الفصل 18 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن عشر 18 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
14
كلمة
9,194
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الثامن

في إحدى المطاعم المريحة الأنيقة وغير الرسمية تسلق يزيد الكرسي الذي بجانب كرسي مَالك بعدما جلس الجميع حول طاولة واحدة.. لم تكن ملابسهم الغير مهندمة والتي ارتدوها على عجل مناسبة لرقي المكان الذي اختاره مَالك.. لكن لم يبالِ أحد..

عرض منسق الأغاني أحدث الإيقاعات الموسيقية ليُضيف لمسة ساحرة إلى أجواء المكان الفريدة والمرحة..

كانت هذه أول مرة لنورين تخرج فيها خارج أسوار القصر والقرية منذ زواجها من مُصعب.. أما يزيد الصغير فقد كان منتشي من السعادة مع أجواء المطعم المريحة وغير الرسمية..

طلب مَالك لكل واحد منهم وجبة من قائمة الأطباق الشهية الطازجة ومشروبًا باردًا منعشًا.. وأثناء تناول الطعام وما بعد ذلك كانت نورين متيقظة لكل محاولات مَالك بإطالة لحظات بقائهم هنا قدر الإمكان يتذرع بأمور تخص يزيد ليتحدث بها مع سمية.. بينما الأخرى شحيحة الكلام معه تمامًا وردودها له مختصرة وباترة..

فجأة عقدت نورين حاجبيها بتساؤل وهي تنظر لسمية

((سمية.. كم هو عمرك؟))

اتسعت عينا سمية فجأة لهذا السؤال المباغت وغمغمت

((لماذا تسألين عن عمري؟))

ابتسمت نورين وقالت وهي تهز كتفيها

((لا شيء، مجرد فضول، أنا في الرابعة والعشرين، وأنتِ كم عمرك؟))

عقدت حاجبيها بتأنيب يشوبه المرح

((بالطبع ستعلنين عن عمرك بكل عنفوان وفخر فأنتِ لا زلتِ صغيرة وشابة يافعة))

تصلبت يد مَالك الممسكة بالشوكة وبدا أنه يكتم ضيقه من سؤالها.. أما سمية فهمهمت بتلكؤ قبل أن تقول لها مواربةً

((حسنًا يمكنك القول بأن سني تحت الخامسة والثلاثين))

خمَّنت نورين وهي تضيق عينيها

((مممم في الرابعة والثلاثين؟))

ابتسمت سمية لها وهي تهز رأسها إيجابًا.. فبدأت تحلل نورين علاقتهما.. تبدو سمية حقًا أصغر من عمرها إلا أنه من الواضح ظاهريًا بأنها ليست في نفس سنه على الأقل!

علاقتهما لا تنفك عن إذهالها يومًا بعد يوم.. حتى اهتمام مَالك واحتوائه ليزيد وكأنه ابنه بالضبط أمر مدهش فهو لا يتعامل حتى مع أولاد أخوته بهذا الشكل.. لا بد أنه حبه ليزيد نابع من حبه لأمه الذي لا يبذل جهدًا في إخفائه بل هو واضح وضوح الشمس للجميع!

أنهت نورين ما في طبقها وقالت بلطف لمَالك

((هل يمكننا العودة الآن؟ أشعر بأن خروجنا استغرق وقتًا طويلًا))

وقفت سمية من مكانها تحسم الحديث

((معكِ حق لقد تأخرنا كثيرًا، علينا أن نعود للقرية))

صدر من يزيد كلمات الاعتراض الحانقة إلا أنها خمدت في مهدها عندما حدجته سمية بنظرات صارمة ونكَّس وجهه بعبوس للأسفل..

مسح مَالك يديه بالمنديل ثم رفع وجه الصغير الجالس بجانبه

((ابتسم يا يزيد حتى نأخذ صورة جماعية لنا نحن الاثنين كما اتفقنا قبل مدة دون التزام فعلي))

رغم تقوس ثغر يزيد إلا أن مداعبات مَالك المشاكسة جعلته غير قادر على كتم قهقهته أكثر وهو يبتسم لكاميرا الهاتف..

أغلق مَالك هاتفه وأخفى عينيه بالعدسات الداكنة التي كان يضعها فوق شعره ثم استقام واقفًا من مقعده للمغادرة..

.

.

ما إن ركن مَالك سيارة مصعب بمصف عائلته حتى ترجل الجميع منها..

أخذت نورين مفتاح سيارة زوجها من أخيه ثم تقدمتهم وسارعت تدخل القصر من باب المطبخ كما هي معتادة كلما خرجت للتنزه وما شابه..

بمجرد أن دخلت من باب المطبخ حتى جفل كل الجالسين فيه وعلى مقدمتهم مدبرة المنزل نعمة التي انتفضت من مكانها نحوها تسألها بفزع كأنها لا تصدق عودتها

((أين كنتِ يا نورين؟ أين ذهبتِ بسيارة السيد مُصعب؟))

همست نورين برهبة وتوتر بينما الخوف يتفاقم بداخلها من إدراكهم لاختفاء سيارة مُصعب

((أنا! هل لاحظ أحد غيركم أخذي لسيارة مُصعب؟))

حدجتها نعمة شزرًا بينما صرخت بها منال

((هل تمازحيننا؟ كل من في القصر مقلوب رأسًا على عقب في البحث عنكِ! أين اختفيتِ بسيارة السيد مُصعب ومع من هربتِ! قال أحد البوابين بأنه لمح أحد يستقل السيارة بجانبك عندما خرجتي بالسيارة))

شحب وجه نورين وهي تشعر أن توقعاتهم خرجت عن المألوف فهتفت سريعًا بهلع

((أحد بجانبي؟ إنها سمية، ذهبت أنا وسمية للمشفى لأنه يزيد أُصيب بذراعه ولم يكن هناك وسيلة توصيل سريعة))

في هذه اللحظة كانت قد دخلت الحاجة زاهية المطبخ لأنها شعرت بحدوث جلبة وصُدمت على الفور لرؤية نورين وصُدمت أكثر بتبريرها الأخير الذي نطقت به! فاندفعت تتقدم منها وتزعق بها تفرغ فيها كل القلق والرعب الذي عشعش بداخلها طوال فترة اختفائها

((هل أنتِ معتوهة أم تحبين لعب هذا الدور؟ كيف خرجتي من هنا دون أن تعطي أي خبر لأحد؟ بل وأخذتِ سيارة مُصعب دون إذنه؟ ومن أجل من؟ من أجل سمية؟ من هي سمية لتوقعي نفسك بتلك المشاكل من أجلها يا قليلة العقل؟))

غمغمت نعمة بنفاذ صبر وتهديد

((تبًا لسمية ولابنها لا يأتي منهم إلا المشاكل، نجوم اذهبي وناديها الآن))

خرجت آخر كلمات نعمة هاتفة بحدة مِمَّا جعل نجوم تتسمر مكانها بتوتر لا تعرف إذا ما كان عليها الطاعة فزعقت بها أمها منال

((هيا يا بنت اذهبي ونادي مقصوفة الرقبة سمية فورًا، ماذا تنتظرين!))

دلفت رتيل للمطبخ تقول متسائلة

((عمتي هل عرفتِ شيئًا عن مكان نورين..))

بترت رتيل كلماتها وشهقت متسعة العينين لرؤيتها فاستطردت بحدة وهي تهرول ناحيتها

((يـــا إلهي! أين كنتِ أيتها المجنونة؟))

ازدردت نورين ريقها بصعوبة وهي ترى كل من في المطبخ يوجه أسهم نظراته المحتدة لها فقالت لحماتها بصوت مختنق

((دعيني اشرح لكِ..))

