لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السابع
تغضنت ملامح سهر بتوجس وهي تسأل معاذ بجدية لا تحمل تروي
((لماذا ركنت السيارة أمام الفندق؟ ألا يجب أن نذهب للمحكمة أولًا؟))
صوت سهر المستفزّ لأعصابه كما وجودها الآن بينهما جعله يستدير نصف استدارة للخلف لهما يقول
((هل يمكن يا سهر أن تتركينا أنا وشيرين نتحدث لدقيقة واحدة هنا منفردين؟))
توترت شيرين أكثر وهي تنصت لكلامه.. لكن قالت سهر بشيء من الانفعال وقد شعرت بخطب ما
((لا أريد.. أنا صديقتها المفضلة والمقربة.. شيرين ستخبرني ما ستقوله لها حرفيًا فاختصر على نفسك وتحدث أمامي، لماذا توقفت هنا؟))
نظر مُعاذ حوله قليلًا بانضباط انفعالي ثم أغمض عينيه مستعيذًا من الشيطان.. فليتجاهل مسألة وجود سهر المزعجة طالما أن الأمر يريح شيرين..
فتح عينيه يقول بصوتٍ باهت كما ملامحه المجهدة لشيرين
((لا أظن أن علينا أن نمضي قدمًا في هذا الزواج))
بدأ صدر شيرين يعلو ويهبط بينما تنظر إليه غير مصدقة وكأن ما قاله معضلة صعبة الفهم.. واستغرق الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تغمغم له متسائلة بصوتٍ خافت
((لا أفهم ما تقوله، ألن نذهب للمحكمة الآن؟))
رد عليها بصلابة حاول التحلي بها
((لا لن نفعل))
بدأ الاستيعاب يتسرب لعقلها لتستنتج ما يقصده الآن فيحتقن وجهها.. شعرت بما يقوله بمثابة طعنة غدر منه فهتفت تستهجن تراجعه عن الاتفاق
((وماذا عن أخوالي! لقد ذهبت بنفسك لإقناعهم أن نتزوج بهذا الشكل))
عيناها المصوبتان في عينيه كانت خضرتهما تتوهجان بألم لامس قلبه.. إلا أنه لم يكن ليتراجع عن قراره الذي اتخذه، فما تفكر فيه ما هو إلا سخافة ومهزلة!
الزواج ارتباط مقدس وأكبر من أن يتم تدنيسه بالتعامل معه وكأنه عقد عمل أو شيء مشابه لهذا..
لقد أخطأ في استسلامه لطلبها سابقًا..
ولكن لم يفت الأوان بعد للتراجع عن هذه الحماقة التي تريده أن يقبل عليها معها..
فأغمض عينيه مجددًا للحظات يحاول التركيز ثم قال بصوته الرزين
((سأتولى مسألة إخبارهم بأننا لم نتمه))
تساءلت باضطراب وتوجس
((تتحدث عن الأمر ببساطة بالغة! أنتَ تسيء لي))
لف العبوس ملامحه وهو يجيبها بعقلانية
((تراجعي عن هذه المهزلة التي تريدين مني أن أُقدِم عليها ليس إساءة في حقك، الإساءة الحقيقية أن امضي قدمًا في زواج تريدينه أن يكون صوريًا!))
قالت له باضطراب شديد يغزو صوتها كما ملامحها
((لا أصدق ما تفعله بي في نفس اليوم المقرر أن يكون يوم زواجنا!))
رغم إرهاقه وضعفه أمام ملامح الألم الظاهرة من ملامحها سيطر على نفسه وقال بصوتٍ هادئ
((بل صدقي لأني أريد مصلحتك، فلا يصح أن يحسب هذا الزواج عليكِ بعد أن ننفصل، الطلاق ليس سهلًا لكِ كامرأة.. وسأتحدث مع أخوالك في مسألة الضغط على زواجك، إنهم متفهمين جدًّا ولن يصعب عليهم إدراك أنه من حقك الزواج فقط من الرجل الذي ترينه مناسبًا لكِ))
ظلت عينيها تنظر في عينيه في مشهد رهيب بينهما وكأنهما انعزلا عن كل شيء.. كل شيء سكن وهما يحدقان ببعضهما.. تناظره هي بألم بينما يبادلها هو الاعتذار الذي لا يحمل من الندم أو التراجع شيء..
قالت سهر التي كان تعيش هي الأخرى حالة من الصدمة بما أعادهما للواقع
((حسنًا أوصلنا للبيت يا مُعاذ، فلم تجلب أي واحدة منّا سيارتها.. أعدنا ولننهي كل شيء لم يبدأ أصلًا))
تطلع مُعاذ ببرود نحو سهر بينما يهدر
((بما أن حقائب شيرين معي في السيارة سأنزلها إلى الجناح الذي حجزته أنا في هذا الفندق))
زعقت به سهر بغضب مطبق على عينيها
((لن تنزل صديقتي الى أي فندق لوحدها))
نظر مُعاذ لها بصرامة يقول وهو يفك حزام أمانه
((لذلك حجزته لفردين لتقيمي معها عدة أيام))
نظرت سهر في عينيه وهي تقول بشموخ
((شكرًا لكَ لكن لا نريد أي معروف منك))
إلا أنه تجاهلها وهوي يترجل من السيارة مدمدمًا
((سأسبقكنّ للبهو لآخذ مفتاح الجناح الذي حجزته..))
