في ذلك المبنى الفخم المكون من عدة طوابق كانت تسير، يضرب كعب حذائها على الأرض، يكسر صوته الهدوء بين ممرات تلك الشركة العملاقة لتجذب انتباه كل من مرت أمامه. جسدها الممشوق، وشعرها المنسدل على أكتافها، ملابسها الأنيقة والضيقة ترسم
منحنيات جسدها المتناسق، تنورتها القصيرة التي أظهرت جزءًا كبيرًا من ساقها، عطرها الذي يملأ المكان، ووجهها الذي زينته مساحيق التجميل بحرفية لتظهره بأبهى صورة؛ كل هذا جعلها محط أنظار الجميع.
كانت عيون الرجال تتبعها بانبهار، وألسنة النساء تتبعها بفضول، حتى وصلت مكتبها، تلقي التحية على زملائها بتعالٍ:
صباح الخير.
رفع “الأستاذ عاصم” نظره -ذلك الرجل الكبير ورئيس المهندسين في الشركة- رأسه يرد عليها التحية:
_أهلاً يا بشمهندسة، صباح النور.
جلست على مكتبها المخصص، تضع قدمًا فوق أخرى، وتزيح خصلات شعرها عن كتفها، تنظر إلى مجموعة الأوراق الموضوعة على مكتبها لتلتفت نحو المهندس المسؤول تسأله:
_دي أوراق مشروع الساحل؟
_أيوه يا “سارة”، اعملي حسابك “مستر يوسف” جاي النهاردة، أنا بعت “خالد” مكتب الإدارة عشان نعرف باقي تفاصيل الاجتماع ونجهز المطلوب مننا.
ثم صمت يحدق بها ويقول مادحًا:
_”سارة”، أنا معتمد عليكِ في المشروع دا، أنتِ شاطرة، عاوزك ترفعي راسي قدام “مستر يوسف”.
أومأت برأسها مؤكدة:
_أنا هبذل قصارى جهدي، متخافش يا فندم.
أنا متأكد وعندي ثقة فيكِ، اطلعي على الأوراق عشان تكوني جاهزة تعرضي فكرة التصميم النهاردة في الاجتماع.
_صباح الخير.
قالتها فتاة بسيطة قبل أن تتقدم بحرج وهي تبصر امتعاض وجه “عاصم” الذي هتف بها موبخًا:
_تأخير نص ساعة يا آنسة “فاطمة”، أنا مراعي ظروفك بس مش كل مرة هاتغاضى عن تأخيرك.
رفعت يدها متوسلة وقالت بأسف:
_أنا أسفة، أخر مرة يا فندم.
ليرد “عاصم” بحنق:
_أنا سمعت الكلام دا كتير.
لتنظر له بتوسل وقد لمعت الدموع بعينها وقالت برجاء:
_أرجوك يا فندم تعذرني، والدتي تعبانة أوي، مقدرتش أسيبها إلا لما بابا رجع من ورديته.
رغم إشفاقه عليها لكنه قال بضيق محذرًا:
_”فاطمة”، أنتِ بتشتغلي في وظيفة مكنتيش تحلمي بيها، لولا مرتبها مكنتيش تقدري توفري علاج والدتك، حافظي عليها أحسن ما تخسريها.
هزت رأسها توافق حديثه، تتمتم قبل أن تتجه نحو مكتبها بخطوات مثقلة:
_حاضر.
كانت “سارة” تتابع المشهد من بعيد، ورغم ادعائها عدم مبالاتها، لكن شيئًا بداخلها جعلها تشعر بالإشفاق عليها.
جلست “فاطمة” تشعر بالحزن بعد الكلمات القاسية التي أشعرتها بالذل، لكن لسانها لم يكف عن الحمد وهي تشرع بالبدء بعملها لتمسك الأوراق وتندمج معها.
كانت “سارة” تدرس ما أمامها بدقة وتدون الملاحظات استعدادًا للاجتماع الذي ستلتقي فيه -ولأول مرة- مع رئيس مجموعة
“الأنصاري”، “يوسف الأنصاري”، الابن الوحيد لـ”مدحت الأنصاري”؛ بعد أن أنهى دراسة الدكتوراة في الهندسة المعمارية من جامعة “أوكسفورد” الأمريكية بعيدًا عن مصر منذ ثلاث سنوات، عاد ليقود المجموعة بعد وفاة والده إلى جانب ابن عمه “رفعت الأنصاري” الذي كان مسؤولًا عن المجموعة في غيابه. “رفعت” لم يكن ابن عمه فقط، لكن زوج شقيقته الوحيدة.
