لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السابع والثلاثون
تململت نورين من مكانها مستيقظة ثم اعتدلت شبه جالسة وأراحت شعرها الأشقر المجدول بضفيرة ليكون نهايتها منسدلًا على جانبها وتمتمت بصوتٍ أجش
((ألا زالت ملك تبكي؟))
تقدم مُصعب الذي كان يحمل ملك الصغيرة ويهدهدها ثم جلس على طرف فراش السرير وداعب ابنته يخاطبها من بين قبلاته على وجهها الوردي
((هل أيقظتِ أيتها الشقية أمك من نومها؟))
تربعت نورين بقميص نومها الحريري أمامه ومالت بجذعها نحوه تتناول ملك لترضعها بينما هبطت عينا مُصعب تلقائيًا الى ساقيها المكشوفتين.. فاسترسلت نورين وقد تلاشى تثاؤبها وارتحل نعاسها
((لقد كنت أحلم قبل استيقاظي بأني أسلتم شهادة الدكتوراه وجائزة مالية تقدر بمبلغ محترم منعش كافٍ لاقتناء أحدث السيارات لي ولك، ثم استيقظت على صوت بكاء ملك))
رفع حاجبيه معقبا بمرح وهو يدنو منها
((لم اسمع يوما بأنهم يقدمون جائزة عبارة عن شيك قيم لمن يكمل الدكتوراه!))
ناغشته وهي ترفع يدها الحرة كي تلامس ذقنه غير الحليق
((اعرف، لقد كان حلما سخيفا))
زمّ شفتيه قليلا ثم قال بشيء من الجدية التي اكتنفته
((بمناسبة السيارة الأخرى التي وعدتك أن اشتريها إذا باشرت بالعمل، قد لا اشتريها لأنه هناك أمرًا آخر أفكر فيه))
عقدت حاجبيها ليس لتماطله في أمر شراء السيارة الأخرى إذ أنها لم تبدأ أي عمل بعد كما أنها لا تريد الضغط عليه أبدًا فراتبه كممرض ليس كبيرا وهو لا يحب قطعا مساعدة عائلته المالية، فاجتاحها الفضول متسائلة
((ما هو؟))
ابتسم لها تلك الابتسامة الخاصة التي تلمس قلبها كأنثى وقال ((إنه سر))
رفع سبابته اليمنى يرسم حدود عينيها بالتتابع مفكرا أنه لم يكن يريد أن يثير حماسها على شيء لم يتأكد من إمكانية تنفيذه، عليه الانتظار لأيام أخرى قبل أن يعلمها عنه بعد..
قاطع حوارهما صوت ريحانة الهادر بينما تدلف من غرفة النوم المفتوحة
((هل استيقظت يا نورين!))
أسرت الدهشة وجه نورين وتساءلت لأمها الواقفة أمامها بينما ترتدي مريول المطبخ وتقبض بيدها على الملعقة الخشبية الكبيرة
((أمي متى جئت إلى هنا؟))
عبست ملامحها وعاتبتها برقة
((منذ ما يقارب الساعتين! وأنتِ نائمة هنا وتتركين زوجك يهتم بملك رغم أنه عاد من العمل مرهقا))
سارع مُصعب ينفي سبب سخطها وهو يحرك يده على ظهر صغيرته بعد أنهت نورين رضاعتها وأسندتها عليها
((لا يا عمتي أنا من أصررت عليها بمجرد عودتي أن اهتم بملك لتستريح فهي لم تذق طعم النوم منذ أيام))
وعلى الفور تبدد الحنق من نبرة صوت أمها وملامحها وتجلَّى الحنو والسعادة لتقول بصوتٍ متحشرج بجزيل الشكر له
((حفظكما الله يا بني لبعضكما وأدام عليكم المودة والحب..))
ثم تناولت ملك بحذر من والدتها بمجرد أن غطت في النوم وهمست لنورين منبهة
((إذا كانت تربية ملك تتعبك يا ابنتي كان عليك أخباري حتى أساعدك بدلًا من إرهاق زوجك المسكين الذي يعود من عمله متعبا تماما))
ردت عليها نورين بنفس الهمس الخافت الصريح
((أمي أنا حقا أحب زيارتك ومساعدتك لي، ولكن أخشى أن يتضايق مُصعب أو والدي إذا أكثرت في طلبك لزياراتي لرعاية شؤوني))
اقتنعت ريحانة بكلام ابنتها من جهة ابنها فقط إذ أن زوجها لا يمانع بل يحثها دائما على زيارة ابنته وتبليغ أحَّر التحيات لها، لكن هي تخشى أن تكون ضيفة ثقيلة على زوج ابنتها فربما لا يجد راحته عند تواجدها معهم في البيت! فتمتمت بخفوت ((معك حق))
لكن قاطعها اعتراض مُصعب الحانق بعد أن تناهي إلى سمعهم صوتهما الهامس المسموع
((لا أي حق هذا، أنا أتلهف للوقت الذي تبيتين هنا في بيتنا واستمتع بدلالك لي، ولولا خوفي من عمي لكنت سرقتك منه))
وطالع زوجته يخبرها بخشونة ظاهرية
((إياك أن تخبري حماتي العزيزة بما يجعلها تتردد قبل المجيء هنا، أعيدك أنتَ إلى بيت عائلتك وأبقيها هي هنا من أجلي أنا وملك))
فغرت نورين شفتيها وضربت صدره قائلة بدرامية
((هل بعتني من أنا من أجل أمي يا مُصعب! سأنتقم منك))
وعلى الفور كانت تندفع عليه وتدغدغه بقوة مِمَّا جعله يقول ضاحكا وهو يمسك كلا يديها
((كنت امزح، امزح، خفت أن تأخذ على خاطرها وتحرمنا من المحاشي التي تصنعها ألذ منك))
شهقت ريحانة وسرعان ما قالت بلهفة
((من عيوني يا مُصعب، ساعة وتكون صينية المحاشي جاهزة أمامك))
كان كل ما في مُصعب ينطق بامتنان وتثمينًا لمعروف حماته التي ومن أن عاد الوصال بينهم وهي لا تكف عن القدوم وطهو كل ما لذ وطاب من المأكولات لهم، تدلله هو أكثر من ابنتها دلالاُ لم يتلقاه في بيت عائلته وتحديدا من أبويه حتى! تقدره وتهتم بشأنه حتى اغتر!
انتبهت نورين لشرود مُصعب وتلاشت ابتسامتها وتعابير المرح منها تدريجيا لتتساءل بحزن لما يلمع بعينيه
((هل والدك بخير؟ آخر مرة كانت لا تزال أثار الانهيار واضحة على وجهه وهيئته بعد وفاته رحمه الله))
أومأ مُصعب لها بقلة حيلة لوالده الذي لا زال مفجوعا بخبر الوفاة ثم تمتم
((أبي متأثر بوفاته أكثر منَّا جميعا، أتعرفين؟ مازلت لا أصدق بالذي حدث فجرح وفاة يحي ابن عمي لم يلتئم حتى أصابتنا صاعقة فرد آخر من العائلة.. إن الأمر..))