نظرت سهر بقلق لصديقتها الجالسة جانبًا بوجه شاحب قبل أن تراها تفتح المقبض وتترجل من السيارة بحركة لا حياة فيها..
صدح فجأة صوت رنين هاتفها إلا أنها أغلقته بلا اهتمام وترجلت هي الأخرى تلحق بها.. وبمجرد أن دخلتا الاثنتين بهو الفندق حتى تقدم منهما مُعاذ وناول سهر مفتاح الجناح
((تفضلي يا سهر، سأغادر الآن))
وضع أحد الموظفين حقائب شيرين العديدة أمام جناحها.. فأخرجت سهر بقشيش تسلمه للموظف الذي شكرهما بامتنان..
تصاعد مجددا رنين هاتف سهر لكنها أغلقت الاتصال الذي وردها مرة أخرى رغم انتباهها هذه المرة أنه من أمها..
فتحت باب الجناح لشيرين ثم أوصدته خلفهما عقب أن جرّت باقي الحقائب بصعوبة للداخل لثقل حجمهم..
تطلعت بحزن وقهر على حال صديقتها لتجد دمعاتها قد انسابت بحرارة على وجنتيها الشاحبتين فسارعت تقول وهي تقترب منها بينما تكفكف هذه الدموع
((هل تبكين يا شيري؟ ذاك الرائد الحقير لا يستحق بكائك))
زمّت شيرين شفتيها تحاول كبح المزيد من الدموع ثم قالت بصوتٍ مرتعش وهي تشيح بوجهها جانبًا
((لا بأس يا سهر أنا بخير، ليست أول مرة أُترك في نفس اليوم المقرر لزواجي، هل سأكون بحاجة أن أُترك سبع أو ثمان مرات حتى اعتاد الأمر!))
كانت سهر تهم بالتحدث بما قد يخفف عنها إلا أن صوت قدوم رسالة لهاتفها داهمها.. شيء مريب في داخلها جعلها هذه المرة تنتشل الهاتف من حقيبتها وتتفحص محتوى رسالة أمها على الأقل بما إنها لم تكن قادرة على الإجابة..
لحظات مرّت عليها قبل أن تهتف بصدمة تعتريها
((يا إلهي.. لا يا إلهي))
كانت ملامح القلق المفرطة تغلف ملامحها وهي تسارع الاتصال بأمها ووضع الهاتف بارتباك في القرب من أذنها..
انتبهت شيرين لحال سهر فتساءلت بخفوت وقلق
((ماذا حدث يا سهر؟))
أجابتها وارتباكها يزيد
((أبي في المشفى، أحاول أن اتصل بأمي الآن ولكنها لا ترد))
اتسعت عينا شيرين بقلق يجتاحها على حال والد سهر فتساءلت على الفور
((ماذا كتبت لكِ؟))
قالت سهر وهي تحاول الاتصال بوالدتها مرة أخرى
((أخبرتني أن التعب داهم أبي فجأة وذهب للمشفى، حاله صار أفضل ولكنهما لن يعودا اليوم للبيت))
مدت شيرين كفها تضعها فوق كتف سهر تطمئنها
((الحمد لله أنه أصبح بخير، أنتِ تعرفين أن الكبد لديه متعب..))
بالكاد منعت سهر عَبَارتها من الانزلاق وهي تقول بصوتٍ مرتجف من فرط خوفها على والدها
((لن أشعر بالراحة قبل أن أذهب للمشفى ورؤيته، لماذا أمي لا ترد!)
سيطرت شيرين على مشاعرها سريعًا كما اعتادت أن تخمدها ولو مؤقتًا لتحثها قائلة
((اذهبي فورًا ولا تقلقي بشأني، ولو كان حالي يسمح لكنت لحقتك على الفور))
تطلعت سهر لها بحيرة تلفها وهي تشعر نفسها واقعة بين نارين لا تعرف هل تذهب إلى والدها وقد تحسنت حالته على حسب قول أمها أم تظل مع شيرين التي هي في موقف لا تُحسَد عليه! لكن نظرات شيرين التي كانت تطمئنها على حالها وتحثها على رؤية والدها جعلتها تقول لها بصوت مثقل بالاعتذار وهي تهم بالمغادرة
((سأذهب الآن وأعود مساءً لأبيت معكِ))
ودعتها شيرين هاتفة
((لا تعودي، أنا بخير المهم أن تطمئني على والدك))
أوصدت شيرين الباب خلفها متنهدة بإجهاد وبدأت ترفع أناملها تحرر نفسها من وشاحها.. ثم تجولت بأنظارها في المكان الذي تدخله أول مرة وهي تحاول تقصّي مكان دورة المياه.. بمجرد أن وجدتها ودلفت لداخلها حتى أطلقت العنان لمشاعرها البائسة وسمحت لنفسها في الانهيار بمرارة وهي ترتجف من إثر الألم الذي تشعر به يعتريها.. كانت تبكي بحرقة كما لم تبكِ يومًا.. تشعر بالذل.. بالمهانة.. والخسارة.. بكل شيء دفعة واحدة..
وضعت يدها تستند إلى المغسلة.. تدير الصنبور ليتدفق الماء فتغسل وجهها وتفركه بيديها فينزل الماء ملونًا بفعل أصباغ مساحيق الجميل..
.
.