كان ينتابها الفضول لترى هذا الشخص بعدما سمعت بذكره المتكرر على ألسنة الجميع، يشيدون بأخلاقه وطيبة قلبه ونجاحه في دراسته وماريعه التي أشرف عليها. قطع سلسلة تفكيرها قدوم “خالد”:
_أنا جبت اللي مطلوب يا باشمهندس “عاصم”.
قالها يمد الأوراق نحو “عاصم”، ويخطف نظرات انزعاج نحو “سارة” التي كانت تشعر بنظراته؛ فـ”خالد” المنافس الأول لها، لكنها تسبقه بأفكارها الحديثة وعبقريتها في التصاميم، وهذا ما كان يزيده كرهًا لها.
_شوفي التعليمات يا “سارة” عشان تستعدي للاجتماع.
قالها “عاصم” يمد لها يده بالورق، لتنهض متجهة نحوه تراقب بانتصار تجهم وجه “خالد” وامتعاضه وهو يقول مستنكرًا:
_وما أحضرش أنا ليه يا باشمهندس؟
أخفض “عاصم” نظارته الطبية نحو مقدمة أنفه ونظر له قائلًا:
_”سارة” هي اللي هتكون مسؤولة عن مشروع الساحل يا “خالد”، وأنت خليك في المشروع بتاعك، وإلا أنت ناسي أنك ماسك مشروع دلوقتي؟
_أيوه يا فندم بس…
_من غير بس يا “خالد”، الموضوع منتهي.
هكذا قاطعه “عاصم” بحدة لكي ينهي النقاش معه، ليعود إلى مكتبه يرمقها بنظرات محتقنة، وتخطف هي نحوه نظرات ازدراء.
**********”****************
وصلت قاعة الاجتماع مع المهندس “عاصم” لتأخذ نفسًا عميقًا تستعد لهذه التجربة الجديدة. دخلت تأخذ مكانها على طاولة الاجتماع في انتظار “يوسف” الذي وصل بعد قليل بطلته البهية؛ كان شابًا وسيمًا، يبدو في الثلاثين من عمره، يبدو عليه النشاط والعملية، يرافقه “رفعت” الذي التقت به عدة مرات أشعرتها بعدم تقبله لها.
افتتح الاجتماع وتحدث بلباقة، أفكاره طغى عليها الطابع الغربي، لتبتسم؛ هذا ما تطمح له، فهي ترتكز في تصميماتها على النمط الهندسي الغربي. أشار “عاصم” لها معرفًا بها:
_باشمهندسة “سارة” يا فندم، اشتغلت معانا من سنة، شاطرة أوي، كان نفسي تسمع أفكارها.
تحولت أنظاره نحوها بعد أن أشار لها “عاصم” لتثير إعجابه الذي زاد عندما وجدها تقف بكل ثقة تشرح تصميمها له؛ ثقتها بنفسها، ذكاؤها وأفكارها الرائعة، طريقتها في طرح فكرتها، كل هذا جعله يحدق بها فترة من الزمن ليبتسم بعملية قائلًا:
_عندك حق يا “عاصم”، فعلًا شاطرة.
ابتسمت بزهو وقالت مفتخرة بوصفه الذي أطربها لتقول:
_متشكرة يا فندم، دا من ذوق حضرتك.
نظر لها ثم نحو “عاصم” يخبره:
_هنعتمد فكرة “سارة”.
ثم التفت نحو المحاسب قائلًا:
_اعملي ميزانية بالتكاليف.
ابتسمت بانتصار بعد حديثه، لكن هذه الابتسامة تناقصت قبل أن تختفي وهي تسمع “رفعت” يهمس له:
_مش نستنى يمكن نلاقي أفكار أحسن؟
لكن “يوسف” نظر نحوها وقال بإصرار:
:لا، هنعتمد مشروع “سارة”، عجبني وشايفه كويس.
ابتسمت بانتصار بعد تحقيق هدفها:
_متشكرة يا فندم.
بادلها ابتسامة إعجاب لم تخفَ عليها.
