الفصل 21 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
15
كلمة
6,415
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل التاسع

حضر وليد لمكتبه مبكرًا قبل وصول أحد الموظفين عنده بعد أن أعلم مُعاذ بالمجيء.. كانت عيناه محمرتان قليلًا لأنه قضى ليالٍ طويلة دون نوم تقريبًا.. ليالٍ لا تُنسى وستبقى مختومة في ذاكرته بختم أبدي..

نهض بمجرد سماع طرقات ابن عمه على باب مكتبه حيث كان منتظرًا يتأهب للقائه ويرتب كلماته التحذيرية..

سمح له بالدخول وتقدم خطوة وراء الأخرى منه بينما يغمغم بابتسامة مريبة

((كيف حالك يا ابن عمي العزيز والرائد المحترم))

لم يكن مُعاذ مرتاحًا لوجه وليد أو ما سيقوله إلا أنه أجابه بنبرة هادئة ودودة

((أهلًا بكَ يا وليد، أنتَ عزيز عليّ أيضًا، كيف هو حالك؟))

اشتد وجه وليد الذي وقف أمامه قائلًا بصوت واضح مرتب الأفكار

((أنتَ تعرف بأني لا أحب المقدمات أو تضييع الوقت.. فهل ندخل في الموضوع مباشرة؟))

رد مُعاذ وهو يعقد حاجبيه بشدة محاولًا التخلص من ذلك الشعور المقيت الذي انبعث بداخله للتو ((ادخل به))

صمت وليد للحظات ثم قال ساخرًا وهو يناظر دلوف شخص آخر المكتب

((انظر ها قد جاء مُصعب، جميل جدًّا فهو معني أيضًا بحديثي..))

اقترب مُصعب اللاهث من شقيقه.. فهو وبمجرد أن أنهى مكالمته مع أخيه حتى سارع الوقت في ارتداء ملابسه ثم هبط درجات السلم بخطوات مكتومة الى الطابق الأرضي ومنه الى المَرْأَب ليغادر البيت دون أن يشعر به أحد..

تفاجأ مُعاذ من حضوره.. ثم تساءل متغضن الوجه

((ما دخل مُصعب؟))

قال وليد وهو يرمقه بنظرة ذات مغزى

((كيف ما دخله؟ أليس هو السبب في موت يحيى!))

اهتزت حدقتي مُصعب بنفي وهم بأن يصرخ برفض اختنق في حلقه وتلجم للحظات مصعوقًا قبل أن يقدر على الهمس أخيرًا ((ماذا!))

كان مُعاذ يرفرف بعينيه في محاولة عقيمة ليستجمع ما يتناهى لسمعه قبل أن يثور وقد عرف بأن وليد لا ينوي على خير الآن

((توقف عن هذا الهراء، مُصعب لا دخل له بشيء.. إنه قضاء الله وقدره))

أخفض وليد نظره لحظة ثم أعاده لوجه مُصعب المضطرب قائلًا بنبرته المريبة

((لا اعتراض على قدر الله، ولكن هناك أسباب ولا أحد ينكر بأن مُصعب المسؤول، ألم يطلب من يحيى بنفسه أن يذهب لأرض والده ويعرف سبب العراك الذي حصل هناك؟ لو لم يطلب مُصعب من ابن عمنا أن يذهب هناك لم يكن ليواجه ذاك المصير المؤسف!))

اهتزت حدقتي مُصعب مجددًا عند ذكره سيرة يحيى! وليد يعرف تماما كيف يخترق نقطة ضعفه..

اندفع مُعاذ كإعصار غاضب يمسك كتفيّ وليد بقوة يجبره على إعطائه انتباهه فوضع وليد عينيه في عيني ابن عمه.. وفي احتدام النظرات بدا وكأن قصائد كره بين العيون تلوح.. قبل أن يقول مُعاذ

((وليد اختصر وقل حالًا سبب طلبك لي))

شمخ وليد وهو يمثل الجدية بجدارة ليقول

((كنت أقول في نفسي بأنه حان الوقت لاهتم قليلًا بشؤون القرية وبثأر دم ابن عمي يحيى المهدور، وكنت أفكر بأن أجمع باقي شباب القرية من أجل..))