قاطعته تشدد من ضمَ يديه تحدثه
((هذا الحال الدنيا وقدَّر الله ما شاء فعل))
حاول تمَالك نفسه ودموعه تسبق كلماته
((قدر الله ما شاء فعل.. مازال في ريعان شبابه.. ما زال ألم الصدمة كبير علينا جميعا.. فــ..))
حاولت أن تعانقه للتخفيف عنه وتمنعه من الاسترسال في خوض هذا الأمر
((حبيبي.. ليس بيدنا الاعتراض على قدر الله ولا نملك سوى الترحم عليه))
بدأت تمرر يداها بحنو على ظهره قد التمعت عيناها بالدموع أيضا، ثم ما لبث أن ردد لها
((رحمه الله.. لكن حال أبي يؤلمني فما مر به يهُد الجبال أنا خائف عليه))
ابعدها عن عناقه بلطف كي ينظر لها بعد أن تنهد بعمق وهو يمسك ذراعاها كأنه يستمد منها القوة والصبر.. ثم قبًّل جبينها فسارعت تقبل وجنتيه وتعانقه مرة أخرى
((سيمضي كل شيء وبعون الله ونحن معا سنتخطى ذلك))
فردد عقِبها بامتنان
((الحمد لله أنك معي.. فهذا ما يخفف من وطأة الأمر عليّ))
=============================
فتح مُعاذ حنفية الماء وأخذ يغسل وجهه ويضربه بكفيه للحظاتٍ طويلة قبل أن يشعر أنه قد اكتفى.. ثم وقف ينظر في المرآة إلى وجهه المبلل بتيه.. يتذكر بذهن متحفز ما حدث في ذلك اليوم قبل ستة أشهر..
عندما كاد ابن عمه وليد أن يصيبه بالرصاص وكان على شفا حفرة من ذلك قبل أن تنطلق عدة طلقات من الخلف صُوبت باتجاهه وترديه صريعا في مكانه..
لم يكن هناك أي حاجة لفتح تحقيق عن الحادث وقد ظهر بالكاميرات المحاطة بأسوار السجن ما حدث بالتفصيل كما كان الطبيب زياد شاهدًا على كل شيء حدث منذ البداية..
الأمر فقط أنه صدم عندما عرف هوية المتهم بقتل وليد والسبب الذي دفعه لذلك..
كان يعلم أن وليد كمحامي ليس ذاك الرجل النزيه لكن لم يكن يتوقع أن يصل به الحال لخيانة الأمانة وزج فتاة لا ذنب لها في السجن!
لم يكن يريد لأحد من عائلته خاصة والده معرفة سبب مقتله لكن فقد السيطرة على الأمور من يده وعرف بعض أهل القرية وإخوته وأبيه الذي لم يجد أحدًا ليلومه على ما اقترفه إلا نفسه هو.. لأنه قصَّر بتوجيهه ونصحه بين الحين والآخر..
دلف مُعاذ إلى المجلس حيث يجتمعون جميعا.. ثم صوب نظره نحو وجه والده والخطوط التي رسمت تعاريج الهموم على سحنته.. ذقنه النامية بشدة.. لقد تغير كثيرًا بعد وفاة وليد وغزت ملامح الإرهاق بوجهه فأضافت سنين على سنين من عمره!
غمغم مُصعب بخفوت إذ أن والده لا يجمعهم هنا مؤخرا إلا إذا كان هناك مستجدات في قضية وليد
((أبي، ألم يستطيعوا أن يصلوا إلى الشخص الذي حرّض القاتل على جريمته؟))
عقب مَالك بهدوء مغاير لجبينه المغضن بالضيق
((لقد أمسكوا بالشخص الذي أطلق النار على وليد رحمه الله أما الشخص الذي دفع له وحرضه فما يزال حتى الآن هاربًا من يد العدالة))
شبّك مُؤيد أصابع يديه وقال بخشونة
((إنه حر طليق منذ مدة طويلة بسبب تقاعس الشرطة! حتى لو تسبب وليد بقتل أخت المحرض بعد زجها في السجن، لكن هناك قانون ليأخذ الأمر مجراه، نحن لا نعيش بالغابة لينتقم بهذا الشكل))
رفع مَازن حاجبيه ثم همس بتأنيب
((هل تُلمح للثأر أو ما شابه؟ لأنك لو كنت كذلك يا مُؤيد أنصحك أن تصمت خاصة بعد أن اتضح أن المرحوم كان محاميا عديم الضمير، وساهم في اقتران مهنته بالاحتيال والكذب ولم يكن ذاك المحامي النزيه الهمام في عمله))
لكز مَالك توأمه بقوة مؤنبًا
((لقد قيل، اذكروا محاسن موتاكم فقط))
قطب مُؤيد حاجبيه ولم يكن في الحقيقة يلمح لثأر أو ما شابه.. فنهاية شخص مثل ابن عمه يُسخر مهنته في المحاماة للإضرار بالأشخاص ويخالف شرفها من أجل النفوذ والشهرة لن تكون حسنة! وما فعله في حق موكليه في الماضي من خيانة لهم وللأمانة التي ائتمنوه عليها وتضييع حقوقهم بتسريب خصوصياتهم لخصومهم ليس أمرًا هينًا أبدًا!
كتم يعقوب تنهيدة تعب واستنزاف ثم قال أخيرًا وشعور افتقاد إخوته وأولادهم يجثم فوق صدره
((كيف حال رشا وزوجها؟ ألم تخبر أحدكم إذا ما كانت تفكر بالعودة هنا كزيارة؟))
أجابه مُعاذ بصوته الرخيم المعهود
((سألت أمي قبل أيام عن أخبارها وقالت بالفعل أنها تخطط للعودة كزيارة))
انتابت خمستهم مشاعر فزع عندما قال والدهم بألم غشى نبرته المتحشرجة
((إذا ما حدث شيء لي أوصيكم برشا ابنة عمكم، أحسنوا وأظهروا لها الرفق والعطف، تفقدوا أحوالها من حين لآخر وارعوا شؤونها.. فهي ما تبقت لكم))
أكد مَالك على والده ((من دون أن توصي بذلك، حفظك الله وأدامك فوق رؤوسنا وبعد عمر طويل إن شاء الله))
أومأ يعقوب لأولاده وأطلق زفرة حارة يخفف من ذلك الثقل الذي يرزح فوق صدره قبل أن تحين منه نظرة نحو مُؤيد الذي انكمشت ملامحه قليلا وقال حانقا
((أبي لِم تنظر لي هكذا!؟ أنا أول من حضر زفاف رشا وزوجها وهنأها))
عقب مَازن متهكما بسخرية لا تناسب الموقف
((ولكن ملامحك آنذاك كانت مرعبة كمن تخطط لقتل جميع من حضر))
رمى مُؤيد مَازن بنظرات متوعدة إن لم يتوقف عن مناطحته بالكلام ثم غمغم ببراءة
((أبي لقد تغيرت، ولم أعد كالسابق، هل قلت شيئا عندما عرفت أن أخي مُصعب يستقبل ويزور عائلة زوجته رغم أن في هذا الأمر استهانة لديّة الثأر ولنا، ويسيء لشرف عائلتنا، وسيثير غضب شباب عشيرتنا؟))
زمجر يعقوب لابنه وأوشك أن يخرج عن طور تعقله
((لن يثير غضب أحد لو أغلقت هذه السيرة يا مُؤيد ومحيت أفكار الثأر وشرف العشيرة من عقلك! مُصعب سيزور عائلة زوجته متى ما أراد))
ازدرد مُؤيد ريقه يرى بعيون جاحظة والده يتوعده
((والويل ثم الويل لك لو اعترضت.. مفهوم؟))
احتقن وجه مُؤيد وقال خاضعا
((كما تريد يا أبي))
أخذ يعقوب نفسًا عميقًا وأطلقه وكلمات مُؤيد الرّاضخة له بدون نقاش تُشعره بتغيره فتحدث صدى رضا في أعماقه.. هكذا لو مات سيموت وهو مطمئن عليهم.. لكن ذلك لا يمنع الألم الملازم له والذي يوخز صدره من المعاناة..