***********************
عادت إلى منزلها، تلك الفيلا الصغيرة التي كانت يومًا تبلغ مساحة كبيرة، لكن خسارة والدها المالية جعلته يتخلى عن مساحة كبيرة منها ويخسر الكثير من شركاته بعد زيجات متكررة تستنزف كل واحدة منها مبلغًا ماليًا؛ فاختياره لفتيات يصغرنه بالعمر يجعله يصرف مبالغ مالية كبيرة لتحقيق رغباتهن ثم التخلص منهن بطلاق بعد أن تنتهي رغبته هو.
منذ وفاة والدتها وهي تعاني من إهماله وانشغاله مع نسائه اللاتي لم تعد تحصي عددهن؛ فتلك الزيجات السريعة باتت كثيرة وغير محسوبة.
دخلت الباب واتجهت نحو السلم لتصعد أول درجاته وتتوقف عندما سمعت:
_مساء الخير.
عادت إلى الوراء ونزلت تلك الدرجة لتلتفت وتجد فتاة جميلة جدًا توازيها في العمر، اقتربت منها وقالت باستهزاء متعجبة:
_إيه دا؟ أوعي تقولي لي إنك مرات أبويا الجديدة!
لوت الفتاة شفتها بسخط وقالت مستنكرة:
_أيوه، مرات أبوكِ، إيه، مش عاجبك؟
لتطالعها “سارة” بإعجاب وتبتسم ساخرة:
_تصدقي، بابا بقى ذوقه جميل!
استرخت ملامح الفتاة وقالت مبتسمة:
_ميرسي… أنا اسمي “أنجي”.
_وأنا “سارة”.
_عارفة، باباكي حكى لي عليكِ.
رفعت “سارة” حاجبيها بدهشة ثم مطت شفتها بتهكم تردد حديثها:
_حكى لك عني؟ غريبة! وأيه اللي عرفتيه؟
رفعت كتفها وقالت:
_قال إنه عنده بنت اسمها “سارة”.
حركت “سارة” مفاتيحها حول إصبعها وقالت بحزن ساخرة:
_كويس إنه فاكر إن عنده بنت!
لتلوح بيدها بلامبالاة وتقول وهي تشير نحوها بسبابتها:
_طب يا مرات أبويا “إنجوي”.
ثم تركتها “سارة” وسط دهشتها وغادرت نحو غرفتها، لتنظر “أنجي” نحوها وتتمتم:
_مالها دي؟ مجنونة وإلا إيه؟
صعدت لغرفتها، عالمها المغلق؛ جلست على سريرها وأخرجت هاتفها تتصل بصديقتها الوحيدة:
_ألو، أيوه يا “فرح”.
_أيوه يا “سارة”، معلش أنا لسه صاحية، أصصح وأكلمك.
_هو أنتِ نايمة لحد دلوقتي؟
_أيوه، منمتش لحد الفجر.
ضحكت مستهزئة:
_أكيد مع “سالم”، مش كدة؟
أيوه.
_طب فيه سهرة النهاردة؟
_أكيد.
_ماشي، آخد شاور وأنام وأجيلك بالليل، مع السلامة.
أغلقت الهاتف وتسطحت على السرير ثم التفتت على جانبها الأيمن لتلتقط صورة والدتها، تنظر لها بحسرة وحزن وقالت متهكمة:
_مبروك يا ماما، جوزك اتجوز ومش عارفة للمرة الكام!
ثم قربت الصورة من فمها تقبلها بعين دامعة:
_وحشتيني يا ماما.
احتضنت الصورة بقوة وأغلقت عينها غافية.
****”” ************************
حل المساء لتقود سيارتها نحو منزل صديقتها، وقفت أمام الباب تحمل كيسًا مليئًا بالحلوى، طرقت الباب لتفتح لها طفلة صغيرة تهتف بلهفة وابتسامة كبيرة:
_طنط “سارة”!
ابتسمت لها “سارة” وانحنت تقرص وتقبل وجنتها:
_”كوكي” يا روحي، إزيك؟ عاملة إيه؟
كويسة.
ظلت الطفلة تحدق بها وعينها تنتقل بينها وبين الكيس، لتقهقه “سارة” ضاحكة وترفعه أمامها:
_يا بكاشة، يعني أنتِ فتحتِ الباب مش عشاني، عشان الحلويات والشيبسي!
ضحكت الطفلة بخجل لتعطيها “سارة” الكيس الذي التقطته بفرح وهي تردد:
_بحبك يا طنط أوي.
