رواية خلف أسوار الذنوب الجزء الثالث 3 بقلم رشا عبد العزيز خلف أسوار الذنوبرواية خلف أسوار الذنوب الحلقة الثالثة جلست أمام “فرح” تخبرها بما آلت إليه الأمور معه، وتستشيرها بخطتها الشيطانية لتخرج منتصرة. “فرح” التي شجعتها، بل وزادت عن ذلك بأن تأخذها لمن يساعدها على تثبيت ركائز تلك الخطة؛ لتبصر النور على أتم وجه.
وقفت أمام باب مكتب الأستاذ “جميل”، ذلك المحامي ذو الطرق الملتوية، والذي يمرر القضايا من تحت الطاولات بخفة ساحرة، وما ساعده على ذلك حنكته في القانون وخفاياه، فهو يبحث بين الثغرات المغطاة ويغطي الحقائق بأقذر الطرق. دخلت إلى ذلك المكتب، لتقف أمامه رجل في الخمسين من عمره، هزيل الجسد، يرتدي نظارات طبية مستديرة. أزاحها لكي يستطيع أن يراها بوضوح من خلف زجاج نظارته، ليرمقها بنظرة متفحصة من الأعلى إلى الأسفل.
أثارت اشمئزازها لتلفظ أنفاسها بانزعاج شعر به هو، ليشير لها بالجلوس: _أتفضلي يا هانم. جلست، وجلست “فرح” في الكرسي المقابل لها: _أزيك يا أستاذ “جميل”؟ _أهلاً يا مدام. كان يحادث “فرح” ويختلس النظرات نحوها ويبتسم بأمل، فالثراء الظاهر عليها يجعلها مادة دسمة تجلب النقود: _أنا جايلك في استشارة قانونية. _أنتِ تؤمري يا مدام، بس زي ما أنتِ عارفة، الاستشارة مش ببلاش. قالها وهو يوزع نظراته بينهما ويضحك بسماجة:
-اللي تؤمر بيه، بس خلي بالك لو النصيحة طلعت “فشنك” مش هيحصل طيب. امتعض وجهه وهو يخرج سيجارته ويشعلها تاركاً دخانها يتصاعد في الهواء، وتملأ رائحتها المكان، كما تصاعد حنقه من كلماتها ليقول بحدة: -“جميل العقر” معندوش نصيحة “فشنك” يا هانم. _طب ماشي يا أستاذ. لينظر نحو “سارة” وكأنه تأكد أنها صاحبة القضية ويقول: _أسمع عشان أحدد سعر الاستشارة.
نظرت “سارة” نحو “فرح” التي أومأت لها تحثها على الحديث، ورغم أنها كانت مترددة، لكنها حسمت أمرها واتجهت بنظرها نحوه تقص عليه قصتها. استمع لها بإمعان ليسحب نفساً من سيجارته وينفثه عالياً وهو يقول: _يعني أنتِ عاوزة تكوشي على كل حاجة بالمختصر؟ حركت رأسها ونظرت نحو “فرح” ثم إليه مرة أخرى: _أيوه، ومن غير ما هو يعرف. _مممم. همهمات صدرت منه وهو يفكر، قبل أن يقول:
_بسيطة، توكيل عام مطلق بموجبه تتحول كل حاجة ليكِ، وضروري الإمضاء تكون حقيقية. عقدت حاجبيها بعدم فهم، وسألته مستفسرة: _يعني أيه؟ مش فاهمة. _يعني تخليه يمضي من غير ما يعرف هو بيمضي على أيه، فهماني يا هانم؟ ثم صمت وعيناه معلقة بها قبل أن يكمل: _وبعدها ننقل الملكية بكل سهولة. حركت عينها يمينًا ويسارًا تفكر في خطوتها هذه ومدى خطورتها، لكن لن تتراجع الآن؛ لتضع حجر الأساس لهذه الخطة، وأول خطواتها استعادة الثقة. **********
(رشا عبد العزيز) ********* تزينت بأبهى حلة، وارتدت ما يجعلها مغرية بالنسبة له، وجلست تنتظر عودته. جلس بوجهه الذي يعلوه الجمود رغم أن هيئتها خطفت أنفاسه، لكنه ظل محافظًا على جموده أمامها. اقتربت منه بخطوات مدروسة ومغوية، عانقته وهي تردد: -حبيبي وحشتني.
