اقترب اكثر وهمس
بجوار اذنها بصوت حاسم : لما نرجع جناحنا … اعملي حسابك اني هحقق لك طلبك ده واكتر …. اتسعت عينيها واحمر وجهها من همساته اما هو فشعر بارتفاع درجه حرارته زياده عن المعدل الطبيعي وهتف وهو يجذبها من يدها خلفه : يلا علشان لو طولنا اكتر من كده مش هنلحق معادنا مع رئيس الجامعة مستنينا. رمشت في دهشة: رئيس الجامعة؟ أومأ برأسه مؤكداً : كلمته قبل ما نيجي وحددت معاه معاد . هنقدم أوراقك ونخلص كل الإجراءات بسرعة.
ابتسمت في البداية…لكن ابتسامتها بدأت تخفت شيئًا فشيئًا. ترددت لثوانٍ…ثم وقفت وهي تضغط علي يده التي تحتوي كفها بحنان …. توقف سلطان عن السير وألقى نظرة سريعة إلى يدها الصغيرة التي تشبثت بكفه. ثم رفع عينيه إليها. كانت تنظر إليه بخجل واضح وقالت بصوت خفيض: هو انا ممكن أطلب منك طلب بس تفهمني صح ؟ نظر إليها باهتمام : اطلبي ، انا تحت امر حور هانم … عضّت على شفتيها
بخجل قبل أن تقول بتردد: هو ممكن يعني ….يعني بلاش… حد يعرف إني مراتك. ساد الصمت وتغيرت ملامح سلطان في لحظة وانمحي اي اثر للمرح في ملامحه انعقد حاجباه، ونظر إليها باستغراب لم يخلُ من الضيق والغضب : يعني إيه؟ ابتلعت رمقها وقالت بسرعة: قصدي يعني مش عاوزه حد يعرف اني مرات شيخ العامريه ولا اني كمان بنت شيخ الرفاعيه … ظل ينظر إليها بعدم فهم و ازدادت نظراته حدة وقال بنبرة غاضبه : والسبب؟؟
أخفضت بصرها للحظة، ثم عادت تنظر إليه. وقالت بهدوء يحمل شيئًا من الألم القديم: علشان عاوزة أبقى حور… وبس. لم يفهم فظل صامتًا. فابتسمت ابتسامة باهتة، حزينه وتابعت : عاوزة لما حد يكلمني او يعرفني … يبقى علشاني انا ، يحبني ويتعامل معايا علشان انا حور وبس … مش علشان أنا مرات الشيخ سلطان العامري… ولا بنت الشيخ هاشم الرفاعي. ظل ينظر إليها باهتمام وقد هدأ الغضب بداخله قليلاً الا ان ملامحه ظلت علي عبوسها ….
أما هي…فأخذت نفسًا عميقًا وقالت: من وانا صغيره وأنا في المدرسة… جربت الإحساس ده. سألها بهدوء : إحساس ايه ؟ ابتسمت بحزن وتابعت : احساس ان الناس بتعرفك من علشانك ، بتعرفك علشان اسم عيلتك ومكانتها … كان فيه ناس يقربوا مني علشان أبويا لما يعرفوا اني بنته .. كل اللي ليهم طلب يجوا يكلموني علشانه : هو ينفع الشيخ هاشم يعمل لنا كذا …. وسكتت لحظة ثم أكملت:وفيه ناس تانية…
كانت بتبعد عني أصلًا وشايفين ان انا من طينه غيرهم علشان انا بنت الشيخ… خفضت رأسها وهي تبتسم بمرارة : عمري ما حسيت إني بنت عادية لا عرفت أكون صداقات حقيقية… ولا عرفت أعيش زي أي بنت في سني. ثم رفعت عينيها إليه وكان فيهما رجاء صادق:نفسي… أعيش التجربة دي مرة واحدة. أدخل الجامعة…وأقعد مع زمايلي… وأضحك معاهم…وأذاكر…وأتخانق… وأتصالح…من غير ما حد يبص على اسمي… أو اسم عيلتي. عاوزاهم يعرفوا حور وبس … مش بنت مين… ولا مرات مين.
