لا تنسو التصويت ❤️❤️
شركة القاني.. مكتب شيرين..
بمجرد أن قرع قصي الباب حتى أغمضت شيرين عينيها بغيظٍ للحظات من رؤيته ثم تحاملت على نفسها وقالت من بين أسنانها بعملية ((تفضل يا قصي سامح))
ابتسم قصي بارتباك وهو يعرف سبب طلبه ثم دلف للداخل وجلس على الكرسي أمام مكتبها يقول بتوتر دون أن تنحسر ابتسامته الملازمة له
((قال معتز بأنكِ طلبتني))
قالت شيرين بجفاء
((قصي سامح هل يمكن أن تخبرني عن السبب المُلِح الضروري الذي أخرك اليوم؟ لأنه لا يمكن أن يكون سببًا عاديًّا بعد أن حذرتك في لقائنا الأخير من أنه تبقي تنبيه أخير لكَ قبل أن تُفصل من هذه الشركة))
ازدرد لعابه بصعوبة وهو يشبك أنامله ببعضهم ثم قال كاذبًا بنبرة لا تجعلها تظن بأنه يستهين بها أو يتعمد إغضابها فما في حياتها يكفيها
((لقد تعطل إطار سيارتي لهذا تأخرت لثلاث ساعات))
رمقته شيرين بنظرة نقمة قبل أن تتشدق بغضبٍ مكتوم
((إذا كانت المشكلة بإطار السيارة فهو عذر مقبول ولكن بما أنكَ قد استنفذت كل ساعات المغادرة الشهرية فسينقص هذا التأخير من راتبك))
اكتنف قصي الراحة لتمريرها عذره الذي لا يدخل في عقل طفل ثم قال بهدوء سخيف وهو يستقيم واقفًا
((ممتاز.. هل يمكنني الذهاب لعملي الآن؟))
أشارت له بعينيها للخارج وهي تغمغم بصوتٍ مقيت
((يمكنك ذلك لكن كن أكثر حذرًا لو سمحت، حتى لا يتكرر شيء كهذا مجددا))
رماها قصي بابتسامة بشوشة وهو يقول بينما يستدير خارجًا
((سأفعل.. شكرًا لكِ يا شيرين))
اندفع للخارج يدخل إلى الطابق الذي يعمل فيه مع باقي مئات الموظفين.. ولم يكن مظهره بائسًا في هذه اللحظة.. فقد أضاع ثلاث ساعات عندما كان مع سهر وبقي أمامه فقط ست ساعات قبل أن ينهي عمله لهذا اليوم.. مذهل!
جلس قصي خلف حاسوب، وضع السماعة فوق رأسه ثم سجل دخولًا للنظام يستعد للرد على العملاء بمشاكلهم وطلباتهم وثقافاتهم المختلفة دون أن يكون أمامه إلا أن يعاملهم جميعًا بنفس القدر من الترحيب والمودة والاحتواء مهما كانت طريقتهم التي عادة لا يكون له ذنب فيها! لأنه مجرد ممثل للخدمة وليس صاحب الموقع الإلكتروني الذي يعمل فيه.. فهناك موظفين غيره قائمون على الخدمة.. أما هو مجرد موظف خدمة عملاء يمثلهم رغم أنه يتحمل في النهاية أي فشل أو تقصير من أي أحد!
=============================
قبل أن يغادر وليد مكتبه وقف من مكانه يزرر قميصه ويرتب أوراقه يستعد للخروج عندما جاءه اتصال من الشخص الذي عيَّنه لمراقبة شيرين.. لقد عيَّنه منذ الأمس عقب أن استغرب هدوئها وعدم محاولاتها هي أو محاميها التواصل معه بخصوص القضية المرفوعة ضدها..
تناول وليد هاتفه يرد بفتور ليصله صوت متردد
((مرحبًا سيد وليد))
تمتم وليد باقتضاب للشخص الذي يتصل به وكان يعمل لدى عائلته منذ سنوات طويلة
((أهلًا، عَجِّل وقل لي باختصار أبرز نشاطات شيرين))
قال الرجل بنفس تردده السابق
((لقد خرجت من بيت صديقتها نحو إحدى صالونات التجميل، ثم جاء رجل وأقلهم بسيارته إلى إحدى الفنادق))
هتف وليد بحدة والريبة المقلقة تتسلل لقلبه
((رجل؟ ولماذا ذهب بهما إلى فندق؟))
ابتلع الرجل على الخط الآخر ريقه بصعوبةٍ ثم قال بصوتٍ خائف من الغضب المتوقع أن يصبه سيده عليه بعدما يفضي له
((لا أدري.. لكنه دخل معهما للفندق وهو يحمل الكثير من الحقائب ثم ابتعد بسيارته عن المكان.. وبقيت أنا في الفندق أراقبهما))
هتف وليد به بحدة وانفعال
((من هو؟ أريد الآن معلومات تخص الرجل الذي رافقهما.. شكله أو عمره التقريبي.. ربما يكون والد صديقتها!))
قال الرجل بتلعثم زاد من فتيل غضب وليد
((لن يعجبك، أقصد يا سيدي لن يعجبك أن تعرف هويته))
بدت عينا وليد الناعستين في هذه اللحظة مزيجًا من الوحشية وهو يقول
((هل هو شخص أعرفه؟))
قال الرجل عقب أن ازدرد ريقًا وهميًا
((إنه ابن عمك.. الرائد مُعاذ))
خرج صوت وليد ذاهلًا هامسًا يحمل كل الكره والحقد في العالم وهو يتساءل
((مُعاذ؟ ولكن ماذا يفعل هناك!))
وقبل أن ينتظر وليد إجابته التي لا نفع لها أغلق الخط عليه وضرب بقدمه الطاولة قالبًا إياها رأسًا على عقب ومثيرًا رعب زميله الذي دلف فورًا لداخل مكتبه بصدمة..
بدأ وليد بطلب رقم آخر ووتيرة أنفاسه المتأججة غضبًا تزداد.. عليه الآن أن يحصل على الأقل على رقم صديقتها لعله يصل لشيرين.. وأثناء ذلك شعر وكأن روحه ستبثق من جسده.. والوجع في قلبه أيّما وجع..
امسكه زميله من كتفه متسائلًا بقلق من هيئته
((وليد أخبرني ماذا حدث؟))
التفت وليد له يصرخ بأنفاس مزمجره وهو ينفض يده عن ذراعه بقوة
((ابتعد عني فليس هذا وقتك))
حاول زميله الاعتراض وقلقه يزداد إلا أن وليد أوقفه بنظرة صارمة وهو يرد على الهاتف ما إن جاءه صوت أحد الرجال المعتاد على التعامل معهم
((بدون أي مقدمات، أريد منكَ الآن أن تجلب لي رقم أمرأه ما ولو من تحت الأرض!))
=============================
مساءً..
خرجت شيرين من شرودها أثناء ركنها سيارتها أمام الفندق عندما اصطدمت بالسيارة المركونة أمامها مما جعل جسدها يندفع للأمام ولولا حزام الأمان لارتطم رأسها في زجاج السيارة الأمامي..
فتحت شيرين عينيها المغمضتين ووتيرة أنفاسها تتزايد بهلع.. سارعت تتحرر من حزام الأمان وارتجلت من سيارتها تعاين السيارة التي اصطدمت بها وقامت بإتلافها من الخلف..