عاودت “سارة” تقبيلها وتخبرها:
_وأنا بموت فيكِ يا روح طنط.
_ادخلي يا “سارة”.
كان هذا صوت “فرح” التي تناديها من الداخل، لتمسك يد “كندة” تلك الطفلة التي تحبها جدًا، لتنظر لهما “فرح” وتقول معاتبة بعد أن رأت الكيس في يد صغيرتها:
_هو أنتِ مش هتبطلي يا “سارة” حكاية الحلويات؟
_مالكيش دعوة، دي حاجة بيني وبين “كوكي”.
لوت “فرح” شفتها بقلة حيلة وقالت وهي تحمل حقيبتها لتغادر:
_طب يلا، خلينا نمشي.
_ماما، عاوزة أروح معاكِ.
قالتها “كندة” بعين باكية، لتقول “فرح” بلامبالاة:
_”كوكي” أنتِ مش صغيرة، خليكِ مع “دادا”، أنا شوية وراجعة.
لكن الطفلة بدأت في البكاء، لتصرخ “فرح” بوجهها توبخها:
_بطلي عياط!
أشفقت “سارة” عليها لتنزل لمستواها تحاول إقناعها وهي تمسح دموعها برفق:
_”كوكي” حبيبتي، ماما عيانة وأنا هاخدها لدكتور، خليكِ شاطرة واستنينا مع “دادا نبيلة”، وأنا هجيب لك عروسة جميلة جدًا المرة الجاية، ماشي يا قمر؟
مسحت الطفلة عينيها بيدها الصغيرة وأومأت برأسها موافقة، لتقبل وجنتها “سارة” وترحل برفقة “فرح” التي ما إن خرجت حتى لامتها:
_ليه كدة يا “فرح”؟ حرام، “كوكي” لسه صغيرة.
لوحت لها “فرح” بلامبالاة وقالت:
_يوووه يا “سارة”، خلاص، ما أنا لازم أخرج وإلا هي هتعيش إزاي؟
حركت “سارة” رأسها بقلة حيلة وزفرت أنفاسها بضيق:
_”فرح”، بلاش الطريق دا، إحنا نخرج نتبسط، بلاش طريق الفلوس والغلط.
ضحكت “فرح” وقالت مستهزئة:
&وهو اللي بنعمله مش غلط؟ السهر والشرب مش غلط؟
ثم ربتت على ذراع “سارة” ساخرة:
_”سالم” بيصرف عليا وعلى بنتي من غير ما يعرف أنها بنتي، أنا مفهمّاه أنها بنت أختي المتوفية، هيصرف عليها ببلاش.
طالعتها “سارة” وقالت محذرة:
_خلي بالك يا “فرح”، “سالم” مش سهل لو عرف الحقيقة.
ابتسمت “فرح” باستهزاء:
_لو طار، هنلاقي غيره.
أتبعت كلامها بضحكة وقحة جعلت “سارة” تنظر لها بيأس.
***”” “********************
قادت “سارة” سيارتها ليمتعض وجهها عندما أخبرتها “فرح” أن الحفلة مقامة في فيلا “سالم”، لتهتف بحدة:
_وإحنا من إمتى بنسهر في بيوت؟!
لتجيبها “فرح” ببرود:
_يا بنتي هو عامل حفلة عيد ميلاده، متبقيش كئيبة يا “سو”.
زفرت أنفاسها بانفعال وأكملت القيادة رغم عدم اقتناعها حتى وصلتا منزل “سالم” الذي كانت تخرج منه الموسيقى الصاخبة. دخل الاثنتان بفساتينهما الضيقة التي رسمت أجسامهم، اتجه “سالم” نحوهما يرحب بهما ثم جذب “فرح” يهمس في أذانها وهي تضحك بشدة. أخذت “سارة” جانبًا تراقب الحفلة وأخرجت سجارتها الإلكترونية وبدأت تنفث دخانها عاليًا، حتى اقترب منها النادل يقدم لها مشروبًا كحوليًا (الشمبانيا) لتلتقط الكأس ترتشف منه القليل وتراقب الفتيات والشباب الذين كانوا منهمكين بفعل جميع أنواع المحرمات. استمرت تحتسي كأسها وتدخن سجارتها حتى تم تشغيل إحدى الأغاني التي تحبها لتُدندنها، لتنضم إلى ساحة الرقص وتبدأ بالرقص حتى جذبت أنظار أحد الشباب ليدعي الرقص أيضًا، حتى اقترب أكثر يحاول لمس جسدها، لمحت اقترابه ومحاولته لتمسك يده وتصفعه بانفعال وتصرخ به:
_إيدك لو اتمدت هقطعهالك!