ساد الصمت بينهما. ظل سلطان ينظر إليها طويلًا. وكأنها فتحت أمامه بابًا لم يكن يعلم بوجوده. كان يظن أن اسم العائلة مكانه عاديه يحب الافتخار بها فقط … ولم يفكر يومًا… أنه قد يكون قيدًا أيضًا. ابتسمت له في خجل، وقالت: ينفع؟ ظل صامتًا لثوانٍ ثم قال بهدوء: ينفع. أشرقت عيناها وزفرت براحه … لكنه أكمل وهو ينظر إليها نظرة عميقة: بس بشرط …. عقدت حاجبيها وتابعت بتوتر: شرط ايه؟؟ اقترب منها خطوة، وقال بصوت منخفض:
محدش يعرف إنك مراتي……تمام. ومحدش يعرف إنك بنت الشيخ هاشم ….برضه تمام. لكن الكل لازم يعرف انك متجوزه وخاتم جوازك ما يتقلعش من ايدك تحت اي ظرف . ده اولا ….. صمت لثواني وتابع بحسم : لو في يوم حصل معاكي مشكله او حد ضايقك مع ان ده مش هيحصل …. بس لو فرضنا انه حصل ….ما تتردديش لحظة إنك تقولي مين جوزك. نظر إليها بثبات ثم أردف : لأن وقتها… مش هيفرق معايا كل اللي قلتيه ده …. المهم عندي إن محدش يضايقك او يتعرض لك…./
شعرت حور بدفء كلماته وخفق قلبها بجنون فابتسمت باتساع وقالت وهي تهز رأسها:حاضر. ثم شاكسته بدلال : انا تحت امر الشيخ سلطان …. ابتسم سلطان هو الآخر ابتسامة خطره وفي عينيه ذلك البريق الخطير وتابع : خاليكي فاكره كلامك كويس علشان هتنفذيه بالحرف .. ثم مد يده إليها ولازالت الابتسامه الغامضه تزين ملامحه : يلا… نروح نحقق حلم حور وبس …
فضحكت من قلبها… وتحركت إلى جواره، بينما شعر سلطان أن هذه الضحكة وحدها كانت تستحق كل ما فعله من أجلها…. ……………………………… بعد عده ساعات ….. عادا سلطان وحور ، دخلت هي اولاً تتقدمه وهو خلفها ….. كانت الابتسامة لا تزال تزين وجهها منذ خروجهما من الجامعة، بينما كان سلطان يرمقها بين الحين والآخر بابتسامة خفية كلما لمح فرحتها التي لم تستطع إخفاءها. وما إن وصلا الي بهو الدار …. حتى دوى صوت خطوات مسرعة فوق الدرج.
التفتا في اللحظة نفسها. كانت سارة تهبط السلم بسرعة، تكاد تتعثر من فرط ارتباكها. وجهها شاحب… وعيناها متورمتان من البكاء. وفي يدها حقيبة سفرها … ما إن وقع بصرها على سلطان…حتى أسرعت نحوه :سلطان… خرج صوتها مرتجفًا، لاهثًا. فعقد حاجبيه بقلق وسالها : مالك في ايه؟؟ انفجرت بالبكاء وقالت بصعوبة: ماما… ماما تعبانة أوي اتصلوا بيا من مصر دلوقتي وقالوا تعبت جامد ودخلت الرعاية المركزة. ظهرت ملامح
الاسي علي وجهه وقال بجدية: لا حول ولا قوة إلا بالله…اطمني ان شاء الله هتبقي كويس ، ربنا يقومها بالسلامة. مسحت دموعها بسرعة، ثم أمسكت بذراعه انا لازم أسافر دلوقتي…حالًا. أومأ برأسه موافقاً : اكيد طبعًا. ثم التفت إلى أحد الخدم وهتف آمراً : جهزوا عربية توصل الآنسة سارة للمطار. لكنها هزت رأسها بعنف وأمسكت بذراعه بقوة أكبر تستجديه : لا… أنا مش عاوزة عربية أنا عاوزاك تيجي معايا. ساد الصمت بينهم….
نظرت حور اليها بحاجب مرفوع لا تصدق بجاحتها ثم رفعت عينيها إلى سلطان تري رده فعله … أما سارة، فتابعت برجاء ممزوج بالانهيار: بالله عليك يا سلطان… أنا ماليش غيرك. أنا خايفه مش هقدر أكون لوحدي. خذلها صمته الطويل ثم نزع ذراعه برفق من يدها وقال بجمود : ساره … مش هينفع انتي عارفة ظروفي. هزت رأسها وهي تبكي: عارفه … بس المرة دي غير أنا محتجاك علي الاقل كصديق …
قال بهدوء، لكنه كان حاسمًا: وأنا مقدرش أسيب البلد دلوقتي.، لسه خارج من إصابة وعندي مسؤوليات مينفعش أسيبها. ابتلعت دموعها وقالت برجاء أكبر:حتى لو يوم واحد أغمض عينيه باسف لاجلها ..ثم فتحهما وقال بنفس الجمود : للاسف مقدرش. نظرت إليه وكأنها تلقت صفعة علي وجهها : مفهوم يا سلطان … انا بس خايفه ابقي لوحدي في ظرف زي ده ….