كادت أن تبكي ببؤس وهي تتصل بسهر.. وبمجرد أن وصلها ردها حتى قالت
((سهر، انزلي حالًا من الفندق فقد اصطدمت بسيارة من الخلف، ليّ الآن أن أعرف صاحبها لنتفق وديًا على تعويضه وإبلاغ شركة التأمين))
كانت تتحدث شيرين بصوتٍ مثقل بالقهر والإحباط.. فكأنه ينقصها أي التزامات مالية أخرى لدفعها! والأنكى بأنها هذه المرة هي المسؤولة عن الحادث بسبب شرودها وقلة انتباهها..
كانت سهر أثناء حديثها معها تخرج من الفندق وبمجرد أن استقر نظرها عليها حتى أغلقت هاتفها وهرولت باتجاه الواقفة بشرود مجهد أمام السيارتين..
لكزتها سهر من كتفها وهي تقول مازحة
((لا تقلقي يا شيرين إنها سيارة قصي))
تطلعت شيرين لها بصدمة تكتنف ملامحها لتكمل سهر مخففة عنها
((إنها سيارة خطيبي، أعطاها لي فقط اليوم وركنتها هنا قبل أن انتظرك في جناحك بالفندق، لا تقلقي))
زاد القهر الذي يلف وجه شيرين وهي تقول
((يا إلهي الوضع أسوأ، لا أصدق بأني تسببت في هذا لسيارته، تبدو حديثة جدًّا وباهظة الثمن))
قالت سهر بلهفة وجدية وهي ترى شيرين تخفض جسدها في محاولة لمعاينة درجة التلف الذي تسببت به
((صدقيني لا داعي لأي قلق.. قصي لن ينزعج أبدًا.. من الأساس إنها سيارة عمه، أعطاها له وعنده سيارتين غيرها.. عائلته مغرمين بامتلاك أحدث أنواع السيارات.. لن يأبه لما حدث لها أبدًا.. إنسِ الأمر واصعدي لجناحك في الفندق.. أنا سأذهب لأشتري شيئًا يؤكل وأعود))
استسلمت شيرين لكلامها متهدله الكتفين وهي تشعر بأنها لا تسبب لسهر في حياتها إلا المتاعب..
.
.
أغلقت سهر باب الجناح خلفها ثم تقدمت من شيرين التي كانت مستلقية فوق السرير تطالع التلفاز بكآبة بينما تقول
((لقد اشتريت بعض المعجنات والفطائر الطازجة، تناولي شيئًا منها))
أمسكت شيرين جهاز التحكم عن بعد تغلق التلفاز ثم اعتدلت شبه جالسة على السرير تتناول الأكياس من سهر وهي تقول
((مع أن شهيتي معدومة تمامًا لكن سآكل شيئًا من أجلك))
ساعدتها سهر في فتح الأكياس وهي تسألها بقلق يعتريها عليها
((هل أنتِ بخير؟ لا زال وجهك شاحب جدًا))
أطلقت شيرين شهقة تمنت أن تسحب معها روحها علها ترتاح من بؤسها.. ثم قالت ببلادة
((أنا بخير، الأمر فقط أن ليلة الأمس علمتني يا سهر أن رغبتي بأن أكون محبوبة من شخص مناسب هي أكبر وهم في حياتي وعليّ إخراجه منها.. حتى أكون حرة))
شملتها سهر بنظرات أكثر قلقًا ثم قالت
((ما هذا التشاؤم؟))
هزت شيرين كتفيها تقول برتابة
((ليس تشاؤمًا بل نضج))
أسدلت سهر أهدابها بحزن عليها ثم سألتها
((ماذا ستفعلين الآن يا شيرين بعد..))
ترددت سهر في نهاية جملتها لتكمل عنها شيرين بجمود
((بعد ما هجرني مُعاذ هو الآخر؟ وماذا سأفعل؟ سأمضي قدمًا في حياتي وكان لا شيء سبق وحدث))
قالت سهر بدعم لها
((أنا متأكدة بأنكِ قوية))
تنهدت شيرين بإحباط تمسح دمعة فرت من سجن مقلتيها.. وقد كانت تعيش في هذه اللحظات أشد شعورًا بالبلادة.. بلا شيء وانعدام المشاعر.. لا شيء يقبع في داخلها.. بل لشدة ما تخلو من كل هذا تكاد تطفو على الفراغ.. لكنها قالت بشيء من التصورات الإيجابية التي تغذي نفسها بها لتبقى على قيد الحياة
((لقد دربتني كثافة الآلام على المضي، لذا سأتجرد من كل الأعباء التي ملأت قلبي وسأمضي لا أحفل بشيء آخر.. أنا فقط لا أصدق غبائي الذي جعلني أطلب منه الزواج ظنًا مني بأنه معجب بي لولا موضوع وليد.. لم أجني شيئًا من هذا الأمر إلا مزيدًا من الهوان والذل لنفسي.. لن أستطيع أن انظر في وجهه مجددًا.. حمدًا لله بأنه لم يعرف أحد بشأن ما حدث))
قالت لها سهر مقطبة الحاجبين
((خذي مني يا شيرين الحكمة بما أنه سبق وكان لي تجارب أكثر منكِ في السابق.. الرجل إن لم يتحدث إليكِ من تلقاء نفسه ومباشرة دون مواراة بأنه يريد الزواج منكِ فهو فعلًا لا يريد ذلك.. ذلك الرائد لو أرادك فعلًا لم يكن ليهتم بموضوع وليد ولم يكن سينتظر منكِ حتى أن تمهدي له موضوع الزواج أو تلطفي الجو أو حتى تحاولي استدراجه لقولها.. جنس الرجال أوعى من أن يوجههم أحد..))
تنهدت سهر وهي تسترسل
((أنا أشعر بالذنب لأني لم أردعك عن حماقة ما تفعلينه ولم أقولها صراحة لكِ بأن عرضكِ الزواج عليه بتلك الذريعة كان مذلًا جدًّا لكِ، لم يكن عليكِ فعلها مهما كانت الظروف، أنتِ لستِ صغيرة في السن لأعذرك على عدم رزانتك.. ثم إن الحب في هذه الأيام يحتاج إلى نساء عاقلات))
أومأت شيرين الصامتة برأسها موافقة.. وبشِق الأنفس كانت تمنع نفسها أن تهرب من نظرات سهر المشفقة حتى لا تنهار مجددًا أمامها.. فمهما ادعت الصلابة والبلادة في هذه اللحظة ستباغتها الهشاشة وتقتحمها الدموع رغمًا عنها..
مدت سهر يدها تتناول إحدى المعجنات تحشرها في فم شيرين وتجبرها على المضغ لتسألها بعد دقائق
((هل اتصل وليد بكِ؟))
طالعتها شيرين وهي تقول
((لا لم يتصل ولكن لأكون صريحة معكِ أنا قلقة بعض الشيء مما سيفعله.. حتى في شركتي شددت على الحرس عدم إدخال غير الموظفين للشركة ممن يحملون بطاقة تعرفيهم))
قالت سهر بصراحة
((تصرفاته مؤخرًا تصرفات شخص يلاحق حبيبته التي يحبها حتى النخاع، لو لم يكن متزوجًا لطلبت منكِ أن تفكري بالعودة له.. ربما يكون نادمًا..))