شعر بجدران المجلس تطبق على أنفاسه قليلا فتقبضت يده حول الرأس العاجية لعكازه الخشبي الذي صار مرافقا له مؤخرا واتكأ عليه ليعتدل واقفا فتساءل مُعاذ
((إلى أين أنت ذاهب يا أبي؟))
أجاب يعقوب بوقار صوته المتعب متجهًا للخارج فهو يحتاج مسكنا لأوجاعه التي تقتات من خلجات نفسه
((سأتفقد الزرع الذي سقيته فجرا))
أومأ مُعاذ لوالده برأسه وهو يراه يغادر المكان إلى سلوته الوحيدة هذه الأيام ألا وهي المزرعة والعمل بها منذ بزوغ الفجر حتى غروب الشمس..
وقف مُؤيد من مكانه هو الآخر هادرا
((عليّ الذهاب كي نأخذ باسم رفقة زوجتي للمشفى، فحرارته منذ الأمس مرتفعة.. السلام عليكم))
=============================
صفق مُؤيد باب منزله بقدمه بعنف بعد عودتهم من المشفى وقال بامتعاض وهو لا يزال يحمل ابنه النائم
((هؤلاء الأطباء الحمقى بسببهم بقينا في المشفى لساعات نهرول من قاعة لقاعة أخرى.. تحاليل، كشف وأشعة ليتضح في النهاية أن ما داهم باسم مجرد نزلة برد عادية كما توقعت أنا في البداية، أنا الذي لم أفتح كتاب طب بحياتي أفهم أكثر منهم جميعا))
وضع مُؤيد طفله برفق فوق السرير لتمرر رتيل يدها فوق جبينه وتقبله وهي ترد عليه
((هذا لأن حرارته في الأمس كانت غير طبيعية بالنسبة لدور برد))
غير مُؤيد السيرة ومعدته تصدر أصوات الجوع
((رتيل قبل أن تغيري ملابسك ضعي على السفرة أطباق طعام لذيذة من يديك))
عبست ملامح رتيل وطالعته قائلة بحنق
((لا لن أعد شيئًا فأنا متعبة))
اتسعت عينا مُؤيد وهتف باستنكار
((أقول لك جائع وتردين عليّ بـ"لا"! هل تريدين أن أموت جوعًا!))
تغَّضن جبينها بالضيق وغمغمت
((لن تموت من الجوع! أنا متعبة مثلي مثلك بل وأشعر بالإعياء، إذا كان قد أنهكك السير في المشفى قليلا فأنا لم أغفُ ساعة منذ الأمس واضطررت للسهر معه طوال الليل، تشنجت يداي من حمله والدوران به))
غمغم مُؤيد باستياء وحنق
((كل هذا الموشح لأني طلبت الطعام؟))
كتفت يديها وقالت من بين أسنانها بغضب
((بل لأنك لا تقدر مثل هذه المواقف، وإذا كنت لن ترحمني أنا سأرحم نفسي))
بارحت رتيل الغرفة حتى لا يتصاعد صوت نقاشهما فيوقظ باسم فلحقها مُؤيد قائلا بغضب مكبوت
((لقد تغيرت يا رتيل، تغيرت كثيرًا.. أين هي رتيل التي لم تكن ترفض لي طلبا في الماضي، كل النساء يمرضن أولادهن ولا يقصّرن في حق بيوتهن أو أزواجهن شيئا))
استدارت تنظر له هاتفة بإصرار وغيظ
((بل الرجال بحق.. في مثل هذه الظروف الصعبة يساعدن زوجاتهن ولا يحملهن فوق طاقاتهن))
شدّ مُؤيد على نواجذه وهو يراها ترد له كل كلمة..
وهي شعرت بغضبه، لكن هل تأثرت؟ أبدًا بل أشعرها بالاستمتاع.. مُؤيد هذا لا يتغير.. كان عليه بدلا من التفكير بإنهاكها بطلبات بطنه أن يطلب لهم العشاء من أحد المطاعم حتى لو كان لا يحب كثيرا أكلهم!
لم تهتم بعواقب ما قد يفعله، لذا ولجت غرفة نومها تغتسل ثم تخلد للنوم لعدة ساعات تشحن طاقتها وتستعيد حيويتها لباقي اليوم..
أما مُؤيد شتمها في سرّه ثم صوب نظره نحو المطبخ مفكرا بإلحاح بفعل شيء غير تقليدي وغير معهود منه مع رتيل لا سيما فيما بينهما داخل المنزل، والتنازل أمامها قليلا، طالما أنه لا يريد قطعيا أي شيء من المطاعم التي مل منها بعد أن كان مجبرا على مدار سنوات على الطلب منها أثناء فترة مكوثه في المدينة وحيدا.. فوجد نفسه يهتف عاليا
((دارين الحقيني يا بنت للمطبخ))
.
.
بعد ساعات استيقظت رتيل ثم خرجت من الغرفة ناحية المطبخ لتتوقف خطواتها عند عتبته ويأسرها الذهول عندما شاهدت مُؤيد داخله.. حتى أنه قد انتهى من تحضير وجبة عشاء دسمة..
ظلت رتيل على ذهولها بينما دارين تطالع أدوات المطبخ التي استخدمها عمها دون حاجة جاعلا الفوضى تعم المكان كله لتقول أخيرا لرتيل وقد فاض كيلها
((لقد أتعبني عمي من كثرة أسئلته خلال تواجده في المطبخ لأنه لا يعرف أين تضعين أواني الطبخ والخضروات والبهارات..))
نظر مُؤيد لزوجته بفخر متوهج بعينيه وهو يسحب كرسي يدعوها للجلوس حول الطاولة ثم قال شامخا
((سأظل لشهر كامل أذكرك أني من أعددت هذه الوجبة اللذيذة وساعدتك في المطبخ.. هيا فليجلس الجميع..))