زفر انفاسه بحنق : ماتخافيش ، مش هتكوني لوحدك ..انا هكلم المستشفى بنفسي، وهخالي حد يستناكي في المطار أول ما توصلي ويفضل معاكي لحظه بلحظة ولو احتجتي أي حاجة… أنا موجود….. خرجت منها ضحكة قصيرة اختلطت بالبكاء: اتغيرت اوي يا سلطان …زمان لو كنت طلبت منك كده… كنت سيبت الدنيا كلها وجريت عليا حتي من قبل ما اطلب منك …. انما دلوقتي…..صمتت تبتلع غصتها وتابعت : انا بقيت مش من ضمن أولوياتك. لم يرد سلطان واكتفى بالصمت.
فأدركت هي الإجابة…. التفت سلطان إلى أحد الحراس : وصل الآنسة سارة للمطار وتخاليك معاها لحد ما تطلع الطيارة … أومأ الحارس باحترام : حاضر يا شيخ سلطان. وقفت سارة مكانها للحظات نظرت الي سلطان ثم التفتت إلى حور. تلاقت عيناهما…..لم تتكلم أي منهما. لكن نظرة سارة كانت تحمل وجع وكره كبيران …/// علي عكس نظره حور التي تطالعها بقوه وثبات ….. ثم استدارت ساره وغادرت الدار تجر اذيال خيبتها …
بينما بقي سلطان يتابع خروجها في صمت ثم دخل الي حجره مكتبه واغلق الباب خلفه بهدوء…… ✦في الخارج …. كانت السيارة تقف أمام دار العامريه المهيب وقف السائق يضع حقيبة سارة داخل صندوق السيارة، بينما كانت هي تمسح دموعها بعصبية، وقلبها يكاد ينخلع خوفًا على والدتها. وقبل أن تفتح باب السيارة…سمعت صوت حور من خلفها يناديها : ساره … التفت اليها ساره دون ان تتفوه بحرف .. اقتربت منها حور في هدوء، حتى توقفت أمامها.
ساد بينهما صمت قصير… لا يُسمع فيه إلا صوت الهواء الذي مر بين أشجار الحديقة. كانت سارة أول من تكلم وقالت ببرود ممزوج بالمرارة والخذلان : ايه جاية تودعيني؟ هزت حور رأسها بهدوء.: لا. نظرت إليها سارة باستغراب. فقالت حور بصوت منخفض، لكنه ثابت: جاية أقولك حاجة …. عقدت سارة ذراعيها أمام صدرها بتحفز : اتفضلي. تنهدت حور بهدوء، ثم قالت وهي تنظر مباشرة في عينيها: أظن… النهارده اتأكدتي إن مالكيش مكان في حياة سلطان.
اشتدت ملامح سارة واربدت بغضب … أما حور فأكملت بنفس الهدوء : وياريت ما ترجعيش هنا تاني لان وجودك هنا مبقاش ليه معنى ، رغم انه مالوش اي معني من الاساس…. ساد الصمت بينهما ووقفا متقابلين وكانت كلماتها تنزل على سارة كالسكاكين. رفعت سارة رأسها ببطء وكانت عيناها تمتلئان بحقدٍ وغيرةٍ موجعة. ثم ابتسمت ابتسامه ساخرة خالية من المرح وقالت وهي تقترب خطوة:انتي فرحانة أوي اني همشي مش كده ؟؟ لم تجب حور.