أصدرت شيرين صوتًا ساخرًا متهكمًا.. وليد! يحبها! حتى النخاع! سهر لا تعرف حتى إلا نصف الأمور المذلة التي فعلها بها! ويا لا لكثرة الكلمات التي تراكمت في أعماقها ولم تبُح بها لسهر فقط حتى لا تبدو مثيرة للشفقة والمأساة أكثر من ذلك.. فردت عليها بصوتٍ فاتر أجوف
((في كل الحالات وليد ليس له مكان في حياتي، لم أعد أتمنى إلا أن يتركني في حالي أعيش في هدوء وسلام بعد أن ترك من خراب في حياتي))
مدت سهر يدها فوق كتف صديقتها تغمرها بالتفاؤل
((الأيام القادمة ستكون أفضل، وسينتهي هذا المرار فما يمضي ليس بالضرورة هو الأفضل، الحاضر دائمًا أجمل من الماضي))
توقفت يد سهر عن التطبيب فوق كتفها عند رنين هاتفها.. وشكّت بأن تكون أمها ففتحت هاتفها على الفور.. إلا أن الشاشة كان يعلوها رقم غريب فعقدت حاجبيها وهي تفصل الخط على المتصل.. وقبل أن تعيد الهاتف مكانه كان يتصاعد رنينه عاليًا مرة أخرى بنفس الرقم.. ففصلت سهر عليه مجددًا بامتعاض.. لكنه لم يستسلم واتصل بها مرة ثالثة..
تطلعت شيرين لها بتوجس هادرة
((ردي على الرقم لعله اتصال مُلِح من أحد تعرفينه))
استجابت سهر وهي تفتح الخط بانتظار أن يبادر المتصل بالكلام ليصلها صوت لهف غاضب
((سهر.. سهر؟))
اتسعت عينا شيرين وهي تتعرف على صاحب الصوت مباشرة في حين قالت سهر بتوجس ((من معي؟))
سارع ليجيبها بصوته المشبع بالعدوانية والغضب المستعر
((معكِ وليد.. وليد الكانز))
نبرة وليد أشاعت القلق في نفسها إلا أنها سألته
((كيف حصلت على رقمي؟))
تجاهل وليد سؤالها بسؤال آخر خرج من شفتيه بنبرة خطيرة
((ما علاقة شيرين بابن عمي مُعاذ؟))
ترددت سهر لوهلة ثم التفتت جانبًا تناظر وجه شيرين الباهت وهي تتساءل بارتباك
((ماذا! كيف عرفت؟ من نقل لكَ الخبر؟))
أخذ صدره يعلو ويهبط وهو لا يركز إلا بتصويب أسئلته هو
((لماذا كان مُعاذ في الأمس معكما وأوصلكما للفندق؟ منذ متى وهو يقابلكما؟))
عقدت سهر ما بين حاجبيها وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بصلابة بعيدة عن التوتر
((منذ مدة طويلة، غريب ألم ينقل لكَ الشخص الذي وضعته لمراقبتنا بأننا كنا طوال الأشهر الماضية نلتقي به؟))
لم يفهم إلى ماذا ترمي سهر وكل خلية فيه تأبي تصديق الإشارات التي ترمي له بها.. ومع ذلك تساءل ببطء وهو يشعر بدقات قلبه تكاد أن تتوقف
((ماذا تقصدين؟))
في هذه اللحظة كانت شيرين قد استعادت رباطة جأشها وانتشلت الهاتف من يد سهر تتسلم زمام أمرها
((لقد تزوجت أنا ومُعاذ منذ أشهر طويلة، ألم تعرف بعد؟))
تراخت يد وليد الممسكة بالهاتف وللحظة كاد أن يقع من يده من شدة صدمته.. وكأن قلبه أنسلخ عن جسده فانقطع نفسه للحظات..
باغت وجه شيرين ابتسامة شماته وهي تتمنى لو كان وليد الآن في هذه اللحظة أمامها لترى ملامح وجهه العنيفة وهو يستمع لها..
وصلها زئيره وكأنه أسد جريح يصرخ بشراسة صوته بما جعل جدران مكتبه ترتج
((تزوجتما منذ أشهر طويلة؟ اخرسي وكفِ عن الكذب، كنت لأعرف لو تزوجتِ به حقًا))
أبعدت شيرين الهاتف عن أذنها أثناء صراخه حتى لا يثقب طبلة أذنها وبمجرد أن انتهى حتى قربت الهاتف منها، ثم قالت بصوتٍ ميت لا حياة فيه لا يخلو من استمتاع سادي
((لم نسجله بالمحكمة، لكن قريبًا سنفعل.. ربما أكون حامل الآن.. فبالأمس حجز لنا في الفندق لنقضي وقتا خاصا بنا..))
توقد لهيب بعيني وليد الناعستين وقد احتقن وجهه القاسي من إثر الدم المتدافع بعروقه النافرة.. فقاطعها بحدة وعنف
((اخرسي، هل تظنين بأني سأسمح لكِ بأن تبقي على ذمته؟ ستُطلَّقين منه الآن.. الآن وقبل أن يتم تثبيت زواجكما في المحكمة! وبعدها سأستعيدك وانتقم منكِ على مهل على ما فعلتيه يا شيرين، ستدفعين الثمن باهظًا))
قهقهت شيرين بسخرية ((فلتحلم))
هتف لها بتوعد خطير
((سأفعل يا شيرين وسترين، أنا مستعد لاستعمال أقذر الطرق في سبيل الحصول على ما أريد، وأنا أريدك، ولن يعتقك مني إلا موتك.. كلما أدركتِ هذه الحقيقة كان لصالحك))
انقطع صوته فجأة فأبعدت شيرين الهاتف عن أذنها تنظر لشاشته ثم تشدقت بنبرة مقيتة
((لقد أغلق الهاتف))
أمسكت سهر كتفها بعنف وصرخت بها ساخطة وهي تهزها
((مجنونة أنتِ.. مجنونة حرفيًا.. لماذا تصرين على تلطيخ سمعتك؟ كيف تقولين بأنكِ تزوجتِ منه منذ أشهر بدون عقد في المحكمة!))
كانت شيرين مغمورة بالاستهتار وهي تقول
((لم أفضح نفسي، قلت هذا فقط أمام وليد ولو لم أقلها كان ليستشف حقيقة ما حدث ويتشمت بي، ولن أسمح له بذلك))
نظرت سهر إليها بذهول مجنون على وشك أن تفقد رشدها تمامًا.. فردت بحدة صوتها الجهوري
((وماذا لو فضحك في الأرجاء يا مجنونة؟ لو كنتِ تتعمدين تشويه سمعتك لما قلتي ما قلتيه الآن))
تنهدت شيرين بوهنٍ بينما تنطق بيأس ينتابها ((لا يهم))
لامبالاتها أفقدت سهر آخر ما تبقى من ذرات عقلها فانفجرت بها صارخة
((إذا كانت سمعتك وكرامتك لا تهمانك، فلا بد أن سمعة الرائد مُعاذ ستهمه.. ألم تفكري بأنكِ ستؤذينه هكذا؟ أعرف بأن ما فعله بكِ عند تراجعه عن الزواج في آخر لحظة كان دنيئا منه ولكنه لا يستحق منكِ ذلك))
تراخى حاجبا شيرين وهي تستوعب صحة ما قالته سهر فنكَّست رأسها ألمًا وخزيًا ثم غمغمت بتأنيب ضمير
((لم أفكر بصراحة بأني قد أسيء لأحد غير نفسي، لم أكن مركزة إلا بكيف لا أسمح لوليد أن يتشمت بي))
انفرج شيء من ملامح الغضب عن سهر وهي تعاتبها
((طوال عمرك كنتِ الصديقة الرزينة الوقورة التي تمنعيني من الإقدام على أمور مستهترة لا أعرف كيف تبدلت الأدوار وصرتِ أنتِ اللامبالية وأنا الحكيمة الناصحة.. عليكِ أن تكوني أكثر حذرًا، من أجل مصلحتك أنتِ فسمعة الفتاة مثل الزجاج إذا..))