تقدمت رتيل وجلست كما طلب منها ثم رفعت شوكتها بتردد وبدأت تمضغ الطعام والنتيجة كانت أن الطعام لم يُطبخ بشكل صحيح.. لكنها تحاملت على نفسها وبلعت اللقمة.. وقبل أن يملأ مُؤيد صحنه نبّه ابنة أخيه بجدية
((إيّاك أن تقولي لأحد يا دارين أني من قمت بتحضير الغذاء، ستتغير نظرتهم لي وسيستخفون بشأني))
قالت دارين ببراءة وهي ترفع حاجبيها
((عمي لا يجب أن تشعر بأي حرج في ذلك، أبي هو من كان يعد الطعام لنفسه أثناء مكوثه في شقته حتى أنه أمهر منى في المطبخ))
لكن النظرة المخيفة في عيني عمها لو أفشت السر جعلتها تنفخ وجنتيها بحنق تعده أنها لن تفعل..
تلاشت علامات الفخر لدى مُؤيد فجأة بينما يسأل بتشكك ابنه الذي انضم إليهم بوجهه المكفهر
((كيف هو الأكل يا فهد؟))
ردّ فهد بعبوس
((آكله فقط لإحساسي بالجوع يا أبى))
وبّخه مُؤيد هاتفا
((كُلْ إذن.. فقط حاول أن ترخي سحنة وجهك))
رفعت رتيل وجهها لزوجها مُصرة أن تجامله قليلًا
((إنه لذيذ جدًّا يا مُؤيد كأنك شيف خبير، عندما تصر على فعل شيء وتركز به فأنك تبدع حقا))
وبدأت تأكل من طبقها بنهم حقيقي ليس لأنها تحتضر من الجوع فقط بل لأنها وجدت ما فعله شيئا مثيرا ومتفردا بالنسبة لها.. كأنه أراد أن يتواصل معها بمثل هذه المحاولات الرجولية المبتدئة لا تلك الذكورية المنفرة.. إذ أن شخصا مثل مُؤيد نشأ بفكر ذكوري وتشبع بعادات وتقاليد بالية يعتبر أن مساعدة الزوجة في أعمال البيت، ولو على سبيل المجاملة والتقدير شيئا مُخجل لا يصح أن يحدث، متناسيا أن الزواج شراكة ومسئوليات يتم تشاركها بين الطرفين بتوازن..
انكمشت ملامح مُؤيد عندما ابتلع أول لقمة من الطعام اللاذع الذي صنعه.. لكن كبريائه المتعنت منعه من التوقف عن الأكل، ليأكل نصف ما أعده على الأقل..
وكان يسترق النظر بين الوقت والآخر إلى زوجته مستغربًا ومتسائلا كيف تأكل من هذا الطعام غير الصالح للأكل بهذا النهم وشهية دون استياء!
=============================
في منزل أحد أخوال شيرين.. في المطبخ..
عقصت شيرين شعرها الأسود الجميل في لفة عملية فوق رأسها بينما تقوم بتنظيف المطبخ وغسل الأواني الخاصة بالوليمة الكبيرة التي أقيمت اليوم لخطبة ابن خالها.. وكل ما فيها مرهقا من الأعمال المنزلية المتواصلة.. ولكنه إرهاق من نوعٍ مختلف.. إرهاق انشغالٍ وإرهاق حياة..
غامت عينيها قليلا تنتشلها من الواقع إلى الماضي..
لم تبقَ بالسجن إلا ما يقل عن ستة أشهر لكن عندما خرجت شعرت كأنها ترى الحياة للمرة الأولى في حياتها.. كطفل صغير مندهش يزور مكانًا جديدًا ويتعرف على ما حوله..
أول خطوة لها خارج السجن كانت كشهيق أعاد الحياة لروحها كأنها لم تكن تتنفس سابقا.. حتى ضوضاء الشارع وأصوات المارة بدا وكأنها أول مرة تسمعها، حتى تساءلت إذا ما كانت صماء قبل خروجها أم لا..
والآن ها هي تعيش أيامها بعد إثبات براءتها وخروجها من السجن رتيبة مملة بدون جديد.. إلا من أيام قليلة تستيقظ فيها فزعة خائفة من أن يكون خروجها من السجن مجرد حلم.. ويا للبهجة التي تسكن قلبها عندما تطمئن أن الحلم واقع.. رغم أن حياتها الآن ليست بأفضل حال عن قبل، وأخوالها يجبرونها على العيش في بيت أحدهم في القرية بعيدا عن المدينة وعملها هناك... لكنها على الأقل تمضي في الحياة تدفع نفسها لها بكل ما تطرحه من دروس عليها ولغيرها..
ضج رنين هاتفها فسارعت شيرين تغسل يديها ثم تمسحهما على جانبي ثوبها في حركة سريعة بعدها تضغط زر الاتصال ليأتيها صوت سهر فجأة
((لقد اشتقت لك يا شيري، ألا يمكن أن نخرج في وقت ما قريبا؟))
عبست شيرين وردت عليها آسفة
((من المستحيل أن يقبل خالي الذي أقيم حاليا عنده الخروج من البيت، يقول إذا أردتِ رؤية صديقتك اطلبي منها هي القدوم عندك، أبي رحمه الله لم يتحكم يومًا في صباي بخروجاتي ليأتي خالي الآن يفعل ذلك وأنا في الثلاثينات من عمري!))
اعترضت سهر حانقة بغيظ
((ما سر هذا التزمت عندهم!؟ منذ إطلاق سراحك وهم يجمعون على عدم السماح لك بالعيش عندي أو العمل خارج المنزل!))
زفرت شيرين عدة أنفاس كانت تجيش بصدرها واحتجت
((وماذا بوسعي أن أفعل!؟ إذا اعترضت يذكروني بالسّجن الذي دخلته بسبب عدم طاعتهم في الماضي بخصوص ترك العمل والعيش عندهم في القرية..))
تنهدت تنهيدة استمعت لها الأخرى بأسى ثم أكملت كمن يفرغ شحنات سلبية من داخلها
((بعُرْف أخوالي وغالبية المجتمع هنا، إذا أخطأ الذكر فلا يُعاب فعله مهما كان حجم الضرر ويمضي قدما في حياته بحجة أنه رجل ولا يسيء ذلك له بل يضيف لسيرة تجاربه الحافلة بالإنجازات، أما إذا أخطأت الأنثى فهذا يؤكد بأنها كائن قاصر يجب أن تُفرض القيود عليها والسيطرة على شؤون حياتها الى آخر عمرها حتى لا تتعرض للمتاعب مجددا، وكأنها ليست مخلوقة بإرادة حرة مستقلة وبعقل مساوٍ تمامًا لعقل الرجل))
اشتد بؤس شيرين وعبوسها من تزمت أخوالها وكأنه لا يكفيها الأشهر التي أضاعتها داخل السجن.. إذ أنها خرجت منه وهي في سباق مع الزمن لتحصيل كل ما فاتها بداخله وإدراكه والاستفهام عن كل الأخبار والأحداث والمناسبات التي لم تعايشها..