فأكملت سارة بصوت بدأ يعلو تدريجيًا: فاكرة إنك كسبتي وإن سلطان بقى بتاعك وانك ملكتيه … ضحكت ضحكة قصيرة، ثم هزت رأسها ساخره : يبقي انتي لسه متعرفيهوش يا حور. سلطان عمره ما حب ولا هيحب واحدة اتفرضت عليه ، واحده مش شبهه ولا هو شبهها … واحده اتفرضت عليه بحكم مجلس وعشيره هو نفسه بيرفضهم …. صمتت تاخد نفساً عميقاً واردفت : يمكن دلوقتي يكون معجب بيكي ، يمكن متأثر لأنك وقفتي جنبه وهو تعبان…
بس بعد ما كل ده يروح هتفوقي على الحقيقة. ضاقت عينا حور قليلًا لكنها ظلت علي صمتها… فأشارت سارة بإصبعها نحوها وقالت بمرارة: وإوعي تفتكري إن انتصارك عليا معناه إنك كسبتي سلطان. لاااااا..لأن سلطان…مش ملك لحد، سلطان ملك لنفسه وبس .. سكتت لحظة… ثم مالت نحوها قليلًا وهمست بنبرة تقطر حقداً : واليوم اللي هيكسرك فيه… ابقي افتكريني. رفعت حور رأسها بثبات وقالت بهدوء شديد،
دون أن تهتز: ومين قالك اني هسمح ليوم زي ده انه يجي او ممكن اخالي سلطان او اي ما كان يكون انه يكسرني …. اقتربت بوجهها منها اكملت : في فرق كبير اوي بيني وبينك يا ساره … عقدت سارة حاجبيها بعدم فهم .. فقالت حور بابتسامة هادئة: أنا مش بجري ورا سلطان… سلطان هو اللي كل يوم بيقرب خطوة مني بارادته …. أما انتي…فضلتي سنين تجري وراه… وفي اول اختيار حقيقي اختارني انا حتي لو اتفرضت عليه زي ما قلتي ….
ده انا حتي عمري ما شوفت في عينه ليكي نفس النظره اللي يبيصها لي…. تجمدت سارة مكانها وشحب وجهها. أما حور…فاكتفت بابتسامة صغيرة ورفعت راسها ثم استدارت وعادت إلى داخل الدار بخطوات هادئة …… وتركت سارة واقفة مكانها تكاد تختنق من الغيرة. وقبل أن تصعد السيارة…همست من بين أسنانها، وعيناها معلقتان بباب الدار:ماشي يا حور يمكن تكوني كسبتي المره دي ، بس المره اللي جايه والله ما هسيبك تهني بيه…….. …………………….. ✦داخل مكتب سلطان …..
كانت الشمس تميل إلى الغروب، وأشعتها البرتقالية تتسلل عبر النوافذ الواسعة، تغمر المكتب بسكونٍ مهيب. جلس سلطان خلف مكتبه يتصفح بعض الأوراق المتعلقة بأعمال العائلة، قبل أن يُقطع تركيزه بصوت طرقات خفيفة على الباب. دخل عامر بهدوء وقال: الشيخ عارف برّه… ومعاه واحد شاب، وبيقولوا عاوزين يقابلوك. ارتسمت ابتسامة حقيقية على وجه سلطان وهو ينهض سريعًا: خاليهم يتفضلوا … بعد لحظات…
دخل الشيخ عارف بخطواته الوقورة، تعلو وجهه ابتسامة هادئة، وإلى جواره شاب في أوائل الثلاثينيات، طويل القامة، عريض المنكبين، وعلى وجهه وقار لافت. أسرع سلطان نحوه وانحنى يقبل يده باحترام: نورت الدار يا شيخ عارف ربت الشيخ عارف على كتفه بحنان: ربنا يديم عليك النور يا ولدي. ثم تأمله طويلًا قبل أن يقول مبتسمًا:الحمد لله… بقيت زين. ابتسم سلطان: الحمد لله بفضل ربنا.
جلس الشيخ عارف ،أما الشاب، فظل واقفًا باحترام حتى أشار له الشيخ بالجلوس. تنهد الشيخ عارف وقال بأسف: حقك عليّ يا سلطان يا ولدي … نظر إليه سلطان باستغراب وهتف معترضاً : ما تقولش كده يا شيخ عارف انت مقامك كبير عندنا كلنا …. قال الشيخ عارف بهدوء: ربنا يكرم اصلك يا ولدي ، انا كنت في الحرم بعمل عمره … وعرفت باللي حصلك اول ما وصلت … وقولت لازم اجي لك واطمن عليك بنفسي.
ابتسم سلطان بمحبه : تقبل الله يا شيخنا ، وبعدين ما تقولش كده ، واجبك واصل وزياده… هز الشيخ رأسه راضيًا ثم التفت إلى الشاب الجالس جواره وقال : تعرف مين ده؟ نظر سلطان إليه ثم هز رأسه نافياً : لا ما حصليش الشرف … ابتسم الشيخ عارف واشار الي الشاب اليافع: دده ياسين الجوهري. أردف بنبرة يملؤها الفخر: ابني اللي مخالفتوش ربيته علي ايديا وزرعت فيه الخير يخليني أطمن له….
