ستقرت خيوط الشمس الشاحبة فوق أثاث الشقة القديم، والهدوء يلف أرجاء المكان إلا من صوت قعقعة الملاعق في أكواب الشاي.
جلست “عزيزة” على أريكتها الوثيرة، تراقب ابنها “ياسر” بنظرات ثاقبة، بينما كان هو غارقاً في صمته، يقلب السكر بآلية تدل على شرود ذهنه. كانت الجدران تشهد على سنوات من الود، لكن في قلب “عزيزة” كان هناك مخطط آخر ينمو كالعشب الشيطاني.
قطعت عزيزة الصمت بصوت حاد قائلة:”وبعدين يا ياسر؟ هنفضل كده لحد امتى؟ العمر بيجري، وأنا نفسي أشيل عيالك قبل ما أقابل وجه كريم.”
زفر ياسر بضيق، ووضع الملعقة جانباً وهو يقول بقلة حيلة:”يا أمي ما أنتي عارفة الدكاترة قالوا إيه.. العيب مش فيا ولا في فريدة، العيب إننا مع بعض مش بنخلف، يعني نصيبنا كده، هنعمل إيه يعني؟
“اقتربت منه عزيزة، وانخفض صوتها بنبرة يملؤها الخبث الممزوج بالحنان المزيف:”نصيب إيه يا ضنايا؟ النصيب ده إحنا اللي بنصنعه. فريدة بنت حلال وما قلناش حاجة، بس دي واحدة مالهاش حد، تربية ملجأ، يعني لا عزوة ولا عيال! هتضيع شبابك عشان واحدة الأرض بتاعتها مش بتبذر معاك؟”
هز ياسر رأسه نافياً، لكن نبرة صوته كانت تضعف:”فريدة قالتها لي وش، لو اتجوزت عليها هتطلق وتشوف حياتها هي كمان وتخلف من غيري، وأنا مقدرش أستغنى عنها يا أمي.”
ضحكت عزيزة بسخرية، وربتت على كتفه بقوة:”وتطلق ليه؟ وتعرف أصلاً منين؟ اسمع كلامي يا ياسر، شيماء أرملة أخوك ملهاش غيرنا، وست بيت شاطرة، وبنت أصول وهتحفظ سرك. اتجوزها في السر، وأهو تضمن حتة عيل يشيل اسمك، وفريدة تفضل على ذمتك ولا من شاف ولا من دري.”
نظر إليها ياسر بتردد، فتابعت هي بلهجة آمرة:”الراجل ميعيبوش إلا جيبه يا حبيبي، وشيماء موافقة وعارفة الظروف.. فكر في نفسك وفي اسم أبوك اللي هيقطع لو فضلت ماسك في فريدة اللي مش هتديك غير وجع القلب والمشاكل.”
في تلك اللحظة، كان الصراع ينهش قلب ياسر؛ حب ١٣ عاماً أمام حلم الأبوة الذي تضخمه كلمات أمه. لم يكن يعلم أن هذه الجلسة هي المسمار الأول في نعش حياته المستقرة.
استقرت كلمات الأم في عقل ياسر كأنها منوم مغناطيسي،
غادر بيت عائلته والظلام يملأ قلبه قبل أن يملأ الشوارع. دخل شقته، تلك الجدران التي شهدت على ضحكاتهم وبكائهم طوال ثلاث سنوات زواج،
ووجد “فريدة” بانتظاره، كانت قد أعدت العشاء وتزينت بابتسامتها الرقيقة التي لطالما كانت ملاذه، لكنه اليوم رآها بشكل مختلف.. رآها العائق الوحيد أمام حلمه.
اقتربت منه فريدة بلهفة، وأخذت منه حقيبته وهي تقول بحنان:”تأخرت ليه يا حبيبي؟ قلقتني عليك، كلمتك كتير وتليفونك كان مقفول.”
رد ياسر ببرود وجفاء لم تعهده منه، وهو يتجنب النظر في عينيها:”كنت عند أمي، والبطارية فضيت.. مش قصة يعني يا فريدة، وسعي خليني أدخل آخد دش.”
توقفت فريدة مكانها، شعرت ب غصة في حلقها من أسلوبه، فتبعت خطواته وهي تسأل بهدوء:”مالك يا ياسر؟ في حاجة حصلت عند مامتك ضايقتك؟ هي كويسة؟”
التفت إليها فجأة، وصاح بنبرة حادة أفزعتها:”أمي كويسة، وأنا كويس.. أنتي اللي مابتزهقيش؟ أسئلة أسئلة! هو أنا مش هعرف أخد نفسي في البيت ده؟ وبعدين إيه اللبس اللي أنتي لابساه ده؟
“نظرت فريدة إلى ثيابها الجميلة بذهول، وردت وصوتها يرتجف:”لبس إيه؟ ده الفستان اللي كنت بتقول بيخلي شكلي زي القمر.. ياسر، أنت فيك حاجة مش طبيعية، لو في ضيقة مادية أو مشاكل في الشغل قولي، إحنا طول عمرنا بنشيل بعض.”
ضحك ياسر بسخرية وهو يلقي بقميصه على الفراش:”نشيل بعض؟ إحنا هنضحك على بعض يا فريدة؟ السنين بتجري وإحنا محلك سر، لا عيل ولا تيل، والبيت ده ريحته بقت كآبة.. أنا قرفت من القعدة دي، وقرفت من المحاولات اللي مابتخلصش.”
انهمرت دموع فريدة كالشلال، اقتربت منه وأمسكت يده، لكنه نفضها بعنف:”يا ياسر حرام عليك، ده مش ذنبي لوحدي، ده نصيبنا إحنا الاتنين.. وأنا قولتلك لو مش قادر تصبر، يبقى كل واحد يروح لحاله، وأنا مش همنعك تخلف من غيري بس سيبني أعيش حياتي أنا كمان.”
تجمدت ملامح ياسر، وتذكر تحريض أمه (هتطلق وتشوف حياتها وتخلف من غيرك)
فاشتعلت الغيرة العمياء في قلبه مع الأنانية، وقال بصوت خفيض ومرعب:”تطلقي وتخلفي من غيري؟ أنتي شكلك ماصدقتي يا فريدة.. بس تمام، خليكي هنا في البيت ده زي التحفة، لا هطلقك ولا هسيبك تمشي، بس ماتلوميش غير نفسك على اللي جاي.”
تركها غارقة في ذهولها ودخل إلى الحمام، بينما جلست هي على طرف الفراش، تشعر لأول مرة أن الجدران تضيق عليها، وأن الرجل الذي أحبته ١٣ عاماً بدأ يتحول إلى غريب لا تعرفه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!