في الأسفل كانت سهر تنزل درجات السلم بخطوات سريعة لتغادر الفندق.. تقف أمام الشارع العام وترفع يدها بغية إيقاف سيارة أجرة غافلة عن الشخص الذي كان يركن سيارته في جانب الطريق يراقبهم بعد أن تبعهم خلف سيارة مُعاذ منذ أن كانتا في صالون التجميل!
=============================
في الصباح الباكر جدًّا.. وبينما كان مُصعب يمشط شعره ينهي تجهيز نفسه قبل الخروج للعمل وصله صوت أجش ناعس ممزوج بالحنق الضمني
((مُصعب لا تنسى مجددًا أن تجلب لي الليلة كتابًا سبق وقرأته لأقراه أنا الأخرى.. أكاد أموت من الملل هنا، والكتب في مكتبة والدك لا تستهويني))
التفت مُصعب برأسه ينظر لها من فوق كتفه كيف تعتدل شبه جالسة وعينيها بأجفان مرخية للنصف بعد أن استيقظت من النوم على حركة جلبته.. فرد باقتضاب
((حسنًا، إذا أتيح لي بعد العمل بعض الوقت سأذهب لإحدى المكاتب، المشكلة هي بأني غالبًا أنسى ما اقرأه))
أسندت ظهرها للسرير تفرك عينيها الأخرى مغمغمه
((هذا مذهل))
أخرج مُصعب من خزانته إحدى أحذيته الرياضية ثم قال لها
((نورين أنا قراءتي أغلبها في مجال عملي ولكن بين حين وآخر اقرأ بعض الكتب التي تقع بين يدي من كتب تتحدث عن تنمية التفكير ومهارات الاتصال والتواصل والتدريب، لكن في الحقيقة لم يعجبني ولا كتاب واحد إلى الحد الذي يبقى مترسخًا اسمه في عقلي))
قطبت حاجبيها تقول بامتعاض
((هل مفاد هذا الكلام أنكَ لن تُحضِر لي أي كتاب اليوم مجددًا!))
وقبل أن يمسك مقبض الباب للمغادرة رفع حاجبيه كمن تذكر شيئًا جعله يعود إلى حيث أجرار المنضدة.. يفتحهم من أولهم لأخرهم ثم يفتش ما بداخله واحدًا تلو الآخر.. فتساءلت بتوجس
((عن ماذا تبحث؟))
استطاع إيجاد مراده أخيرًا فقال وهو يرفعه أمام نظر نورين
((لقد تذكرت فقط الآن هذا الكتاب، تناوليه مِنِّي))
رماه لها فتلقفته بمهارة منه ثم سهمت في التفكير وهي ترخي رأسها نحو الكتاب الذي تمسكه متسائلة
((هل قرأته قبل هذه المرة؟))
أومأ برأسه ثم قال بهدوء وهو يفتح ثلاجته الصغيرة بينما هي تطالعه بملامح توحي بالإنصات التام
((نعم قرأته ويمكنك القول بأنه كتاب هادئ ولطيف، أهدته لي أمي في وقت كنت أمر به ببعض المشاكل والضغط النفسي قد بلغ مني مبلغًا كبيرًا، وكنت اقرأه بين فترات مناوبتي))
لاحظ وهو يفتش في أدراج الثلاجة بأنها لم تترك له إلا عبوة مشروبات غازية واحدة لكنه لم يعقب بل أخد هذه العبوة وهو يحدجها بنظرات ساخطة.. في حين حانت منها نظرة امتنان وهي تخبره بملامحها الناعسة
((شكرًا لكَ يا مُصعب))
بمجرد أن غادر المكان حتى تململت مكانها وهي تتثاءب ثم عادت تدثر نفسها لتخلد في النوم..
=============================
أوصدت تمارا باب غرفة النوم على زوجها بعد أن سجَّلوا خروجًا من المشفى له وعادا للمنزل.. ثم تطلعت لابنتها التي تقف أمامها تخبرها بإجهاد لا يقل عن إجهادها ((لقد غط بالنوم قبل قليل))
أخذت سهر نفسًا عميقًا منهكًا ثم تطلعت لأمها تدمدم بامتنان
((الحمدالله لقد كنتُ قلقة جدًا))
شردت عينا تمارا بحزن ودعت بصوتٍ متحشرج
((أتمنى أن يكرمنا الله عاجلًا غير أجلًا ونجد من يتبرع لوالدك الذي بدأ يعاني من مضاعفات نتيجة إصابته بمرض الكبد المزمن حتى يزيلوا الكبد المتضرر منه ويستعيضوا بجزء من كبد آخر سليم))
تمتمت سهر بـ"آمين" ثم قالت بنفس نبرة صوتها المجهد وهي تخرج هاتفها
((سأذهب لاتصل بشيرين))
تحولت ملامح تمارا لأخرى مدققة وقالت بفضول يكتنف نبرتها
((بعد أن يهدأ بالي عليّ أن أتحرى أمر صديقتك هذه فلماذا أوقفت فجأة أمر زواجها ولم تعد تريد الزواج من ذاك الرائد!))
عقدت سهر حاجبيها بيأس من أمها، وقالت وهي تحيد مبتعدة
((سأخبرك السبب فيما بعد أمي، فيما بعد))
جلست سهر على أريكة طويلة موضوعة في بهو منزلها وبدأت تطلب رقم شرين..