امتدت يدا معاذ ليمسكه من ياقته وهو يصرخ فيه

((لقد أخذت الجاهـة فدية من عشيرة الهنادل على أن يتم الاتفاق بعدم الاعتداء عليهم أو أحد أفرادهم.. كل واحد من عشيرتنا يا وليد عليه أن يلتزم به.. ما هذا الجنون الذي تتحدث عنه!))

بادله وليد الثورة بمشاعر متأججة وغضب متألق في عينيه هاتفًا

((كل هذا لا يهمني، كل من في القرية لا يهمني، ولن أفكر ولو لثانية قبل أن أخرق هذا الاتفاق سيادة الرائد إذا لم تطلق المرأة التي كانت ملكي ولطالما ستبقى تخصني.. والآن))

صرخ مُصعب به مستنكرًا

((ماذا تهذي؟ أيها المجنون مُعاذ ليس متزوجًا!))

تشدق وليد ساخرا فسأله مُعاذ بغلظة وهو يشد على ياقته

((من تقصد يا وليد؟))

خفتت ابتسامة وليد لتشع عيناه المخيفتان نارها كنوايا كلماته وتهديده

((أقصد شيرين يا حضرة الرائد! أريد منكَ أن تطلقها الآن، لقد تأكدت بنفسي بأن زواجكما لم يتم تثبيته في المحكمة لذا إياكَ أن يعلم أحد به))

احتاج مُعاذ لثوانٍ أُخر حتى استوعب ما يطالب به ابن عمه واسمها يتردد في عقله.. وسرعان ما صرخ به مُعاذ

((ما هذا الجنون الذي تتحدث به!))

لم يكن صوت وليد بل كبرياؤه وهوسه بها من يتحدث في وجهه بنبرة مخيفة وهو يرد عليه

((ليس جنونًا، الجنون ستراه بأم عينكَ يا مُعاذ لو لم تطلقها! إياكَ أن تضع قدمك بعتبة ذاك الفندق مرة أخرى))

كان مُصعب لا زال على صدمته وهو يسأل أخيه

((مُعاذ هل أنتَ متزوج؟ ولكن متى؟))

اخذ مُعاذ نفسًا عميقًا يستعيد رباطة جأشه ثم قال بينما يدفعه وليد ليتخلص من قبضته

((سأخبرك كل شيء لاحقًا يا مُصعب.. اهدأ الآن))

ثم عاد يناظر وليد الذي كان يهندم مقدمة قميصه الذي جعده له صارخًا

((وأنتَ أيها الأحمق.. هل أرواح الناس لعبة بين يديك؟ ألا تعرف كم بذلنا من جهد لتتم المصالحة ونمنع إراقة أي دم لتأتي الآن وبكل فجاجة تعلن بأنكَ ستغمر عقول شباب قريتنا بنيران الانتقام))

ازدادت ملامح وليد عدائية وهو يقول بكل ثباته وقوته

((وهل تظن أن نيران أفراد العشيرة أُخمدت من الأساس؟ أنتَ واهم يا سيادة الرائد، لا شيء يشير بأن صمتهم باقي.. كلهم يحتفظون بأمل أن يأتي ذلك اليوم الذي سيتم فيه خرق الاتفاق لينالوا بثأرهم ممن اعتدوا عليهم ويحافظوا على كرامة دار الكانز وهامتهم عالية بين باقي الرجال))

ثم أردف مغمغمًا من بين أسنانه المطبقة بصوتٍ خطير

((لا تجبرني يا حضرة الرائد على فعل ما لا أريده.. طلق شيرين اليوم.. وأمامي))

اخذ مُصعب عدة أنفاس كانت تجيش في صدره كأنه يستعد للقتال ثم واجه ابن عمه قائلا وهو يقبض هذه المرة على ياقة قميصه

((لا أعرف شيء عن زواج أخي ولكن هل أنتَ في كامل قواك العقلية لتطلب منه أن يطلق زوجته لتتزوجها أنتَ؟ هل تعرف بأن كلامك بسببه قد تقطع أعناق الرجال؟))

