الفصل 19 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
10
كلمة
7,781
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

كان وليد يجلس أمام منضدة الطعام الفارغة بذهنٍ مرهق لم ينل دقيقة واحدة من النوم الفعلي أو الراحة.. الأيام السابقة كانت صعبة جدًّا عليه حتى أنه نسي في غمرة الحدث الأخير الذي عرف من خلاله أن شيرين تزوجت من ابن عمه حياته العملية والاجتماعية.. والأنكى بأنه لم يستطع أن يصل لابن عمه أبدًا.. من جهة لا يستطيع أن يتحدث معه ويجعله يطلقها إلا وجها لوجه.. ومن جهة أخرى لن يستطيع أن يذهب وينظر لشيرين ولا أن يتحدث معها وهي زوجة وعلى ذمة رجل آخر! لن يتحمل!

صدح صوت هاتفه عاليًا ليجيب بلهفة قاتمة عليه

((هل هناك جديد؟))

قال الرجل الذي أجَّره وليد ليراقب فندق شيرين بصوتٍ يشوبه الخوف

((سيد وليد لقد دخل الرائد للفندق))

سقطت الكلمات على جسد وليد كالسوط فتساءل بوجه مخطوف اللون

((هل دخل لجناحها؟))

بدا على الرجل شيء من الارتباك وهو يجيبها

((أنا داخل سيارتي ولم أتبعه داخل الفندق، ولكن لم قد يذهب للفندق إذا لم يكن من أجل الدخول عندها!))

ندم الرجل على سخرية حديثه في النهاية إلا أن وليد لم يعقب على شيء..

لقد كان مُعاذ منكبًا في عمله في الفترة السابقة ولم يسمح لأحد بالوصول له! لكن بالتأكيد وبمجرد ظهوره سيذهب عند شيرين.. فهما الاثنين بحسبتهما ما زالا في شهر العسل!

بتر وليد تفكيره وتخيلاته عند هذا الحد قبل أن تقضي عليه وتساءل بغضب مكتوم

((هل هذه أول مرة يدخل للفندق بعد ذاك اليوم؟))

قال الرجل بتأكيد

((نعم سيدي، أؤكد لكَ بأنها أول مرة، لقد كنت أراقب الأنسة شيرين طوال.. أقصد مدام شيرين طوال الأيام السابقة وأؤكد لكَ بأنها كانت تلتزم الذهاب لعملها صباحًا ومن العمل للفندق دون أن تتوقف بطريقها في أي مكان آخر))

شعر وليد بالأرض تميد به إلا أنه حاول استعادة رباطة جأشه وتساءل بصوتٍ باهت

((راقبهم للنهاية ولا تبعد عيناكَ عن شيرين، سأتواصل في الغد مع مُعاذ))

بمجرد أن أنهى وليد مكالمته حتى صفق فوق المنضدة الخشبية بكلتا يديه.. وكانت أنفاسه تتسارع في رئتيه وتعابيره متشنجةً.. يشعر بحرارة قاتمة تنطلق بين أوصاله كأن هناك من أضرم النيران في صدره.. حتى جسده كان يرتجف من فرط ما ألمَّ به.. يلوم نفسه بإسراف.. لو أنه قام بتعين شخصًا يراقب شيرين منذ البداية لكان تحرك منذ أن عرف بأنها تقابل مُعاذ أو أي رجلًا أخر!

تكورت يده وهو يشعر بخطئه الفادح.. من الغد عليه أن يصل لمُعاذ ويجبره على تطليقها قبل أن تخرج روحه من جسده كمدًا وقهرًا..

أغمض عينيه يمعن الإحساس بخيانتها.. الثانية له.. للمرة الثانية تطعنه بشظايا خيانتها فترديه ميتًا.. للمرة الثانية!

ما يخفف ألم قلبه وروحه ونفسه بأنه يعرف بل متأكد من أن زواجها من مُعاذ لتثأر لنفسها مِمَّا فعله بها.. لا لأنها تحبه..

لم يشعر وليد على خطوات زوجته جُمان التي كانت تدلف للداخل.. ولا على صوتها وهي تسأله إذا كان قد تناول طعام الغداء..

عندما لم تجد جُمان أي رد منه تطلعت له باستغراب وهالها نظراته القاتمة المُدلَهِمّةٌ على غير العادة! فسألته مرة أخرى بحذر وبصوتٍ أعلى وهي تهز كتفه برفق

((وليد.. فيما أنتَ غائب الذهن؟))

جفل وليد بخفة على صوتها.. وتحركت حدقتاه ببطء يستفيق من شروده البعيد ويدرك وجودها فنفض يدها عن كتفه هادرًا بشيء من العدوانية

((لا تلمسيني))

عقدت جُمان حاجبيها وهي تُضيّق عينيها محدقة فيه بدهشة وقلق قبل أن تبتعد عنه قائلة بتجهم ((ما بك؟))

همس لها بصوتٍ ميت مثقل

((كله بسببك.. كل ما أمر به بسببك.. بسببك تزوجت شيرين من ابن عمي ذاك الرائد حقير))

تجلت ملامح التعجب عليها وهي تغمغم متسائلة

((تزوجت من مُعاذ؟))

علا صوت وليد مؤكدًا

((نعم وأحملك أنتِ الخطأ الأكبر، فلولا تلكؤك في طلب الانفصال لكنت تحررت منكِ وأسرعت في زواجي منها))

قطبت جُمان حاجبيها تعقب على كلامه

((أنا لا أتلكأ، طلبت منكَ إمهالي مدة قصيرة حتى أمهد أمر انفصالنا لوالدي المريض..))

قاطعها يقول بنبرة قوية ولهجة شديدة

((وقد طالت هذه المدة يا سيدة جُمان وبسببك تزوجت شيرين))

احتدت عيني جُمان وهي تناظره قبل أن تأمره بتعجب مستنفر

((وليد اخفض صوتك، أنا لا أسمح لكَ بالحديث معي بهذا الشكل))

هدأت وتيرة أنفاسه وأشاح بوجهه جانبًا يغمغم بإصرار وغضب مستعر

((لكن إياكِ أن تظني بأني قد استسلم له أو قد أغفر لها، سأجعله يطلقها اليوم قبل الغد.. هي مسألة وقت قصير))

تغيرت ملامح جُمان بقنوط وهي تسمع ما يقوله ثم قالت بصوتٍ واجم

((على كلٍ، أنا بالفعل بحاجة لأيام قليلة وبعدها سأنتقل من هذا البيت..))