حلَّ صمت بائس بينهما قبل أن تكسره سهر قائلة بإحباط
((لا أدري ماذا أقول لك، ربما عليك الانتظار أكثر قبل أن تناقشيهم بشأن وضعك هذا فليس من المنطقي أن تغادري من حبس إلى حبس جديد..))
ثم صمتت سهر قليلا لتتساءل
((المهم ماذا كنت أريد أن أسألك..))
تغضن جبين شيرين باستغراب لتكمل سهر بخبث وببهجة مُعدية
((آه.. هل ما زال سيادة الرائد يتواصل معك؟))
كسا الاحمرار وجه شيرين بمباغتة وبدأ قلبها بالخفقان بجنون واشتياق عجيب لذاك الرائد الذي يؤرق لياليها منذ خروجها من السجن..
التفتت شيرين تطالع باب المطبخ قبل أن تهرول إلى غرفتها وتغلق الباب خلفها كمراهقة تخشى أن يسمع أحد أو يعرف بحبها السري..
عادت ترفع الهاتف إلى أذنها وتقول بصوتٍ حالم
((نعم يزور خالي الذي أمكث عنده من وقت لآخر ويسألني عن حالي من خلال الرسائل الهاتفية ومن خلالها يستعجلني الموافقة عليه وإلا سيفتح موضوع زواجنا أمام أخوالي دون الرجوع لي))
هتفت سهر بتأكيد ولهفة
((إنه محق، لم يبقَ من العمر شيء، وافقي عليه وتزوجا وحسب))
تنهدت شيرين وقالت وأصابعها تتلاعب بخصلات شعرها تفرغ من توترها
((سهر أنا حقا لا أدَّعي أو اصطنع تمنعي، ولكن أشعر أنه يستحق من هي أفضل مني..))
هتفت بها سهر بغيظ يلتهمها
((وما همك أنت فيه؟ إنه رجل عاقل وبالغ وقد اختارك أنتِ لتكوني شريكة عمره، ومصر عليك لذا وافقي على عرض زواجه لعلك تنسين كل تلك الأيام البائسة التي عشتيها مع وليد..))
انتاب جسد شيرين رعشة قوية عند ذكر ذلك الاسم البغيض على قلبها فردعتها بوجه محتقن
((لا تجلبي لي سيرته! ألا مجال لأخلص منه حيا أو ميتا!))
أنَّبت سهر نفسها لتسببها بامتعاض صديقتها ثم همست
((أنا آسفة، لم أقصد، لقد مات وعلينا نسيانه))
غمغمت شيرين بصوتٍ متحشرج
((معك حق عند الله تجتمع الخصوم، أما الآن فأنا أحاول أن أنساه كليا وما عشته معه..))
أطلقت سهر نفسا طويلا ثم عادت تخفف عنها
((جيد.. الآن قولي لي بكل صراحة ما رأي قلبك وعقلك بالرائد؟ هل تجدين من المنطقي تضييع رجل مثله بعد كل ما فعله من أجلك في أحلك أيامك؟))
طافت قناديل الحنين في عيني شيرين لتتلاشى ظلمة مواجعها وبؤسها تدريجيا.. تقدمت بخطوات بطيئة نحو خزانتها تفتحها، ثم تخرج من بين ملابسها المطوية منديل مُعاذ المشبع بعطر رجولي يسرق منها الأنفاس.. مُعاذ كان الوحيد من بين الجميع من وقف الى جانبها في أكثر أيامها حاجة للمساعدة وسندًا..
امتلأت نظراتها بالشجن وهي ترد بعاطفة صادقة
((رأيي فيه أني مهما أنكرت وتمنعت فأني أحبه بجنون، أراه في أحلامي، لا يغيب عن بالي، وأشعر أيضا بما يُقاسيه، وهو أيضا يشعر بي وبما أعانيه..))
بترت شيرين كلامها وهي ترخي أجفانها لتردف وتضع كف يدها دون أن تترك أصابعها منديله، على صدرها تتحس قلبها الصاخب لمجرد ذكره
((هل سأحسن القرار عندما أختاره شريكا لحياتي؟ أنا خائفة قليلا من عائلته ورفضهم، لا أريد أن أدخل مثل هكذا دوامة.. مجددا))
تنهدت شيرين بعمق الحب الذي تكنه في الخفاء لمحبها، قربت المنديل بعطره المسكر لأنفها لتستنشق منه مجددا وقلبها يعلن استسلامها..
انتشلتها سهر من توهانها الغارقة فيه لتقول بحزم
((شيرين لن أكثر الكلام.. استخيري فقط ليطمئن قلبك وسييسر الله أمرك معه للخير..))
فتحت شيرين شفتيها لترد لكن طُرق باب غرفتها قبل أن يتحرك مقبض الباب فسرت رجفة على طول ظهرها إذ أن هذا الصوت يعيد بذاكرتها ما عايشته أثناء تواجدها بالسجن، كصوت فتح الأبواب الذي يميز بداية اليوم كان من الأمور التي عجزت أن تنساها بعد خروجها من السجن.. بل حتى الحديد والفولاذ في الأبواب والنوافذ تصيبها بحالة نفسية مؤرقة..
فقالت لها سهر على عجل
((يبدو أنك مشغولة الآن، سأغلق وأتصل بك لاحقا لأحقق معك بشأن الرائد وما يخص علاقتكما))
أغلقت شيرين هاتفها وخزانتها ثم سمحت للطارق بالدخول ليظهر خالها ويقول بغلاظة
((ماذا تفعلين في غرفتك إلى الآن؟ اذهبي وساعدي زوجتي في تنظيف المطبخ))
ابتسمت شيرين لخالها وكانت تهم بالمغادرة طائعة لكنه أمسك مرفقها يوقفها، فرفعت وجهها بتساؤل له.. ليتنحنح قبل أن يقول بخشونة
((سيادة الرائد كان حاضرا للوليمة التي أقمتها اليوم، هل تعرفين؟))
تغير طفيف اتضح على شيرين وشبح ابتسامة طاف على شفتيها.. نعم كانت تعرف ذلك فمُعاذ أخبرها برسالة قبل حضوره، وربما هذا ما جعلها تنهمك بكل سرور في مساعدة زوجة خالها في إعداد الطعام بل وتقترح عليها إعداد أكله مفضلة عند مُعاذ كما أخبرها في الأوقات الجميلة التي جمعتهما في السجن..
هزَّت شيرين رأسها تقطع تدافع هذه الذكريات وتعود للحاضر ثم قالت وهي تخفي ارتباكها أمام خالها
((حقا!؟ هذا جيد))
لوى خالها فمه بخشونة وقال بامتعاض
((كالعادة زيارة عادية، إلى الآن لم يبح إن كان يفكر بطلب يدك مجددا، أعرف أنه لم يمضِ على وفاة ابن عمه المغضوب عليه إلا ستة أشهر، لكن لا داعي لكل هذه المماطلة، عليه أن يكون واضحا، هل يريدك أم لا؟))
دلفت زوجة الخال غرفة شيرين فجأة معقبة باستياء وقد تناهى إلى سمعها آخر حديث زوجها
((هذا الرائد سقط من عيني منذ أول مرة طلبها منكَ ومن إخوتك ثم تراجع بآخر اللحظات عن الزواج..))