لم يبالي وليد بمُصعب بل جمَّد ملامحه بذاك الكبرياء وهو يرد بلا مبالاة

((نعم أعي ذلك وأريد من شقيقك أن يطلقها الآن فهي لم تتزوجه إلا لتنتقم مني))

رفع مُصعب سبابته كقسم صارم محذرًا

((أوقف لسانك عن هذا الهراء أو سأرديك قتيلا))

صرخ وليد به بضراوة وإصرار والألم يضج مع كل حرف

((لن ابتعد قبل أن يطلقها شقيقك))

قال مُصعب وهو مشدوه من كم الفجر الخارج من ابن عمه الذي يقف أمامه باهتياج أنفاسه اللاهثة

((هل تحاول أن تفرق بين المرأة وزوجها أيها الفاسق؟ هل تعرف أيها الخسيس عاقبة التعدي على الحرمات؟))

قال مُعاذ ببلادة وهدوء مريب يكتنف صوته

((وليد علاقتي بشيرين انتهت ولا يوجد شيء بيننا نحن الاثنين))

لم يعد يُرى من عيني وليد إلا ذاك الجنون المشتعل فيهما وهو يتساءل

((إذا كان الأمر كما تدعي فلماذا مررت من الفندق الذي تمكث فيه؟))

أجاب مُعاذ بثبات

((لننهي كل شيء بيننا))

وكان مُعاذ صادقًا فيما يقوله.. فقد أثار استغرابه إمداد شيرين فترة إقامتها في الفندق على حسابها فذهب لجناحها في وقت تتواجد صديقتها يسألها عن السبب قبل أن يودعها في لقاء أخير..

زفر وليد أنفاسه مسيطرًا على غضبه الذي خرج بصوته الأجش ((حسنًا هذا جيد))

سكت مُصعب لحظات يستوعب ثم هتف بدهشة غاضبة

((أقسم بأني لا أدرى كيف أسمح لكَ بالبقاء على قيد الحياة والتفوه بكل هذا! أين دينك وخجلك من نفسك يا وليد مما تطلبه! ألا تعلم قُبح وجُرم طلبك؟))

صرخ به وليد بزمجرة غضب تعادل غضبه

((اتركني أنتَ الأخر))

افلته مُصعب بعنف وخشونة ثم تحركت شفتاه بهتاف مشمئز

((إذا كان قد نُهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه فكيف بمن يسعى بالتفريق بينه وبين امرأته ويعبث بالأعراض والإفساد بين الزوجين، اتقي الله أيها اللعين! أنتَ..))

لم يمنحه وليد الفرصة ليكمل بل قال بتعابير قاسية بشكل غير مسبوق له

((من أين تجلب مُصعب أيها المتناقض كل هذه الجرأة أمامي لتأتي وتحاسبني وأنتَ نفسك من قمت بالنهو على ابنة عمنا رشا شقيقة يحيى.. أنتَ بنفسك من أجبرتها أن تفسخ خطبتها من خطيبها الذي تحبه ويحبها هو! لقد توسل عمي آنذاك لك بل كاد أن يكسر هامته حتى تتراجع في نهوك عنها! هل الدين والشرع ينطبق عليّ فقط أيها المنافق!))

بهت وجه مُصعب.. فإذا كان يظن بأن موت يحيى نقطة ضعفه الوحيدة التي يمسكها وليد عليه فقد أخطأ!

كلمات وليد جعلت الأفكار المتعلقة بيحيى وشقيقته رشا تنساب داخله بمشاعر تزلزل كيانه..

تعلقت عينا مُعاذ بمُصعب وقلق على أخيه.. فأمسكه من كتفه يقول وهو يبعده عن وليد ويغادر المكان ((لنغادر يا مُصعب))

ثم كاد مُعاذ أن يجر أخيه جرًا للخارج قبل أن يبرح الاثنين بعضهما..