رفع وليد إحدى حاجبيه يعود ليرفع نبرة صوته وهو يخبرها بشيء يشبه التحذير

((فقط عدة أيام وإياكِ والمماطلة أكثر أو إفساد ما أخطط له))

شملته بنظرة معاتبة وهي تخبره بعينين بارقتين دون أن تفقد رزانتها المعهودة

((لست أنا يا وليد من قد يؤذيك، سأبقي كما أنا معكَ للنهاية مهما خاب ظني بكَ، فانتهاء رغبتي بكَ ليست كرهًا))

أخفض وليد بصره في صمت.. ثم ناظرها بطارف عينيه هامسًا بتقرير أقرب للاعتذار ((أعلم ذلك))

تحركت شفتاها أخيرًا في شبه ابتسامةٍ باهتة لا تحمل أي حياة وهي تقول بخفوت

((وليد.. قبل أن ننهى كل ما بيننا أتمنى منكَ لو تتحلى بشيء من الرفقة كالتي امتلكتها وقت تمسكت بي.. لو سمحت))

رفع وليد كلتا عينيه يطالعها بوجه خال الملامح.. لا ينكر أن جُمان من أكثر الأرواح الراقية التي عرفها يومًا التي تحترم ذاتها وغيرها.. تتحدث بعمق.. تطلب بأدب.. تتعامل بذوق.. وأخيرًا.. ترحل بهدوء..

رفع رأسه يخبرها بود رغم تجهم ملامحه

((اعتذر على كل شيء بدر مني))

هزت رأسها نافيه تصحح له

((على العكس.. لطالما كنت إضافة جميلة في حياتي معك..))

أنهت جُمان ما تقوله وغادرت المكان وهي تشعر برضا بالغ بقرار الانفصال بينهما.. فهي لم تتزوجه إلا لأنها أحبته.. ولن تتركه الآن إلا وهي تعرف بأنه لن يكون لها مكانًا في قلبه.. خاصة وأن لا شيء في هذا الزواج يمكن أن يعطيه لها..

حتى الأولاد لم يكن لهم نصيب أن يأتوا في هذه الدنيا ليربطوهما!

بمجرد مغادرة جُمان حتى عادت عينا وليد تشتعلان ولسانه يهمس ثقيلًا ميتًا

((سأستعيدك يا شيرين، سأستعيدك وسأثأر لنفسي منكِ))

وعليه أن يفعل ذلك ويثأر لنفسه على ما فعلته به الآن.. وفي الماضي! أو سيبقى يعيش شبح بروح معذبة لا تعرف طريقها للراحة..

=============================

مجلس النساء..

بحضور الحاجة زاهية ورتيل شكت منال كل ما حدث لسيدة المنزل وطرد مَالك لهم بمسكنة.. وبمجرد أن انتهت حتى غادرت المجلس فسارعت رتيل الجلوس بجانب حماتها تسألها بوجل

((هل ستسمحين يا عمتي لمَالك أن يطرد نعمة وباقي العاملات في المنزل لسبب لم أفهمه من منال بعد.. على ابنك أن يعرف أن لا صلاحيات له في طرد أو إبقاء أحد هنا! هل ستخبرين عمي بما فعله؟))

سددت زاهية نظرات عابسة ولم يعجبها كيف تحرضها على أصغر أبنائها فاستنكرت

((لا لن أخبر الحاج بأي شيء مما حدث وإياكِ أن تُعلميه أنتِ وينفلت لسانك! أو سيبدي امتعاضه من مَالك ويأمر بعكس ما قاله حتى لو ترتب على الأمر أن يُصَغِر من أبنه أمام جميع من يعمل هنا! وأنا لا يهون عليّ أن يكسر أحد كلمة ابني أو يقلل من احترامه ورجولته))

رفعت رتيل كفيها تعترض

((ولكن من أين ستجدين مدبرة منزل أخرى كنعمة تعرفك وتعرف ما تحبين وتكرهين وكيف تتم الأمور هنا في هذا القصر! يمكنك طرد الجميع باستثناء نعمة، فهي مدبرة المنزل هنا منذ الأزل!))

غمغمت زاهية على مضض

((لن أستطيع أن أقلل من هامة ابني أمام أي أحد ولو من أجل نعمة، لكن لو أرادت فسنؤمن لها وللباقيات عمل في مكان أفضل دون أن أنقص عليهم شيء فأنا لا يهون عليّ أن أقطع رزق أحد مهما كان الخطأ الذي اقترفه!))

عقدت رتيل حاجبيها بسخط ثم تبرمت

((الأمر يعود لكِ يا عمتي، ولكن لا أظن بأنكِ ستجدين امرأة كنعمة تعرف كيف تضبط من يعمل تحت إمرتها وتحفظ أسرار هذا المكان.. فأصعب مسألة هي الوفاء وحفظ الأسرار))

أمرت الحاجة زاهية رتيل بلهجة يشوبها شيء من الضيق

((ريثما نعين امرأة أخرى مكان نعمة عليكِ أن تتولي أنتِ مسألة الاهتمام بكل شيء يخص هذا المكان، خاصة المطبخ الكبير حيث نوفر فيه وجبات الطعام لكل من يعملون في المزارع، اطلبي من ياسمين ونورين أن يساعدانك))

زمّت رتيل شفتيها تقول

((نورين تطيعني لكن ياسمين لن تقبل يا عمتي، بالكاد هي تختلط بنا))

مالت زاهية برأسها وهدرت بازدراء

((ليس خيارًا عائدًا لها، ما دامت قد أصبحت كنة في هذا البيت فهي ملزمة بإطاعة كل أوامري، ألا يكفي أنها لا تخرج من غرفتها إلا بالمناسبات!))