عطرها الذي غزى أنفاسه أسكره قليلًا، لكن كرامته أيقظته ليزيح يديها عنه ويتجاوزها، لكنها لم تستسلم لتقترب مرة أخرى، تزيح عنه سترته رغم اعتراضه، وتطوق جسده من الخلف، تضع رأسها على ظهره وهي تقول بأسف مصطنع: -“يوسف” يا روحي، مش كفاية بقى، زعلك طلع وحش يا حبيبي، أنا آسفة يا روحي. دفء جسدها القريب وكلماتها زحزحا ثباته ليقول بصوت مهزوز: _وهو اللي عملتيه شوية يا “سارة”؟ _آسفة، والله آسفة يا روحي، غلطة ومش هتتكرر.
أزاح يدها بضيق واستدار نحوها موبخًا: _وهو أنتِ عاوزة تكرريها؟ رفعت يدها تحتضن وجهه بين يديها، وتحرك إبهامها على وجنته تخبره بصوت افتعلت فيه الحب: _لا يا روحي، أنا اتعلمت الدرس، بعدك خلاني أعرف أنا بحبك قد أيه، أنا بحبك أوي يا “يوسف”، ومستعدة أعمل أي حاجة عشان تسامحني وترضى عليا. ابتسم بحب ونسي غضبه مع كلماتها وآسفها، لتبتسم وهي تجده يسقط بشباكها من جديد. ********”” “**********************
ثلاثة أشهر كانت كفيلة باستعادة ثقته من جديد؛ فقد أصبحت طوع أمره في كل شيء؛ في لبسها وحريتها كانت كما أراد وحلم هو، ولكي تحكم أركان خطتها، أحضرت له تحليل مختبر مزور يثبت أنها حامل.
أشفقت عليه عندما رأت فرحته بحملها المزيف، وكيف يراعيها ويهتم بها، ورغم أنها كادت تطيح بخطتها جانبًا وتزيح فكرتها المجنونة عن التنفيذ، لكن وجود “فرح” و”جميل” اللذين كثفا جهودهما بإقناعها أنها ستخسر إذا اكتشف حقيقة خداعها، فلماذا لا تسبقه هي وتجهز عليه أولًا؟ حتى استوطنت الفكرة عقلها، وأبت مغادرته، لتقرر التنفيذ في اليوم التالي. دخلت عليه المكتب: -حبيبي اللي واحشني.
رفع عينه عن الأوراق التي كان يطالعها، وخلع نظارته الطبية ليبتسم مرحبًا بها: -“سارة” حبيبتي. اقتربت منه تحمل حزمة الأوراق لتنحني وتقبل وجنته، لتتسع ابتسامته بسرور، ليسحبها يجلسها على قدميه معاتبًا: _وبعدين معاكِ يا أم الغالي، مش قولنا نخف شغل عشان حبيبي اللي جاي؟ قالها يمسح على بطنها المسطحة كأنه يحاور طفله، لتبتلع ريقها بخوف وهي تتخيل ردة فعله لو علم بخداعها له. أحاطت رقبته وقالت بدلع:
_حبيبي أنا مش بتعب نفسي، هما الورقتين دول تمضي عليهم وخلاص، أخلصهم وأرجع البيت. _أوراق أيه دي؟ _أوراق مناقصة الساحل. لم تغادر مكانها، ظلت جالسة على قدمه تشتت أفكاره وهو يطالع الأوراق، تغيب عقله بحركاتها وهمساتها بكلمات الحب والغزل، حتى أنهى توقيعها دون أن يدقق في محتوياتها، غافلًا عن تلك الورقة التي دستها بين الأوراق ليوقع على وكالة عامة بالتصرف بجميع ممتلكاته. لمعت عيناها بخبث بعد نجاح خطتها، ونهضت
تلملم تلك الأوراق وتحملها: _تسلم إيدك يا حبيبي. _أنتِ تؤمري يا روحي. _كده تمام، أروح أظبطهم عشان أرجع البيت. _خلي بالك من نفسك ومن الغالي حبيبي. _حاضر. ابتسمت مغادرة بعد أن أرسلت له قبلة في الهواء، زادت ابتسامته معها. ************************************ وخلال فترة وجيزة، استطاع محاميها الخبيث تحويل ملكية جميع أملاكه لها بموجب تلك الوكالة؛ ليحين وقت المواجهة بعد أن اطمأنت أن كل شيء أصبح ملكًا لها.