التفت ياسين إلى سلطان، وانحنى برأسه احترامًا : تشرفت بمعرفتك يا شيخ سلطان. بادله سلطان التحية بابتسامة هادئة. لكن الشيخ عارف لم يترك له فرصة للكلام. وقال بحزم: ومن النهارده… هيكون معاك. نظر إليه سلطان باستغراب : معايا؟ أومأ الشيخ عارف مؤكداً : أيوه. يبقى معاك زي ضلك وذراعك اليمين. وفي كل خطوة هتحتاج فيها حد تثق فيه. ظل سلطان صامتًا يفكر في حديثه … فابتسم الشيخ عارف وتابع : ما تستغربش
أنا عارف إن عندك رجالة كتير بس مش كل الرجالة ينفع يتسند عليهم. ثم أشار إلى ياسين واردف : أما ده… فأنا أشهد قدام ربنا… إنه أمين. لو ائتمنته على روحك… هيصونها ويفديك بروحه يا ولدي …. نظر سلطان إلى ياسين طويلًا ثم قال باحترام: طالما دي رغبتك وهو من طرفك… يبقى على راسي وكلامك نافذ يا شيخنا … ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة وقال بثبات: إن شاء الله أكون عند حسن ظنكم بيا .. ساد الصمت للحظات.
ثم اعتدل الشيخ عارف في جلسته وتغيرت ملامحه قليلًا وقال بصوت أكثر عمقًا: سلطان…في كلمة لازم أقولهالك. اعتدل سلطان في جلسته وأولاه كل تركيزه: اتفضل. قال الشيخ عارف وهو ينظر في عينيه مباشرة: الشيخ…كل ما يكبر سلطانه… تكتر الفتن حواليه. هز سلطان رأسه في هدوء. أما الشيخ فأكمل: العدو اللي تعرفه… أسهل بكتير من القريب اللي يخبي اللي في قلبه ويعمل فيها قلبه عليك … انعقد حاجبا سلطان بعدم فهم : تقصد إيه؟
ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة: مقصدش حد بعينه.لكن بقولك… متديش ضهرك لحد وانت مطمن لمجرد إنه من دمك او انك تعرفه…: ساد الصمت وسلطان ينظر اليه بتركيز … ثم تابع الشيخ عارف : ساعات… أقرب الناس… يبقى أكتر واحد يعرف منين تدخل لك الطعنة. ظل سلطان ينظر إليه باهتمام. فأكمل الشيخ:راقب ومتستعجلش في الحكم ولا تدي ثقتك لحد ولا تشك في كل الناس. لكن… خلي عينك مفتوحة. ثم أشار إلى ياسين.: وعلشان كده جبتهولك.
يبقى عينك التالته اللي تشوف بيها وكتف يشيل عنك لو يوم تعبت…أو انشغلت …. هو يسد مكانك وانت مطمن …. ابتسم سلطان يامتنان حقيقي لهذا الشيخ الجليل ثم نهض من مكانه واتجه إلى الشيخ عارف وقبل رأسه هذه المرة وقال بتأثر: ربنا يخليك ليا يا شيخنا. ابتسم الشيخ وربت على كتفه ثم قال وهو ينظر إليه نظرة أبوية: أنا مش خايف عليك من عدوك يا سلطان… أنا خايف عليك… من اللي هيبتسم لك… وهو مستني اللحظة اللي تقع فيها. ساد الصمت داخل المكتب…
بينما انتقلت نظرة سلطان ببطء نحو ياسين. وللمرة الأولى…شعر أن القدر ربما أرسل إليه رجلًا… سيغيّر كثيرًا مما هو قادم… ثم نهض الشيخ عارف ببطء، فأسرع سلطان يسانده باحترام.وقال بابتسامة: استأذن بقى يا ولدي… كفاية إني اطمنت عليك. ابتسم سلطان وهو يقبل يده باحترام نورت دارك يا شيخنا. ثم التفت إلى ياسين ومد يده إليه : أهلًا بيك في العامرية… صافحه ياسين بثبات وقال:الشرف ليا يا شيخ سلطان… وأسأل الله أكون عند حسن ظنك. ربت
سلطان على كتفه باحترام: بإذن الله. تابع ياسين موضحاً : انا هوصل الشيخ عارف وبكره من النجمه هكون عندك … تحرك الجميع نحو الباب المكتب … وما إن فتح سلطان الباب… حتى وجد عامر يقف في الخارج. رفع رأسه فورًا وقال بابتسامة هادئة تخفي خبثاً خلفها : ما بدري يا شيخ عارف ، ما لحقناش نقعد معاك … —فابتسم الشيخ عارف وربت علي كتفه : تتعوض مره تانيه ان شاء الله … ساد صمت قصير. ثم توقفت عين الشيخ عارف على عامر كانت نظرة طويلة…هادئة…
لكنها بدت وكأنها تقرأ ما خلف الوجوه. ابتسم الشيخ عارف ابتسامة صغيرة، ثم التفت إلى سلطان وقال بصوت هادئ:اوعي تنسي اللي قولتهولك يا سلطان… عاد بنظراته الي عامر وتابع : ربنا يحفظ كل بيت…من الفتنة اللي تدخل له في صورة حبيب…أو قريب. ثم استدار متجهًا نحو الخارج. أما عامر… فظل واقفًا يبتسم بنفس هدوئه المعتاد.