في الأمس اتصلت شيرين بها لتطمئن على والدها وكانت مُصِرَّة على القدوم لولا قسمها عليها بأغلظ الأيمان ألا تفعل لأن والدها بخير وسيعود للمنزل صباح اليوم التالي..
بمجرد أن فُتح الخط حتى قالت سهر بلهفة وقلق
((مرحبًا شيري، لا أدري إذا كنت استيقظت بعد فلا زال الوقت مبكر ولكن سأمر الآن عندك حتى..))
قاطعتها شيرين بصوتٍ ثابت ومشدود كالوتر لم تتعرف عليه
((أنا في العمل يا سهر))
جحظت عينا سهر وفغرت شفتيها للحظات طويلة لا تستوعب ما سمعته ثم زعقت بها باستهجان
((هل أنتِ مجنونة؟ كيف تذهبين للعمل؟ ألم تأخذي إجازة طويلة؟))
أطلقت شيرين زفيرًا منهكًا ثم قالت بعملية
((سهر لا يصح أن استخدم الهاتف طويلًا في فترة العمل.. سأتحدث معكِ بعد أن أعود))
ظلت سهر تناظر الهاتف بصدمة بعد أن أغلقت شيرين عليها الخط.. وبمجرد أن تصاعد رنين هاتفها باسم خطيبها حتى سارعت تفتحه وتضعه بجانب أذنها
((مرحبًا قصي حبيبي))
وصلها صوت قصي الهادئ المستفسر
((أهلًا سهر.. مممم كنت أريد أن أسألك أين أنتِ الآن؟))
تجاهلت سهر أسئلته وطلبت منه وكل تفكيرها منصب على صديقتها
((قصي هل أنتَ بعملك؟ إذا كنت متفرغًا فأنا بحاجة لرؤيتك الآن وحالًا، هناك شيء متعلق بصديقتي شيرين))
اعترت الحيرة قصي الذي كان يركن سيارته على جانب الطريق.. لديه علم سابق بزواج شيرين ولكن أحد زملائه في شركة القاني أخبره برسالة قصيرة أن شيرين سحبت إجازتها الطويلة وحضرت للدوام كأي يوم عادي.. فوجد نفسه تلقائيًا يتصل بسهر ليستفسر منها..
تنحنح قصي يجلي صوته قبل أن يقول مفتعلًا الدهشة
((شيرين! أوه بالتأكيد أنا متفرغ.. مسافة الطريق وأكون أمامك يا باربي.. فأي شيء مهم بالنسبة لكِّ هو كذلك لي بالطبع))
في الطريق سردت سهر كل ما حدث مع شيرين لقصي بإيجاز شديد وبتمويه بعض الأحداث بطريقة تحفظ فيها كرامة صديقتها مما جعل قصي يهمهم لها بتفكير قبل أن يتساءل باستغراب
((إذًا هي لم تتزوج في الأمس! ولكن لماذا تراجعت في اللحظات الأخيرة؟ ألم تقولي بأنها تعرف ذلك الرائد منذ زمن؟))
أطلقت سهر نفسا بائسا ثم توسلت برجاء ضمني وهي تتراجع للخلف باسترخاء
((قصي أرجوك لا تستفسر! أنا لا أستطيع أن أتحدث بأي تفاصيل أخرى إضافية عن صديقتي، أنتَ تعرف الطريق لفرع شركة القاني في مدينتا.. صحيح؟))
نظر لها قصي للحظة يقول بابتسامة
((نعم أعرف يا باربي، ها قد اقتربنا))
بمجرد أن أوقف سيارته حتى أمسكت مقبض الباب تفتحه وهي تقول على عجل
((شكرًا على إيصالي يا قصي وأسفة على إتعابك))
تشبث بيدها يمنعها من الخروج للحظات بينما يخبرها
((لا تقولي ذلك، سأنتظرك حتى تنتهي يا سهر))
شعرت بالسوء لإشغاله معها رغم عمله المنهك كمدير شركة لعائلته كما سبق وأوهمها فتذمرت بصوتٍ مثقل بالذنب
((ولكن أنا لا أريد إتعابك أكثر وقد يطول بقائي عند شيرين))
ابتسم قصي لعينيها المشعتين بالامتنان بحنو ثم ترك يدها يحثها على الذهاب معلما إياها
((لا تعب عليّ، سأنتظرك حتى تنتهي من زيارتك ثم أعيدك للبيت))
أرسلت سهر قبله بالهواء له وقالت بعاطفة خالصة
((شكرًا يا قصي لا تعرف كم يعني وجودك في حياتي))
تابع قصي بنظره سهر تبتعد مهرولة نحو الشركة بخطوات سريعة.. وكم أجج هذا شعوره بالذنب لأنه لم يوقف السيارة داخل مصف الشركة الكبير.. إلا أنه كان مضطرًا لذلك فهو لا يستطيع المخاطرة والدخول من باب الشركة فيتعرف عليه أحد زملائه أو مدراءه أو حتى الحارس! إذ أنه يعمل منذ سنتين هنا ووجه مألوف للكثير رغم أنه لم يخلق أي صدقات عميقة مع من يعمل في الشركة
.
.
دلفت سهر لمكتب شيرين المفتوح لاهثة وصوتها يصدح عاليًا
((شيرين.. أنتِ هنا!))