تفاجأت من عدم وجودها في المنزل صباحًا، بحث عنها في كل مكان لكن لم يجدها، واتصل بهاتفها لكنها لم تجبه. لتزداد دهشته عندما اتصل به “رفعت” يخبره أنها موجودة في الشركة ومعها شخص غريب المظهر، وطلبت مقابلة الأستاذ “بركات” المحامي الخاص به. وصل إلى الشركة بأقصى سرعة وتوجه نحو مكتبه، ليتفاجأ بها تجلس على المكتب الخاص به، لكنها اليوم مختلفة، ليست “سارة” حبيبته؛ هذه شخصية أخرى، مظهرها المتحرر ونظراتها الغريبة أصابته بالقلق.
دخل ه “رفعت”، ينظر للرجل الذي يجلس مقابل السيد “بركات” ويحمل بيده مجموعة من الأوراق. ليسألها: _”سارة”، أنتِ هنا من أمتى؟ ومين الراجل ده؟ استرخت بجلوسها تخبره بانتشاء: _أنا هنا من بدري، أما مين ده فده الأستاذ “جميل” المحامي بتاعي. قالتها مشيرة نحو “جميل” الذي نهض يرحب به ويمد يده يصافحه: -أهلاً يا “يوسف” بيه. “يوسف” الذي أربكه الوضع، ينظر نحو يده الممدودة ليحول نظره نحوها وهو يقطب حاجبيه ويقول بانفعال:
-“سارة”، أيه اللي بيحصل هنا؟ لتتسع عيناه بصدمة وهو يسمعها تقول ما شلَّ جسده عن الحركة: _أنا جاية أستلم شركتي. ضحك ببلاهة ظنًا منه أنها تمازحه: -شركة أيه يا حبيبتي؟ عيناها التي كانت تملؤهما التحدي والإصرار، كررت حديثها: -الشركة دي يا حبيبي، هو أنت مش كتبتها باسمي؟ ليصرخ بغضب بعد أن استنزف آخر درجات تعقله: -“سارة”، أنتِ مجنونة؟ شركة أيه اللي أنا كتبتها باسمك؟ وحصل أمتى ده؟ لينهض “جميل” حاملًا ورقة
يسلمها له ويشرح ما يحدث: -“سارة” هانم بقت المالكة الجديدة للشركات كلها والفيلا كمان وكل الممتلكات الخاصة بحضرتك بموجب التوكيل العام اللي حضرتك عملته ليها. لم تعد قدماه تستطيع حمله، وخناجر الخذلان تطعن قلبه الذي أحبها، ليمسك الورقة بيد مرتعشة، وعيناه تتسع أكثر كلما تنقل بنظره بين سطورها، شحب وجهه وتيبست الدماء في عروقه وهو يسلمها للأستاذ “بركات” الذي أكد كلام “جميل” بصحة الأوراق. ليتجه نحوها كثور هائج، يقبض على كتفيها
ويهزها بعنف ويصرخ بها: _عملتِ كده ليه؟ عاوزة توصلي لأيه؟ قصرت معاكِ في أيه عشان تعملي كده؟ صوته كان يخرج بقهر، قلبه الذي عشقها كان لا يصدق خيانتها، لقد طعنته في صميم قلبه. نفضت يديه عنها وعادت تقول بانفعال بجح: _خلاص كفاية، افهم بقى، الشركة شركتي دلوقت، وأنت مش مرحب بيك فيها… بررااااا. قالتها بصياح تشير له نحو الباب. نظر لها بدهشة لا يصدق أنها حبيبته التي عشقها، أنها مسخ متجبر.