عند هذه النقطة كانت شيرين غير قادرة على تحمل المزيد فنفضت يديها عنها وابتعدت تهتف بها بامتعاض
((أنتِ بالذات يا سهر لا تتحدثي عن السمعة لأنه لو كان لديكِ ذرة اهتمام بها لما كنتِ هربتِ من زفافك قبل سنوات طويلة.. لم تهربي مرة بل مرتين.. لديكِ ماضي مشرف))
هتفت سهر بها باستهجان
((لا تعايريني بماضيَّ أبدًا! المرة الأولى كان خطيبي سكيرًا مدمنًا غائب الوعي معظم الوقت فلم يكن أمامي إلا أن أتركه في حفل خطبتنا حتى لا ابتلي به خاصة تحت ضغط وإصرار أمي في الزواج منه، أما الثاني فأمه متسلطة وكان يصيبني بالضجر من تزمته وجفائه معي، لم يكن يحب الخروج ولا السفر وكانت الجدية أسلوب حياته ولو تزوجت منه لكان انتهى كل شيء بيننا بالطلاق.. لقد اضطررت أكثر من مرة أحدق بالرجال بجرأة وأغازلهم حتى لا يحمل تجاهي إلا كل امتنان بأني لم أتزوجه وابتليه بي.. لكن في النهاية انقلب عليّ كل شيء واكتشفت بأني ما فعلته أساء لي أنا فقط))
قطّبت شيرين حاجبيها تغمغم
((بالطبع سيسيئ لكِ أنتِ فقد كانت هناك ألف طريقة لتفسخي زواجك بالاثنين دون أن تهربي من الحفل))
أخذت سهر نفسًا عميقًا دون أن تشعر بأي ضيق من ذكر شيرين الموضوع فهي تتفهم تخبطها
((صدقيني ما كانت أمي لتسمح لي بذلك في المرتين، فأمي لا تنظر إلا لوضع الرجل المادي الذي سيتزوج مني، لكن مع ذلك فأنتِ محقة لم يكن عليّ الهرب وتلطيخ سمعة عائلتي، في النهاية لم يتضرر أحد غيري.. وكان هناك ألف طريقة غير هذه الطريقة))
أرجعت سهر شعرها خلف أذنيها وتأست ملامحها وهي تستطرد
((استطاعت عائلتي المداراة على هروبي أول مرة لكون الحفل حدث في الخارج لكن في المرة الثانية صرتُ علكة على كل لسان، وحتى بعد مرور أكثر من عشر سنوات لا زلت أدفع ثمن الفضيحة التي خلفتها ورائي بهروبي ولا زالت النسوة حتى الآن يزغردن بها والألسن الراقية ترفض أن تعتقها))
كلام سهر جعل الكثير من مشاعر الغل والألم تضطرب في داخل شيرين وتنتفض بقوة لتقول بصوتٍ متحشرج مستحضرة الماضي في حديثها
((عندما تركني وليد قبل عشر سنوات في نفس يوم الزفاف وتزوج من أخرى لم يلمه أحد وكانت سمعتي أنا وحدي هي من خُدِشت.. كان الكل يتحدث عن الجريمة التي فعلتها ليتركني في هذا اليوم! أما الرجل الذي كان من المفترض أن تتزوجي منه لم يعاني أبدًا بل تزوج من أخرى غيرك بمنتهى البساطة والسلاسة.. المرأة إن تُرِكَت أو تَرَكَت فهي المذنبة ومن تُحاسب.. اللعنة تكمن فقط في كونك أنثى بمجتمع ذكوري كهذا!
دمدمت سهر بخفوت وهي تشعر بوجعها ((ربما..))
صمتت شيرين بروحٍ تذوي ببطء من إثر تذكر ما حدث لها بالماضي ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة مريرة وهي تغمغم بألم
((بل أكيد، إياكِ أن تشعري بالذنب من أجل الرجل الذي تركتيه في الماضي في حفل زفافكما، فلم يعاني هو أي شيء))
ثم تنهدت وهي تتوقع الأسوأ كردة فعل من وليد على ما سمعه.. إنه قادر على التسلط عليها أكثر مما تتخيل.. لكنها ليست نادمة فعلى الأقل كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لتبعده عنها بعد أن عرف أن اللعبة التي لطالما أراد امتلاكها باتت معطوبة غير صالحة بعد أن سبقه رجل إليها!
=============================
في الصباح الباكر..
أغلق مُصعب آخر أزرار قميصه عندما سألته نورين المستلقية جانبًا على السرير وهي تقلب صفحة أخرى من الكتاب أمامها
((ولماذا سافر البطل هنا دون أخذ نقوده؟ أين المتعة والمغامرة في العيش كالمتشردين في بلاد غريبة؟))
زفر بضيق قبل أن يزجرها نفاذ صبر
((أكملي الكتاب للنهاية وستعرفين الإجابة))
عقدت حاجبيها تقول له بلوم ممزوج بالحنق الضمني
((لماذا غضبت؟ أنا لهذا طلبت منكَ كتابًا سبق وقمت بقراته حتى أخلق حديثًا لنقاشه معكَ، سيساعدني هذا في فهم شخصيتك))
تجهم وجه مُصعب وتوقف عما يقوم به وهو يحدق بانعكاسها في المرآة.. فازداد عبوسها وأمسكت الكتاب ترفعه وتلوح به وهي تقول
((ألم تلاحظ بأنه منذ أن بدأت بقراءته وقد تقلصت مساحة الصمت بحياتنا؟ عليكَ أن تهديني كتابًا أخر فقد قاربت على إنهاء هذا))
ظل مُصعب على حاله متجمد الملامح للحظات قبل أن تنفرج ملامحه وينفجر ضاحكًا على ما قالته.. ورغم شعورها بشيء لذيذ يتسلل لقلبها على إثر صوت ضحكاته الرجولية الرائقة التي لا تشبه مزاجه النكديّ المعتاد في الصباح.. إلا أنها سرعان ما تداركت نفسها وقطبت حاجبيها تعقب بامتعاض
((لماذا تضحك؟ هل قلت شيئًا تسبب بضحكاتك؟))
خفتت ضحكاته تدريجيا وفتح خزانته يخرج شيئًا منها متهكمًا بنبرة مميزة
((أنتِ غريبة الأطوار حقًا، لا أفهم كل هذا الإصرار فيكِ على اكتشاف شخصيتي، أنا نفسي لا أفهمها ولستُ مهتمًا بذلك، حتى والديّ على وجه الخصوص لم أكن مفضلهم))
ناظرته باستغراب متسائلة
((من هو مفضلهم بين إخوتك؟ مَالك؟))
همهم لها ثم أجاب بصوتٍ أجش مرح
((نعم مَالك وتؤامه مَازن هما المفضلان عند أمي لأنهما أصغرنا، مُعاذ ومُؤيد هما المفضلان عند أبي لانهما أكبرنا، لذا لم اعتد أن أكون موضع اهتمام لأحد، ولطالما فضلتُ ألا أكون اجتماعيًا وألا انخرط في زمالات وصداقات كثر))
تركت نورين الكتاب جانبًا واعتدلت واقفة من السرير تقول وهي تقترب منه وتقف على مشط قدميها وتحيط رقبته بذراعيها هامسة بدلال محبب
((لا أحب إزعاجك ولكن في نفس الوقت لا أريد أن أكون بعيدة عنكَ أكثر من ذلك.. ثم هنا أنا لا أملك أحدًا غيرك لاهتم به في جل وقتي يا أميري!))