لكن للحظة واحدة فقط…اختفت الابتسامة من عينيه وحل محلها القلق سرعان ما دفنه خلف ملامحه الهادئة قبل أن ينتبه إليه احد وشعر انه المقصود بحديث الشيخ عارف !!! بينما وقف سلطان يتابع رحيل الشيخ عارف بصمت. وكانت كلماته الأخيرة لا تزال تتردد داخل رأسه. أما ياسين…فلم يتكلم. لكنه، منذ اللحظة الأولى، كان يراقب الوجوه…ويحفظها جيدًا. وكأن أول مهمة أوكلها إليه شيخه… قد بدأت بالفعل ………………….
انطلقت السيارة تشق الطريق السريع، بينما جلست سارة في المقعد الخلفي، تحتضن حقيبتها ودموعها لا تتوقف منذ غادرت دار العامرية. اهتز هاتفها معلنًا اتصالًا جديدًا. نظرت إلى الشاشة فوجدت اسم صبري. أغمضت عينيها بتعب، ثم ضغطت زر الإجابة : ألو… ولم يمهلها حتى تكمل. جاءها صوته غاضبًا بصورة أرعبتها : إنتِ إيه اللي عملتيه ده؟! ارتبكت وتابعت بصوت منخفض حتي لا يصل الي مسامع السائق : في إيه انا عملت ايه ؟؟
هدر فيها بعصبية:يعني مش عارفه انتي عملتي ايه ؟؟ إنتِي مش واخده شنطتك ومسافره من غير ما تبلغيني؟! إحنا بينا اتفاق يا سارة ولا نسيتي … كل خطوة تعمليها لازم أعرفها مش أصحى ألاقيكِ اختفيتي! قالت بانفعال وهي تمسح دموعها:صبري… بالله عليك مش وقته. هدر فيها صارخاً بوقاحه : لا وقته يا روح امك ، انتي هتنسي نفسك يا بت ولا ايه ، اتعدلي كده وانتي بتكلميني … خرج صوتها مختنقًا متعباً : حرام عليك ، انا أمي تعبانة.
اتصلوا بيا وقالوا إنها في الرعاية المركزة. ولازم أكون جنبها. هتف ساخراً : لا الف سلامه … ثم تابع ببرود وقح : بس دي مش مشكلتي أنا مالي بأمك؟ اللي يهمني إنك سيبتي العامرية ومشيتي من غير ما أعرف ولغبطي لي كل خططي… شهقت سارة بصدمة ونزلت دموعها بغزارة وشعرت انها ورقه شجر ذابله تتقاذفها الرياح وليس لها حق الاعتراض، فقالت وهي تكاد تبكي بحرقة:أمي بين الحياة والموت… وأنت كل اللي شاغلك الاتفاق اللي بينا …
طب علشان تبقي عارف اعتبر الاتفاق اللي بينا اتلغي ، انا مش عاوزه حاجه انا هغور ومش راجعه تاني خالص… رد ببرود مستفز وقد لمعت عينيه بخطوره : وماله يا حلوه … بس قبل ما توصلي بيتكم هبعت لسلطان فيديو صغير اوي وانا وانتي قاعدين نتفق فيه عليه هو وحور مع بعض وعليا وعلي اعدائي .. وابقي وريني ساعتها سلطن هيبص في وشك تاني ازاي …. صرخت فيه ساره بقهر : انت شيطان ، انا بكرهك … صبري بوقاحه : عارف ، ومش فارق لي رايك
قالت بصوت مكسور: انتي عاوز مني ايه ؟؟ اجابها بحده : تخلصي اللي وراكي وترجعي هنا بسرعه …فاهمة؟ صمت لثواني ثم اردف بغل : سلطان بيتحرك اسرع مننا وكل شويه بيقرب خطوه من حور بيصعب علينا خطواتنا … تسائلت ساره بعدم فهم : قصدك ايه؟؟ اجابها بغل : البيه اخد حور وقدم لها في الجامعه انهارده …علشان تليق بيه وباسمه وده هيخالي حور تقرب منه اكتر وتبعد عني ….. صمت لثوانب ثم قال بصوت منخفض… لكنه كان أكثر رعبًا
من صراخه:ارجعي بسرعة يا سارة… قبل ما يبقى فيه بين سلطان وحورحاجة يستحيل نكسرها. ثم أغلق الخط. بقيت سارة تنظر إلى الهاتف في ذهول. ولأول مرة… شعرت بالخوف من صبري نفسه وليس مما يخطط له فقط. ………………… ✦ ليلاً في جناح سلطان …. كان الهدوء يملأ الجناح… خرجت حور من غرفتها بعدما انتهت من تبديل ملابسها، وقد بدت ملامحها أكثر راحة من أي يوم مضى. لفت انتباهها وجود حقيبة سوداء أنيقة فوق الأريكة. توقفت أمامها باستغراب.