كرامته التي سُحقت تحت أقدامها غيبت عقله، ليندفع نحوها يطوق رقبتها ويردد: _هقتلك يا “سارة”، هقتلك. بدأت بالاختناق لولا “رفعت” الذي اتجه نحوه يمنعه من تلويث يديه بدمائها القذرة: _ابعد يا “يوسف”، أنت اتجننت؟ دي حرباية ما تستاهلش تلوث إيديك عشانها. أبعده بصعوبة عنها يسحبه نحو الخارج، ولا يزال “يوسف” يصرخ بها: _هدمرك يا “سارة”. وقفت تسحب أنفاسها بصعوبة وتدلك رقبتها حتى التقطت أنفاسها بعد نوبة من السعال.
نظرت نحو “بركات” الذي كان يراقب المشهد بأسف على “يوسف” وحقد على “سارة”، لتسأله: _لو تحب ممكن تفضل في منصبك محامي الشركة، لو لا، مع السلامة. نظر “بركات” نحو الباب الذي خرج منه “يوسف” ثم نظر نحوها، وشيء ما داخله جعله يقول: _أنا هفضل في منصبي معاكِ يا مدام “سارة”. لمعت عينها بانتصار، ونظرت نحو “جميل” الذي ابتسم بعد نجاحه والمبلغ المضاعف الذي قبضه منها. *****”” “” ***********************
وصل إلى الفيلا مستندًا على ذراع “رفعت”، فلم تعد قدماه قادرة على حمله، دخل يشعر بعروقه تتمزق، أصبح يشعر بالاختناق وكأن الهواء انحسر من حوله، عينه أظلمت بمرارة الخذلان، يتجرع مرارتها في فمه. ناظرته والدته بخوف لتهرول نحوه بلهفة قلق تسأله: _مالك يا نور عيني؟ رفع عينه يتطلع لها بكسرة يخبرها بحرقة: _دا عقاب عصياني ليكِ يا ست الكل. كانت هذه آخر الكلمات التي نطقها قبل أن يسقط مغشيًا عليه. لطمت صدرها بفزع ونادته بلوعة وخوف:
_يوووووووسف! وقفوا أمام باب غرفة العناية المركزة، دموعهم تغرق عيونهم، “رحاب” تحتضن والدتها المكلومة وتدعو الله أن ينقذه، وتتلفظ بالشتائم والدعاء على “سارة” التي أوصلته لهذه الحالة. “رفعت” الذي وقف يستشيط غضبًا على تلك المخادعة، ويشعر بالأسى على ابن عمه ورفيق دربه. خرج الطبيب ليهرولوا نحوه يسألونه بخوف: _طمنا يا دكتور. أخفض الطبيب عينه بأسف يخبرهم: _للأسف جلطة في المخ اتسببت له بشلل نصفي.