احتقن وجه شيرين قليلا بضيق بينما تفتح زوجة خالها يديها بحسرة وإشفاق عليها
((المشكلة أن ابنة أختك لا يأتيها خطاب رغم جمالها ومالها الكثير الذي تملكه))
رفع خال شيرين حاجبيه فجأة وفكرة مباغتة تداهم تفكيره قبل أن يقول لزوجته مقترحا
((بما أن الرائد ذاك لا يبدو جادا ولا خير يُرجى منه لطلب يدها مجددا، أفكر في سحب أموالها من البنك وشراء محل صغير لها هنا وأسجله باسمها ثم أشيع في كل القرية هذا الأمر، وحينها سيتهافت عليها الخطاب من كل حدب وصوب، فالمرأة تنكح لمالها.. أليس كذلك؟))
تجمّدت حواس شيرين وجحظت عيناها لتتمتم بذهول
((ربَّاه متى ينتهي هذا الذل الذي أعيشه!؟))
=============================
تقدمت تمارا من ابنتها متسائلة بفضول
((أي رائد هذا الذي كنت تتحدثين عنه مع شيرين؟ هل هو نفس الرائد الذي تنحدر أصوله من نفس قريتها؟))
تألقت ابتسامة على وجه سهر مجيبة
((نعم يا أمي، ربما يتقدم لها قريبا))
زمّت تمارا شفتيها مطولا لتقول
((وهل إذا تزوجته ستعيش هناك في القرية طوال حياتها؟ ألن يكون له تأثير سلبي على عملها ومستقبلها؟))
قطبت سهر حاجبيها وقالت
((أمي القرى لم تعد بالمعنى المعروف لكلمة القرى، بل أصبحت أشبه بالمدن الصغيرة بعد التطور الذي غزا الجميع في كل مكان، معظم أهلها نالوا نصيبًا كبيرًا من التعليم.. المهم هو شخصية المتقدم لها وعائلته، وصدقًا أنا لا أجد أفضل منه لشيرين))
تناولت سهر حقيبتها وتفقدت نفسها في المرآة تعيد ترتيب زينة وجهها مرة أخرى لتسألها تمارا
((هل ستغادرين الآن؟))
قالت سهر دون أن تنحسر ابتسامتها
((نعم الآن موعد عودة قُصي من عمله.. إلى اللقاء يا أمي))
غادرت سهر بيت عائلتها لتغمض تمارا عينيها محاولة تذكر آخر تمرينات رياضة اليوجا التي تمارسها لتتحكم بحسرتها وقهرها على نصيب ابنتها ثم أطلقت نفسا مرتجفا.. لكن عند آخر وهلة لم تتمَالك نفسها لتبدأ بشتم قصي ومن دلَّه عليهم!
لو لم يتزوج ذاك الكاذب الذي لا فائدة من اسم عائلته من ابنتها لكانت متزوجة من صهر غني آخر..
.
.
عندما وصلت سهر لمنزلها بدأت الشمس تغرب والليل يسدل ستاره.. وأنوار المدينة تشع من بعيد بمشهد بديع.. بدت السماء رائعة وهي تتلألأ بالألوان البرونزية المتألقة تكتسح صالة بيت سهر المليئة بالنوافذ الزجاجية الكبيرة، لتسقط بأشعتها اللامعة على قصي المتمدد فوق الأريكة لتبدو بشرته مذهبة كرجل قادم من عمق الماضي..
أغلقت سهر الباب خلفها وتقدمت منه لتراه ينام بعمق يعبر عن تعبه وإنهاكه، بدليل أنه لم يستحم أو يغير ملابسه قبل أن ينال قسطا من الراحة.. إذ أنه يخرج من الصباح الباكر متجها إلى عمله بنقل المواد الإنشائية من موقع إلى آخر حسب تعليمات المقاول ومعلم البناء دون أن تمنعه أشعة شمس الصيف الحارقة من أداء واجبه..
رنين انطلق من هاتف قصي الموضوع بالقرب منه معلنا بإزعاج أن فترة القيلولة التي ينعم بها قد ولت، وحان موعد اصطحابه سهر لإحدى الأماكن الترفيهية التي وعدها أن يزوراها سويا منذ وقت طويل لم يفي بوعده لها حتى الآن..
رفرف بعينيه متأوها بتعب قبل أن يرفع يده فوق وجهه يتفادى تلك الأشعة الساقطة عليه وتقلق رؤيته..
فسارعت سهر تغلق الستائر وهي تقول
((لا بأس عليك حبيبي عد إلى النوم..))
تمطى مكانه بكسل وقال بصوتٍ أجش من أثر النعاس
((لا، سأستحم وأغير ملابسي لنخرج الآن للمكان الذي وعدتك بزيارته))
ردت عليه بحزم رقيق
((ولكنك تبدو متعبا كثيرًا، ليس مهما خروجنا.. دعنا نؤجله ليوم آخر))
استوى جالسا قائلا بإجهاد وهو يمسد جبينه
((كل يوم أعود متعبا، إذا لم أذهب بك الآن لن أذهب لاحقا))
كان مستاء جدًّا من نفسه فهو أكد لها بأنه سيبقى معها كما كان قبل الزواج وسيخرجها كل يوم ليحظيا بوقت ممتع، إلا أنه منذ ما يزيد عن الشهر يعجز عن إيجاد وقتا للخروج لمكان بسيط.. وسهر تظل تؤكد عليه بأنها لا تمانع من تأجيل هذا الخروج إلى وقت أخر حتى لو بعد أشهر أخرى فهو يبدو متعبا جدًّا الآن من عمله في نقل المواد الإنشائية الذي يتطلب جهد بدني وقدرة تحمل وصبر كبيرين..
ابتسم لتفهمها ورفع يديه لها يدعوها لعناقه فاندفعت نحوه وهي تحيط ذراعيها حوله كالعائد من غربته يقوده الحنين!
ابتعدت سهر عنه فأراد رفع جذعه والاستقامة واقفا إلا أنه تأوه بألم جعله يسقط جالسا لتسارع سؤاله بحنق يداري قلقها عليه
((ألم تجد للآن وظيفة أخرى أفضل من هذه؟ عليك تركها عاجلا فقد تسبب لك مشاكل صحية عدة))
أجابها بوجه مكفهر
((أمي أيضا تخبرني مرارا أن أترك العمل هناك وأعمل بجانب أخي كموظف في الفرع الآخر لشركة القاني، ولكن نفسيا لم أعد أطيق العمل في مكان تابع لعمي، لذا عليّ أن أبقى ممتهنا لعملي الحالي لأنه أكثر وظيفة ستدر عليّ دخلا جيدا رغم مشَّقته))
كان الأمر مؤذي نفسيا لقصي أكثر مِمَّا تتصور سهر، حقا لن تتقبل أن يعمل أبدًا في مكان تابع لعمه أو من وساطته.. وفي نفس الوقت كبريائه لا يسمح له أن يستجيب لمطالب حماه الملحة السيد فايد في العمل عنده، خشية أن تساور ذرة شكَّ لدى سهر أو أمها من أن تقرّبه منها كان لأجل المال أو الارتقاء بنفسه!