بعد أن خرج الإثنين من البناية التي يقبع فيها مكتب وليد حتى استعاد مُصعب رباطة جأشه ونسي كل ما قاله وليد متعلق بموت يحيى وزواجه من شقيقته واستدار لأخيه يغمغم له بغضب مكتوم واستهجان موقفة المتخاذل الذي لا يمثله بشيء

((لقد قال لكَ بكل صراحة أن تطلق زوجتك وأنتَ اكتفيت بأن تخبره بانتهاء علاقتك بها بدلًا من أن تلكمه في منتصف وجهه بلكمة تنهي حياته؟ وماذا لو لم تكن قد أنهيت علاقتك بتلك المدعوة "شيرين" قبل مجيء وليد! هل كنت ستطلقها لأجله؟ هل تخافه يا مُعاذ؟))

بدت عينا مُعاذ في غاية السلبية بينما خفت صوت الثورة فيه وهو يتساءل بهدوء

((ولماذا لا أخاف من أمثال وليد؟ عليكَ أن تخاف يا مُصعب ممن لا يخاف ربه، صدقني لقد كان صادقًا في تهديده بعودة نيران الانتقام بين شباب القريتين فوليد لا يهدد من فراغ))

جحظت عينا مُصعب مستهجنًا مما يسمعه ثم غمغم بصوت أجش رجولي خشن وتفاحة آدم البارزة بحلقه تتحرك بوضوح

((هل أنتَ جاد يا مُعاذ؟ أنا لم أعهدك يا أخي ذليلًا وجبانًا!))

أذاه مُصعب وجرح كبرياءه ورجولته لكنه كان محقًا.. فتحرك جانبي فكه بقوة كتمانه لذلك الجرح.. ثم قال بصوت خافت حتى لا يشي بدواخله

((لو كنت فعلًا متزوجًا منها لم أكن لأسمح له بأن ينطق اسمها على لسانه.. لكن بما أني لست كذلك فلا داعي الآن أن أعاديه وأدفعه أن يفعل ما يهدد به))

تغضن جبين مُصعب وهو يتساءل

((من هي شيرين هذه؟ هل هي الخطيبة السابقة لوليد؟ المرأة التي انفصل عنها في نفس يوم زفافهم؟ لماذا أخترت أن تتزوج منها هي بالذات؟ هل جننت لتدخل نفسك في هذه الدوامة؟))

أغمض مُعاذ عينيه يتحكم فيما سيقوله قبل أن يهدر بانضباط انفعالي

((قصة معقدة يصعب أن اشرحها لكَ الآن يا مُصعب))

عاد مُصعب يقول محقرًا إياه أكثر

((لا أريد أن اسمع المزيد، على كل حال فقد سقطت من نظري كثيرًا يا مُعاذ، ردة فعلك مخزية جدًّا ولا تصدر من رجل يا مُعاذ.. لأنه لا ينبغي الإخلال بها ولا التهوين من شأن ما فعله))

سكت مُصعب قليلًا ثم تابع بنفس الاهتياج والغضب

((لم يكن منطقيًا ما فعلته.. أبدًا.. كان يجب عليكَ أن تجعله يدرك بأنكَ ستترك تلك المرأة وشانها لأنكَ فعليًّا لست متزوجًا بها لا أن تجعله على اعتقاده الخاطئ!)) وسرعان ما غادر مُصعب المكان كله قبل أن تنفلت آخر أعصابه..

.

.

بمجرد أن غادرا مكتبه حتى تهالك جسد وليد على إحدى المقاعد..

ها قد قال مُعاذ له بكل جبن بأن علاقته بشيرين انتهت.. دون أن يكون له هو دخل! ولكن بعد ماذا؟ بعد أن تم الزواج بينهما؟

ازداد وجهه بملامحه القاسية تجهما.. وبدا الألم والغضب في داخله عظيم بشكل يخيفه هو شخصيًا..

لن يسامحها أبدًا.. سيكون عقابه وانتقامه منها مضاعفًا قاسيًا بسبب ما أقدمت! لقد مزقت قلبه لألف قطعة وقطعه بما فعلته الآن وسابقًا!

=============================

اضجع مُصعب فوق سريره شارد العينين ومهموم الذهن.. رغم أن ما سمعه اليوم كان صادمًا لكن ما يغرقه الآن في دوامات الندم هو شعور الذنب الذي جعله وليد يطرق وجدانه..

يدرك تمامًا أن هدف وليد هو زعزعة إيمانه بقضاء الله وقدره إلا أنه ضربه بالصميم..