قالت زاهية بصرامة رغم الإجهاد الظاهر عليها مِمَّا عانته أثناء اختفاء نورين

((لا تشرحي لنا شيئًا، ارتفع ضغط الحاج يعقوب عندما علم بفرارك دون أن تتركِي أثر وهو يفكر بالنتائج التي ستترتب على كل من في العشيرتين بعد انتشار الخبر))

كل كلمة تناهت إلى مسامع نورين ساهمت في تصاعد خوفها إلا أنها حاولت التماسك ولو قليلًا وهي تبرر بوهن

((معكِ حق أنا فعلًا أخطأت ولكن دعيني أشرح ما حدث!))

قاطعتها الحاجة زاهية باحتدام

((لقد قلت لكِ لا تشرحي شيئًا وادلفي للداخل هيا..))

شهقت رتيل فجأة ثم قالت معترضة وهي تلوح بيديها لحماتها

((عمتي مُؤيد في الصالة ولن ينفع أن تمر من هناك، لو رآها لن يبقيها على قيد الحياة.. سأشغله واذهب به لجناحنا حتى تعبروا..))

قالت زاهية بصرامة معجونة بالغضب ونفاذ الصبر

((هي متزوجة من مُصعب ومُصعب من سيحاسبها، أخرجي وأعلميه بأنها عادت))

اطمأنت نورين قليلًا من وجود مُصعب فهو سيتفهم ما حدث.. نعم سيتفهم! ازدردت ريقها بصعوبة وهي تفكر بأن هذا ما تأمله حقًا! فتشابكت يداها بمحاولة لملمة نفسها قبل أن تخرج من المطبخ نحو الصالة بخطوات بطيئة مرتعشة كأنها تحاول أن تأخر المصير الذي ينتظرها..

جالت بعينيها في الصالة لتنتبه على وجود مُصعب ينهي مكالمة يتحدث فيها.. وبمجرد أن رآها حتى انتفض واقفًا مكانه ينظر متسع العينين لها..

تصارعت في هذه اللحظة دقات قلبها تشبثًا بشيء يطمئنها بأنه ليس ساخطًا عليها كالجميع إلا أن ملامح وجهه الغاضبة والمضطربة في آن واحد كانت بعيدة عن هذا المطلب..

اقترب مُصعب منها وهو يضع هاتفه في جيب قميصه وكل ما فيه يشير إلى ثورة حتمية الاندلاع الآن بها..

أغمضت نورين عينيها بقوة وهي ترتعش.. وتمنت لو تتوارى خلف أحدهم لتحمي نفسها من الزوبعة التي بانتظارها من مُصعب.. وقد بدا هذه المرة بأنها ستكون الأولى التي تشهد غضبه فما فعلته لا يغتفر بل تصرف يشي بأن صاحبته امرأة لم تنل تربية بحياتها على أصول وعادات تربيتهم! لكن بعد لحظات صمت فتحت عينيها لتراه ينظر إليها برباطة جأش تحكم غضبه الذي تأجج مِمَّا فعلته.. قبل أن يسألها بلهجة شديد ونبرة خافتة

((أين كنتِ يا نورين طوال الساعات الماضية؟))

ثم صمت للحظة واحدة قبل أن يكرر

((هيا أخبرينا قبل أن نتحاسب فوق))

حانت نظرة منها لكل من يتجمع من حولها ليصل خوفها لأوجه وشعرت بالاختناق والتهديد من القادم..

وهو لاحظ الذنب مرسومًا بشكل جلي على وجهها الشاحب بينما تغرغرت عيناها بالدموع لتقول بصوتٍ مرتعش منذر بالبكاء

((أوصلت سمية لابنها في المشفى! هي لم تطلب مني لكنها كانت خائفة عليه وكان طلب سيارة أجرة سيأخذ وقتًا طويلًا فتطوعت من نفسي أن أوصلها ولم أكن أظن أن الأمر سيأخذ أكثر من نصف ساعة.. وأيضًا هناك كان..))

بترت نورين كلامها وهي لا تعرف إذا ما كان من المناسب أن تتحدث عن مرافقة مَالك لهم! هل عليها أن تقول بأنه كان معهم أم ستسبب له ولها المشاكل؟ ففي النهاية هي من اتخذت قرار الخروج بسيارة زوجها لوحدها وهي من تتحمل مسؤولية فعلتها التي تنم عن جهلها وتسرعها وعدم تقديرها للموقف!

اقترب مُصعب منها مقطبا حاجبيه وهو يقول بصوت قوي

((مهما كان السبب الذي خرجتِ لأجله قوي، لكن كيف تفعلينها دون إعلام أحد! كان عليكِ إخبار الحارس أو أحد العاملين في المطبخ على الأقل!))

ثم استطرد كلامه دون أن يعي أن الجميع يستمع له

((أنتِ تعرفين أن زواجنا لم يكن طبيعيًا! وهربك بظروف غامضة كالتي اختفيتِ فيها لن يمر مرور الكرام، لا عليكِ فقط بل على الجميع))

كلماته الأخيرة عن كونها "فصلية" كانت كالوغزات على قلبها وروحها ليزداد خوفها وألمها.. عضت شفتها وهي تهمس من بين شهقاتها بخفوت شديد

((معكَ حق.. لكن كان..))

مجددًا بترت كلماتها.. لكن هذه المرة بسبب بكائها مِمَّا زاد من استفزازه فصرخ بها آمرًا

((تحدثي بدون بكاء.. ليس وقته الآن..))

ارتعد قلبها عند صراخه وتغضن وجهها بالمزيد من الذعر والوجل.. أسبلت جفنيها حتى تواري الفزع في عينيها منه..

فعاد مُصعب يأمرها بامتعاض

((توقفي عن البكاء وتحدثي))

رفعت يدها فوق ثغرها تكتم شهقاتها ثم قالت بخفوت رقيق بكلمات بالكاد خرجت مفهومة

((لا.. لا أستطيع التوقف..))

في هذه الأثناء دخل مَالك للمنزل من الباب الرئيسي ومرّ بالصالة ليجدهم جميعًا متجمعين.. انتبه لنورين تقف بالمنتصف أمام زوجها مرتعبة وباكية وفهم ما الذي يجري من حوله.. فسارع يقترب من أمه يسألها هامسًا

((أمي ماذا يحدث هنا؟))

التفت الحاجة زاهية تقول له كمن انتبهت الآن فقط على وجوده

((هل عدت؟ اذهب من هنا يا مَالك وسأخبرك فيما بعد))

إلا أنه لم يفعل بل اقترب من مُصعب يضع يده على كتفه يستدعي انتباهه ويخبره دون مقدمات

((مُصعب اسمعني أخي، أنا من اتصلت بسمية وطلبت منها القدوم بأسرع وقت ممكن.. ولولا زوجتك لما تمكنت من ذلك، أرجوكَ لا تلمها أبدًا فكل الحق يقع على عاتقي))

عقدت الحاجة زاهية حاجبيها بصدمة لتقول مستهجنة

((ماذا حدث يا مَالك؟ هل كنتَ معها؟))

أومأ مَالك بوجهه المضطرب ثم هتف بصوت مثقل بالذنب

((نعم أمي، عدنا الآن فقط من المشفى معها هي وسمية ويزيد، ألحت عليّ زوجة أخي أكثر من مرة أن أعود بها للبيت ولكنني من أصررت على الذهاب لأحد المطاعم من أجل يزيد، لقد تعرضت ذراعه لرضوض عديدة وكان..))