رفع كفيه يبعد ذراعيها عنه بلطف بينما يوبخها بعبوس مصطنع
((لا تدعيني بأميري هذه! هل تريني طفلًا في العاشرة من عمره؟))
انفرجت عن ثغرها ابتسامة متسليه وهي تناكفه
((بل أنتَ أميري، وأميري هذا سيجلب لي كتابًا آخر لأقرأه))
انزوت طرف شفاهه بغيظ ثم هدر متجاوزا إياها
((لقد كنت أعد الساعات والأيام لتنهي هذا الكتاب وتعتقيني من أسئلتك ونقاشاتك بخصوصه، هل أنا مجنون لأبلي نفسي بكتاب آخر!))
ضربت نورين الأرض بقدمها وزمت شفتيها متذمرة
((مُصعب أنا جادة أريدك أن تحضر لي كتابًا أخر سبق وقرأته))
فتح ثلاجته الصغيرة وتجهم عندما لم يجد أي من مشروباته الغازية في داخلها.. لكنه لم يعقب بل أغلقها وأمسك مقبض الباب وقبل أن يغادر نظر لها من فوق كتفه متبسمًا ببعض الشجن فتبدو ملامح وجهه أكثر ترققًا وهو يقول مشككًا
((ربما أغير رأيي، لا أدري))
خرج وأغلق الباب خلفه لتبتسم تلقائيًا وهي تتأكد من أنه سيجلب لها كتابًا أخر..
أغمضت عينيها وهي تأخذ نفسًا طويلًا عميقًا ثم أغلقت الكتاب وبدأت تقوم بروتينها الصباحي بنشاط..
خرجت من جناحها إلى حيث تعمل سمية تقضي معها بعض الوقت.. أطعمت معها الدجاجات والنعجات والحصان وكلب الحراسة وسقت الأشجار والأزهار والورود الفواحة بروائحها العطرية وأحواض النعناع والبقدونس بينما تتجاذبان أطراف أحاديث عامة..
عادت لجناحها بعد ذلك تغتسل ثم إلى بيت سمية حيث دعتها لشرب فنجاني قهوة معها وحلوى لذيذة كامتنان على مساعدتها.. أما سمية أنهت ارتداء جلابية مريحة بعد أن اغتسلت وجففت شعرها ثم ذهبت لتستقبل نورين التي سألتها مباشرة بمجرد أن دخلت منزلها الصغير
((أين هو يزيد؟ اشتقت له))
تطلعت سمية لساعة الصالة الجدارية باستغراب
((لم انتبه أنه تأخر اليوم، في العادة يكون هنا قبل نصف ساعة))
عقدت نورين حاجبيها وهل تدلف للداخل مؤصدة الباب خلفها
((فهد وباسم عادوا مع السائق قبل قليل، غريب ألم يعد معهما؟))
ناظرتها سمية بتوجس ثم قالت ونظرها يتشاغل بالمكان بحثًا عن هاتفها
((يجب أن يعود معهما فالسائق يقلهم جميعًا مرة واحدة))
بمجرد أن وقع بصرها على الهاتف حتى أمسكته وكانت تهم بالرنين على مَالك والاتصال به عندما قالت ذاهلة باستغراب
((هناك ثلاث اتصالات فائتة من مَالك على فترات متباعدة))
سألتها نورين بدهشة
((مَالك.. مَالك هو مَالك الذي نعرفه.. شقيق زوجي؟))
صوبت نورين نظرها الثاقب عليها بتدقيق أشعر الأخرى بالتلبك والتشتت فسارعت تقول مرتبكة تصحح ظنونها
((نعم.. أقصد.. هو فقط رقم مَالك الذي أحفظه بهاتفي.. فأحيانًا تطلب مدرسة يزيد ولي أمره ولأنه أباه ليس متفرغًا دائمًا.. يذهب مَالك عوضًا عنه أحيانًا.. إنه يعمل معلم وإداري في مدرسة ثانوية مقابلة لمدرسة يزيد الابتدائية))
شعرت نورين بالريبة من توترها أثناء تبريرها ودفاعها إلا أنها قالت بتلقائية
((عاودي الاتصال به، ربما يزيد معه))
أومأت لها سمية وبدأت تطلب رقم مَالك وهي تقول دون أن يتلاشى ارتباكها
((حسنًا.. يفترض الآن أن يكون في عمله في المدرسة.. لذا لا أدري لأي سبب قد يُلِح في الاتصال بي بهذا الشكل))
بمجرد أن وصلها صوته الهادئ حتى بدأت سمية تستفسر منه إذا ما كان يزيد معه ما إن جاءها الرد حتى شهقت بهلع لتقول وقلبها ينقبض بخوف
((هل إصابته سيئة؟))
فزعت نورين من مكانها نحوها تسألها بقلق لهف
((ماذا هناك؟ ماذا حصل مع يزيد؟))
بدا الخوف جليًا على ملامح سمية وارتعاش ثغرها
((في أي مشفى؟ حسنًا سآتي حالًا..))
ابتلعت سمية أسئلتها القلقة الباقية لتسارع بلوعة إلى غرفة نومها فلحقتها نورين وهي تسألها بإلحاح
((سمية من هو الذي في المشفى؟ يزيد؟))
أخرجت سمية على عجل أول عباءة طالتها يدها وهي تقول بكلمات مبعثرة لملمتها بلا تركيز
((يزيد.. معلم يزيد اتصل بمَالك وأخبره أنه وقع أرضًا.. وأصيب بيده.. ونقلوه الآن إلى المشفى))
شهقت نورين بفزع وسألتها
((هل إصابته خطيرة؟))
بدأت تبحث سمية عن وشاح تحيط به شعرها وهي تجيبها لاهثة
((قال بأنها بسيطة، لكن لا أصدقه.. لا أدري.. يا رب احفظه لي وسلمه))
أخرجت سمية محفظتها وحقيبتها وهي تقول بتخبط
((سأذهب لطلب سيارة أجرة.. أوه لا..))
ضربت جبينها تسترسل بضياع
((يا إلهي قد تتأخر أي سيارة أطلبها للقرية، وموقف الحافلات بعيد من هنا قليلًا))
فجأة برقت عينا نورين لتقول متعجلة بينما تغادر
((اهدئي يا سمية.. سأذهب لأحضر سيارة زوجي، لقد ذهب لعمله بدونها وسأعود حالًا.. خمس دقائق وأحضر))
.
.