خرجت رتيل من المجلس ومرت من البهو ولفت انتباهها صوت فتح المقبض.. فاتجهت حنوه لتبدد فضولها وسرعان ما جحظت عيناها وهي تشاهد نورين تطل من خلف الباب وتتقدم للداخل وكلها مشغول بالعبث في محتويات علبة كرتونية.. بمجرد أن وضعت نورين العلبة في الكيس الفخم ورفعت رأسها حتى شهقت فزعة وهي تتراجع خطوات للخلف.. لتقول من بين أنفاسها اللاهثة الخائفة

((لم انتبه لكِ يا رتيل، ماذا تفعلين هنا؟))

أظلمت عينا رتيل وضيقتهم بتيقظ وهي تتقدم منها قائلة بحذر

((ألم تكوني بجناحك مع مُصعب؟ كيف خرجتي من المنزل مرة أخرى؟))

ازدردت نورين لعابها قبل أن تهدر بتوتر وهي تخفي الكيس الذي تمسكه خلف ظهرها

((لقد خرجت مع مُصعب.. زوجي.. ما المشكلة؟))

ازدادت عينا رتيل ضيقًا لكن النظرة فيهما تحولت إلى شيء آخر أكثر خطورة قبل أن تتساءل ببطء

((ما هذا الذي تخفينه عني يا نورين؟))

تغضن جبين نورين بضيق من فضول رتيل المنفر لكنها تدبرت ابتسامة بسيطة مهذبة، وقالت بهدوء

((هدية اشتراها مُصعب لي، لا داعي لتعرفيها))

تحركت حدقتا رتيل على وجهها بوجوم لكن ظلت نورين على نفس الابتسامة الباردة دون أن يرف لها جفن محدقة في عينيها تشعل المزيد من غضبها وسخطها عليها.. فاقتربت رتيل منها أكثر وبحركة عنيفة خشنة امتدت يدها للخلف لتسحب الكيس منها حتى أنها قامت بتمزيقه من طرفه..

أخرجت رتيل العلبة البلاستيكية وهي تستكشفها أمام عينيها وسرعان ما أرخت فكها حتى كاد يسقط أرضًا..

احتجت نورين باعتراض هاتفة

((أرجعيه لي يا عديمة الذوق))

تطلعت رتيل لها ببلاهة قبل أن تقول أخيرا

((هاتف! هاتف من هذا؟))

مدت نورين يدها تأخذه منها بفظاظة وهي ترميها بابتسامة متلذذة بمنظرها هذا هادرة بدلال مغيظ

((إنه لي))

سألتها رتيل وعينيها الجاحظتين ترسلان لها شرارات خطرة مهددة

((من أين جلبتي هذا الهاتف؟))

هزت نورين كتفيها تجيب ببساطة

((من أين برأيك؟ كنا في الخارج أنا ومُصعب ليشتريه لي، إنه يقوم بركن السيارة ثم سيلحقني))

شدت رتيل على ضروسها وقالت بغل

((مُصعب هذا سيصيبني بالجنون! هل حقًا ذهب ليشتري لكِ هاتف آخر صيحة؟ لماذا! مكافأة لكِ لأنه لم يمت اليوم أحد بسبب الفعلة الهوجاء التي قمتِ بها؟))

زادت ابتسامة نورين اتساعًا.. واستفزازًا ثم قالت

((لقد اشتراه لي عِوضًا عن هاتفي الذي حطمه زوجك الجلف! تأخر مُصعب في ابتياعه لي لكن لا بأس فهذا الهاتف باهظ جدًّا.. إنه أخر إصدار.. فيه ثلاث كاميرات ولونه..))

قاطعتها رتيل بغيظ يكاد يلتهمها

((يكفي! أنا لست مهتمة بمعرفة مميزاته))

تطلعت نورين لها ببراءة ثم تجاوزتها وهي تقول

((إذن وداعًا يا رتيل، أساسًا لدي الكثير من الأمور التي عليّ اكتشافها وتحديثها في هاتفي الجديد ذو الثلاث كاميرات.. طابت ليلتك))

بغل ابتعدت رتيل عنها نحو جناحها وهي تلوك فاهها..

في داخل غرفة نومها كانت تقوم بترتيبها ورص زجاجات العطور الخاصة بها عندما شعرت بمُؤيد يبدأ بتفريغ حقيبته لتسأله بفضول

((متى ستغادر يا مُؤيد لعملك في المدينة؟))

طالعها بوجه متجهم ثم قال باقتضاب

((لا أدري.. ربما في الغد أو بعده.. لولا قصة هروبها لما عدت إلى هنا، وأسوء ما في الأمر أنه لم يتح لي حتى الآن أخذ نصيبي في إعادة تربيتها.. على الأقل إذا كان لا يريد أحد منكم جعل ما حدث اليوم سبب في إحياء طلب بثأر حقيقي يعيد لنا هامتنا التي سلبت بموت يحيى رحمه الله))

التفتت رتيل حانقة تنظر له وهي تكتف ذراعيها

((وما دخلك بها يا مُؤيد؟ عندها زوجها ليربيها))

ثار عليها بغضب هاتفًا وهو يتجه نحو الباب يهم بالخروج

((ماذا تقصدين بألا أتدخل؟ الآن فورًا سأذهب لجناح أخي لأعلمها..))

بتر كلامه عند محاولة رتيل سحب جسده المتصلب للداخل

((مهلًا يا مُؤيد.. توقف.. صدقني ما فعله بها شقيقك يكفيها))

نجحت رتيل في إدخاله فصفقت الباب ووقفت خلفه تمنعه من الخروج لاهثة.. فنظر لها مُؤيد بتشتت واستشف الصدق

((ماذا تقصدين؟ كيف عرفتِ؟))

سؤال مُؤيد جعل الغل والحقد يشع في قلبها وهي تتذكر مَا جلبه مُصعب لنورين قبل أن يعودا من الخارج.. إلا إنها قالت له مفتعلة الحزن والشفقة

((نعم.. أخاك قام بالواجب بل وزيادة، ولا بد أن جسد المسكينة لن يتحمل أي هجوم آخر منك وإلا سيرديها قتيلة))

كان مُؤيد مشدوه النظر ينظر لها كمن لا يصدق من قريب أو بعيد ما يسمعه.. ليقول بعينين مضطربتين

((هل مُصعب فعلًا فعل ذلك؟ أم تكذبين يا رتيل؟))

زمّت شفتيها ثم غمغمت مفتعله الذهول

((نعم.. تخيل هو فعل ذلك!))

صمت قليلًا ثم أمسكها من كتفها ينوي إبعادها مغمغمًا

((سأذهب لأرى، هل خرج من جناحه؟))

عادت رتيل تدفعه عن الباب وتجره للداخل هاتفة

((دعكَ منه يا مُؤيد فإذا رأيتها لن تتمَالك نفسك وستنفلت أخر ما تبقى من ذرات عقلك وتتهور فيتطور الأمر إلى أن تخسر شبابك بالسجن))

عقد مُؤيد حاجبيه فمررت يدها تربت فوق كتفه تسترسل برقة وحزن

((وأنا سأخسر زوجًا محبًا ووفيًا، وفهد وباسم سيخسران أبًا مهتمًا ومراعيًا مثلك))

رفع إحدى حاجبيه يتساءل بينما يرشقها بنظرات قاتمة

((هل تسخرين مني؟))

رفعت يدها تشهق بصدمة مصطنعة ثم قالت بسخرية مبطنة

((أنا! لماذا! هل تشكك بصحة ما أقوله عنك؟))

لم يرد على الفور بل نفض يدها عن ذراعه وذهب يجلس على السرير بينما يسألها بنبرة حيادية

((ألا زلتِ تتحدثين مع صديقتك تلك التي تدعوني بـ"أستاذ مانع"؟))

نظرت له تنفي بشدة وقالت

((أي شخص قد يحاول الإساءة إلى زوجي الحبيب ألغيه من حياتي كلها))

ابتعدت رتيل عنه مغادرة وهو بقي ينظر لها بتعبير غريب..