مررت سهر أناملها الرشيقة بشعره تداعبه وتساءلت
((المهم هل تحرص على اتخاذ إجراءًت الوقاية والأمن في عملك؟))
أجابها مطمئنا إياها
((لا تقلقي أنا حريص على ذلك، لكن أخبريني كيف كان يومك؟ هل قضيت وقتا طيبا عند أمك؟))
رفعت سهر نظراتها لعينيه البنيتين التي تذوب حبا وهياما فيهما.. محظوظة هي بإنسان مثله لا يفشل في إيجاد الكلمات المناسبة لترجمة مشاعره الجميلة وإظهار اهتمامه بها وبأبسط تفاصيلها الصغيرة، وطريقة إمضائها الوقت، والرغبة الواضحة بالإصغاء لها إضافةً لسؤالها عن الأشياء التي ترغب بالحصول عليها، أو التي يمكن أن يفعلها من أجلها..
غابت ابتسامتها ووجدت نفسها تنتفض حبا مقترحة
((قصي ما رأيك أن أدعوك إلى صالوني الاستثنائي؟))
تراجع وجه قصي للخلف باستنكار ثم قال متهكما
((لا شكرا لك، فصالونات الحلاقة الرجالية موجودة بكل مكان))
عبست بدلال ثم احتضنت وجهه بيديها الناعمتين معترضة
((تلك الصالونات باهتة، لكن في صالوني سأقدم لك رفاهية ودلال لم تحلم بهما وستكون زبونًا دائمًا عندي))
همهم قصي مُدعيا التفكير ثم رفع يدها لثغره يلثمها قائلًا
((سيكون مثيرا للاهتمام تجربة هذه الأيادي الناعمة عوضا عن أيادي الحلاق، لذا أنا موافق))
أشرق وجهها بسعادة وسارعت تجهز كل ما قد تحتاجه.. فعادت مع الكثير من المستحضرات الخاصة بالبشرة وأدوات الحلاقة.. والمناشف النظيفة.. وعطوره المفضلة..
وفي غرفة نومهما الحميمية جعلت الإضاءة هادئة وأشعلت الشموع ثم حثته أن يتمدد على أريكة مريحة..
رفعت شعره عن جبينه بينما يأتيها سؤاله المستغرب
((ما الذي ستفعلينه؟))
ردت عليه بحماس ملهوف
((جهزت بخار الوجه لك))
عبس قصي بشدة وقال منسحبا
((لا بالتأكيد أنتِ تمازحينني، أنا لست شيرين يا سهر))
كان يهم بالابتعاد عندما أعادته بقوة ليتوسد الأريكة وتتوسل له بنعومة
((فقط استرخي يا قصي وثق بي، بشرتك تتعرض للشمس لساعات طويلة))
استسلم لها وهو يعود مكانه متمنيا حقا ألا يندم لتسليمها نفسه.. مالت سهر إلى أذنه هامسة بدلال فياض
((صدقني لن تندم))
غامت عيناه بانبهار بهذه الأنثى الجميلة التي تكون زوجته.. لف ذراعه حول خصرها ليجتذبها هامسا
((تبا لحلاوتكِ هذه يا باربي))
أطلقت ضحكة ناعمة قبل أن تجذب رأسه لترتاح على حجرها..
وضعت زيت اللافندر على يديها لتستنشق منه حواسه بينما هي تمسد وجهه.. تمتمت له بنبرة رقيقة
((شعر ذقنك نابت وإذا لم أمسده بطريقة عكسية قد أتسبب بجرحك))
كانت تمرر أصابعها الناعمة على كامل وجهه بلطفِ العالم أجمع وتدلكه بحركات دائرية.. بخفة.. ونعومة..
غسلت وجهه ثم وضعت إسفنجة بماء الورد المثلج الممتلئ بورود الجوري.. بعدها مررت يداها الناعمتين بحركة حرة من رقبته إلى كتفيه ثم عضلات ظهره بضغطات منتظمة خبيرة بجسده تحفظ كل خط فيه وتدرك مواضع ألمه الناتج من عمله تماما..
استرخت أعصاب قصي المشدودة أكثر مستمتعا برضا..
استمر الأمر لدقائق حتى شعرت بانتظام أنفاسه فاستشعرت نومه وهي تقول بخفوت رقيق
((قصي؟ هل أنتَ مستيقظ؟ لم أحلق ذقنك حتى!))
هدأت حركة يديها حتى لا توقظه رغم انفطار قلبها لخلوده للنوم من شدة إرهاقه من عمله قبل أن تعد له الطعام.. فقبلت خده بقبلة دافئة أودعت بها كامل أشواقها وفيض عشقها قبل أن تدثره وتتركه يهنأ بعميق نومه..
=============================
في حديقة القصر..
بين نسائم الصباح المنعشة وصوت اهتزاز الأرجوحة التي تتأرجح بها هدى سعادة فاقت سعادتها عندما أقامها مَازن لها كمفاجأة، انتشله صوت ياسمين القادم
((أعددت لكما مشروب قمر الدين يا قمراي))
توجهت خضرة عينا مَازن رادًا بجزيل الامتنان
((هذا حقا ما أردته قبل ذهابي للعمل))
بدأ يتجرع المشروب بظمأ له فعقدت هدى حاجبيها بشدة وهي تقول حانقة بطفولية
((أبي.. هل ستذهب الآن للعمل؟ أرجوك لا تفعل وشاركني اللعب قليلا، لم أعد أراك كثيرًا مؤخرا))
وضع مَازن الكأس جانبا ثم قال وهو يشد وجنتيّ صغيرته المتوردتين بأصابعه
((أضحت نوبتي في توصيل الطلبات تبدأ بعد عودتك من المدرسة، فصار من الصعب رؤيتك كثيرا، أحاول بجد البحث عن عمل آخر ولو نجحت في المقابلة المقررة وتم تعييني في تلك الشركة الكبيرة، سيتحسن وضعنا ماديًا ومعنويا))
مررت ياسمين يدها فوق ذراع مَازن برفق قبل أن تقول بنبرة خافتة
((أشعر أنه سيتم قبولك فيها فقد اجتهدت في التحضير لها، لم أراك تتعامل بهذه الطريقة مع شيء كما فعلت معها، صدقا أنا متفائلة خيرًا بهذًا))
التقت عينا مَازن بعيني زوجته بمراوغة وقد طل منهما بريق وشريط خيال لم يستطع منعه عن ليلتهما في الأمس ويراوده كلما أرادها لنفسه بعبث محبب لقلبها.. لكنها رمقته محذرة للحظة أنه ليس من المناسب أن يشاكسها أمام ابنته
((مَازن.. !!))