جفلت شيرين المنهمكة في مراجعة شكاوى العمل على حاسوبها لتلتفت جانبًا ناحية الباب ويستقر نظرها بارتياع على سهر ثم تتمتم بلوم
((ماذا تفعلين هنا يا سهر؟))
تقدمت منها سهر التي كان صدرها يعلو ويهبط جراء هرولتها ثم مالت بجسدها للأمام ووضعت كلتا يديها فوق مكتب شيرين تقول بغضب رغم رقة عتاب صوتها
((بل أنتِ ماذا تفعلين هنا؟ كان عليكِ أخذ قسطًا من الراحة وعدم التوجه للعمل مباشرة))
نكَّست شيرين وجهها ضاغطةً بإصبعيها بين عينيها وهي تقول بصوتٍ يقطر تعبًا
((أنا بخير يا سهر ولم يكن عليكِ القدوم هنا، إذا عرفوا بأن صديقتي هنا وتشغلني عن عملي لأغراض شخصية فلن يكون موقفي لطيفًا أبدًا.. خاصةً وأنا المعروف عني الصرامة في العمل))
استنكرت سهر وهي تبعد يد شيرين عن وجهها وتشير له
((تبدين كالأموات بوجهك الشاحب، لربما علينا زيارة للطبيب))
بلعت شيرين ريقها وفي مقلتيها تحتشد دموع القهر والعجز لصحة كلام سهر وكادت الحروف تهرب من على لسانها ومع ذلك ظلت على هيئتها الشامخة وهي تقول
((لا داعي للطبيب، ربما سر شحوبي هو تفويت وجبات الطعام في الأمس.. لكن بفترة راحتي سأطلب من كافيه الشركة وجبة دسمة جدًّا لأعوض جسدي))
امتقعت ملامح سهر واعترضت
((لكن هل من المنطقي أن تذهبي ثاني يوم لك للعمل مباشرة..))
قاطعتها شيرين بشيء من الحدة خرجت رغمًا عنها
((وماذا تريدين مني أن أفعل؟ هل أموت وأقتل نفسي أم أوقف حياتي وأتوقف عن ممارسة حياتي الطبيعية؟ استئنافي العمل أكثر شيء طبيعي ومعقول كان عليّ فعله!))
اختلجت شفتا سهر بصدمة يجتاحها من ردة فعل شيرين المنفعلة.. في حين بهت وجه الأخرى وهي تشعر بأن غضبها الذي أفرغته على سهر كان مبالغًا به فهي لم تكن تريد إلا الاطمئنان عليها..
غزا الندم الشديد ملامحها وعادت تفرك ما بين عينيها بإرهاقٍ بالغ.. تبًا لكل شيء.. هي حقًا لا يمكنها التركيز على أي شيء.. أنكى ما في الأمر أن اليوم بأوله ولا زال هناك سبع ساعات عمل أخرى قبل أن تعود للفندق.. ليتها استطاعت النوم لو لساعتين على الأقل في ليلة الأمس..
تنهدت بإجهاد وهي تبعد أناملها عن وجهها لتقول بينما تنتبه من زجاج نافدتها الزجاجي الكبير لمعتز يقف جانبًا خارج المكتب
((إحدى الموظفين يقف عند باب المكتب بانتظار خروجك حتى يدلف إلى هنا، أرجوكِ غادري))
جمود وفتور صوت شيرين جعل البؤس يتسلل لقلب سهر عليها.. إنها حقًا متألمة مِمَّا حدث ولكن فضلت أن تدع لها مساحتها وتراقبها من بعيد عن كثب وحسب! فأومأت برأسها ثم قالت بصوتٍ ضعيف
((حسنًا سأفعل))
وما أن استدارت سهر للمغادرة حتى توقفت شيرين مكانها تقول بصوتٍ لطيف يحمل الكثير من الاعتذار وهي تناديها باسم الدلال التي تخصه بها هي فقط
((إلى اللقاء يا سهر الليالي.. اليوم ستنامين معي بالفندق.. صحيح؟))
داعبت ابتسامة جميلة وجه سهر وهي تغمز لها
((بالطبع، سبق وأعلمت أمي وخطيبي))
بادلتها شيرين ابتسامة ممتنة ثم قالت لها بشيء من التسلية رغم إجهاد ملامحها وصوتها
((انقلي أحر تحياتي لخطيبك قصي))
مدت سهر يدها تلوح بها لشيرين وهي تغادر المكتب ليدخل معتز فورًا للداخل لترد عليه شيرين بنبرة عملية هادئة
((نعم يا معتز.. ماذا هناك؟))
فتح معتز كلتا يديه باستسلام قبل أن يقول وقد وصل حده في كظم الغيظ
((لقد يئست من هذا المدعو قصي، إنه يفقدني جنوني..))
قاطعته شيرين متسائلة بهدوء
((من هو قصي؟ أوه))
لقد بدأت تشتت من كثرة المدعوين باسم "قصي" الذين تقابلهم يوميًا فأغمضت عينيها للحظات وهي ترفع يدها لجبينها تقول متذكرة
((أتقصد قصي سامح ذاك الذي طلبت مني بالسابق التحدث معه بخصوص مخالفاته الكثيرة؟))
! أومأ معتز بإيجاب ليقول بمرارة وغضب مكتوم مما يلاقيه يوميًا من قصي
((نعم إنه الموظف الوحيد في فريقي الذي أتمنى خنقه، ألا يمكن أن تنقليه لقائد فريق آخر يكون أكثر حزمًا معه..))