نست الحاجة زاهية فجأة موضوع نورين وكل ما ركزت به هو جرأة تلك البستانية في خروجها هي وابنها مع مَالك للخارج! فصرخت بغل مكبوت

((مَالك ما شأنك أنتَ بابن البستانية! بل ولم تفكر حتى بالاتصال بي لتخبرني عن زوجة أخيك))

أغمضت نورين عينيها وهي تعض على شفتيها! لقد اقترح عليها مَالك لأكثر من مرة أن يتصل بأمه ليعلمها عن وجودها معه إلا أنها أصرت عليه ألا يفعل.. لم تكن تريد من أحد أن يعلم أحد بخروجها قبل مُصعب، حتى يقف معها وبصفها إذا ما وبخها أحد على خروجها وحيدة! يا لغبائها الذي جعلها تظن بأنه لن يلاحظ أحد اختفائها هي والسيارة..

اقتربت رتيل تهمس في إذن حماتها تؤنبها بتهذيب

((أخبرتك يا عمتي أن تتصلي على مَالك وتخبريه عن اختفاء نورين ولكنكِ رفضتي، كنتِ ستوفرين الكثير من الوقت والقلق علينا لو اتصلتِ عليه))

هزت زاهية رأسها بخيبة أمل من مَالك وتحسرت وهي ترشقه بنظرات الإحباط

((قلت لنفسي ما الحاجة أن أقلقه وقد يكون سبب تأخر عودته شيء مهم يشغله في عمله! لم أظن أبدًا أن يكون هو السبب في اختفائها))

عاد مَالك يلتفت لأخيه متحفز الملامح يرجوه التفهم

((مُصعب أمي معها حق أنا السبب وأنا المخطئ ومن عليه تحمل مسؤولية كل ما حدث..))

أغمض مُصعب عينيه يقول بصوتٍ مشحون

((حسنًا يا مَالك فهمنا، اذهب الآن))

ثم فتحهما مصوبًا نظره باتجاه نورين يطالعها بتعابير غير مقروءة وهو يردف آمرًا إياها

((الحقيني يا نورين ولنكمل نقاشنا فوق))

شد مَالك على يده الممسكة بكتف أخيه يردد مغمغمًا بعينين راجيتين

((أخي.. أرجوكَ مرر الأمر.. حاسبني وأشبعني أنا لكمات كما تريد حتى تكتفي، ليس من العدل أن تؤنبها بسببي، أرجوكَ))

قاطعته والدته قائلة بصرامة وقلب الأم لا يتخيل مجرد تخيل ضرب أحد أولادها للآخر

((اسكت يا مَالك وهل كنت لأسمح له أن يتعرض لكَ بخدش من أجل امرأته!))

لم يرد مُصعب عليه بل بهدوء استدار يغادر باتجاه الدرج الذي يتوسط الصالة ثم إلى جناحه.. ونورين تسير خلفه بخطوات مترددة.. خائفة..

جاءت رتيل بعد أن غابت لدقائق لتقول لمَالك

((عمي يطلبك، يريد منكَ أن تحضر لغرفة نومه))

التفت زاهية لابنها.. ورغم الإنهاك والقلق الظاهر عليها إلا أنها حاولت أن تستعيد رباطة جأشها ووقارها وتخبره بهدوء

((تعالى يا مَالك وتفقد والدك وحالته الصحية لتعي مقدار المشاكل الذي حدثتك بسببك))

لم يرد مَالك على والدته بل ظل يرمقها متجهمًا خضرة عينيه التي ورث لونها هو وتوأمه منها هي..

عقدت زاهية حاجبيها وهي ترى عينيه غارقتان في دوامة من الانفعالات.. قلق.. لوم.. غضب.. عتاب.. فوجدت نفسها تسأله بنبرة عميقة مضطربة

((لماذا ترشقني بهذه النظرات يا مَالك؟))

أبعد مَالك نظره عن مرمى عينيها وتقدم للأمام نحو غرفة نوم والديه بينما يجيبها بجفاء

((لقد حدثت كل هذه الجلبة اليوم بسببك يا أمي))

فتح مَالك غرفة النوم بينما أمه تتعبه هاتفة من خلفه باستياء مفعم الاستنكار

((بسببي؟ هل تلومني يا مَالك؟ على ماذا تلومني؟))

اتسعت عينا الحاج يعقوب الذي كان متمددًا على سريره وهو يرى الانفعال بصوت زوجته.. فاعتدل شبه جالس مقاومًا شعوره الجم بالإعياء وهو يتحدث مع ابنه بحزم

((لماذا تتحدث مع أمك بهذا الشكل يا مَالك؟ لقد أخبرتني رتيل بالضبط ما حدث بسببك))

شد مَالك على أسنانه شاعرًا بالغيظ من زوجة أخيه التي لا تقدر على كتم حرف إلا أنه قال

((أنا لا أقصد شيء، لكن لم يكن على أمي أن تحرض مُصعب على زوجته خاصة وأنها كانت برفقتي أنا وسمية))

ارتفع حاجب يعقوب قليلًا وببطءٍ شديد لكلام ابنه.. ثم نظر لزوجته يرى الامتعاض وسط إجهاد وجهها.. فتحركت شفتاه قائلًا بنبرةٍ خفيضة تحمل شيئًا من السخرية

((انظري لمدللك كيف يلومك وهو المذنب الرئيسي فيما حدث اليوم))

تسمرت زاهية مكانها بصدمة في البداية ثم ناظرت مَالك تقول بصوتٍ يعلو برجفة الغضب من اتهامه المجحف

((هل أنتَ واعي لما تقوله! لقد خرجت نورين من البيت كله بدون اخذ إذن زوجها أو إذني، ألم تفكر ما موقفي وأنا سيدة هذا البيت بعد أن يعرفوا أن أحد نسائه هربت بسيارة زوجها؟))

ساند يعقوب زوجته بصوتٍ حاد

((أمك معها حق يا مَالك، وهل هناك امرأة تجرؤ على أن تضع قدمها فوق عتبة البيت قبل أن تحيط زوجها أو عائلته بعلم إلا التي لم تتلقَ أي تربية في بيت عائلتها؟))

لمست زاهية الانفعال في صوت زوجها فتقدمت منه على عجل تمرر يدها فوق ظهره بتوسل ضمني

((اهدأ يا عزيزي فصحتك أهم شيء الآن))

إلا أنه استطرد كلامه في لوم مَالك

((الأنكى عندما سمعت بأنه ذهب وبكل بساطة معها للمطعم يتناول الغداء بدون حتى أن يكلف نفسه بالاتصال بكِ))

هتف مَالك بصوتٍ خشن متحشرج

((أبي لا تتحدث وكأني قمت بمنكر ما، كانت معي سمية ويزيد))

بدا على يعقوب كمن تذكر سبب طلبه لمَالك ثم سرعان ما تجهم وهو يهتف سائلًا إياه بغضب

((بعيدًا عن موضوع زوجة أخيك، كيف علمت بشأن حادثة ابن سمية؟))

أجابه مَالك ببديهية

((لقد اتصل بي مُدرِّسَه وأخبرني))

نظر يعقوب لابنه مضيّقًا عينيه وساد صمت ثقيل بينما قبل أن تسأله زاهية بصوتٍ خفيض متوجس

((وبأي صفة يتصل بكَ مُدرِّسَه؟ أنتَ حتى لا تعمل بنفس مدرسته، ألا يطلب مدير مدرسته هويتك الشخصية قبل أن يسمح لكَ بأخذه من المدرسة؟))

توتر مَالك ولم يخطر على باله أن يداهمه أحد بمثل هذا السؤال إلا أنه أجاب دون لبكة

((أمي مدير مدرسته لا يطلب مني أي هوية فهو يعلم أنه يعيش بالقرب منا ويراني أقوم بإيصاله لمدرسته غالبا))

ضاقت عينا يعقوب ليهز رأسه بسخط ثم يقول باستياء بالغ

((أنتَ لا تعي ما تفعله! الجميع يعرف بأنكَ ابني وتصرفاتك هذه مع طفل لا يمت أي صلة لكَ ستثير الشبهات لنا جميعًا!))