فيرد بعفوية ممازحا
((ماذا؟ هل فعلت أمرًا خاطئًا))
ثم لم تلبث أن ضحكت رغمًا عنها وهي تشيح بوهن وجهها عنه عندما يصر على شقاوته.. فتهز رأسها بيأس منه، لن يتغير أبدًا..
لا يفشل في إضحاكها أبدًا فيزيد من توهج جذوة حبها له في قلبها الذي بدأ يتعلم أبجدياته على يديه يوما بعد يوم..
انتشلهما صوت هدى من عالمهما وهي تقول
((بابا عانقني))
حمل مَازن قطعة روحه يحضنها فتتساءل بشقاوة
((متى سنزور خالي مجيد؟ لقد اشتقت له))
ربت مَازن فوق شعر ابنته مؤكدا
((سنزوره قريبا فقد اشتاقت أمك لأخيها أيضًا))
عبست ملامح هدى بطفولية فجأة لتقول لوالدها ببراءة
((بابا أتعرف؟ اليوم قالت صديقتي لي أني ثقيلة الظل))
اصطنع مَازن الاستهجان وقال باستياء
((بئس الصديقة هذه! كم من مرة أيقظتني بعد منتصف الليل لأعيد تضفير شعرك أو لأبحث لك عن منامة تلائم لون الغطاء حتى تستطيعي النوم ولم أقل ذلك عنك!))
ثم قبل وجنتاها يحفزها
((إنها تحسدك لا أكثر، أكيد لأنك تفوقينها ذكاءً وجمالًا مثل والدك))
ثم ما لبث يناغشها فتعالت ضحكاتهما معا..
حدقت ياسمين نحو قمراها فيبدوان كلوحة لها تأسرها من كم الحب الذي يتجلى أمامها فتهتز لها مشاعرها بحيرة.. ما أجمل علاقتهما سويًا.. وما أجمله هو كأب يعرف كيف يراعي تفاصيل صغيرته وطلباتها التي لا تنتهي ويتحلى بالصبر بمعاملته لها ومع بكائها لأتفه الأسباب.. يصالحها بعد كل خصام مفتعل بينهما.. يجلب لها هدايا صبيانية تلامس قلبها..
جفلت فجأة لتناظر ساعة يدها وتدرك أن الوقت قد حان لمغادرة مَازن لعمله فسارعت تحث ابنتها على النزول من حضنه قائلة
((هيا هدى.. اذهبي حبيبتي للمذاكرة))
ردت هدى بلهفة وهي تقفز من أحضان أبيها
((بل سأذهب الآن للعب مع عبد الله، خالة سمية تسمح لي بحمله ومساعدتها في إطعامه))
ثم تطلعت لوالدها تقول متمنية
((ليت أمي تجلب رضيعا مثله لأتسلى به))
ناكفها مَازن قائلًا
((الأطفال الرضع يا ابنة أبيك ليسوا دمى))
ضيقت هدى عينيها كمن تناقش نفسها وتفكر إذا ما كان عليها البوح به قبل أن تحسم أمرها وتطلب من أبيها أن يميل نحوها هامسة بسريّةَّ
((أبي أظن أن خالة سمية حُبلى بطفل آخر، سمعتها تقول ذلك مع عمة رتيل على الهاتف ولكن لا تخبر أحدا حتى لا يظنوا أني أفشي الأسرار))
أصابت الدهشة مَازن للحظات قبل أن تنفرج عنه ضحكة غير مصدقة ليتمتم
((إذا استمرت زوجة أخي على هذا الحال سيكون عند أخي فريق كرة قدم بحلول أعوام قليلة))
رفعت ياسمين إحدى حاجبيها وقالت بنبرة ذات مغزى
((إنجاب الأطفال رائع، لكن تذكر عليك مسؤولية حمايتهم، وحسن تربيتهم وهو الأمر الأهم من إنجابهم، هل أنت مستعد لهم!؟))
قطب مَازن حاجبيه من مقصدها المبهم فهزت ياسمين كتفيها وقالت
((لا تنظر لي بهذا الشكل يا قمر الدين، لا يمكنك أن تنعم بلقب أب بالمجان، ولا يمكنك أن تطالبني بطفل ثاني إذا لم تكن لديك نية بالاهتمام به))
ضرب مَازن يده على صدره بقوة وقال بجدية تكتنفه
((صدقيني أنا بأكثر فترات عمري مسؤولية، فقط انجبي طفلا أخر لنا إن لم يكن من أجلي فمن أجل هدى))
مسك بيداها وقد توهج الصدق فيما يقوله
((ياسو حبيبتي، أتعهد أمامك أني سأساعدك بكل ما يتعلق بتربيته، وسأكون رجلا أكثر مسؤولية من قبل تجاهكم.. ها؟ ما رأيك؟))
هزت ياسمين رأسها كمن تدرس عرضه ثم تساءلت
((حسنًا.. إذن متى تريد بالضبط أن نجلب أخا أو أختا لهدى؟))
تجلت علامات الشقاوة المتأصلة بملامحه وهمس لها بنبرة خاصة وهو يرتشف ملامحها البهية بعطش وشوق
((في أقرب فرصة، بعد عودتي من العمل مباشرة.. الليلة))
قربت ياسمين يدها بلا شعور نحو بطنها الذي يحمل بالفعل داخل أحشائه جنينا..
لقد سرى هذا الحديث بينهما قبل قليل لمصلحتها فهي تريده أن يظن أنه من طالب بهذا الطفل ومن كان قراره حتى يتحمل مسؤوليته أكثر ولا يفكر بالتنصل منها كما فعل مع هدى في البداية.. إذ أنها لا تنكر ذنبها بعدم تقريب هدى من والدها أثناء غربته لكنه لم يكن يكلف نفسه أي جهد للسؤال عنها..
إذن.. متى عليها أن تخبره بحملها؟ أم تتركه فقط يلاحظ مع الوقت بروز بطنها ليستنتج بنفسه!
فرقع مَازن أصابعه ينتشل ياسمين من شرودها يهم بالمغادرة متسائلا
((هل أحضر لك شيئا أثناء عودتي؟))
قالت ياسمين له مبتسمة بدفء
((سأذهب إلى زيارة الجارة، فقد أخبرتني بعد أن انتهت من تعليمي آخر ما يخص عملها بالخياطة أني مؤهلة للعمل معها بمتجرها الذي تعرض به موديلات خياطتها))
قطب مَازن حاجبيه محذرا
((ياسو حبيبتي.. بالمناسبة لقد أخبرتني أمي عن امتعاضها من زياراتك المتزايدة للجارة، فلم أجد بدا من الاعتراف لها عن نيتك للعمل معها بالخياطة لا لمجرد احتساء فنجان قهوة فانفجرت عليّ غضبًا، لذا حاولي أن تتجنبي أمي ولا تريها وجهك هذه الأيام))
امتعضت ياسمين من كلامه لكن بداخلها هي راضية طالما مَازن يدعمها ويؤيدها فودعته مبتسمة تتمنى له التوفيق.. المهم أن أمورها تتحسن مع مَازن والباقي لن يؤثر في حياتها..
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!