أشاح مُصعب بنظره نحو الباب وقد تناهى إلى سمعه صوت فتح مقبضه.. ليسمع نورين تقول وهي تلج للداخل ببطء بوجه متغضن تعبًا

((يا إلهي كم يؤلمني ظهري))

اعتدل مُصعب شبه جالسًا على السرير وهو يسألها

((أين كنتِ منذ الصباح؟ عدتُ قبل قليل واستفقدتك))

استلقت بجانبه تتنهد بتعب وأسندت جبهتها فوق صدره مغمضة العينين ثم غمغمت بإرهاق

((كنت مع رتيل ونجوم أعد طعام الفطور للعاملين في المزارع وما أن أنهينا صنعه حتى بدأنا نقوم بصنع وجبة الغداء.. وانتهينا الآن فقط.. ياسمين انسحبت من منتصف العمل وقالت بأنها لن تعمل مرة أخرى معنا وهذا ما صعب الأمر))

ضمها إليه يلف خصرها بذراعه لترتاح رأسها في حنايا عنقه بينما يتساءل باستغراب

((ولماذا تقمن أنتن بذلك؟ أين منال ونعمة وغيرهن؟))

أجابت ((أخاك مَالك قام بطردهن..))

اتسعت عيناه بتلقائية وذهول وتساءل

((ومن يظن مَالك نفسه حتى يقوم بطرد أيًّا كان؟ هل لدى أمي علم بالأمر؟))

اعتدلت لتجلس بجانبه وردت

((نعم وأمرتنا أن نتساعد في أمور المكان ونتدبر أمورنا ريثما يتم تعيين غيرهن))

شعرت بصدمته وعدم توقعه وهو يقول مستهجنًا

((ولكن نعمة بالذات تعمل في هذا المنزل منذ عشرات السنين.. كيف قبلت أمي بذلك!))

أجابته بحزن وهي تهز كتفيها

((أنتَ تعرف بأنها تحب مَالك ولا يهون عليها أن تكسر كلمته))

علامات التعجب والاستفهام كانت لا تزال ترتسم عليه عندما تشدق بنبرة ساخطة

((ليس من المعقول أن يتم طردهن لمجرد أن السيد مَالك طلب ذلك!))

دمدمت له بتردد وخفوت وهي تذكر ما طلبته منها سمية

((إذن أعدهن إذا كنت تستطيع، سمية تشعر بالذنب الجلل لما حدث فهي تعتقد بأن لها يدًا في تسريحهن من عملهن هنا))

مال برأسه متجهما يتساءل

((سمية؟ وما دخلها في الأمر كله..))

بتر كلامه وقد التمعت عيناه بالفطنة ثم تمتم

((أوه حسنًا فهمت لم قام بطردهن إذا كان السبب متعلق بسمية))

كانت نورين تداعب أناملها ببعضها وتشعر بأنها كانت السبب لا سمية.. حتى أنها منذ الصباح حاولت تجنب كثرة الكلام.. فقالت بصوتٍ خافت واهن وبحدقتين مهتزتين

((أنا متأكدة أن لي علاقة بما حدث بسبب ما فعلته لأنهم غفلوا عن مراقبتي))

قال لها مُصعب وهو يهم بالاعتدال واقفًا من السرير

((لا دخل لكِ بكل ما يحدث، أما بالنسبة لمَالك فليس من صلاحياته طرد أحد هنا.. سأتحدث معه على الغذاء.. هيا لنهبط للطابق الأرضي))

كان يمسك يدها يحثها على أن تقف من مكانها إلا إنها أبدت اعتراضات وهي تقول بتلبك

((لقد تناولت الغداء عندما كنت بالمطبخ، اهبط وحدك))

أخفض نظره إلى يدها التي حررتها بقوة منه فسألها بهدوء

((لماذا؟ ألا تقولين بأنكِ لا تحبين الانضمام لهم على وجبات الطعام إلا عندما أكون متواجدًا؟ ها أنا بدأت أشاركهم وجبات الطعام من أجلك))

شعرت بتأنيب الضمير لعدم انضمامها الآن معه.. لكن مُؤيد كان لا يزال بالأسفل وهي بدون حادثة الأمس تخافه وتخاف مِمَّا يضمره من وعيد لها سواء من كلماته أو نظراته المخيفة نحوها.. فرفعت رأسها لمُصعب ترجو تفهمه ومعذرته

((ليس اليوم فأنا حقًا لستُ جائعة، وظهري يؤلمني من العمل))

كان مصعب يريد التراجع عن الخروج من جناحه فلقاؤه بوليد أزال آخر ذرة شهية فيه.. لكنه خرج حتى يتناقش مع مَالك بشأن ما فعله في الأمس!