ازدرد مَالك ريقه وهو يدرك غاية والده فقال مستأذنًا بتهذيب

((هناك اتصال ضروري أريد إجراءه، هل يمكنني الذهاب؟))

قال يعقوب في نزق وهو يشيح بيده له كمن لا يطيق النظر في وجهه لدقيقة أخرى ((انصرف))

خرج مالك وانتشل هاتفه من جيبه ليتصل بسمية ويرى إذا ما كان أحد تحدث معها وضايقها!

=============================

أوصد مُصعب الباب خلفه وهو يحدق بنورين تتقدم للداخل مُنكَّسة الرأس.. ترتعش وهي تفرك يديها ببعضهما باكية..

شعور بالشفقة عليها تملَّكه وهو يطالع وجهها المحتقن بالاحمرار.. عيناها الخائفتان.. شهقاتها الناعمة.. بدت كطفلة مذنبة صغيرة بمنتهى البراءة.. إلا أنها كانت تستحق أن تنال منه بعض القسوة بالأسفل.. فجلس على طرف سريره مقابلها ينظر إليها نظرة فارغة يضم قبضتيه أمام شفتيه.. ثم سمعها تغمغم من بين شهقاتها الخافتة عندما لم ينطق بشيء

((أنا أسفه.. لكن لم تكن هناك أي وسيلة توصيل سريعة وتفتت قلبي للوعة سمية على ابنها))

أبعد قبضتيه عنه وهتف بها بصوتٍ قوي مشبع بالغضب ما إن رفعت عينيها له

((حتى ولو، لقد غادرتي المكان بدون أن تخبري أحد في البيت! هل تخيلتِ حالي عندما اتصلت أمي بي تخبرني أن زوجتي مفقودة وهم يبحثون عنها منذ ساعات بلا جدوى؟))

بصعوبة خرجت الكلمات من شفتيها

((كنت أنوي إخبارك أنتَ ما حدث بمجرد عودتي، لكن لم أظن أنهم سيلاحظون غيابي فأنا أظل في المطبخ أو عند سمية لساعات بدون أن يشعر أحد، أنا كالشبح بالنسبةِ لهم))

هتف بها مستنكرًا بقساوة

((لا تبرري.. ليس عذرًا كافيًا يا نورين))

ارتعد قلبها مجددًا وهي تشعر بأنها خيبت ظنه وأمله فيها..

هل يكرهها الآن وهو نادم على لطفه وتساهله السابق معها بعد زواجهما بتلك الطريقة! وهل سيعيد حساباته معها ويقرر التغير؟ لأنها لن تحتمل ذلك.. لن تحتمل أن تتلقى منه الجفاء أو النبذ؟ أبدًا ليس منه..

رفعت وجهها الغارق بالدموع لتناظره بعينين حمراوين

((لا بالتأكيد لا.. أنا لا أبرر أبدًا.. أنتَ محق))

هتف بها بانفعال

((إذن كيف خرجتي من البيت بدون إخبار أحد! لا أستطيع حتى الآن تصديق كيف صدر أمر كهذا منكِ!))

تهدجت نبرتها الرقيقة بالخزي مِمَّا فعلته لتقول بضعف

((أقسم بأني كنت أريد إخبارك لكني لم أملك أي وسيلة لأتواصل بها معك، وكنت أعلم بأني لو طلبت من أحد يحتفظ برقم هاتفك أنتَ كان ليرفض ذهابي، خاصة أمك فهي لا تحب سمية))

رفع إحدى حاجبيه وهو يقول ساخرًا بلا مرح

((إذن المشكلة بالهاتف؟))

هزت وجهها المحمر من البكاء وهي تؤكد

((شعرت بأنه لو كان لدي هاتف واتصلت بكَ لم تكن لتمانع بل كنت لتطلب مني أن اعتني بسمية وأوصلها للمشفى))

تهاوت ملامحه وانهار شيء من القساوة عن وجهه وهو يأمرها بصلابة

((أحضري رخصة قيادتك يا نورين))

حدقت به متفاجئة من طلبه وعند استمرار ثبات ملامحه هزت رأسها له بطاعة واتجهت نحو أغراضها تفتش على الرخصة..

ناولته إياها فأشار لها بوجهه الجامد أن تجلس بجانبه..

اتسعت عينا نورين قليلًا وفغرت فاهها بلا فهم ليشير بيده للمكان بجانبه فق السرير ويطبطب فوقه مغمغمًا

((اجلسِ هنا))

شيء في داخله أزعجه من ارتعاشها المتزايد فرغم حدته في الحديث معها إلا أنه لم يكن له سوابق معها لتظهر هذا الكم الهائل من الخوف منه!

أما نورين فازدردت ريقها وبتردد تقدمت منه أكثر تجلس وهي تغمغم

((مُصعب أنا أسفه جدًّا على ما حدث.. أعرف أن ما فعلته تسبب بإقلاقكم جميعًا.. لكن سأكون عند حسن ظنك مستقبلًا ولن أكرره..))

عندما لم تجد منه أي رد وهو مكتفي في التحديق برخصة قيادتها وقراءتها استطردت تقول مبررة بما قد يشفع لها عنده

((كنت معتادة عند والدي أن أخرج دون إعلامهم، حتى أحيانًا لمحافظات أخرى لزيارات صديقاتي في الجامعة، كان أبي يثق بي ويعرف بأني على قدر المسؤولية.. لهذا ذهبت من تلقاء نفسي لكن نيتي تضمنت أن اشرح لكَ لاحقًا.. أنا أستحق أي عقاب قد تنزله عليّ لكن أرجوكَ سامحيني ففي نهاية الأمر أنا لن أتحمل أن تظل غاضبًا عليَّ))

عند نهاية حديثها نظر أخيرًا لها ووضع عينيه في عينيها وسألها بجدية اكتنفت صوته

((وما هو العقاب الذي تقترحين أن أنزله عليكِ يا نور؟))

زاد القلقٍ المرتسم في نظراتها وعلى ملامحها.. لكن في المقابل تجلى العبث على تقاسيم وجهه وهو يراها تشرد بعينيها المتجهمتين الخائفتين لتبدأ بالاستغراق في التفكير بكلامه وعقلها يضع الكثير من الاحتمالات المقلقة التي يقصدها..

لمعت عينيه بشرٍ عابت جديد عليه وهو يكرر كلامه ببراءة

((أريد أن اسمع اقتراحك في البداية، هيا تحدثي))

خرجت من شرودها وهي تتنحنح تحاول أن تجلي صوتها قبل أن تقول بصوتها المتحشرج

((أولًا وللمرة المليون اسمي نورين وليس نور، لكن يمكنك أن تفعل أي شيء..))