ثم التفتت إلى سلطان الذي كان يجلس يراجع بعض الأوراق. قالت متسائله :ايه الشنطه دي ؟؟ رفع رأسه إليها، ثم قال ببساطة: افتحيها. اقتربت بخطوات فضوليه فتحت السحاب لتتسع عيناها بدهشة. فوجدت داخلها جهاز حاسوب جديد… ومجموعة من الكتب ودفاتر أنيقة… وأقلام…وملفات مرتبة بعناية. مدت يدها تتحسس الأشياء وكأنها تخشى أن تكون تحلم. ثم وجدت بطاقة صغيرة رفعتها ببطء. وقرأتها بصوت خافت:إلى حور وبس … دي أول خطوة في طريقك الجديد ..
وأنا واثق إنك هتوصلي لآخره وهتبهريني بنجاحك …. ارتجفت أنفاسها ورفعت رأسها إليه ببطء. كانت عيناها تلمعان بدموع الفرح. همست:كل ده علشاني … ابتسم سلطان ابتسامة هادئة: انتي شايفه ايه؟؟ ضحكت وهي تهز رأسها بعدم تصديق. ثم جلست على الأريكة، وأخذت تقلب بين الكتب بحماس طفولي. لاحظ سلطان بريق عينيها…ذلك البريق الذي لم يره فيها من قبل. فاقترب وجلس أمامها وقال وهو يراقب فرحتها:مبسوط ان هديتي عجبتك … ابتسمت
بسعاده فلمع خضار عينيها : دي اغلي هديه جات لي في حياتي … ثم رفعت أحد الكتب إلى صدرها وكأنها تحتضنه. فرح لفرحتها وسالها : قوليلي بقى… ليه اخترتي الكلية دي بالذات مع ان مجموعك كبير وممكن تدخلي كليه من كليات القمه ليه اختارتي كليه تربيه بالذات؟؟ رفعت رأسها إليه وصمتت لحظة، كأنها ترتب كلماتها.: علشان انا بحب الاطفال وبحب ادرس لهم …
بحس كده ان الاطفال دول محتاجين معامله خاصه مش اي حد يعرف يتعامل معاهم ولا يدرس لهم ، لازم حد يكون بيعمل ده بحب مش مجرد واجب او وظيفه بيقوم بيها ، لازم يكون بيحبها وبيحب الاطفال ويفهمهم علشان يستقبلوا منه المعلومه بشكل كويس. ظل سلطان ينظر إليها طويلًا مبتسماً . لا يرى أمامه تلك الفتاة التي وصفها مره بانها قرويه ، جاهله … بل امراة لها حلم…ولها رسالة… ولها قلب كبير. هتف بصوت
منخفض وعينيه تلتهمها بجوع: علي فكره انتي هتكوني ام جميله اوي وحنينة اوي … لمعت عينها بحنين وتمني لذلك الشعور ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة امتزجت بشيء من الخجل وهمست: نفسي… نفسي أوي أبقى أم… سكتت لحظة، وكأنها ترى حلماً بعيداً أمامها، ثم أضافت بصوت أكثر رقة: بس اكتر حاجة بتخوفني… إني ما أبقاش قد المسؤولية. هز رأسه نافيًا فورًا، وعيناه لم تغادرا وجهها الفاتن الذي غزاه احمرار الخجل واقترب
منها خطوة وهمس بثقة هادئة: إنتِ آخر واحدة في الدنيا تشك في نفسها في الحتة دي. ابتسمت بخجل، بينما أكمل وهو يرفع يده يزيح خصلة هاربة من شعرها خلف أذنها: الحنية اللي في قلبك… والطريقة اللي بتخافي بيها على اللي حواليكي… دي تاكد لك كلامي …. عضت علي شفتيها خجلاً وذات من ضم الكتاب الي صدرها ، مما جعل سلطان يقول وهو يمد يده ينزع الكتاب من حضنها : وبعدين انتي من ساعه ما شوفتي الكتاب وانتي حضناه كانه هيهرب منك …