قاطعته شيرين بصرامة لا لين فيها
((لم نتعب أنفسنا وننقله من قائد فريق لآخر؟ بغض النظر عن هوية قائد فريقه عليه الالتزام، سأرفع كتابًا به لمدير الفرع ليصدر أمرًا في فصله لكثرة مخالفاته، نحن لا نتعامل مع شابًا أهوج بل موظف كبير وناضج بما فيه الكفاية ويعمل هنا منذ سنتين ويجب أن يكون مسؤولًا عن تصرفاته))
زفر معتز وهو يهز رأسه يائسًا
((لا أدري صدقًا ماذا أُعَقِّب على كلامك بشأنه..))
قالت شيرين له باختصار وهي تعود لتنظر لشاشة الحاسوب باقتضاب
((بمجرد أن يحضر هنا اطلب منه الحضور إلى مكتبي للحديث بشأن تأخره اليوم أيضًا))
=============================
رافقت الحاجة الزاهية زوجها من القصر إلى الحديقة حيث من حولهم الأشجار الخضراء.. بينما تدمدم له بهدوء ورزانة
((كنت أتحدث قبل قليل مع مَازن وقال بأنه لن يقدر هذه السنة أيضًا على زيارتنا، يبدو أنه احتسب قدومه القصير لعدة أيام من أجل عزاء ابن عمه يحيى رحمه الله زيارة!))
توقف الحاج يعقوب مكانه ولف شيء من الضيق ملامح الكبر على وجهه.. ثم تطلع لزوجته متسائلًا
((هو من أخبرك ذلك؟))
أومأت زاهية ثم قالت بجدية يشوبها بعض الحزن والألم
((نعم.. كل سنة يرفض العودة مع اختلاف الحجة.. أخبره على الأقل أن يلزم زوجته وابنته بزيارته هناك ولتكن زيارة صيفية طويلة.. سوف يكون له مردوده الإيجابي جدًا عليهم جميعًا وخاصةً على هدى الصغيرة))
لامس قلبه صوت زوجته الشجي الحزن فقال لها بجديّة ممزوجة بالحنان
((سأكون صريحًا معكِ، لظروف كثيرة قد لا يعود مَازن هنا قريبًا.. لكن قد أحاول جعله يستقدم زوجته وابنته عنده))
لم يوضح بشكل جلي السبب الذي يمنع مَازن من القدوم هنا.. هي متأكدة من وجود سبب قاهر جعل زوجها يُخرج ابنها للخارج خلال يوم وليلة ولم يكن قد مر الكثير على إنجاب ابنته متحججًا بدراسته رغم أنه كان في سنته الأخيرة في جامعته التي يدرس بها هنا.. لكن لو كان له أي نية للكشف عن هذه الأسرار لكان تحدث قبل الآن! إلا أنه لم يفعل..
لم تجد زاهية إلا أن تومئ برأسها وتقول بصوتٍ خافت
((حسنًا جيد))
ابتسم يعقوب بينما تمسك كفه يد زوجته ويربت فوقها بخفة مُطَمئِنًا إياها لتبادله الابتسامة رغم إنهاك تفكيرها..
تجاوز يعقوب أسوار حديقته يتقدم للخارج في حين بقيت زاهية تقف مكانها تتطلع له حتى ابتعد من أمام ناظريها ولم تعد ترى إثره.. استدارت للخلف تسير بوقار إلى حيث تجلس رتيل لتجاورها وتتحدث معها قبل أن يقطع حديثهم صوت نورين التي ألقت السلام وهي تتقدم منهما ممسكة بصينية فوقها إبريق شاي ضخم وقدوح زجاجية..
وضعت نورين الصينية فوق المنضدة الخشبية الدائرية ثم قالت بصوتٍ مفعم بالحيوية واللطف
((لقد جلبت الشاي لنا جميعًا وأخبرت ياسمين أن تنضم لنا كما طلبتِ))
دمدمت لها الحاجة زاهية بكلمات الشكر هي ورتيل فازدادت ابتسامتها اتساعًا.. كانت سعيدة أن تبادر بين الحين والآخر للجلوس معهن وتجاذب أطراف أي حديث بسيط معهن.. ولم تجد أفضل من هذا الوقت.. فنساء القرية لا ينقطعن أبدًا عن مجلس حماتها ودائمًا ما يجتمعن في المساء عندها لاحتساء القهوة وأكل المقبلات..