بمجرد أن أغلقت باب الغرفة الأخرى وراءها حتى أخرجت هاتفها وطلبت رقمًا ما.. وبمجرد أن أتاها الرد حتى همست بصوتٍ منخفض

((غنوة زوجي هنا سأتحدث معكِ في وقتِ لاحق.. المهم أن زوجة أخيه عادت))

عاجلتها غنوة بالسؤال قبل أن تغلق الخط عليها

((انتظري.. أخبريني هل عاد بسيارته ومعه الدراجة النارية التي أخبرتني بأنه أخذها؟))

ردت عليها بنفس الهمس

((نعم فهو قد عاد أدراجه بمجرد أن اتصلت عليه.. سيارته ودراجته هنا.. ولكن بمجرد أن يعود للمدينة سيعود لأخذها، فمكان دراجته النارية في شقته المستأجرة هناك ولا يحضرها إلى هنا في القرية إلا ما ندر))

ثم ضيقت عينيها تغمغم بغل

((أشك بأنه يقوم بالتجوال في طرق المدينة وهو يُجلس إحدى "عميلاته" المزعومات خلفه وأنا هنا لا يعبرني بدراجة هوائية حتى!))

هونت عليها غنوة بنعومة

((لو كنت أملك دراجة نارية يا رتيل لم أكن لأبخل عليكِ بالصعود عليها متى ما زرتني على عكس الأستاذ مانع زوجك))

تنهدت رتيل ثم همست ببؤس

((تبًا لك يا مُؤيد، عنده دراجة وعند مُصعب أيضًا يقودانها متى ما أرادا وأنا هنا أتحسر على نفسي))

قالت غنوة لها بصوتٍ يقطر مكرًا

((رتيل ما رأيك أن تحاولي سرقة دراجة زوجك وتجلبيها عندي في زيارتك القادمة لنركبها سويًا متى ما أردنا؟))

تشدقت رتيل سخرية لاذعة

((سخيفة أنتِ يا غنوة، وهل الدراجة بحجم الهاتف لتخبريني أن اسرقها واجلبها معي عند زيارتي لكِ دون أن يلاحظ زوجي! ربما هي الآن معه))

همهمت غنوة لها ثم قالت بعد لحظات بنفس الاهتمام

((حسنَا وماذا بشأن دراجة مُصعب.. أين يضعها؟))

ردت باختصار ((في إحدى المزارع))

سألتها غنوة بنزق

((أي مزرعة حددي بالضبط كيفية الوصول لها))

أجابتها رتيل بالتفصيل عن المكان الذي يضع مُصعب فيه دراجته النارية.. ثم استطردت بما يشبه الدعابة

((الآن لا تخبريني بأنكِ قادمة هنا لسلبها))

أطلقت غنوة ضحكة ماكرة قبل أن تقول بتحدٍ سافر

((نعم سأفعلها وسنأخذ دراجة مُصعب))

ردت عليها باستخفاف قبل أن تغلق هاتفها

((أنتِ مجنونة ومتوهمة، إلى اللقاء قبل أن يأتي الأستاذ مانع في أية لحظة))

=============================تنهد مَازن الجالس أمام كومة من الكتب والأوراق ببؤس.. كم يكره وقت الامتحانات في كل فصل..

أطلق عدة أنفاس كانت تجيش في صدره ببؤس مجددًا وهو يشعر بعجزٍ تام وانعدام أي قدرة في داخله تمكنه من دراسة أي شيء من الكتب المكدسة أمامه..

منذ الصباح وهو على نفس الصفحة من كتاب الامتحان المقرر في الغد، يحدق فيها بعقل مشلول غير قادر على استيعاب كلمة واحدة! ولا يفهم سر هذه البلادة والخمول! إلا أنه حقًا عاجز.. وحزين..

كان في فصله الأخير يدرس في جامعته الأدب الإنجليزي في بلاده عندما أقترح والده عليها تركها والسفر إلى هنا.. وهو بغباء واندفاع شباب وافقه بحماس..

استغرق الأمر منه سنتين في هذه البلاد حتى استطاع النجاح في قبول جامعة ممتازة هنا ليدرس فيها وينجح في امتحان القبول.. ولأنهم لم يقبلوا أن يعادلوا له أي ساعة أو مادة في جامعته الحالية اضطر أن يعيد كل دراسته من البداية.. وها هو في فصله الأخير قبل التخرج أخيرًا من البكالوريوس وعمره يزيد عن السابعة والعشرين..

بيأس أراح جسده على ظهر الأريكة وهو يمرر أنامله بين خصلات شعره البني الذي يميل الى حُمرة غامقة كشعر توأمه الذي ورثاه عن أمهما..

إلى متى سيظل الحال هكذا؟

صدوح رنين الهاتف العالي قطع شروده مما جعله يمد يده ليتفقد المتصل..

تجمد بدهشة للحظات شاعرًا بدقات قلبه تختل وتضطرب.. لا يصدق بأنها ياسمين.. زوجته! التي قامت بحظره منذ سنوات على الهاتف.. فما الذي حصل الآن لتزيل الحظر بل وتتصل عليه!

كان يشعر بفضول لمعرفة سبب الإجابة ولفه القلق من أن يكون قد حصل شيء سيء وطارئ اضطرها للاتصال به..

وكاد أن يجيب فعلًا.. لكن إبهامه توقف فجأة..

قطب حاجبيه مفكرًا لثوانِ.. ثم سرعان ما ضغط على خيار رفض الاتصال بابتسامة خبيثة..

لو كان فعلًا قد حصل شيء خطير لأمطرته أمه بوابل من الاتصالات قبلها! لكن هي تتصل به الآن لتستفسر بخصوص خطط أمه في استقدامها هنا هي وهدى كما سبق وأعلمته أمه عن خطتها..

هل ستنجح والدته في إقناعها أن تأتي هنا؟ لأنه يأمل من صميم قلبه أن تنجح في ذلك.. لعله يجد بانضمام زوجته التي تكرهه وابنته له في هذه الغربة الباردة التي غدى يكرهها شيء يمد الدفء ليتسلل إلى روحه..

