رواية خيوط الوهم الجزء الثاني 2 بقلم هاجر سلامة خيوط الوهمرواية خيوط الوهم الحلقة الثانية مرت الأسابيع، وكان ياسر قد أتمّ فعلته النكراء؛ تزوج من “شيماء” في الخفاء، وبدأ يقسم وقته بين بيتين، متذرعاً بضغط العمل وسهر الليالي لتعويض الخسائر. أما فريدة، فكانت تذبل كزهرة انقطع عنها الماء، تشعر بأن روح زوجها غادرت جسده، ولم يبقَ لها إلا جفاء المعاملة.
في صباح يومٍ خانق، قررت فريدة الذهاب لزيارة حماتها “عزيزة”، علّها تجد عندها تفسيراً لحال ابنها. دخلت الشقة لتجد عزيزة تجلس والابتسامة تشق وجهها وهي تتحدث في الهاتف، وما إن رأت فريدة حتى تغيرت ملامحها للجمود.قالت فريدة وهي تقبل يدها بأدب:”صباح الخير يا ماما.. طمنيني عنك، يا رب تكوني بخير.” ردت عزيزة وهي تضع هاتفها جانباً بنظرة ذات مغزى:”أنا بخير طول ما ولادي بخير، وطول ما البيت اللي كان مقفول اتفتح وبقى فيه حس.”
قطبت فريدة جبينها بعدم فهم وقالت:”بيت إيه اللي اتفتح يا ماما؟ هو في حاجة أنا معرفهاش؟ ضحكت عزيزة ضحكة صفراء وقامت لتعد القهوة وهي ترمي كلماتها كالقذائف:”قصدي بيت العيلة يا حبيبتي.. أصل الدنيا دي أرزاق، في ناس وشها قدم السعد وبتعمر البيوت، وناس تانية يدوب تاكل وتشرب وتنام والبيت يفضل يصفر وراها.” حبست
فريدة غصتها وقالت بهدوء:”أنا عارفة إنك بتقصديني يا ماما، بس والله ده رزق بإيد ربنا، وياسر عارف إني مش مقصرة معاه في حاجة. “التفتت إليها عزيزة فجأة، واتسعت عيناها بحدة:”مقصرة؟ يا حبيبتي الراجل مش عايز دلع ولا فساتين، الراجل عايز حتة عيل يملى عليه دنيته! وياسر شقي وتعب، وحقه يشوف ضناه قبل ما يفوت الأوان.. والسبع مابيتحبسش في قفص فاضي يا فريدة، السبع بيروح للأرض اللي تدي له طرح.” وقفت فريدة بكرامة
جريح وقالت وصوتها يرتجف:”الأرض اللي تدي له طرح؟ قصدك إيه يا ماما؟ هو ياسر عملها؟ اقتربت منها عزيزة وبمنتهى القسوة همست في أذنها:”ياسر راجل وسيد الرجالة، واللي يعمل مصلحته ميتلامش.. وبكرة لما تشوفي الخير مال البيت، هتعرفي إن نصيحتك كانت عندي من زمان بس أنتي اللي كنتي واخدة حيز على الفاضي.” خرجت فريدة من الشقة والدنيا تدور بها، كلمات حماتها كانت تأكيداً لشكوك تنهش صدرها. وفي ليلة حزينة،
وبينما كان ياسر غارقاً في نومه، اهتز هاتفه بوصول رسائل متتالية. دفعها الفضول لفتحه، لتجد الصدمة التي جمدت الد.ماء في عروقها.. رسائل من “شيماء” تحتوي على صور تجمعهما في أوضاع حميمية، مع عبارة مكتوبة بخبث: “وحشتني يا أبو ولادي، الصور دي عشان تفضل فاكرني لحد ما تجيلي بكرة”.ارتجفت يد فريدة، ومسحت الصور والرسائل بآلية وتلقائية وهي لا تصدق، ثم وضعت الهاتف مكانه وانسحبت من الغرفة بصمت القتىلى.
قررت “فريدة” ألا تنهار، أو على الأقل ألا تنهار الآن. استجمعت شتات نفسها وتحولت إلى طيف يلاحق “ياسر” دون أن يشعر. وفي اليوم التالي، تتبعته بسيارة أجرة وهو يخرج من عمله في وقت مبكر عن المعتاد، ليقودها الطريق إلى حي هادئ، ورأته يدخل بناية سكنية ويفتح الباب بمفتاحه الخاص وكأنه صاحب البيت. عادت إلى منزلها والبرودة تكسو أطرافها، انتظرت عودته في وقت متأخر من الليل.
جلس ياسر على الأريكة بتعب مصطنع، لكنها كانت تقف أمامه كالقضاء المستعجل. بدأت فريدة الحديث بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة:”نورت بيتك يا ياسر.. قصدي بيتك الأولاني، يا ترى البيت التاني أخبار العيشة فيه إيه؟ “تجمد ياسر في مكانه، حاول رسم ملامح الدهشة لكن عيناه فضحتاه، فقال بتلعثم:”بيت إيه وكلام فارغ إيه؟ أنتي شكلك اتجننتي يا فريدة من القعدة لوحدك.”
ضحكت فريدة بمرارة وقالت:”أنا مراقباك يا ياسر.. شوفتك وأنت داخل العمارة اللي في الحي الهادي، ومعاك مفتاح.. وشوفت الصور اللي شيماء بعتتها، ها؟ لسه هتقول تهيؤات؟ عندما أدرك ياسر أن قناعه قد سقط، لم ينحنِ أو يعتذر، بل انتفض وظهر وجهه القبيح الذي أخفاه لسنوات، صرخ في وجهها بقسوة:”أيوه اتجوزت! واتجوزت شيماء.. على الأقل ست بجد، مش زيك شكلك اتغير وبقيتي كئيبة ووشك يقطع الرزق!
أنا قرفت منك ومن المحاولات الفاشلة معاكي، وقرفت من شكلك اللي كل ما أبص له أفتكر إني محروم من العيال.” صدمة فريدة في كلامه عن شكلها كانت أشد من خبر زواجه، ردت بكسرة:”قرفت من شكلي يا ياسر؟ أنا اللي ذبلت عشانك وعشان مصلحتك؟ ده جزاتي؟ اقترب منها ونظرة الاحتقار تملأ عينيه:”جزاتك إنك لو عايزة تطلقي، تطلعي زي ما دخلتي.. تتنازلي عن القايمة والمؤخر وكل مليم، أنا مش هخسر فلوسي وعيالي عشان واحدة زيك. عايزة حريتك؟ ادفعي تمنها.
“نظرت إليه فريدة وكأنها تراه لأول مرة، سقط حبيب الـ ١٣ عاماً من نظرها، وحل محله مسخ غريب. مسحت دموعها بكبرياء وقالت:”هتنازل يا ياسر.. هتنازل عن كل حاجة، عشان أشتري نفسي من واحد زيك.. القايمة والمؤخر فدوة لروحي اللي ضاعت معاك.” لقراءة الفصل التالي : لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية خيوط الوهم)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!