.

.

حيث تجلس عائلته حول منضدة الطعام دلف مُصعب متسائلًا وهو يلاحظ بأنهم لم يحضروا جميعًا

((أين مَالك يا أمي؟))

رفعت رتيل التي كانت توزع الصحون حول الطاولة وجهها له تقول بغل ونبرة مقتضبة لذكر سيرة مَالك

((وما أدرانا؟ أخاك وظيفته صرف العاملين وبليتنا نحن بعملهم))

تصاعد صوت مُؤيد الذي كان يدلف للداخل أيضًا بينما ينادي زوجته

((أم فهد أين أنتِ.. تعالي.. أين أنتِ؟))

وقف مُؤيد مكانه ما إن رآها لتتساءل باستغراب

((ماذا هناك؟ ألن تتناول غدائك وتتجهز لتعود للمدينة؟))

قال مُؤيد الذي كان يمسك هاتفه في إشارة لإنهائه مكالمته توا

((لن أعود أبدًا هذا الأسبوع وسأرتب مع أحد الموظفين عندي أن يدير أمور العمل في غيابي.. المهم أني قمت بدعوة لعشرات الأصدقاء هنا في الغد.. أريدك من الآن البدء بتجهيز غداء الغد.. أريد شيء يرفع رأسي أمامهم))

جحظت عينيها وهي تقول بصدمة

((ماذا! دعوة لعشرات الأصدقاء! أي دعوة في هذا الوقت جئت بها يا مُؤيد فجأة!))

سرد لها واقع ما حدث باختصار

((كان يفترض أن تقام هذه الدعوة في منزل أحد أصدقائي ولكن طرأ عليه ظرف مفاجئ فأقسمت عليهم جميعًا أن يحضروا عندي..))

وجهت رتيل نظرها له كالرصاصة والاستنكار والرفض يحتل ملامحها ثم هتفت

((ولكن يا مُؤيد أنتَ تعرف بأن كل الخدم قام مَالك بطردهم؟ وأنا مشغولة من الصباح للمساء في إعداد الطعام للمزارعين في أراضي والدك، والآن تريد مني أن انشغل بطعام أصدقائك غدًا؟ ألا ينفع أن تؤجلها عندما يتم تعيين خدم أخرين؟))

هتف مُؤيد رافضا

((لا.. لا ينفع تأجيلها ولا ثانية أخرى))

اقترح مُصعب على أخيه بعفوية

((مُؤيد بما أن الدعوة جاءت بشكل مفاجئ لماذا لا تطلب من أحد المطاعم المعروفة بجودة طعامها! أفضل من الجلبة التي ستقام، ريثما تعود على الأقل نعمة والباقين))

هزت رتيل رأسها بلهفة وعقبت على كلامه

((أخاك يقول درر وجواهر، اسمع كلامه يا مُؤيد، اطلب من أحد المطاعم))

امتقعت ملامح مُؤيد ووجه نظره المقتضب لأخيه قائلًا بلهجة شديد

((لا.. لست رجل ناقص لأسمح بطعام المطاعم أن يوضع أمام أصدقائي وعندي زوجة حية ترزق بكامل صحتها، نظمي وقتك وستجدين وقت كافي لطعام المزارعين وأصدقائي.. وأعجبني في الأساس ما قام به مَالك، لسنا بحاجة لأي خدم وعاملين ما دمنا متزوجين))

شعرت رتيل بالقهر يغزوها فقالت بحدة واختناق

((ولكن ظهري سيتكسر هكذا فلا أحد يساعدني إلا نورين ونجوم))

لم يعلق مُصعب على كلام أخيه بل نظر باتجاه أمه يعلمها

((أمي لا تطلبي من زوجتي أن تقوم بأي شيء، هي ليست خادمة هنا))

شدت رتيل على نواجدها.. فكأن مُصعب يتعمد إغاظتها ويقصد أنها الخادمة الوحيدة هنا!