على الفور قام مَازن بحظر رقم زوجته لتتوقف اتصالاتها ثم رمى هاتفه جانبًا شاعرًا بزهوة الانتصار ولو كان بسيطًا!

وعاد ينظر بانتعاش لورقة تلخيص المقرر أمامه يشعر بأطنان من التركيز تتدفق إلى عقله لتساعده على الاستذكار والدراسة لامتحان الغد..

.

.

على الجهة الأخرى..

ضغطت ياسمين على الهاتف الذي تمسكه بغيظٍ شديد ورمته فوق السرير بغضب.. لقد قام حقًا بحظرها!

حاولت السيطرة على ارتعاشاتها بقوة جرَّاء غضبها ثم غادرت جناحها باتجاه مجلس الرجال حيث يجلس حماها فيه بهذا الوقت وحيدًا.. رفعت يدها تطرق الباب ثم فتحته وهي تبتلع تلك الغصة الصغيرة خاصةً والهدوء يعم كل شيء حولها إلا صوت تلاوة الحاج يعقوب للقرآن الكريم بصوته العذب..

أنهى يعقوب تلاوة الصفحة أمامه بتدبر ثم أغلق المصحف بهدوء لتطرق رأسها تسأله على استحياء

((هل يمكنني الدخول؟))

أجابها بصوتِه الرخيم وهو يمد يده ويطبطب فوق المكان بجانبه

((ادخلي يا ابنتي واجلسي هنا..))

فعلت ياسمين بهدوء واتجهت لتجاوره فسألها باهتمام وابتسامة بشوشة

((كيف حالك؟ وكيف حال هدى؟))

بشبه ابتسامة باهتة أجابت

((إنها بخير.. تلعب مع عمها مُؤيد))

قال يعقوب بمزاح لطيف

((إنه حنون عليها وعلى دارين أكثر من ولديه الاثنين.. مُؤيد ابني عجيب))

جاء صوتها مرتبكًا بينما تتمتم

((معكَ حق))

أومأ برأسه قبل أن يسألها باهتمام

((هل جئتِ لتتحدثي معي بخصوص شيء معين يشغلك يا ياسمين؟))

نظرت في عينيه تجيبه بتصميم

((نعم يا عمي.. كنت مترددة.. ولولا اختفاء نورين لأخبرتك به منذ الصباح))

سألها وصوته يشوبه شيء من القلق

((ما هو هذا الأمر يا ياسمين؟))

تقلصت أصابعها المتشابكة بتشنج بينما صوتها لا يظهر إلا الهدوء وهي تقول بسخرية مبطنة

((وهل هناك شيء قد يشغلني غير ابنك مَازن))

عقد حاجبيه يسألها ((ما به؟))

((ليس هو المشكلة بل زوجتك يا عمي.. إنها تخطط لإرسالي عنده!))

وصلها ذبذبات إحباطه وهو يسألها متغضن الجبين

((ألست راضية بذلك؟))

أعلنت عن رفضها بوضوح وشفافية

((وهل هذا سؤال؟ بالتأكيد أنا لست راضية.. أنا لا أثق به وبكل صراحة أقولها لا أظن بأني سأكون أنا أو ابنتي بأمان معه.. أبدًا))

لم يرد عليها بل صمت وظل صمته إيقاعًا ثابتًا.. لن ينكر بأنه أحب فكرة استقدام ياسمين عند مَازن.. فرغم كل شيء مَازن ابنه من صلبه ولا يهون عليه منفاه هناك وحيدًا.. إلا أنه رد عليها بملامح متصلبة

((أنا أتفهم كلامك ورغبتك))

رفعت وجهها القاسي تقول ولهيب الحقد يتوقد بعينيها

((هل يمكن ألا تسمح بذهابنا عنده دون أن تخبر زوجتك برغبتي الحقيقية! مَازن هو السبب في حرماني من عائلتي منذ سبع سنوات، ولا يعقل أن يكون الآن سبب في حرماني من وطني الذي نشأت فيه! لن أتحمل أن أتغرب بعيدًا فقط لأن حضرته يشعر بالوحدة والملل هناك وحيدًا!))

مجددًا لم يجبها الحاج يعقوب على الفور بل صمت.. وصمته هذا يوترها.. بل يغيظها..

تاهت الكلمات على لسان الحاج يعقوب وهو يتذكر شيئًا من مواقف الماضي.. هز رأسه أخيرًا هادرًا

((لا تقلقي يا ياسمين، سبق وأخبرتك بأني دائمًا سأقف معكِ حتى لو ترتب الأمر أن أقف معكِ ضد ابني! لن يتغير شيء، لن تسافري عند مَازن إذا كانت هذه هي رغبتك.. ولا داعي لتقلقي بشأن والدته، أنا سأتصرف معها))

ابتسمت ياسمين بامتنان حقيقي لمع بحدقتيها لتقول بلهفة ممزوجة بالراحة

((شكرًا لكَ حقًا.. أنا ممتنة لما تفعله من أجلي))

غمغم لها عاذرًا دون قدرة على منع الضيق أن يتسلل لقلبه

((أقل واجب اعتذار على ما أفسده مَازن في حياتك))

غادرت ياسمين على الفور في حين أغمض هو عينيه وهو يطلب من الله الصبر.. خاصة وأن حياة ابنه المستقبلية وما سيطرأ عليها ليس واضحًا! لكن كل ما يعرفه أن سعيد بأن مازن ليس هنا حتى لا يثير له أي مشاكل من شأنها أن تنكس من هامته أمام أهل القرية!

=============================

بمجرد أن تبعها مُصعب للأعلى وغيَّر ملابسه حتى استلقى على جانبه بجوارها..

رفعت نورين عينيها من على هاتفها المشغولة به ترمقه بنفس الانبهار والابتسامة ثم هدرت

((إنه رائع جدًّا.. أحببته.. شكرًا لكَ))

مدت أناملها تلامس خصلات شعره القصيرة وهي تسترسل بانتشاء

((أنا أحبك يا مُصعب.. أنتَ أميري حقًا))

لم يعقب على كلامها لكنها شعرت بعينيه متسمرتين على وجهها يتأمل ملامحها.. وتكاد تقسم بأنها ترى شيئًا من الانجذاب بعينيه اللامعتين موجهتان لها بعاطفة.. قبل أن يبتسم لها ويقول أخيرًا

((اهم شيء الآن بأنكِ لن تزعجيني بأمر الكتب بعد أن حصلتِ على هاتف))

خرجت منها ضحكة خافتة ناعمة قبل أن تقول قاصدة إغاظته

((ولا أي هاتف قد يشغلني عنكَ يا أميري))

قطَّب حاجبيه يقول محذرًا بخشونة رغم لطف ملامحه

((كم مرة عليّ أن أخبرك بألا تناديني بأميري! ناديه لإحدى أولاد مُؤيد))

أحاطت عنقه بذراعيها تشد رأسه إليها لتردف هامسة في أذنه بدلال واعتراض

((ولكنكَ حقًا أميري يا مُصعب..))