ثم اقترب حد الخطر وهمس بانفاس ساخنه لفحت بشره وجهها فزادتها اشتعالاً : وبعدين انتي مش طلبتي الصبح واحنا في الجامعه انك تحضنيني .. انا قدامك اهو مستني ومستعد لتحقيق كل طلباتك …. اشتعل وجهها اكثر حتي اصبح مثل حبه الطماطم الطازجه القابله للاتهام خصوصاً مع قريه المهلك لقلبها بصدره العاري وعينيه الداكنه التي تطالعها بنظره خطره … هتفت بتلعثم : لا … ما هو … اصل . سلطان بنبره عابثه : ايه القطه اكلت لسانك ولا ايه …
هتحضنيني انتي ولا احضنك انا … رفعت رأسها إليه أخيرًا، واتسعت عيناها في ذهول من جرأته، ثم تمتمت بخجل شديد: إنت… بقيت قليل الأدب أوي.” ضحك بصوت خافت، هزّ صدره العاري، وقال وهو يقترب منها خطوة أخرى: أنا؟ ولا انتي مش انتي اللي طلبطي كده ولا هنحمرق ساعه الجد … حبست أنفاسها، وتراجعت خطوة صغيرة، لكنه لم يترك لها مساحة للهرب بل اقترب بجسده يمحو المسافه بينهم …
فهمس بمشاكسه : متخافيش… انا بس مش عاوز يكون في نفسك حاجه وما تعمليهاش .. رفعت عينيها إليه، ورأت في نظراته شيئًا عابثاً لم يكن ضغطًا ولا إلحاحًا… بل انتظارًا حقيقيًا لإجابتها. عضّت شفتها السفلى في ارتباك، ثم هزّت رأسها بخفة وهي تهمس: انت رخم وبتكسفني علي فكره …. ابتسم سلطان ابتسامة هادئة هذه المرة : خلاص يا ستي مش هكسفك … وفي ثانيه وجدت نفسها محاطه بذراعيه القويين محاوطاً خصرها اللين يضمها علي صدره بقوه ….
شهقت مجفله من حركته المسرعه ولكن ما ان غمرها دفيء احضانه وسخونه جسده حتي رفعت ذراعيها بخجل، وأحاطت خصره برفق، وكأنها تخشى أن يكون ما تفعله حلمًا قد ينتهي إذا شددت قبضتها أكثر. تنهد سلطان بعمق، ثم لف ذراعيه حولها بحنان بالغ، وأغمض عينيه وهو يضمها إلى صدره، كأن هذا الحضن وحده أعاد إلى روحه شيئًا كان ينقصها منذ زمن.. ابتعد خطوه صغيره حتي يتثني له رؤيه وجهها ، رفع ذقنها بانامله الكبيره ونظر داخل عينها هامساً
بخفوت: انتي جميله اوي يا حور …. ثم انحني وطبع قبله فوق راسها ، ثم اتبعها بسيل من القبلات الرقيقه حتي دفن راسه في عنقها يقبلها بنهم ويديه تزيح المآزر الحريري عن جسدها …. تاهت حور في لمساته الرقيقه وانفاسه الساخنه التي تحرق بشرتها وشعرت انها تعيش احدي احلامها ، ولكن ما ان شعرت بيديه تحاول تجريدها من قميص نومها حتي انتفضت مفزوعه ودفعته في صدره وهي تغطي جسدها … هتفت وهي توليه ظهرها : لا … بلاش يا سلطان….
هتف سلطان بأنفاس مثقله مستغرباً تبدلها وقد كانت ذائبه بين يديه: لا ليه …هو انا ضايقتك في حاجه … استدارت حور اليه وقد احكمت غلق المآزر حول جسدها : لا ما عملتش حاجه بس مش هينفع … سلطان بعدم فهم : هو ايه اللي مش هينفع انت مراتي وده حقي وانا عاوزك … رفعت حور راسها هاتفه بقوه: عارفه انك جوزي وده حقك ، بس ده مش هيحصل غير لما تكون عاوزني علشاني ، مش علشان جسمي وبس … ضيق سلطان عينيه بعدم فهم : يعني ايه؟؟
اجابته حور بثبات : يعني تكون عاورني علشان بتحبني مش مجرد رغبه وتنتهي ولما احس فعلاً انك بتحبني ساعتها هسلم لك من غير قيد او شرط يا شيخ سلطان … ………………
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!