شهقة قهر صدرت من والدته وهي تلطم وجنتها، و”رحاب” التي شلت أقدامها الصدمة، تضع يدها على قلبها الذي يصرخ حزنًا على شقيقها. “رفعت” الذي كان ينظر للطبيب نظرات ضائعة، لا يستوعب ما يقوله، حتى وجد زوجة عمه يختل توازنها وكادت أن تسقط لولا “رحاب” التي تمسكت بها، ليسأل الطبيب: _مفيش أمل يا دكتور؟ ليتحدث الطبيب بعملية:
_الحمد لله هو لسه شاب وصحته كويسة، والحالة جت في الوقت المناسب، هو محتاج فترة علاج طبيعي، وإن شاء الله الحالة تتحسن. سقطت أجساد الثلاثة على الكراسي بثقل، يحملون معهم جرحًا نازفًا، ينظر أحدهم إلى الآخر بتيه، ويشفقون على ذلك الماكث خلف الأجهزة. ************** (رشا عبد العزيز) ****”” “” “*****************
ستة أشهر مضت على هذه الأحداث، وصلت “سارة” فيها إلى أوج عظمتها؛ فلقد حققت نجاحات متكررة، دخلت في مناقصات كبيرة ونجحت في تطوير الشركة في فترة وجيزة، أصبح منافسوها يحسبون لها ألف حساب. جلست على مكتبها بتفاخر تدقق بعض الأوراق وتتحدث عبر الهاتف بحزم، تعطي الأوامر لموظفيها الذين يهابونها ويخشون بطشها؛ فأقل الأخطاء تعني خسارة عملهم.
سمعت طرقات على الباب لتأذن للطارق بالدخول، لتدخل السكرتيرة تخبرها أن والدها ينتظر على الباب. تعجبت من وجوده لكنها سمحت له بالدخول، ليدخل بابتسامة متسعة وخطى سريعة: -“سارة” حبيبتي، إزيك؟ وحشتيني. نظرت له باستهزاء وقالت متهكمة: -“عابدين” باشا، أيه اللي فكرك بيا؟ معقولة لسه فاكر إن عندك بنت؟ طأطأ رأسه وادعى الحزن وهو يقول بأسف مزيف: _معلش يا بنتي، سامحيني مشغول. قهقهت ضاحكة وهي تحرك الكرسي الذي تجلس عليه يمينًا ويسارًا:
_ومشغول بأيه يا “عابدين” بيه؟ تلعثم في كلامه يخبرها بحاله مع زوجته المتطلبة، ويطلب منها مساعدته: _ياريت تساعديني يا بنتي. رسمت الانزعاج على وجهها لتخبره بحدة: _أنا مش فاتحاها “تكية” يا باشا. ليحاول استعطافها بطريقة أخرى: _يا بنتي مراتي الجديدة خلتني أكتب الفيلا باسمها، وكمان أنا مديون، محتاج فلوس عشان عاوز أشتري عربية جديدة. ثم دارت عينه في المكتب الخاص بها يشير لها بيده:
_وأنتِ ما شاء الله مقتدرة، مفهاش حاجة لما تساعدي باباكي. احتدت عيناها وأخبرته بانفعال شديد: _أنا هكون بارة وأساعدك، بس مش المبلغ اللي في بالك، المبلغ اللي في بالي. ظل محدقًا بها يرمقها بنظرة حانقة، لكنه في نهاية المطاف تقبل منها الفتات الذي رمته له. ***”” “****************************
في غرفته، كان يجلس على السرير شارد الذهن يفكر فيما حل به، إنسان عاجز يسير على عكاز، ليلوح طيفها أمامه فيزداد قهرًا وحزنًا؛ فهي لم تكتفِ بسلب ثروته، لكنها أكملت برفع قضية خلع ربحتها، مما سبب له انتكاسة جديدة آلمته. اقتربت منه والدته تمسح على شعره بحنان وتنظر له بحزن رغم ابتسامتها المزيفة: _حبيبي إزيك النهاردة؟ أومأ برأسه يخبرها بخفوت: _الحمد لله أحسن يا ست الكل.