ثم ابتعدت قليلًا تشبع عينيها من ملامحه الرجولية الوسيمة

((وجذاب أيضًا رغم نحافتك))

همس لها بصوتٍ أجش وعاطفي غريب عنه

((وأنتِ أيضًا جميلة رغم شقاوتك))

أذهلها ما قاله كرد وقد توقعت بأنه سينفضها عنه كالعادة بنفور! وبغير وعي ابتسمت بدهشة وابتعدت أكثر تحدق به وهي تسأله بصوتٍ يرتعش سعادة

((هل تعنيها حقًا؟))

رفع مُصعب حاجبيه وهو يتظاهر بالتفكير دون أن يحيد بعينيه عن عينيها البراقتين ثم أجاب متشدقًا

((يصعب أن أنكر بأنكِ جميلة، وعينيكِ اللتين تشبهان لون القهوة جميلتان أيضًا، رغم أنكِ مزعجة وثرثارة إلى حد لا يطاق أحيانًا))

برقت عيناها بغيظٍ فرفعت يدها تبعثر شعره ثم عاتبته

((أنا ثرثارة يا مُصعب! فليكن بعلمك أن طبعي دائمًا ما كان يميل للهدوء والصمت لكن "ثرثرتي" على حد قولك، فهي من أجل أن أقتل الكآبة والصمت القاتم في حياتك))

كانت ملامحها تميل للتجهم أثناء حديثها فلم يتوقع أن تقوم بمجرد أن انتهت من حديثها بلثم ثغره بقبلة حمَّلتها كل مشاعرها وشوقها وعاطفتها الرقيقة..

أثار هدوءه شيء من الريبة فيها فابتعدت عنه تدريجيًا بتوجس وترقب لردة فعله على عقابه لها للقبلة..

كان فاغر الفم والصدمة مرتسمة على وجهه مِمَّا فعلته.. ومجددًا أذهلها أنه لم يُبدِ أي اعتراض أو نفور من أكثر حركة جريئة أٌقدمت عليها منذ زواجهما!

وبكل صراحة لم يبدو وكأن مبادرتها الجريئة هذه أعجبته..

إلا أنه ظل مُنشدِه النظر لوجهها لدقائق قبل أن يعاود الاقتراب منها بهدوء..

كادت عينيها أن تخرجا من محجرهما عندما انحنى يخطف شفتيها بقبلة عاطفية متملكة لا تشبه قبلتها العابرة السطحية بشيء.. وكأنه يعلمها كيف يكون التقبيل!

لكن.. فجأة.. ابتعد عنها بعنف.. لاهثا بقوة كما حالها وقد تطلب منه الأمر قدرة رهيبة ليقدر على فصل هذا الاندماج وقد تجاوبا مع بعضهما حميميًا دون أي مجهود يذكر من الأخر!

تبلدت ملامحه للتبلد وكأن هناك من سكب فوقه دلو ماء..

أما نورين فرمشت بعينيها كما توترت خطوط حلقها وهي تبتلع ريقها بتوتر.. وسرعان ما اغرورقت عيناها بالدموع وزمّت شفتيها بقوة!

هل رُد له عقله المتغيب بآخر اللحظات وتذكر بأن التي أمامه هي مجرد زوجة اتخذها لحل صراع بين عشيرتين لا أكثر وأخطأ بالاقتراب منها!

لاحظ مُصعب ملامحها المنذرة بالبكاء وفهم نوعية الأفكار الغارقة فيها في هذه اللحظة! فسارع يقول لها من بين أنفاسه المتسارعة حتى لا تتكالب عليها ظنونها واجتهاداتها الشخصية في تفسير سبب ابتعاده عنها الآن

((نورين أنا أعترف لكِ بأنه ومنذ زواجنا وأنا لا أطيق رؤيتك ولا أتحمل البقاء في نفس المكان معكِ، كنت أعرف بأن لا دخل لكِ بقاتل ابن عمي من قريب أو بعيد لكن لم أتحكم بنفوري هذا.. كلما رأيتك أتذكر سبب زواجنا المرتبط بوفاة ابن عمي رحمه الله.. لكن بمجرد أن مرّ الوقت وعاد لي توازني حتى توقفتُ عن الشعور بهذه الطريقة تجاهك.. وطرأ لي أمرًا آخر..))

ازدرد مُصعب ريقه ولهاثه يقل تدريجيًا.. عليّ أن يطلعها عما كان يبحث عنه مؤخرًا وغارق بالتفكير فيه فنظر في عينيها مسترسلًا

((كنت أبحث عن حكم زواجنا ورغم أنه كان شرعيًّا بكل ما فيه من مهر وإشهار وتثبيت والى آخره.. لكنني لست متأكدًا بعد إذا كان عليّ أن اطمئن مئة بالمئة حياله فأنتِ لم تكوني راضية! أخبرتني برفضك الصريح في أول ليلة وأنا تجاهلت كلامك ولم يدر في عقله إلا بوقت لاحق فصرت أتشكك من صحة هذا الزواج))

اهتزت حدقتي نورين للحظات.. قبل أن تتساءل بوجه لا يفسر بصوتها المثقل

((هل كان رفضك وابتعادك السابق مني هو شكك اللاحق بصحة زواجنا؟ أنا قلت ما قلته آنذاك لأني فعلًا تعرضت لضغط كبير حتى أوافق لكن في النهاية كنت موافقة تمامًا أثناء عقد القران))

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بتصلب

((نعم هذا واضح.. ربما.. لا أدرى.. لكن بعد تفكير ملي استعدت فيه توازني، بدأ أفكر بطريقة لإنهاء هذا الزواج دون أن يتسبب في أي مشاكل أو عودة لصراع عشائري، فزواج الديَّة كان أبعد ما يكون عن حل إنساني وديني للصلح! أخطأت عندما أتممت زواجي بكِ ولكن لم يتأخر الأمر بعد.. من حقك الانفصال وإنهاء زواج تم بهذه الطريقة.. وبعد التحرر مني عودي لأهلك وفكري في مستقبلك أكثر.. كنتِ تحلمين بالسفر للخارج لإتمام دراستك العليا.. إذن فأنا أعطيكِ عهدًا بالتكفل بمبلغ دراستك في الخارج من راتبي بقدر ما أستطيع ويمكنك أن تعتبري هذا المبلغ كمؤخر بما أن زواجنا تم، لا داعي للانتظار حتى الزواج لتسافري للخارج، أنتِ قوية وقادرة على تدبر أمر نفسك))