في الطريق كانت نورين تقود سيارة مُصعب بحذر بينما تناظر سمية زائغة النظرات وشاحبة الوجه بين الفنية والأخرى.. فقالت لها بما قد يخفف عليها
((ألم يقل لكِ مَالك بأنه بخير؟ توقفي عن البكاء وتأكدي إذا ما كنت أسير باتجاه المشفى الذي ذهب له، فهو ليس نفس المشفى الذي يعمل فيه مُصعب))
خرجت الكلمات ملتاعة من شفتي سمية
((أعرف ذلك لكن قلبي لن يطمأن قبل أن أرى فلذة كبدي أمام عيني وأتفقد إصابته))
.
.
في المشفى..
كان الطبيب يقوم بتفقد خدوش وجه يزيد وجروحه بالمرهم بحذر خاصة بسبب تململ وتأوه يزيد الشديد.. أما يده فلم تصبها أكثر من رضة..
وقف مَالك يطالع سمية بتجهم كيف تجلس جانبًا شبه منكمشة على نفسها بأنفاس متقطعة والخوف يسكن مقلتيها الموجهتين على يزيد وهو يتداوى..
تشعشع القهر بين منابت أضلعه لعدم قدرته على احتضانها وتبديد لوعتها على يزيد ولو أن ردة فعلها مبالغ بها.. استدار يبعد أنظاره عنها ومرر أنامله خلال خصلات شعره يكاد يقتلعها من غضبه.. لو فقط تعطيه الحق فيها كان ليكون الأمر أسهل عليهم جميعًا..
استقام الطبيب واقفًا من مكانه بينما يقول
((لا تسمحي له بلمس المرهم الذي وضعته ريثما أعود بعد دقيقة))
أومأ مَالك للطبيب ثم انتبه لسمية تسارع في احتضان يزيد بقوة ووضعه في حجرها ولسانها يلهج "بحمد الله".. لا بد أن قلبها الرقيق كاد أن يتفجر خوفًا عليه طوال الطريق!
تذمر يزيد الصغير بصوته الموجوع
((لستُ مرتاحًا للمرهم الذي وضعه الطبيب على وجهي، إنه يلسع))
مد يده السليمة للشاش بجانبه يرفعه لوجهه ويمسح المرهم رغمًا عن اعتراضات أمه قائلا بعناد
((إنه يحرق ويؤلمني))
عاد الطبيب للغرفة في هذه اللحظة ليستقر بصره على ما فعله يزيد.. فهتف به غاضبًا
((لماذا مسحته يا يزيد؟))
أربد وجه يزيد من زعيق الطبيب عليه والذي استطرد كلامه بسخط لسمية
((ألم أقل أيتها السيدة ألا تسمحي لابنك بالعبث في وجهه! مع من أتحدث أنا؟))
أخفضت سمية وجهها أرضًا متنصلة من نظرات ممرضتين جاءتا من الخارج بفعل علو صوت الطبيب وغمغمت بإحراج
((أنا أسفه، إنه شقي قليلًا..))
قاطعها صوت مَالك الذي اقترب من الطبيب يقول بهدوء مشوب بالتحذير
((لو سمحت انتبه للهجتك وطريقة حديثك غير اللائقة مع أم يزيد))
ارتبك الطبيب من توبيخ مَالك المبطن خاصة وهو يعرف ابن من هو وعائلته.. ثم سعل قليلًا يجلي صوته قبل أن يقول بخشونة
((أعتذر، أنا بالتأكيد لم أقصد ولكن ابن حضرتك لا يسمح لي القيام بعملي))
بدأ مَالك يوجه يزيد بحزم
((يزيد اهدأ قليلًا ودع الطبيب يقوم بعمله جيدًا))
أطاعه الصغير بل تحامل على ألمه ليسمح للطبيب بوضع اللاصقات فوق جروحه..
شيء من الراحة تسللت لقلب سمية وهي ترى مَالك يتولى زمام الموقف بثبات.. لكن في نفس الوقت تمنت فقط لو تنفض عنها ذاك الضعف المتخاذل البغيض وتتحلى ببعض الصمود فلا تحتاج لمساعدته في كل شيء يتعلق بأبنها.. فاليوم أو غدًا هو لن يضل دائمًا متواجدًا من أجلها.. أو حتى من أجل يزيد..
أتم الطبيب عمله وقال قبل أن يغادر
((خدوش وجهه سطحية وستلتئم من تلقاء نفسها وتختفي آثارها مع مرور الوقت في حالة الحفاظ على الجلد نظيفًا))
أومأ مَالك للطبيب مغمغمًا بكلمات الشكر والعرفان قبل أن يقول لسمية
((سأذهب لشراء أحد العقاقير الطبية المضاد للبكتيريا ومسكات للألم))
دمدمت له بصوتٍ خافت دون أن تجد القدرة على رفع وجهها له ((حسنًا.. سأنتظرك))
بمجرد أن غادر مَالك الغرفة حتى تبعته سمية وجلست على إحدى المقاعد في البهو.. انتبهت فجأة لنورين تجلس بجانبها وهي تمسك طبقًا بلاستيكيًا مغلفًا يحتوي بعض الفطائر وقالت بصوتٍ يشوبه المرح
((كان هناك نقودًا في سيارة مُصعب فاشتريت شيئًا حلو المذاق ليزيد))
عبست سمية ولاحت منها نظرات العتاب وهي تقول
((يجب توبيخه على شقاوته في المدرسة لا مكافئته))
ضحكت نورين بخفوت ومدت أناملها تمسد وجنة يزيد..
ثم مطت شفتيها وبدت متوترة فيما ستقوله إلا أنها قررت أن تتجاوز حدودها وتتساءل بتعابير مشاكسة
((لماذا لم تقولي للطبيب بأن مَالك ليس زوجك كما يعتقد هو))
ازداد عبوس سمية ثم استنكرت باندفاع
((ماذا؟! متى قال الطبيب هذا؟ لو سمعته لصححت له على الفور))
ضيقت نورين عينيها وقالت بتشكيك
((بل تحدث مع مَالك بصفته والد يزيد وقال "ابن حضرتك"!))