سكبت نورين الشاي في الكأس بينما التفتت الحاجة زاهية تقول لرتيل
((هل اتصل بكِ مُؤيد وأخبرك في أي ساعة سيعود الليلة؟))
تنهدت رتيل قبل أن تجيبها
((أعلمني بأنه قد يعود في الغد))
قطبت زاهية حاجبيها قليلًا معقبة
((لماذا؟ هو في العادة يأتي كل أسبوعين.. تحديدًا يوم الخميس))
أجابت رتيل ((أعرف ولكن عندما حاولت أن استفسر منه عن السبب الذي قد يأخره صرخ عاليًا بأنه لا يحب أن يدقق أحد أين ومتى يخرج.. تعرفينه))
ردت زاهية بوقار صوتها قبل لهجتها
((وهل هناك أحد يعرف مُؤيد غيري أنا! هو دونًا عن إخوته أكثرهم تسلطًا وعصبية، ولكن أنتِ زوجته وعليكِ أن تتعاملي معه بالرغم من ذلك البحث عن حلول تجعلك قادرة على التعايش معه بإيجابية))
قالت رتيل وهي ترفع أناملها تخفي خصلات شاردة من وشاحها الأبيض المرخي حول رأسها
((هذا ما أحاول فعله معه، أنا أتحمل الكثير))
عادت تقول زاهية بهدوء يكتنف صوتها
((نحن النساء علينا أن نكون قويات وقادرات على تحمل المصاعب وطباع الزوج مهما بدت صعبة ولا تُحتمل وإلا كيف سنعمر بيوتنا؟ أنا واثقة بأنكِ امرأة قوية ولستِ ضعيفة))
دمدمت نورين لا شعوريًا بصوتٍ خافت كمن تحدث نفسها
((أول مرة معكِ اعرف أن قوة المرأة في استكانتها وقدرتها على تحمل الظلم والطغيان، لا بإنجازاتها ونجاحها وتحقيقها أهدافها وطموحاتها!))
أظلمت عينا رتيل وتلبد وجهها بغيوم عاصفة مقتربة لا تصدق بأن المرأة التي جاءت كـ"فصيلة" هي من تحدثها عن قوة المرأة وإنجازاتها وطموحاتها! في حين حدَّجت زاهية نورين بتهديد التي سارعت تبتسم بارتباك تواري حماقة ما قالته مجاهرة.. ثم غطت ثغرها المتهور بيدها وهي تقول مغمغمه
((سأسكت الآن لا داعي لتنبيهي))
أخفضت زاهية نظرها لكأس الشاي الزجاجي الذي مدت يدها لتتناوله وترتشف منه القليل ليأتيها بعد دقائق صوت ياسمين وهي تلقي عليها السلام..
سكبت نورين الشاي لها وناولتها إياه بلطف ثم تساءلت باستغراب وهي تنظر لابنتها الجالسة عند الشجر تتحدث بالهاتف الذي تمسكه
((ماذا تفعل هدى خلف الشجرة هناك جالسة؟))
نظرت الحاجة زاهية لها تجيبيها بشيء من الفتور
((أعطيتها هاتفي لتتحدث مع أبيها، ولو أني لا أرى فيها أي لهفة للتحدث معه وأنا من أُلِح عليها في كل مرة أن تحادثه لتفعل.. والخطأ عليكِ يا ياسمين أنتِ الأم.. أنتِ من عليكِ أن تتحدثي دائمًا مع ابنتك عن والدها وتزرعي فيها حبها ولهفتها تجاهه.. عندما كان يسافر الحاج للخارج كانت لا تمر دقيقة دون أن يتساءل جميع أولادي عنه وعن موعد رجوعه))
قالت ياسمين لها شارحة
((هذا يا عمتي لأنهم كانوا معتادون على وجوده منذ صغرهم أما هدى فهي بعيدة عن والدها ولم ترَ شيئًا من حنانه أو اهتمامه منذ ولادتها، لا دخل لي))
اعترضت زاهية على كلامها بقوة
((غير صحيح، هاكِ انظري لباسم وفهد أولاد رتيل، منذ ولادتهم وهم معتادين على عدم وجود والدهم إلا مرة كل أسبوعين، ومع ذلك يتلهفون دائمًا عند قدومه.. أنا لا أريد الدخول في نقاش عقيم لكن كل ما أطلبه أن تهتمي بعلاقة ابنتك مع والدها))
ظهرت ملامح يأس على وجه ياسمين من هذا الحديث فعادت إلى آليتها المعتادة عليها كلما تحدثها عن زوجها مَازن وردت ببلادة ((حسنًا..))
استفزت هذه الكلمة كل ما في زاهية وكادت أن تفقد وقارها ورزانتها وتصرخ بزوجة ابنها إلا إنها تمَالكت نفسها بشِق الأنفس وهي تعود لتقول بانضباط انفعالي ((لا أريد أن أكرر كلامي مثل كل مرة، لكن عليكِ أن تشاركي مَازن يا ياسمين بتفاصيل حياتك اليومية أنتِ وهدى))
ظهر الضجر والاكتفاء على وجه ياسمين إلا إنها تحاملت على نفسها لتقول أي شيء على طرف لسانها يزيد عن كلمة واحدة
((سأفعل ولكنه في خضم انشغالاته يطلب مني ألا أكلمه لفترة))
أمرتها زاهية بحزم وهي لا تلمس أي جدية أو اهتمام في كلماتها الباردة
((تحدثي وتواصلي معه برقة وعذوبة ولن يرفض التحدث معكِ حتى لو كان مشغولًا))
فقدت ياسمين قدرتها على تحمل المزيد من النصائح التي تستفز برودتها لتعود لكلمتها المفضلة والتي تفي بالغرض أمام نصائح حماتها ((سأفعل))
رفعت زاهية حاجبها بامتعاض لتقول بحدة
((سنحاول جاهدين أن نستقدمك أنتِ وهدى للخارج عند مَازن، ادعي فقط أن تجري الأمور كما نخطط))
ظهرت الصدمة جليًّا على ملامح ياسمين ولم تستطع إخفائها وهي تقول بصراحة لم تعي بها
((ماذا تقولين؟ استقدامي إلى هناك؟ كيف تخططون لهذا دون الرجوع لي؟ ثم كيف تريدين مني أن اذهب لبلد غربي في الخارج أنا وابنتي؟ كيف ستأمنون علينا هناك وحيدتان؟))
صححت زاهية لها باستهجان
((لن تكونان وحيدتان! ستذهبان عند مَازن!))