أمعنت النظر فيه وهالها هذا المزيج من العذاب الذي ينضح من عينيه وتعابير وجهه.. فسكنت تعابيرها وهي تراه يبتلع ريقه ثم يستطرد مطرقًا بتوتر ((لكن علينا ألا نبقي على وضعنا بهذا الشكل طويلًا! فأنا أتعذب، حقًا أتعذب بقرب امرأة جميلة مثلك قابعة في نفس المكان معي ولا أستطيع التقرب منها أو لمسها))

اتسعت عينا نورين بذهول بما صارحها به دون أن يستطيع إخفاءه أكثر فتمتمت بغير تصديق

((تتعذب من قربي لأنكَ لا تستطيع لمسي! هل أنتَ جاد؟ فقد كدت أصدق بأنكَ لوح ثلج لا تتأثر))

مر شبح ابتسامة على وجهه من كلامها ثم عقب وهو يرفع أنامله ويعيد خصلة شاردة منها خلف أذنها برقة

((الأمر فقط أنه من الصعب على أي رجل مهما كان حاله أن يتواجد تحت سقف واحد مع امرأة جميلة لا تكف عن طلب وده دون أن يتأثر بها ويعاني.. لا تتخيلين كم مرة شعرت حقًا بأني أتشنج من مبادراتك التي كنت أصدها وأردعك عنها لأني حقًا لم أكن أتحمل.. علينا أن نتعجل في الانفصال حتى لا استغلك..))

آلمها عدم إدراج "الحب" في حديثه من قريب أو بعيد.. لكن تغضنت هنا ملامحها بالرفض في نهاية حديثه لتقاطعه على الفور بإصرار وتأكيد وهي تشد على يده الممسكة بكفها

((ولكن أنا راضية الآن بهذا الزواج يا مُصعب ولا أريد الانفصال عنكَ، سبق وأبديت رفضي على هكذا نوع من الزواج لأنه كان أمر مُذِل لي لا يشعرني بإنسانيتي، لكن الآن اختلف كل شي وأنا لا أريد أن أكمل مع رجل غيرك..))

مالت بوجهها المعذب نحوه تنعم بعبير عطره الرجولي المميز.. ثم استطردت بصوتٍ خافت متحشرج

((ألا تدرك بأني صريعة في هواك ولا أستطيع العيش بدونك من محاولاتي المثابرة طوال الأشهر السابقة في التقرب منك؟))

عقد مُصعب حاجبيه وبدا مثقل الملامح!

سبق وأن حظي بتجربة مشابه لهذه.. ولا يريد تكرارها..

فعزم أمره وهو يقول بصوتٍ مشدود كالوتر

((لا يا نورين أنتِ لا تحبينني وكل ما كنتِ تفعلينه في السابق من محاولات للتقرب مني ما هي إلا أمور عفوية تصدر منك بغير إدراك من باب التكيف لشُح الخيارات المتاحة أمامك.. لكن في الواقع بل أي أحد مكانك لن يرغب أن يحيى لنهاية عمره مع إنسان لم يختره ولم..))

قاطعته نورين مجددًا هامسة بنعومة تستجديه بين أحرفه

((أعرف يا مُصعب بأني كنت في البداية أحاول التقرب منك لغاية كسبك إلى صفي وتخفيف ما أعانيه هنا من وحدة وبغض من قِبَل عائلتك، لكن صدقني تغير كل شيء.. أنا لا اتحدت باندفاع عاطفي دون أن أعي ما أقوله.. أنا أريد حقًا البقاء معكَ))

ضمّ كفيها معًا وهو يبعدها عنه قليلًا كي يجول بعينيه عليها ببطء شديد.. ثم استقرا في عينيها وهدر ببطء

((بالنسبة لي لم أهتم بشيء في المرأة التي أريد منها أن تكون زوجتي إلا أن أقدر على العيش معها بود ووئام وتفاهم دون تعقيد، وكله موجود فيكِ.. لذا إذا كان القبول للآخر متواجد في كلانا فسأسلك للمرة الأخيرة.. هل أنتِ متأكدة بأنكِ تريدين أن تكملي لآخر الحياة معي؟))

مجددًا لم يذكر شيء يخص "الحب" لكن لم تعقب بل ردت عليه بنفس البساطة وإن كانت مبتسمة ابتسامة حالمة وعينيها تتوهجان ببريق مميز

((نعم أنا موافقة تمامًا..))

ابتسم لها ثم عقب بحنو وهو يمد ظاهر يده لوجنتها يلامس نعومتها الحريرية

((إذن الماضي بما فيه وكل ما قبله صفحة وسنطويها.. للأبد.. حيث سنفتح صفحة جديدة في حياتنا نحن الاثنين ولن ينبش أحد منا ماضي الآخر))

أطل من عينيها حب جارب متدفق وهي تومئ له بتأكيد..

أما هو فخفتت ابتسامته قبل أن يقترب أكثر منها هامسًا بنفس الصوت الأجش ولكن من إثر هدر الرغبة التي ترتعد كخيول تصول بقلبه

((إذًا هل نكمل الآن ما كنا نفعله قبل قليل؟))

تورد وجهها أمام نظراته الحارة وهي تشعر بشرارات رغبته تخترقها.. فأشاحت بعينيها بعيدًا عنه تقول بارتباك وحنق

((ليس الآن.. وليس هكذا! دعني أحضر شيئًا من الثلاجة الصغيرة لنأكله قبل أي شيء فأنا أكاد أموت جوعًا))

وقبل أن تبتعد عنه تهم بالمغادر شهقت بصدمة عندما أمسك ذراعها يجتذبها إليه..

قبض على وجهها بيديه ليقربه من وجهه ما يكفي فقط لأن يلامس عطرها أنفه بنعومةٍ ساحرة.. لتشعل جنونه لهفة ورغبة أكبر.. إلا أنه تمَالك نفسه وهو يهمس بخبثٍ أمام شفتيها مبتسمًا بصوتٍ خشن مرتجف بعض الشيء

((لم تمضِ حتى نصف ساعة منذ عودتنا من أحد المطاعم يا نورين! كدت أن أجلسك في حجري وأحشيك كالفرخة وألقمك لقمة.. لقمة رغمًا عنكِ وسط اعتراضاتك ودلالك بأنكِ شبعت! الآن جعتِ فجأة!))