استعاد ذهن سمية ما قال الطبيب بالضبط قبل قليل ثم هزت كتفيها تقول بعفوية
((نعم لقد قال له ذلك لكنه لم يخاطبه على أساس أنه زوجي))
رفعت نورين حاجبيا تسأل وهي مستمتعة في لعبة المراوغة هذه
((وما الفرق بين الاثنين.. إن ظن بأن مَالك والد يزيد أو ظن بأنه زوجك.. نفس الشيء))
جفلت سمية عند هذه النقطة.. فابتلعت ريقها بتوتر وتلعثمت والارتباك يتجلى عليها بينما عيناها تهربان من مواجهتها
((أوه معكِ حق، نفس الشيء.. إذا تكرر خطأ الطبيب هذا ثانية سأصحح له.. المهم هل جئتِ من كافيه المشفى منذ وقت طويل؟))
قاطع يزيد كلامهم وهو يمد يده السليمة نحو الفطائر ويتساءل ببراءة طفل
((هل هذه الفطائر غنية بالشوكولا أو بالكريمة؟))
حدجت سمية بغضب متقد، فبعد أن تأكدت من سلامة صغيرها تذكرت الآن بأنه قد حان وقت تقريعه وتوبيخه فزجرته قائلة
((انظر ماذا فعلت شقاوتك بكَ! هذه المرة انتهى الأمر برضة في يدك وخدوش بسيطة على وجهك! ماذا ستفعل بنفسك في المرات القادمة؟))
فاضت عيني يزيد بالعبرات من طريقة حديث والدته معه.. وكانت سمية ستكمل لولا أن مَالك عاد عندهم ونبهها
((اخفضي صوتك نحن في المشفى))
رفعت سمية الجالسة نظرها له وهي تقول بصوتٍ متحشرج
((أنا أريده فقط أن يقلل من فرط حركته وشقاوته))
حدجها مَالك بنظرات غير راضية مغمغمًا بوجوم
((لا تصرخي على الصغير أمام أحد لو سمحتي، ثم هو لم يقصد أن يوقع نفسه من فوق الدرج الخشبي.. معلمه اتصل بي مرتعبًا بسبب صراخه وبكائه العالي من أن يكون شيئًا أشد قد حدث له لكن لا شيء فعليًا يستدعي القلق))
شيء من الألم شاب لمعة عيني سمية وهي تقول بنظر شارد
((يزيد يحب لفت الانتباه كثيرًا، بمجرد أن ينزف قطرة دم حتى يملأ الدنيا صريخًا وبكاءً))
أمسك مَالك يد يزيد الصغيرة يمرر إبهامه فوقها هادرًا بعتاب ومزاح
((نعم أذكر بأنه خدش مرة أحد أنامله وبدأ في نوبة بكاء استمرت لساعات مع أخد استراحات كل ربع ساعة))
أغمضت سمية عينيها تخفي الألم الذي توهج داخلهما فما يفعله ابنها من شقاوة ولفت انتباه لحاجته للاهتمام.. وكان نفس الشيء تفكير مَالك وهو يدرك أن السبب الحقيقي وراء بكائه أو عناده أو نوبات الغضب عنده لجذب انتباهه هو..
تساءلت نورين باستغراب
((كيف وقع بالضبط فوق الدرج؟))
قصّ مَالك عليها ما حدث
((أخبره المعلم أن يكتب إجابة سؤال ما على السبورة وهو مشاكسا خرج من مقعده عن طريق الصعود فوق الدرج ومن ثم القفز على الأرض، إلا أنه لم يكن موفقًا في قفزته))
تململ يزيد من حجر سمية ليقترب من مَالك الذي جلس عند مقعد مقابل لهما..
بدأ مَالك يتحدث مع يزيد بمحاولة إخراجه من حزنه وألم يده ويمازحه فيقهقه الصغير ويندمج معه..
لامست ضحكة يزيد الطفولية أوتار قلب سمية.. خاصة وهي ترى مَالك يداعب خصلات شعره الناعمة بحنان ويدمدم له
((يا عيني عليكَ يا يزيد.. اضحك.. اضحك.. لا ضحك غيرك))
قالت لها نورين بما يستدعي انتباهها
((سأنتظرك تحت عند سيارة مصعب، علينا الاستعجال فغالبًا لم أركنها في مكان مناسب))
انتصبت سمية واقفة وقالت
((حسنًا دقائق وسألحقك أنا ويزيد))
بمجرد أن ذهبت نورين مبتعدة حتى تبدلت ملامح سمية بأخرى حانقة وهي توجه كلامها لمَالك مفسدة هذه اللحظات الرائقة بينهما
((بدل من أن تضحكه علِّمه ألا يفرط في حركته في الفصل ويطيع معلمه!))
تغضن جبين يزيد بضيق من لوم أمه فرفع رأسه يتطلع لمَالك منتقما
((أمي هي من أخبرتني بعد أن ضاع ملفك الأسود ألا أدخل لغرفتك أو أتعاطى معك إلا في الخارج))
نظر يزيد بتشفي لأمه التي أشاحت بنظرها خجلًا وضيقًا..
ضيّق مَالك نظراته التي يرشقها لسمية بغل ثم قال
((أعرف ذلك يا يزيد، فأنت لا تبتعد عني إلا بتحريض من أمك اللئيمة))
ردد يزيد من خلفه بحنق طفولي ((نعم صحيح))
لكز مَالك رقبته برفق يردعه بصرامة
((أنا وحدي المخول بشتم أمك، ثم لم يكن من الصحيح أن تشي بها))
رفع يزيد يده يمسد رقبته وهو يومئ بطاعة وقد أصبح وجهه كحبة الطماطم.. في حين قامت سمية من مكانها تمد يدها لتمسك كف صغيرها وهي تقول باقتضاب
((هذا يكفي.. لنعد الآن))
سارت سمية للأمام تنوي التوجه للخارج في حين أبقى مَالك مسافة بينهما وهو يقول
((دعينا نذهب لمطعم ما لتناول الغداء فيه، ثم سأوصلكم بسيارتي))
ناظرته سمية وهي تقول عاقدة الحاجبين
((لا داعي، سأعود بسيارة زوج نورين، لا يصح أن تتأخر أكثر هي الأخرى عن العودة))
تسائل مَالك بذهول يشوبه عدم تصديق
((ماذا؟ سيارة مُصعب؟ هل قادتها بنفسها إلى هنا؟))
وبمجرد أن خرجا من المشفى حتى سارع مَالك خطواته نحو السيارة التي كانت تجلس فيها نورين خلف المقود وسألها
((هذه سيارة مُصعب؟ هل أخبرته بأنكِ ستخرجين بها؟))
تطلعت نورين له من خلال نافذة السيارة المفتوحة تجيبه بتوتر
((لا لم أفعل، كنت مستعجلة ولا أملك هاتف، علينا أن نسرع في العودة رغم أنه لن يصل إلا ليلًا))
ابتعد مَالك قليلًا للخلف يطلب منها
((ترجلي منها واصعدي للخلف ودعيني أنا أقود السيارة لأضمن عودتنا بها بلا أي خدوش))
عقدت حاجبيها حانقة تقول
((لا تقلق أنا أقود جيدًا))
أصر مَالك عليها
((مع ذلك دعيني أتولى القيادة لأني أريد الذهاب لمكان آخر قبل العودة للبيت))
بتردد أطاعته نورين وفتحت مقبض الباب تترجل من السيارة ليحتل مَالك مكانها.. فقالت سمية بامتعاض وهي تراه يشغل المحرك
((وماذا بشأن سيارتك يا مَالك؟ من سيعيدها؟))
نظر لها يخبرها ببساطة
((سأتدبر أمري، ربما مساءً سأستقل سيارة أجرة توصلني إلى هنا وأعود بها للبيت.. لا تقلقي أنتِ.. هيا اصعدي))
ثم ناظر يزيد يخبره بابتسامة بما جعله يهرول مطيعًا
((اجلس يا يزيد بجانبي بسرعة))
رفعت سمية كفها تمسد جبينها وهي تخفض بصرها المتشتت أرضًا كما قرارها في هذه اللحظة.. لا يصح لها أن تستقل معه السيارة وتعود للقرية.. لكنها لربما وجود نورين ويزيد قد يخفف وطأة الأمر!
شعرت بالحنق من كل أفعال مَالك فهو مُصِر على التدخل بكل تفاصيل حياتها ولا يكتفي بحياة يزيد فقط!
انتبهت لصوت نورين الجالسة في الخلف وهي تخفض زجاج نافذة وتهمس لها متعجلة
((هيا استقلي السيارة يا سمية سنتأخر..))