تجمهر الناس حولهم وهي مستمرة في شتمه وهو يرد عليها، حتى انتبهت “فرح” التي كانت مندمجة مع “سالم”:
_دي “سارة”!
تركته واتجهت نحوها لها هو ينفخ بضيق، ليجدوا “سارة” تقف وتتشاجر مع شخص عرفه”سالم”:
_إيه يا “سارة” مالك؟ فيه إيه؟
سألتها “فرح” وهي تنظر لها بحيرة.
لفظت أنفاسها المتسارعة وهي تقول:
_الحيوان ده كان عاوز يلمسني!
لوى “سالم” شفته بسخرية وهو يسمع حديثها ليقول مستهجنًا:
_ومالو لو لمسك يا قطة؟
نظرت له باشمئزاز وقالت بغضب:
_لا يا “سالم بيه”، مش أي حد يتلمس، صوابع إيدك مش زي بعض!
نكست “فرح” رأسها بعد أن فهمت كلام “سارة” المبطن. نظر “سالم” نحو “سارة” بسخرية، انسحبت “سارة” تاركة الحفل. حاولت “فرح” أن تتبعها لكن “سالم” أمسك ذراعها يمنعها وهو يهمس لها:
_إيه؟ رايحة فين؟ عاوزة تضربي الليلة؟
نظرت له “فرح” ثم نظرت نحو “سارة” التي خرجت من البوابة لتضحك ضحكتها الوقحة وتقول:
_عندك حق.
**************************
خرجت “سارة” تقود سيارتها بانفعال، فتحت شباك سيارتها لعل الهواء البارد يهدئ من شدة انفعالها، وصلت منزلها لتفتح الباب وتخطو خطوات قليلة حتى سمعت من يقول:
_ما لسه بدري!
التفتت متعجبة وهي تجد زوجة أبيها تقف متخصرة، لتقول “سارة” بحدة:
_وأنتِ مالك؟ خليكِ في حالك، مالكيش دعوة بيا.
لوحت زوجة أبيها بيدها وقالت:
_راجعة وش الفجر ومش عاوزة حد يحاسبك!
قهقهت “سارة” تضحك بسخرية وهي تقترب منها وتربت على وجنتها وتفتح عينيها فجأة تصرخ بوجهها بما جعلها تشعر بالخوف وتتراجع خطوتين إلى الخلف عندما سمعتها تقول:
_أنا محدش يحاسبني يا حلوة، وخصوصًا أنتِ، متخلنيش أحطك في دماغي أحسن لك، هتخسري!
ثم تركتها ورحلت نحو غرفتها.
وفي غرفتها استلقت على سريرها تحاول النوم، لتحيطها أفكار مختلفة أرقتها وحجبت النوم عنها؛ ليلوح طيفه أمامها، لا تنكر أنه أعجبها، ثم ظهرت صورة زوجة والدها أمامها. رمشت عينيها وتحركت قزحتيها يمينًا ويسارًا تبحث تلك الفكرة التي قفزت تواً إلى عقلها؛ لماذا لا تحاول الخروج من هذه الحياة التي تعيشها؟ ولماذا لا يكون هو المفتاح للدخول لحياة جديدة؟
***********************”” “”
بعد ثلاثة أيام استدعاها “يوسف” للحضور إلى مكتبه، تبعت السكرتيرة نحو مكتبه الخاص، دخلت بعد أن فتحت لها الباب وأشارت لها بالدخول. كان يجلس منكبًا على مجموعة من الأوراق، لكن عطرها الذي ملأ المكان أجبره على أن يرفع نظره نحوها لتثير إعجابه بأناقتها وذوقها الرفيع:
_صباح الخير.
_صباح الخير يا باشمهندسة، اتفضلي.
قالها مبتسمًا يشير لها بالجلوس، لتجلس بشموخها المعتاد واضعة قدمًا فوق الأخرى، التفتت نحوه:
_طلبتني يا فندم؟
كان غارقًا في تأمل تفاصيلها التي تشده نحوها كأنها تعويذة سحرية حتى أخرجه سؤالها من تأمله:
_كنت عاوز أسألك عن المشروع، وصلتي لحد فين؟
مدت له يدها ببعض التصاميم:
_دي يا فندم التصميمات الأولية، لو عند حضرتك أي تعديل.