في حين امتعضت ملامح زاهية بغير رضا لما قاله ابنها وكانت تريد الرد عليه بالرفض وهي تراه يستدير مغادرًا لكن غمغم مُؤيد بصوت خافت متوعدًا

((اتركوه قليلًا حتى يتفرغ بالي له، هل يظن بأني نسيت موضوع زوجته وهربها في الأمس!))

ثم حول نظره لزوجته يستطرد

((المهم يا رتيل ركزي معي.. لست بحاجة لأن أخبرك بأني أريد من المائدة أن تمتلئ بعشرات الأصناف من المعجنات والكبب وورق العنب والمحاشي والمفتول والحلويات والمقبلات.. لا تسودي وجهي أمامهم بحجة أن الدعوة هذه حصلت بشكل مفاجئ))

=============================

في شركة القاني..

في القسم والطابق الذي يعمل به قصي كان جالسًا خلف حاسوبه يقوم بعمله بالرد على اتصالات واستفسارات العملاء وهو يشعر بمفاصله تكاد تتصلب من طول مدة جلوسه!

اهتز هاتفه الذي كان على الوضع الصامت ففتح جزء من حقيبة ظهره ليرى شاشته المضيئة تعلو باسم سهر..

شعر بورطة حقيقية وهو يجد نفسه غير قادرًا على الرد عليها! ففصل المكالمة وبدأ بكتابة رسالة قصيرة يخبرها فيها بأنه سيعاود الاتصال بها لاحقًا لانشغاله في العمل الآن..

تبًا لهذا العمل الذي يضطره للجلوس هنا منذ ثلاث ساعات كاملات يرد على الاتصالات دون أن يغادر من مكانه!

حقا عمله هنا بمثابة السجن.. الأكل والشرب بمواعيد.. بل حتى دخول دورات المياه في مواعيد يجب الالتزام بها..

في لحظة بين الاتصالات نظر قصي للشاب اليافع طه الذي يجلس على يمينه عادة وسرعان ما اتسعت عيناها ونبهه مشيرًا لفمه

((يا هذا! انتظر لفاهك، هناك خط دماء يسيل من زاويته..))

أغمض طه عينيه وقال وهو يخرج منديلًا

((لم انتبه، لكني أضع قطنة فوق الضرس لأمنع نزيفه))

تدلى فك قصي بتعجب ثم قال كمن يحدث أبلها

((لا أفهم كيف تجلس هنا بشكل طبيعي وتستقبل المكالمات، لماذا لم تأخذ إجازة إذا كان ضرسك ينزف بلا توقف!))

قلب طه عينيه بضجر ثم قال بصوتٍ ثقيل وهو يسرد عليه كمن يتحدث في بديهيات

((وهل تظن بأني لو طلبت إجازة بسبب المرض كانوا ليقبلوا؟ قبل شهرين اتصلت على قائد فريقي وأخبرته بأني مريض فأخبرني بأن طبيب الشركة سيكون في منزلي بعد قليل ليتأكد من أني لا أدَّعي المرض، وعندما حضر الطبيب أخبرني أن مرضي لا يستوجب الغياب وأخذ بيدي ليوصلني للشركة.. ويومها أكملت عملي هنا وأنا أبدل الكمادات الباردة من على جبيني كل ربع ساعة))

امتقع وجه قصي بذهول مِمَّا يسمعه.. فمنذ سنتين هي مدة عمله هنا في شركة القاني وكل يوم يمر عليه يزداد استهجانًا من إدارة شركة القاني التي تعامل موظفيها بوحشية دون هوادة أو رحمة! ثم هزّ رأسه إذ أنه يتغيب في عمله كثيرا دون أن يمر في هذه التعقيدات، حتى أنه أنهى إجازاته السنوية والمرضية كلها بل وزيادة عليها.. فانتصب قصي واقفا من مكانها وقال باقتضاب

((سأذهب لأنادي معتز ليسمح لكَ بعيادة طبيب الشركة وأخذ إجازة))

قبض طه على مرفق قصي وأعاده قائلًا بإعياء

((انسَ الأمر، لن يوافق على أي حال))

هز قصي رأسه برفض مدمدمًا بعزم

((لا أظن بأنه من الصحيح أن تستمر في العمل هنا وفمك ينزف..))