قال مَالك بملامح منتشيه وهو يثبت حزام الأمان الذي حاوطه بجسد يزيد
((هيا يا سمية سنتأخر))
أعلنت سمية استسلامها وهي تعض شفتها السفلى بغيظ واستقلت في المقعد الخلفي بجانب نورين.. ثم أغلقت الباب خلفها بعنف جعل الأخرى تعاتبها هامسة
((إنها سيارة مُصعب، لا تفرغي حنقك من أخيه في سيارته))
كتم مَالك بصعوبة ضحكته.. وكان يشعر بدمه داخل أوردته يجري سعيدًا حرًا منطلقًا في شرايينه لفكرة أنه سيخرج مع سمية ويزيد كعائلة حقيقية أخيرًا! قال متسائلًا بينهم
((إذن هل هناك مطعم محدد تريدون مني الذهاب له لتناول الغذاء أم أختار على ذوقي؟))
شبكت نورين أنامل يديها بارتباك ثم قالت مترددة بشيء من الحرج
((مَالك أعدني للقصر أولًا ثم يمكنك الذهاب لأي مكان آخر، لا يصح أن أبقى طويلًا خارج المنزل))
عقّبت سمية على كلامها معترضة
((كيف تريدين أن تعودي للبيت وأبقى معه هنا ويزيد! مَالك أعدنا فورًا))
حرك يزيد قدميه بحنق طفولي وهتف بإحباط
((ولكن أنا يا أمي جائع، أريد الذهاب الآن للمطعم))
تدخل مَالك يقول لنورين فوجودها مهم ليحظى برفقة سمية ويزيد
((ألم تقولي بأن أخي سيعود متأخرًا؟ لا حاجة للعودة مبكرًا؟))
حاولت نورين النطق بكلمات الاعتراض إلا أن مَالك حسم النقاش هادرًا
((لن نتأخر.. ساعتين بالكثير ونعود للبيت، سأتصل بأمي لأخبرها بأنكِ معي برفقة سمية ويزيد بحالة بحثت عنكِ..))
قاطعته نورين هاتفة باعتراض يشوبه القلق
((لا.. لا تخبرها.. أنا سأعود وأخبر مُصعب عن خروجي ثم هو له مطلق الحرية في إخبار والدته.. فعلى كل حال لن تلحظ غيابي.. المهم ألا تقول لها شيئًا مباشرة))
طمأن مَالك نورين ((ممتاز.. ومُصعب لن يعود من عمله فجأة فهو تقريبًا من بعد وفاة يحيى صار ملتزمًا بشكل فائض عن اللزوم في العمل، وكأنه الملجأ الوحيد ليشغل نفسه فيه))
تشدقت نورين مؤكدة ((لدي فكرة مكتملة عن هذا!))
ظل مَالك يركز نظره في الطريق أمامه قبل أن يقول بهدوء
((اصغي لي، أنا لم يسبق وأن قلت هذا أمام أحد ولكن حالة مصعب كانت صعبة للغاية بعد وفاة يحيى، كنت أحيانًا أتفقده في الليل في غرفته شاعرا بخفة نومه.. كان يستيقظ كثيرًا في الليالي المظلمة يتحسس هاتفه ويتفقد رقم ابن عمنا المحفوظ في المذكرة..))
همست نورين بصوتٍ أجش خافت متعجبة
((غريب أن نومه كان خفيفًا.. إنه حاليا لا يفعل شيئًا إلا النوم.. ينام كثيرًا بعمق))
غمر صوت مَالك التفاؤل
((أتمنى منكِ أن تحاولي دعمه وتفهم الفقد الذي يمر به حتى يستطيع البوح لكِ بكل التفاصيل، فمن الصعب أن يتجاوز التجربة بمفرده.. سيرتاح لو تشارك بها مع أحد آخر))
همهمت نورين لمَالك وعقلها يأخذها بدوامة التفكير في مُصعب.. لم يسبق وأن أفضى لها بأمر متعلق عن ابن عمه يحيى.. ولا تظن بأنها يمكن أن تتحدث في الموضوع معه إذا لم يكن هو مبادرًا!
=============================
مشفى القرية..
تأوه مُصعب تعبًا وإنهاكًا بينما يجلس فوق إحدى المقاعد الموضوعة في الساحة المقابلة للمشفى الذي يعمل به..
رفع كوب قهوته الساخنة يرتشف منها قليلًا قبل أن يمسك هاتفه الذي صدح رنينه عاليًا..
كان اسم والدته يعلو شاشته فرد على الفور مغمغمًا بكلمات السلام ليصله صوت أمه مرتعشًا مرتبكًا بينما تخبره
((مُصعب زوجتك ليست في البيت، منذ ساعات وهي غائبة بعد أن هربت بسيارتك))
اتسعت عينا مُصعب وعقله لا يسعفه أن يستوعب ما تقوله أمه التي تكمل بنفس نبرة صوتها
((والله يا ابني أنا لم أكن لأتصل بكَ في عملك وأفزعك إلا بعد أن فقدنا الأمل في إيجادها.. والدك ارتفع ضغطه.. ليس هناك رجل في البيت إلا أخاك مُؤيد وهو يغلي انفعالًا وتوعدًا أثناء بحثه عنها.. أنا خائفة أن يجدها قبلك))
همس مُصعب بلا تصديق وهو ينتفض واقفًا
((أمي ما هذا الذي تقولينه!))
خوف قبض قلبه من النتائج التي قد تحدث لو فعلًا هربت نورين كما يزعمون إلا أنه تحلى بشيء من التعقل متسائلا
((أمي أخبريني أولًا هل ضايقها أحد منكم؟ أو تجاوز الحدود معها؟))
قالت أمه مدافعة عن نفسها بصوتٍ متحشرج وعيناها تدمعان ((أبدًا يا مُصعب.. أنا أحرص كل الحرص على تنبيه زوجة أخيك مُؤيد والعاملين في القصر على حسن معاملتها))
لجم مُصعب ارتباكه وقال لها بشيء من الثبات
((لا بأس يا أمي.. دعينا نجدها أولًا دون أن نثير بلبلة))
أخذت دموع والدته تنسكب فتمسح وجهها بظاهر كفها
((كفّ الله يا بني كل شر عنكَ أنتَ وإخوتك وباقي الشباب.. أنا لن أسامح نفسي إذا حدث واختفت أو حتى عادت لعائلتها فهذا يعني عودة الصراع بين العشيرتين))
قال مُصعب بعقلانية تهدأ والدته
((سأعود حالًا.. سأتفقد مزارعنا لعلِّي أجد أو أسمع ما قد يساعدني على إيجادها.. كل شيء سيكون بخير لا تقلقي))
أغلق مُصعب الخط مع والدته وسارع يطلب رقم سيارة أجرة مستعجلة.. وأثناء انتظاره لها اتصل بمديره يطالب مغادرة لأمر ضروري خارج عن إدارته.. وكان كل ما فيه مشغول بالتفكير بنورين.. هل يعقل أن تكون فعلًا قد هربت؟ ولكن لماذا؟ عاشرها لأشهر طويلة ولم يشهد منها إلا الحكمة والتعقل.. صحيح هي عاطفية ومرهفة الأحاسيس بشكل لعين إلا أن هذا الأمر لم يسبب أي مشاكل وأزمات له معها!
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!