ازداد انعقاد حاجبيه وهو يراها تمسك يده الحرة وتقربها من وجهها هادرة

((اصفعني إذا أردت وأنزل عليَّ أقسى الضربات لكن أريدك أن تسامحني على الجلبة التي حصلت بسببي اليوم ولا تتغير معي))

تلاشى فجأة ذاك البريق المتلاعب الذي كان يبرق خفية في عينيه وعاد للتجهم وهو يقول بصوتٍ واجم

((حسنًا سنتحدث في موضوع الضرب لاحقًا، دعينا نركز في رخصتك))

مرت لحظات مشحونة بالتوتر بينهما ثم نفض يدها الممسكة في ذراعه ورفعها فانكمشت على نفسها وأحاطت وجهها بكلتا يديها مجفلة بغريزة الدفاع عن النفس.. لكن تلاشى خوفها حالما عرفت بأنه رفع يده ليحاوط ذراعه بطولها حول كتفها.. همهم مصعب قبل أن يقول بإعجاب أقرب للذهول

((ممتاز.. أخذتي الرخصة قبل ما يزيد عن خمس سنوات أي عند تخرجك من المدرسة الثانوية! هل امتلكتِ سيارة في بيت والدك؟))

رفعت وجهها لنظراته المصوبة نحوها تسرح في تقاسيم وجهه المحببة لها للحظات قبل أن تومئ برأسها وتقول بشيء من الارتباك

((لم أملك سيارة لكن كنت دائمًا ما أقود سيارة أبي التي لا يستخدمها كثيرًا، حتى أني أحيانًا كنت أذهب بها لجامعتي لأن حافلات القرية المحملة لحافلات الجامعة غير متوفرة دائمًا))

مال برأسه نحوها يزيد من ارتباكها خاصة وثغره يرسم ابتسامة خطفت لبها بينما يقول

((مذهل.. أنتِ متمرسة إذن.. أنا لم أتعلم القيادة إلا عندما اشتريت سيارتي هذه عندما حظيت بوظيفة، هذا قد يخفف من العقاب الذي قد أنزله عليكِ))

تمتمت له بخفوت وعينين مشدوهتين ((حقًا؟))

ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو يتابع الكلام ((نعم.. لسببين))

تمتمت متسائلة وإعجاب وانبهار لم ترهما قبلًا يبرقان في عينيه ((ما هما؟))

صمت للحظات وهو يجول بعينيه فوقها بتسلية بينما يقول

((الأول لأنكِ لا تملكين هاتفًا، أما الثاني سيتحقق عندما أنزل للأسفل وأتأكد بأنكِ أعدتِ سيارتي سليمة بلا أي خدش))

قالت بلهفة على الفور

((لم يمس سيارتك أي خدش، كنت حذرة جدًّا بقيادتي إياها عند ذهابي للمشفى.. ومَالك قاد السيارة أثناء العودة))

أبعد ذراعه التي تحيط كتفها فجأة فجفلت مجددًا ورفعت يديها تحيط وجهها بخوف مِمَّا جعله يهتف بها باستياء

((نورين ابعدي يدك عن وجهك، هل تظنين حقًا بأني كنت لأضربك!))

أبعدت يديها تدريجيًا وشفتاها تتقوسان للأسفل ليسألها بخشونة

((هل كان يضربك أحد في بيت والدك عندما تخطئين؟))

هزت رأسها يمينًا وشمالًا نافية لتقول برقة

((لا، والدي كان يفسد في دلالنا جميعًا.. وخاصة أنا ابنته الوحيدة والكبيرة، لكن الوضع مختلف الآن.. زواجنا لم يكن طبيعيًا كما سبق وقلت في الأسفل..))

تشتت نظر مُصعب بالمكان وهو يأخذ نفسًا عميقًا جادًا ثم قاطعها يقول بصوتٍ يشوبه بحة

((لم أقصد إساءة أو أن أجرحك عندما قلتها بلا وعي مني، كيفما كان زواجنا لن يختلف شيئًا، لذا اجعلي من كرامتك "خطًا أحمر" لا يُمكن تجاوزه وكوني صلبة معتزة بنفسك أمامي كما سبق وكنتِ عند عائلتك.. أكره أن أعلم أحد هذه الأمور..))

ارتجفت شفتاها بذنب لم يخفت وهي تقول

((ولكني أخطأت خطئًا فادحًا.. وأنا.. أحبك..))

مجددًا أخذ نفسًا عميقًا يحمل نفسه على الصبر وهو يقول

((وأنا أيضًا أحبك يا نورين لذا لا تتخلي عن رِفعتك وعِزة نفسك، ولا تقبلي على نفسك أي شيء يكسرها أو يهينها.. ودعينا نتوقف عند هذا الحد في الحديث اليوم))

لا تدري لماذا لا تشعر بذرة مشاعر لكلمة "أحبك" التي نطقها كما خرجت من شفتيها هي.. كأن الكلمة خرجت منه باهتة لا تحمل من معناها الحقيقي شيئًا!

إلا أنها وجدت نفسها مع ذلك عفويًا ترفع ذراعيها لتطوقا رقبته وتضمه هادرة بصوتٍ متأثر

((أنا أحبك يا مُصعب.. حقًا))

مالت زاوية فمه في ابتسامة يائسة منها وعطوفة.. لكن عندما شعر بها تضييق الخناق عليه وهي ندفن وجهه في صدره قال وهو يحاول تحرير نفسه برفق منها

((ابتعدي، ابتعدي عني يا نورين إذا كنتِ لا تريدين مني أن أتراجع عن السماح))

انتفضت عنه على الفور لهفة باندفاع

((لا.. لا.. لا كله إلا أن تتراجع))

رفع مُصعب سبابته يلوح أمامها بجدية

((وإياكِ يا نورين أن تكرري مسألة خروجك من المنزل بلا إحاطتي علمًا أنا أو أحد في المنزل على الأقل، لو كنا نعيش في شقة مستقلة بمفردنا عنهم لما قلت شيئًا لكننا نعيش في بيت العائلة هنا.. أفكر بجدية الانتقال من هنا، بالأساس عندي شقة ملكي مستقلة لا تبعد كثيرًا عن هنا))

عقدت ما بين حاجبيها وهي تخمن أن هذه الشقة التي يملكها سبق وكانت له مع زوجته السابقة! لكنها لم تعقب بل أطاعته

((حسنًا لا تقلق))

رفع مُصعب يديه يفك وشاحها ليعيد الخصلات الشقراء الرفيعة من شعرها حول وجهها خلف أذنها.. ثم توقف عما يقوم به ليحدق بهدوء في وجهها البسّام وعينيها تنتشي ببريق أخاذ كما روحها..

لم يشعر بنفسه أنه أطال النظر في عينيها وعندما فعل أخيرا تنحنح يقول بصوتٍ خفيض

((نورين خذي حمامًا سريعًا وارتدي ملابس أخرى أريد أن نذهب أنا وأنتِ لمكان أخر))

سألته بفضول ودهشة

((أين سنذهب؟))

طلب منها مُصعب دون أن يفصح عن وجهتهم

((تجهزي أولًا))

قالت بلهفة وهي تبتعد على الفور

((سأنتهي بسرعة لا تقلق..))

((لا تتعجلي، خذي وقتك))

.

.

تسللا الاثنان للخارج بعد مدة قصيرة دون أن يراهم أحد..

ذهبا إلى حيث سيارة مُصعب واستقلالها.. وهناك ابتسمت لمُصعب وهي تلاحظ بأنه يمعن النظر بها وتساءلت بعفوية

((هل أعجبك ثوبي؟))

أقر مُصعب بإعجاب جلي

((يبدو غاية في الأناقة عليكِ، من يراكِ في هذا الثوب لا يتخيل أنكِ نفسك من كنتِ قبل قليل ترتدين تلك العباءة والوشاح الغير متناسقين!))