التقط منها التصاميم ليفتحها وعينيه تتنقل في تفاصيلها بانبهار، ليبتسم وهو لا يزال يطالعها ويقول مادحًا:
_برافو يا باشمهندسة، تحفة! كان عنده حق “عاصم” إنه يرشحك.
شهادة أعتز بيها يا فندم.
لف ورق التصميم وأعاده إليها:
_كده تمام.
لتقول بعملية أبدعت في تمثيلها كي تضع الحجر الأساس في خطتها، فلم تغب عنها لمعة الإعجاب التي رأتها في عينيه مما زاد من تصميمها في التمسك بتلك الفرصة التي سوف تساعدها في دخول عالمه:
_يعني حضرتك معندكش أي تعديل على التصميم؟
حرك رأسه نافيًا:
_لا يا “سارة”، التصميمات مستوفية، مش محتاجة تعديل.
همت بالنهوض لكي تغادر لكن أوقفها صوته:
_استني يا “سارة”، أنا ما ضايفتكيش، استني نشرب قهوة سوا.
أمسكت التصميمات ومثلت الحياء:
_ملوش لزوم يا فندم.
_لا يا “سارة”، أنا عاوز أشرب القهوة معاكِ، عندي كم سؤال حابب أسألك عن المشروع.
ابتسمت بانتصار وعادت مكانها، ليبدأ بينهما حديث ونقاشات، وتحولت القهوة إلى دعوة غداء رفضتها بإصرار لكنه أبى إلا أن تقبل دعوته. لتوافق وتخرج هاتفها مدعية استئذانها من والدها، فمن المعلومات التي جمعتها عنه في الأيام القليلة الماضية عرفت أن عائلته محافظة، لذلك يجب أن تكون زوجة الابن المناسبة. لها، ابتسمت داخلها على كلمة الزوجة المناسبة.
وفي أحد المطاعم الراقية على ضفاف نهر النيل جلست أمامه يتناولون وجبة الغداء، طلبت الطعام الإيطالي الذي كانت تحبه وعلى علم ببعض أطباقه:
_المطعم دا من أقرب المطاعم لقلبي، أول ما رجعت لمصر جيت اتعشيت هنا، صاحب المطعم صاحبي من زمان وشيف درس في إيطاليا.
_فعلًا الأكل جميل والمكان هادي.
ابتسم لها يسألها:
_بتحبي الهدوء يا “سارة”؟
ابتسمت داخلها باستهزاء؛ هي والهدوء قطبان متنافران، لكنها أجابت بلسان افتعلت فيه الرقة:
_أيوه أكيد، وهو مين مبيحبش الهدوء؟
ابتسم بسعادة، فها هو ركن آخر من أركان صورة زوجته المستقبلية يكتمل بها؛ جميلة، أنيقة، ذكية، ناجحة وهادئة. انتهى هذا اللقاء وأصبحت على يقين أنها ظفرت بما كانت تحلم به، خطوات قليلة وتصل نحو هدفها.
وبعد عدة أيام أخرى كانت تخرج من الشركة تشعر بسعادة، فاليوم أيضًا تكرر لقاؤها به وبدا أكثر إعجابًا بها من ذي قبل، كانت تسير نحو سيارتها وهي تبتسم متذكرة عينيه التي لم تفارقها وابتسامته التي تظهر كلما تحدثت، لتهمس لنفسها:
_فاضلك تكة يا “سارة” وتوصلي لقلبه ويكون خاتم في صباعك!
أتبعت كلماتها بابتسامة خبيثة.
****”” “” *****”*********” ”
قادت سيارتها نحو الخارج لتجد “فاطمة” تقف عند موقف الباص يبدو عليها الإنهاك، كادت أن تتجاوزها بلامبالاة لكنها توقفت بعد أن أشفقت عليها، أنزلت زجاج النافذة ونادت عليها:
_”فاطمة”… “فاطمة”!
انتبهت لها “فاطمة” واتجهت نحوها بتعجب لتسألها:
_أيوه يا “سارة”، محتاجة حاجة؟
لتشير لها:
_اركبي، أوصلك.
حركت رأسها نافية وقالت محرجة:
_لا مفيش داعي، أنا هستنى الميكروباص.