اعترضت ياسمين ((ولكن..))
قالت زاهية بلهجة باترة
((بدون لكن، لقد كان عليكِ بنفسك أن تطلبي من مَازن أن يسحبك أنتِ وهدى لتعيشا معه..))
عجزت ذاكرة ياسمين للحظات عن إسعافها بأي عذر تقوله قبل أن تقول أخيرًا أول ما خطر على بالها
((وماذا بشأن مدرسة هدى؟ ليس من الجيد لها أن تدرس في مدارس الغرب..))
قاطعتها زاهية بنفس اللهجة السابقة
((لا تتحججي بدراسة هدى فتلك البلاد أيًا كانت تحتوي على مدارس وعلم.. المهم أن تدركي حالك قبل أن تجدي نفسك مضطرة للقيام بدور الأب والأم ويصبح المنزل بالنسبة لمَازن مجرد فندق يقضي به عطلة لطيفة كل عدة سنوات))
ظلت ياسمين تنظر لها مشدوهة لا تعرف ماذا ترد حتى احتقن وجهها بصلابة وكتَّفت ذراعيها وهي تقول بصراحة دون أن يرف لها جفن
((أنا لا أثق بابنك أبدًا ولا استأمنه عليّ أنا وابنتي في الخارج، إنه مستهتر وأناني))
اشتد الحوار بينهما ولاحظت رتيل ونورين ازدياد التوتر في الأرجاء.. وكانت تريد زاهية الرد عليها بلهجة أشد وأكثر حدة إلا إنها جفلت وهي تنظر جانبًا على هتاف عالي متحمس..
ظهرت الصدمة على وجوههن جميعًا وهن يرين نجلاء تهرول كفتاة صغيرة شقية باتجاههن لتقف أمامهن قائلة من بين أنفاسها اللاهثة
((مرحبــــًا جميعًا))
قالت زاهية باستهجان للفتاة التي خرجت لهم بغته من اللا مكان
((نجلاء! ماذا تفعلين هنا؟))
قالت نجلاء بصوتٍ مفعم بالحماس واللهفة
((أمي لا تزال تزور الجيران هنا وهناك قبل أن نعود للمدينة في الغد.. كانت الآن ستذهب لبيت خالتي وطلبت منها أن توصلني لهنا وفتح لي البواب الآن))
وضعت زاهية كأس الشاي فوق المنضدة ثم قالت بخفوت رغم استيائها من وصول نجلاء وحيدة ((هذا جيد))
بحثت نجلاء في الأرجاء على مقعد فارغ لتجلس عليه ثم قالت بحرارة صوتها ولهفتها
((ما زال على جامعتي أسبوع حتى تبدأ، أرجوكِ اقنعي أمي أن أبقى هنا وأنام في بيتكم، سيوصلني مُصعب لمنزلنا قبل الدوام بيوم..))
قاطعتها زاهية بصرامة دون أن تستطيع أن تمنع امتعاضها من الظهور
((لا.. لا يصح هذا يا نجلاء))
تلاشت ابتسامة نجلاء العريضة وهي تقول
((ما هو الذي لا يصح؟))
ردت عليها بحزم وصرامة
((أنتِ لم تعودي صغيرة بل صبية، عروس، كيف تريدين أن تبقي هنا في هذا المكان ومن حولك شباب يمكثون فيه!))
تشبثت نجلاء بيد زاهية تقول بنبرة متوسلة حارة
((أي رجال؟ لا يسكن هنا إلا مُصعب ومَالك، إنه قصر ما شاء الله يمكن لأي أحد أن يأخذ غرفة منفصلة دون أن يُضَيّق على أولادك))
تنهدت زاهية وهي تنهض من مكانها مستندة بكفيها إلى سطح المنضدة أمامها تحوقل بيأس..
تقبضت يديّ نجلاء بغل ثم قالت بقهر ونظرها مصوب نحو زاهية التي كانت تسير مبتعدة عنها
((أين تبتعدين كلامي هكذا كأني لم أقل شيء؟))
قالت رتيل مبتسمة بنعومة وهي تتمتع بإغاظتها
((الآن موعد قيلولة عمتي التي تمثل الحياة بالنسبة لها.. أنتِ تعرفين أنه بالنسبة لكبار السن فإن الاستمتاع بساعة القيلولة في منتصف اليوم شيء أساسي حتى لو لم يكونوا متعبين))
تقوست شفتا نجلاء بحزن للأسفل قبل أن تنظر لنورين التي كانت ترمقها بشماتة وتشفي طوال الوقت.. فضيَّقت حاجبيها بعدوانية وعينيها ترسل شرارات مفادها بأنها لن تستلم.. إلا أن نورين استقامت من مكانها بهدوء وهي تبتعد من المكان بخطوات مغترة.. سعيدة بأن تلك الصغيرة نجلاء ابنة الثمانية عشر عامًا وفي كل مرة تحاول القدوم إلى هنا والانتقاص منها أمام الجميع ينقلب الأمر عليها!
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!