لم تتجاوب مع مزاحه بل ازدادت الحمرة التي تكسو وجهها وهي تشعر بخفقات قلبها صاخبة بجنون وعدم تصديق خاصة عندما طبع قبلةً سافرة مليئة بالشغف على جانب ثغرها..

استشعر مُصعب الحرارة التي تدفقت بها الدماء إلى وجهها أكثر فابتعد ببطء مستمتعًا بنظراتها الذائبة..

عيناها تلتمعان بخجلٍ وأنفاسها المضطربة تشعره برغبةٍ في كتمها بشفتيه.. فاقترب منصاعًا لرغبته الجنونية وهو يحيطها بذراعيه ويحلق معها عاليًا إلى عالمه حيث شعرت بلمساته ضربًا من الخيال في رقتها واجتياحها..

.

.

في الصباح جلست نورين على جانبها وأسندت رأسها فوق كفها تراقب الرجل المستلقي بجانبها بعينين متوهجتين بالسعادة..

ليلة الأمس.. شعرت برغبة فعلية تفور في عروقه تجاهها هي..

مررت أناملها المستكشفة فوق خصلات شعره القصيرة وملامحه الوسيمة المحببة ومن ثم لحيته المهذبة لتزداد عينيها بوهجها الأنثوي تألقًا..

عادت لتدفن نفسها بين أحضانه وترتمي فيه لتتفاجأ به يضمها بين ضلوعه حتى اختلجت عظامها فتأوهت بخفوت وهي تغمض إحدى عينيها.. ثم تساءلت هامسة

((متى استيقظت!))

همهم لها بصوتٍ ناعس دون أن يفتح عينيه

((منذ بدأت تحركاتك وجلبتك المزعجة))

كانت في حال شغف وحب وهي تسأله

((كيف كان شعورك في الأمس عندما ظننت بأني هربت؟ هل حزنت؟))

فتح عينيه مبتسمًا يجيبها

((نعم حزنت فمن سينكد عليّ حياتي ويزعجني بثرثرته من بعدك))

انفلتت من شفتيها ضحكة خافتة ناعمة ثم عادت تسأله

((هل تحبني إذًا؟))

عقد حاجبيه بشكل طفيف لسؤالها ثم أجابها بهدوء

((نعم فأنتِ زوجتي))

ظهر الوجوم على وجهها فجأة.. لم تكن هذه هي الإجابة التي تنتظرها منه! ومشاعرها التي تشتعل فيها لن تتنازل قبل أن تحصل على قلبه ككل..

لاحظ تبدل ملامح وجهها فخرج منه هو الآخر سؤالًا

((هل غير ما حدث في ليلة الأمس أي شيء في ذهنك؟))

اتسعت عينيها بتساؤل لتقول

((ما الذي غيره؟ لا أفهمك؟))

تساء وذهنه يضيع في دوامة الماضي

((أقصد.. هل استطعت أن أبدد أي ذكريات مريرة مما حدث بيننا أول مرة؟))

كانت تنظر له مشدوهة للحظات طويلة لتقول بعدها أخيرًا

((لم تكن هناك أي ذكريات مريرة لي معكَ أنتَ))

أومأ لها بتفكير.. وشعوره بصدق كلماتها يحثه على طي الأمر في الماضي وعدم اجتذاب ذلك المشهد لعقله بعد الآن..

قربها مُصعب نحوه يدفن رأسه على منكبها يستنشق عبير شعرها بشجن تلبس قلبه.. وهي أحسّت بخفقات قلبها على وشك اختراق صدرها وهي ترى تغير حاله بشكل كامل معها صعب التصديق.. إلا أنها أغمضت عينيها تتمتع بشعور السعادة وأنامله تداعب شعرها المتناثر حول وجهها وفوق عنقه..

وهج جميل سيطر على كافة مشاعرهما قبل أن يتلاشى مع صدوح صوت هاتفه.. فابتعدت عنه قليلًا وهو اغلق أهدابه مجددا ورفرف برموشه عدة مرات حتى يطرد النعاس ثم اتكأ على مرفقه ورفع هاتفه ليغمغم باستغراب

((إنه مُعاذ.. لماذا يتصل بهذا الوقت المبكر!))

فتح مُصعب الخط على شقيقه الأكبر يرد عليه بصوتٍ محايد

((صباح الخير مُعاذ.. هل هناك شيء؟))

وصله صوت أخيه متسائلًا

((هل أنتَ في إجازة؟ أنا آسف لإيقاظك من النوم.. ولكن وليد كان يتصل بي طوال الأيام السابقة ويحاول التواصل مع مكتبي.. لم أستطع الرد عليه إلا بعد عودتي.. تحدث معي قبل قليل واتفقنا أن نتقابل في مكتبه.. لكن لم تعجبني نبرة صوته! هل حدث شيء ما في القرية؟ أو أي شجار بينه وبين إحدى إخوتك؟))

تسلل الشك لقلب مصعب ورد بهدوء قاتم

((أظن بأني سمعت أبي يذكر بأنه لم يعد يراه كثيرًا ولا يرد على اتصالاته إلا برسالة قصيرة يطمئنه بأنه بخير وأنه يحتاج إلى خلوة مع نفسه))

همهم مُعاذ وهو مستغرق في استنتاج سبب إلحاح وليد الأيام الماضية على لقياه وجهًا لوجه فتابع مصعب قائلًا ((مُعاذ انتظرني حتى أصل لكَ وسنذهب سويًا لمكتبه فحسه مؤخرًا كان هادئًا وهذا مريب))

سيطرت حالة من الريبة والحيرة على قلب معاذ وهو يقول

((لا داعي.. أنا في طريقي إليه..))

صمت قليلًا ثم قال بنبرة ذات مغزى

((أتصور بأن الموضوع ليس بسيطًا وإلا لكان اتصل بأحدنا أو أبي))

قال مُعاذ وهو يبعد الهاتف عن أذنه

((مُصعب إنه يتصل بي مجددًا، سأغلق الآن))

ترك مُصعب الهاتف جانبًا ونهض عن السرير فورًا بينما تتساءل نورين بصوتٍ رنان ((ماذا هناك؟))

اتجه نحو الحمام مغمغمًا

((لا شيء.. لكن أُفضِّل أن أذهب مع مُعاذ))

قالت بخفوت وإحباط لابتعاده وحرمانه لها من دفئه

((حسنًا لكن لا تتأخر أرجوكَ))

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...