كررت “سارة” دعوتها بإصرار وقالت بحدة:
_اركبي يا “فاطمة”، بلاش عند!
رضخت “فاطمة” واستجابت لدعوتها فقد كانت متعبة، لتركب على استحياء وتتمتم بخجل:
_متشكرة يا “سارة”.
_على إيه؟ أنتِ في طريقي.
وصلت إلى منزلها في إحدى الأحياء البسيطة، أشارت لها “فاطمة” نحو المنزل لكن قبل أن تترجل أصرت عليها للغداء معها ومع عائلتها، رفضت “سارة” لكن “فاطمة” أصرت وأحرجت “سارة” عندما قالت:
_أنا عارفة أننا مش على قد المقام وأكلنا مش من مستوى…
وقبل أن تكمل قاطعتها “سارة” بسرعة وهي تنهرها:
_بلاش الكلام دا يا “فاطمة”، أنا نازلة معاكِ.
دخلت خلف “فاطمة” بتردد ودارت عيناها في المكان، فرغم كون المكان بسيط ولا يصل إلى مستوى الفيلا التي تقطن فيها، لكن انتابها شعور بالدفء.
أشارت “فاطمة” نحو غرفة والدتها:
_اتفضلي يا “سارة”، ماما كان نفسها تشوفك من زمان.
دخلت “سارة” إلى الغرفة لتجد سيدة ممددة على سريرها وجهها يدعو للسكينة والراحة، رحبت بها بحب:
_أهلاً يا بنتي، تعالي.
اتجهت نحوها وجلست على السرير أمامها بعد أن عانقتها والدة “فاطمة”:
-أهلاً يا حاجة.
لتسألها بفضول:
_أنتِ “سارة”؟ دانا كان نفسي أشوفك من زمان، “فاطمة” دايمًا كانت بتحكي لي عنك.
قالتها والدة “فاطمة” وهي تتطلع لها تخفي عنها دعوة ابنتها الدائمة لها بالهداية. ابتسمت “سارة” بخجل وهي تنقل بصرها بين “فاطمة” ووالدتها:
_”فاطمة”، شوفي أبوكِ لو خلص ورد القرآن عشان نتغدى، خلي “سارة” تدوق طبيخي.
لتنظر لها “فاطمة” بلوم وتقول معاتبة:
ليه تعبتِ نفسك؟ أنا مش قلت لك متتعبيش نفسك؟
وبعتاب هي أيضًا بررت:
_يا بنتي، خليني أحس إني ليا فايدة، مش عالة عليكم.
اقتربت منها “فاطمة” تقبل رأسها وتلومها:
_متقوليش كدة يا ست الكل، أنتِ الخير والبركة.
مشهد جعل الدموع تلسع عينها، وابتلعت غصة مرة تشابه مرارة حياتها بعد رحيل والدتها. جلست معهم على المائدة بعد أن انضم لهم والد “فاطمة” الذي رغم أنها لمحت انزعاجه من مظهرها، لكنه رحب بها بينهم. ألِفَت “فاطمة” وحوارها مع والديها واهتمامها بهم وبعض المزاح الذي حصل بينهم، أثار مشاعرها ولمس ذلك الجرح الذي تخفيه خلف قناع القوة والجبروت.
كم تمنت أن تعيش هي هذه اللحظات، كم تمنت أن يكون لها عائلة، ربما لكانت اختلفت حياتها. أخفضت عينيها نحو الطبق الموضوع أمامها ورفعت بعضًا منه نحو فمها تتناوله بتلذذ، لم تتذوق منذ زمن طعامًا امتزج بحنان الأم؛ ليفتر ثغرها عن ابتسامة جانبية ساخرة ملأتها الحسرة. وكيف تتذوق طعام الأم وهي من عاشت على طعام الخدم منذ رحيل والدتها؟
_عجبك أكلي يا بنتي؟
صوت والدة “فاطمة” أعادها إلى الواقع، لترفع عينها لها تجيبها بابتسامة:
_جميل، تسلم إيدك.
**************************
شهران مرا الآن، وتكررت لقاءاتها مع “يوسف” الذي نصبت له شباكها باحتراف وهي تظهر له كل ما يحلم أن يراه في زوجته المستقبلية؛ لتحكم شبكها حوله وتصطاده كما يصطاد العنكبوت فريسته، لتبتسم بانتصار وهي تسمع سؤاله:
_تتجوزيني يا “سارة”؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!