تجهمت ملامحها ولكزت كتفه بخفة متذمرة

((لا تكن فظًّا، لقد كنت مستعجلة للذهاب مع سمية إلى المشفى في أسرع وقت مُمكن ولم أنظر لنفسي في المرآة! حتى الوشاح وضعته كيفما كان))

خرجت منه ضحكة رجولية خافتة معقبا

((أنا لا أحاول أن أكون فظًا، بل امتدح أناقتك.. وكيف تختارين الملابس المناسبة للمكان المناسب.. شجعتني أن أذهب بكِ لمطعم لتناول العشاء بعد أن نذهب للمكان الذي سنقصده..))

رفعت حاجبيها تتساءل بدهشة يشوبها الحماس

((هل أنتَ جاد؟))

رماها بابتسامة مؤكدة وهو يقول بهدوء

((نعم، صدقيني أنا لا أجاملك، واشعر بأني محظوظ بكِ، فأنا رجل أحب رؤية امرأتي أنيقة وجميلة على الدوام دون مبالغة أو خروج عن التحفظ))

شعرت نورين بقليل من الذهول الذي لم تظهره.. لم تظن أن مُصعب من النوع الذي قد يهتم أو يدقق بالملابس التي ترتديها سواء في الخارج أو أمامه! وإطراؤه هذا كان أول إشادة بها تقريبًا منذ أن تزوجا.. ورغم بساطة ما قاله إلا إنها شعرت بانتشاء رهيب وسعادة تتشعشع داخل قلبها.. فدمدمت بخجل لذيذ

((شكرًا هذا من ذوقك))

أمسك مُصعب كتفها يجمد حركتها ثم قال لها وهو يخرج مفاتيح سيارته بيده الأخرى

((قفي هنا قليلًا سأدخل للمصف لإخراج السيارة))

التزمت بما قاله ووقفت مكانها باستغراب.. فلماذا لا ترافقه لداخل المصف وتجلس بجانبه وهو يخرج السيارة!

استقل مُصعب سيارته وشغل المحرك ثم استدار برأسه وكتفيه للخلف وبدأ يقود السيارة للخلف ببطء وحذر بينما يضع قدمه على المكابح ويضغط عليها ضغطات بسيطة..

بمجرد أن شعر أن السيارة ستميل جهة اليمين قام بتعديل الاتجاه وأخرجها من المصف بمهارة..

أوقف السيارة أمام نورين ثم أطفأها ليترجل من مكانه خلف المقود هادرًا

((هيا ادخلي))

اتسعت عينا نورين وهي تراه يدور حول السيارة ويفتح مقبض باب الجانب الأخر.. فتساءلت بغير تصديق وهي ترفع إبهامها لصدرها

((هل تريد مني أن أجلس أنا خلف المقود؟))

تهكم وهو يصعد لداخل السيارة

((ما رأيك أنتِ؟ إذا لم أكن أريد ذلك فلأي سبب جلست هنا!))

مد يده يضغط فوق زامور السيارة يقول باستياء

((هل ستبقين واقفة هنا مكانك طويلًا؟ هيا اصعدي فورًا))

جفلت وسارعت كمن دبت فيها الحياة فجأة تفتح مقبض باب السيارة وتستقلها.. كاتمة بصعوبة ابتسامتها المبتهجة ثم شغّلت المحرك بحماس وغمغمت وهي تعدل المرآة الأمامية

((ضع حزام الأمان سأنطلق الآن))

كان يجلس في مقعده بجانبها مندفعًا بجذعه للأمام نحوها وكأنه بحالة تحفز بينما يقول

((لن ارتدي حزام الأمان الآن.. أريد أن أكون متهيئًا لردة فعل سريعة إذا ما حدث أي شيء مباغت اضطرني أن استلم منكِ زمام قيادة السيارة، لا أثق بكِ بعد وبتمكنك من القيادة!))

زمّت شفتيها بعبوس لصراحته هذه! لكن سرعان ما انحسرت هذه الملامح ونظرت أمامها بتركيز وهي تقول بمرح

((كما تشاء))

مرت دقائق قبل أن تتراخى جلسة مُصعب في مقعده براحة وهو يدرك بأنها تقود السيارة وتتجاوز المنعطفات بسلاسة ومهارة.. فكتف ذراعيه ثم قال بصراحة

((عليّ أن أشيد أيضًا بقيادتك، من المذهل أن تكون بهذه السلاسة والمهارة من أول أو ثاني مرة تقودين فيها سيارتي.. أنا ارتبك قليلًا عندما أقود سيارة مختلفة عن نوع سيارتي))

تشدقت نورين بفخر وغرور محبب

((أخبرتك أني متمرسة، لقد قدت الكثير من سيارات أقاربي بجانب سيارة والدي.. لدي قدرة وعلم ومهارة بأنواع القيادة وطرق التشغيل للعديد من المركبات والتي تختلف بين الواحدة والأخرى))

هدر بها حانقًا بصوتٍ مرح

((حسنًا يكفي غرورًا.. عرفنا بأنكِ ماهرة))

ضحكت بخفوت ثم سألته بدلال

((حسنًا ولكن إلى أين يجب أن أذهب الآن بعد أن خرجت بالسيارة من القرية؟))

أعلمها مُصعب بهدوء

((سنذهب لأحد متاجر الهواتف الجيدة))

=============================

كان مُؤيد يقود سيارته بسرعة معقولة كعادته إلى شقته المستأجرة في المدينة عندما جاءه اتصال من زوجته تخبره أن "عروس الثأر" هربت من المنزل سارقة سيارة أخيه..

فلم يشعر بنفسه إلا وهو يغير اتجاه سيارته ليعود أدراجه بمناورات خطرة وسط الزحام.. ويده عند كل إشارة تضرب بقوة على المقود لعل السيارات تعطيه أولوية.. وبمجرد أن وصل إلى منزلهم حتى ترجل من سيارته دون ركنها ثم ذهب في الأرجاء يحاول سؤال المزارعين الذي يعملون تحت إمرتهم إذا ما كان أحد قد رأى سيارة مُصعب تمر من هنا أو هناك دون أن يفتضح أمر هروب نورين.. وها هو يعود للبيت بعد أن عادت رتيل تتصل به وتخبره بأنها عادت..

اندفع مُؤيد إلى داخل القصر وبخطوات سريعة عنيفة توجه نحو جناحه يهتف باسم زوجته مستنكرًا هدوء المنزل

((رتيل.. رتيل.. رتــــــيل))

ردت عليه رتيل وهي تهرول مسرعة باتجاهه

((نعم.. نعم.. أنا قادمة.. لماذا تأخرت في العودة؟))

قال بصوتٍ شرس من بين لهاثه

((أين هي؟ هل عادت حقًا؟ أين هي؟ وأين كانت؟))

غمغمت رتيل من بين أسنانها وهي تغلق باب الجناح حتى لا يصل صوتهم للخارج

((البيت مقلوب رأسًا على عقب، فلا تشحن الأجواء أكثر من ذلك..))