_الحمد لله يا بني، إحنا كنا فين وبقينا فين، أنت على الأقل بقيت بتمشي من جديد، الفضل لله وللعلاج الطبيعي من بعده. ليردد بصوت ملأته الحرقة: _الحمد لله، بس لسه خطوتي تقيلة يا أمي، نفسي أرجع أمشي زي زمان. ربتت على يده تواسيه: _معلش يا حبيبي، شوية شوية هتتحسن وترجع زي زمان إن شاء الله ***************************
تلك الفكرة المجنونة التي خطرت في بالها جلبت لها المخاطر؛ فبعد أن رأت “سارة” ونجاحها، قررت أن تفعل مثلها وتسرق خزنة “سالم”، لكن ما لم تحسب حسابه أن “سالم” ليس “يوسف”؛ فلقد اكتشف لعبتها، وأصبح يطاردها ليسترجع نقوده. لم تعرف ماذا تفعل، لتتصل بـ “سارة” تخبرها أنها تريد رؤيتها. “سارة” التي كانت عائدة للتو من عملها منهكة رفضت، لكن “فرح” أصرت على رؤيتها، أذعنت “سارة” لطلبها بعد أن أحست بوجود خطب ما، فصوت “فرح” يغلفه الرعب.
جاورتها في السيارة تنظر لها بسخط: _مالك يا “فرح”؟ عاوزة أعرف مخرجاني من بيتي في الوقت دا على ملا وشي ليه؟ انطلقت في سيارتها تقص عليها ما فعلته بقلق، لتتسع عين “سارة” بدهشة تلومها: _أنتِ اتجننتِ؟ حد يعمل كده مع “سالم”؟ قلتلك بلاش دا، راجل مش سهل وأنا مش مرتحاله.
عينها كانت تطالع الطريق بقلق وتتحرك بارتباك، قلبها يخفق بخوف زاد عندما لاحت سيارة تطاردهم وتضيق عليها الطريق، لتزيد السرعة حتى أصبحت سرعتها جنونية، ما جعل “سارة” تتمسك بمقدمة السيارة برعب وتصرخ عليها بخوف: -أيه اللي بيحصل يا “فرح”؟ خففي السرعة شوية. لتجيبها بصوت فاض فزعًا: -فيه حد بيطاردنا يا “سارة”.
كان الخوف هذه المرة من نصيب “سارة” التي أصبحت تلتفت نحو الخلف تبصر تلك السيارة التي تلاحقهم، حتى سمعت فجأة صوت صرير سيارة “فرح” وضوء السيارة القادمة أمامهم يضيء بقوة، لتلتفت تجد سيارة تحاول “فرح” تفاديها حتى فقدت السيطرة على سيارتها لتنقلب عدة مرات. غطت “سارة” وجهها وتكورت على نفسها وهي تشعر بالزجاج يتناثر حولهم كالمطر في ليلة عاصفة، دفعت جسدها نحو الأسفل حتى شعرت الدنيا تظلم من حولها، لتستقر السيارة أخيرًا، لكنها
غابت عن الواقع لحظات قبل أن تفتح عينها بألم، تئن بصوت متعب تشعر بعظامها تحطمت، بالكاد استطاعت تحريك جسدها قليلًا لتلتفت بتعب وهي تسمع أنينًا هامسًا يصدر من “فرح” التي صعقها منظرها وهي تجد قطعة زجاج كبيرة تُغرس في رقبتها، وصوت غرغرة الدماء في حنجرتها.
تقاوم خروج كلماتها التي تحاول لفظها قبل أن تخرج روحها التي لم يعد لها مكان في هذا العالم، فقد دنت النهاية. ارتعش جسدها من هول المنظر لتمد يدها تحاول كتم الدماء ومنعها: -“فرح” خليكِ معايا، الإسعاف زمانه جاي. -“كندا”… همس بسيط أخرجته بصعوبة سمعته هي لتعلم أنها توصيها بها: _ماتخافيش، “كندا” في عينيا، بس هي محتاجالك أكتر مني، خليكِ معايا يا “فرح”. شهقت تعلن قرب خروج روحها لتقول جملتها بوضوح كأنها رسالة من الله إليها:
_هقابل ربنا إزاي؟ جملة صعقتها لتنظر لها بذهول وهي ترى اتساع عينيها وشهقة كبيرة أعلنت مغادرة روحها إلى بارئها. انسابت دموعها وهي تصرخ عليها بهستيريا: _ماتموتيش يا “فرح”!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!