وقف يتطلع إليها بأنفاس لاهثة قبل أن يقول بصوتٍ متهدج من شدة الغضب والأفكار السوداوية التي تداهمه ليفعلها بها

((أجيبي أين هي الآن؟))

جرّته رتيل من كتفه ليجلس فوق السرير وهي تجيبه بسخرية لا تحمل مرحًا

((في غرفة أخيك، ربما سيتولى هو أمر قتلها فلا تلطخ أنتَ يدك))

مسح على وجهه وتنهد بعنفٍ ثم تطلع لزوجته هاتفًا

((هل تستوعبين ما أقدمت عليه يا رتيل؟ لقد هربت من هنا بسيارة أخي؟ هل تعرفين ماذا كان يعني لو لم تعد؟ أن ثأرنا ما زال قائمًا طالما فقدنا فدية))

قطَّبت رتيل حاجبيها تخبره بانزعاج

((توقف يا مُؤيد عن التسرع باندفاعك إلى تلك الأفكار وأهدأ قليلًا أرجوكَ، ودعني أخبرك ما الذي جعلها تهرب بالسيارة))

إلا أن مُؤيد لاهث الأنفاس شعر بأنه لن يهدأ إلا قبل أن يفرغ طاقة الانفعال الهائلة في داخله عليها.. فزعق برتيل ومستنكرًا كلامها

((هل تبررين هروبها يا أمرأه؟ هل هناك شيء يبرر ما فعلته؟))

إلا أنها دفعته ليريح جسده على ظهر السرير وجلست بجانبه تخبره بالتفصيل ما حدث مع نورين وجعلها تغادر بسيارة أخيه.. ورغم اهتياج مشاعره إلا إن بقية عقل تحكمه جعلته ينصت لسردها ولم يجد بعدما انتهت إلا أن يعود ليلومها بقوة

((أنتِ المخطئة يا رتيل.. أنتِ المخطئة.. كم من مرة أخبرتك أن تراقبيها ولا تبعدي بصركِ عنها؟ كم من مرة يا رتيل!))

صدرت من رتيل شهقة مستهجنة شعبية قبل أن تعترض بامتعاض

((هل أنا المذنبة بعد كل هذا؟ هل أنا من سرقت سيارة أخيك وهربت لأوفر ثمن المواصلات العامة على البستانية؟ إذا كنت تريد أن تلوم أحد غير نورين فلُم مَالك، لقد جاءت للمشفى عنده ولم يحاول حتى أن يتصل بأمك))

استقام مُؤيد بجلسته يرد عليها يغضب

((بل أنتِ المخطئة، لو من البداية وضعتيها تحت عينيكِ لما حدث ما حدث..))

تخصرت رتيل وهي تغمغم بامتعاض

((لقد كنت أقوم بعملي جيدًا منذ بداية مجيئها هنا، لكن أمك نبهتني أن أتوقف عن معاملتها كخادمة وألا أتدخل بخروجها للحديقة أو إلى بيت سمية.. الآن اسمع كلامك أم كلام أمك؟))

شرد مُؤيد بنظره جانبًا وشعر بصحة كلام زوجته فدمدم بلوم مكتوم

((أمي لم تكن لتامرك بكل هذا لولا تنبيه مُصعب لها! لكن لا بأس ها قد تعلم درسه وعرف أن النساء لا يجب أن يعطيهن الحرية حتى على مستوى وجودهم في البيت، أخي الأخرق عديم الخبرة في التعامل مع النساء))

ارتبكت رتيل فجأة عند كلامه، لو يعرف فقط من هو عديم الخبرة الحقيقي هنا! تنحنحت قبل أن تقول له بصوتٍ لا تعبير به ((معك حق في كلامك يا مُؤيد))

عاد مُؤيد يصب سخطه على أخيه وهو يرفع كفيه يتخلل شعره بأنامله

((انكى ما في الأمر يا رتيل أن هذه ليست أول مرة له، فقد سبق واستغلت ابنة عمي تساهله معها لتهرب للخارج على حين غفلة حيث تسكن والدتها الفاسقة وتطلب الطلاق منه هناك رغمًا عنه))

عقَّبت على كلامه بحذر وهي تراقب انفعاله

((موضوع ابنة عمك رشا مختلف، فقد تزوجها بعرف النهوة رغمًا عنها وبغير موافقتها وجعلهم يوسعونها ضربًا لتقبل الزواج منه، كنت ترى بنفسك كيف كانت حزينة وذابلة طوال فترة سكنها هنا معه، وتساهله معها ما هو إلا نتيجة لشعوره بالذنب لإجباره على العيش معها))

هتف بها بإصرار وهو يلوح بيده بغضب

((حتى ولو كان قد أجبرها، لكن بمجرد أن صارت زوجته فمن حقه أن يفعل بها ما يشاء ويضيق عليها الخناق حتى لا يلومه أحد لو أخطأت، انظري ماذا حدث عندما تساهل معها، أخذت أوراقها وجواز سفرها وهربت للخارج لتصمنا جميعًا بالعار))

أنهى مُؤيد كلامه وأطلق تنهيدةً يلفظ شيء من سموم روحه ليصمت.. لكن طُرق باب جناحه بعد دقائق من قِبَل والدته التي ما إن دخلت حتى تساءلت باستغراب

((مُؤيد! لا زلت هنا؟))

أومأ مُؤيد برأسه لتقول والدته التي كانت متشنجة الملامح

((هذا جيد فقد خفت أن تتهور، إنها زوجة أخيك وفي النهاية لا يصح أبدًا أن تتحدث معها دام زوجها موجود))

حاول مُؤيد الحفاظ على هدوءه لوجود أمه إلا أنه هتف من بين أسنانه بصوتٍ سقيم يغوص في تخيلات سادية

((كيف لا تريدين مني التدخل؟ آه انتظري فقط حتى يخرج مُصعب من جناحه فقط لأرى إذا بقيت زوجته على قيد الحياة، حينها سأُجهِز عليها وأكسر ما تبقى من عظامها، وألقنها درسًا، بل وسأفرغ بها كل الغضب المكتوم في داخلي تجاه رشا! ما تزال يدي تحكاني تريدان الثأر من الفضيحة التي افتعلتها في حقنا، فرشا لم تكن زوجة أخي وحسب بل ابنة عمي الوحيدة وشرفها من شرفي))

أظلمت عينا زاهية وكأن سحابة قاتمة غطت حدقتيها، حتى أن حاجباها انعقدا لذكر سيرة رشا.. فعقَّبت على كلامه بصوتٍ مقتضب

((ليس هناك وجهة مقارنة بين ما فعلته نورين ورشا يا مُؤيد، فعلى الأقل نورين كان غرضها فيه شيء من الإحسان والنبالة رغم سخفه، أما رشا فقد استغلت طيبتنا جميعًا معها وتعاطفنا وجلبت لنا العار جميعًا بهربها للخارج وطلبها الطلاق))

شعر مُؤيد عند ذكر "العار" بالحرارة تنطلق بين أوصاله كأن هناك من أضرم النيران في صدره.. فقال باستياء شديد وأنفاسه تتسارع في رئتيه

((لا يهم فكله سيان بالنسبة لي، آه لو كنت أنا من تزوجت عروس الثأر! لدفنتها اليوم وأعلنتها عودة للصراع بين العشيرتين حتى لا نقبل فدية لابن عمنا إلا الدم))

شعرت رتيل وكأنه قد لكمها للتو إلا أنها أسبلت جفنيها قليلًا تحث نفسها على الصبر فليس كأنها أول مرة يعبر عن حسرته لأنه لم يتزوج من نورين! في حين لم تتقبل زاهية كلام ابنها.. خاصة وهي ترى نظراته القاتمة المُدلهِمّةٌ يسبح فيها شبح الثأر الغاشم! إنه يريد الثأر لابن عمه لمجرد الثأر فليس وكأنه أكثر إخوته حبًا لابن عمه الراحل.. فلم تجد في النهاية إلا أن تردعه بصوت ممتعض

((اخرس يا مُؤيد وتوقف عن الخوض في هذا النوع من الحديث.. أنتَ تعيش في المدينة هناك ولا تأتي هنا إلا كضيف كل أسبوعين ولن تتأثر ببحر الدماء والدمار الذي تأمل أن يحدث بين العشيرتين..))

=============================

زفر مَالك بضيق وهو يعود من بيت سمية الذي كان مغلقًا ولم يجد أي رد منها رغم طرقه للباب بقوة ولدقائق طويلة..

أين تراها تكون هي ويزيد الآن!

شيء بداخله جعله يمر نحو الحديقة الخلفية ثم يدخل من بابها للمطبخ.. لكن بمجرد أن اقترب من باب المطبخ الذي كان مفتوحًا بعض الشيء حتى وصل له أصوات زعيق عالية.. تناهى إلى سمعه صوت نعمة العالي الموبخ

((هل تعرفين إذا ما طلقها السيد مُصعب بسببك كانت لتفور فورة رجال القرية لطلب ثأر يحيى الكانز؟ لقد تسببتِ لنورين بالكثير من المتاعب بسبب لحاقها بكِ!))

ازدردت سمية غصّتها بأشواكها اللاذعة ثم غمغمت باعتذار

((معكِ حق يا سيدة نعمة أنا آسفة))

انكمشت ملامح منال بازدراء وتفاعلت أحماض معدتها لتترجم أفكارها إلى كلمات هادرة

((أنتِ وابنك لا تنجون إلا بإثارة المشاكل هنا.. لو كنت مكان الحاجة لما ترددت برميكما في الشارع يا وضيعة الأصل))

هدرت سمية بصرامة في منال وكلماتها المهاجمة دون رادع

((لا أسمح لكِ يا منال بالتحدث معي ببذاءة لسان))

تدخلت نعمة تقول

((وهل هي مخطئة؟ تشغلين السيد مَالك بمشاكل ابنك وكأنه يتيم الأب، والان تتسببين المشاكل للسيد مُصعب وزوجته!))

عادت منال تطلق كلماتها بلسانها الطويل المنفلت غير عابئة بشعورها أو كرامتها التي تعبث معها من خلالها

((بسماحك للسيد مَالك في الحوم حولك تثبتين القول بأنكِ امرأة متلهفة للحنان وللاحتواء وسهلة المنال))

رددت واحدة ممن يعملن في المطبخ ((معكِ حق))

جحظت عينا سمية مما تسمعه وارتجفت شفتاها وكانت تريد ردع منال لولا تدخل نعمة مجددًا بصرامة

((في كل مرة تخرقين أوامر الحاجة زاهية تمرر الأمر لكِ، لكن هذا التنبيه الأخير لكِ! إياكِ أن تدخل قدمك عتبة هذا المنزل))

سكتت سمية ثوانٍ تتلقى كلمات الأخرى اللاذعة والدموع تغرورق عينيها.. ثم فرت هاربة من المطبخ للخارج لا تحتمل أن تستمع للمزيد.. حتى أنها أثناء هرولتها لم تنتبه بأنها تجاوزت مَالك الذي كان يقف عند الباب..

التفتت منال نحو يزيد الصغير الذي كان يتابع كل شيء يحدث ورشقته بنظرات اشمئزاز قبل أن ترميه بكلماتها اللاذعة

((انظري لابنها! على أحد أن يعلمه أن يتوقف عن الالتصاق بالسيد مَالك.. يتصرف كابن حرام لا والد له))

جحظت عينا مَالك عند هذه الكلمة التي نطقت بها منال وكان وقع الجملة عليه أشد من أن يلتزم الوقوف مكانه ولا يتحرك!

تحررت تعابيره من التشنج ودلف للمطبخ يدبُّ بقدمه الأرض في كل خطوة..

اتسعت عينا نعمة وكل من يقف في المطبخ بمجرد رؤيتهم له وأدركن بأنه استمع لجزء من الحديث الذي دار بينهم..

هتف مَالك موجهًا حديثه لمدبرة المنزل نعم بعينين مظلمتين

((هل تشرفين على عملهم هنا يا نعمة أم تشاركينهم مجلس الثرثرة؟))

ردت نعمة عليه بصرامة دون ذرة ارتباك

((سيد مَالك لو سمحت أنتَ تتردد كثيرًا على المطبخ، إذا أردت الذهاب لحديقة منزلكم الخلفية فهناك طرق أخرى مؤدية إليها غير باب المطبخ هذا))

ازداد تجهم عينيه وقد تجاوز آخر صبره إلا أنه تحامل على نفسه وقال بسخرية

((ماذا؟ ومنذ متى عليّ أن استأذن قبل أن أدخل أي مكان في منزلنا؟ المطبخ هنا يدخله أيًّا كان من رجال ونساء فلم ممنوع عليّ؟))

لم تنحسر ملامح نعمة عما كانت بل ازدادت صرامة وهي تهدر

((أنتَ تعرف ما أتحدث عنه يا سيد مَالك، والدتك دون داع تبغضها بسبب اهتمامك بها وبابنها والذي هو بغير محله، فأرجوكَ لا تجبرني على تأكيد شكوك والدتك))

نظر مَالك بصدمة عارمة، فاغرًا فمه وهو لا يصدق كيف تهدده بعلانية وصراحة!

وما زاد الطين بله التفاتها نحو يزيد الذي كان جالسًا منكمشًا على نفسه بخوف ولم يلحق أمه لتردف بجفاء وحزم

((وأنتَ يا يزيد إياكَ أن تدخل هذا القصر أبدًا، وإياكَ أن تقترب من السيد مَالك أو تتعبه بشقاوتك ولهوك، اصغ لكلامي جيدًا فأنت لست رضيعا))

لوهلة ظل مَالك فاقدًا قدرته على الكلام، قاتم الملامح والتعابير وهو ينتبه ليزيد يلتفت بعينيه اللامعتين بخيبة الأمل له قبل أن يهم الصغير أن يعتدل واقفًا من مكانه ينوي المغادرة تزامنًا مع قول نعمة كلمتها الأخيرة لمَالك قبل أن تستدير

((الآن أستميحك عذرًا))

إلا أن صوت مَالك صدح عاليا

((نعمة لو سمحتي من اليوم أريد منكِ أن تحرري نفسك من إدارة المطبخ هنا وفي المنزل ككل، حان وقت تقاعدك وراحتك بعد كل سنوات الخدمة هذه))

اهتزت حدقتي عيني نعمة الواسعتين التي تحيط بهما خطوط الزمن وتجعدات الشقاء الطويل ثم سألته عابسة

((هل تطردني من هنا يا سيد مَالك؟))

لم يجبها بل وجه نظره لمنال التي كانت لا تقل صدمة عن نعمة يسترسل حديثه بصرامة

((أنا سأنهي عمل الجميع هنا في المطبخ بشكل نهائي دون استثناء أي أحد))

قاطع يزيد حبال الصمت الذي استمر للحظات طويلة يتساءل بصوتٍ مبحوح

((حتى نجوم؟ ولكنها لطيفة جدًّا!))

اتسعت عينا نجوم لما قاله بدهشة أما مَالك قال بنفس ملامحه السابقة لكن بنبرة أقل انفعال

((إلا نجوم ستبقى هنا إذا أرادت هي))

التوت شفتا نعمة بابتسامة ساخرة مريرة إلا أنها هزت رأسها ثم قالت بصوتٍ جامد

((حسنًا يا سيد مَالك كما تريد))

غادر مَالك المطبخ وخرج للحديقة متجهًا نحو بيت سمية الصغير.. رفع يده ينوي طرق الباب والاطمئنان عليها إلا أنه تراجع وهو يستدير متراجعًا من حيث جاء.. لا ينقصها أن يراه أحد يحاول طرق بابها الآن والإسهاب في الحديث معها.. ستنزعج!

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...