ثم عاد يصب كل تركيزه على الشاشة أمامه متابعا عمله فشعر قصي بالبؤس والشفقة على موظفي الشركة.. لا والأنكى بأنه بعد كل هذا التعب الغارقين فيه وحتى لو عملوا هنا لفترة طويلة ستكون احتمال ترقيتهم.. أو كما يقولها عادة.. "مغادرة العمل على السماعة" هو كاحتمال أن تفور إحدى الدول العربية بكأس العالم لكرة القدم!

تمنى لو كانا يملكان شيئًا من حظه الذي يجعله متأكدًا في قرارة ذاته بأن أمامه القليل فقط ليترقى دفعة واحدة لمنصب مرموق وكبير في شركة القاني..

.

.

بمجرد أن حان وقت راحته حتى غادر قصي ليذهب لزاوية فارغة بين الممرات واتصل على سهر التي ما أن ردت عليه حتى سارع الاعتذار

((باربي حبيبتي، عاودت الاتصال عليكِ بمجرد أن سمحت لي الفرصة.. تعرفين كيف هو العمل مرهق هذه الأيام خاصة على رجل أعمالي مثلي))

تناهى إلى سمعه صوتها الناعم المتذمر

((قصي اليوم هو الجمعة.. حتى في هذا اليوم بت تعمل؟))

أغمض عينيه بغيظ شاتمًا الظروف التي يعيشها! كيف يخبرها الآن بأن عمله كموظف في خدمة العملاء والرد على اتصالاتهم يتعين على إجازاته ألا تكون ثابتة.. ويمكنه أن يعمل أيضًا في يوم الجمعة والإجازات الرسمية أيضًا!

وضع يده على سماعة الهاتف وأبعدها عنه يأخذ نفسًا عميقًا متعبًا ثم عاد يتحدث فيه مبررًا بكذبته المعتادة عليها

((أنا لست موظف عادي بل أدير شركة عائلتي وعليّ أن أعمل حتى في أيام العطل الرسمية!))

زمّت سهر شفتيها تقول بإحباط

((كنت في الماضي تتفرغ لي دائمًا يا قصي متى ما أردت لكنك بت مشغولًا كثيرًا في الأشهر الأخيرة))

صوت سهر الحزين اللطيف أذاب قلبه وجعله يريد الآن وعلى الفور غلق الهاتف والتحليق إليها.. لكن صدى صوت معتز المهدد له بتنبهيه الأخير قبل أن يتم فصله منعه! فتنهد وقال

((أنا آسفة يا باربي، لكن لم أعد أملك رفاهية التغيب والمغادرة متى ما أردت.. لكن سأعوضك.. أعدك.. هل تريدين مني أي شيء قبل أن أذهب الآن؟))

قالت سهر بصوتٍ يقطر حزنًا وخيبة أمل

((لا شيء، كنت أتمنى في نهاية الشهر أن نسافر ونعوض عدم سفرك معنا آخر مرة، لكن يبدو أنه لا أمل في ذلك))

شعر قصي بالإحباط أكثر منها لأنه لن يذهب معها.. ولكن ما باليد حيلة فسهر ووالدتها يظنانه رجل أعمال ذو مكانة مرموقة ومنصب كبير يدير بنفسه شركة العائلة.. ولا تعرفان حقيقة وضعه الحالي.. ولا يجب أن يسمح لهن بالمعرفة! ثم أن وضعه في العمل هنا حرج وهم بانتظار أصغر خطأ منه.. خاصة شيرين!

برق من عينيه البنتين شرارة غضب عند ذكر شيرين.. الصارمة.. الحازمة..

صدر صوت رنان انبثق من العدم ليجفل عليه قصي فيجد قائد فريقه معتز يقف أمامه بوجه متجهم وهو يرفع يده ويشير بسبابته على ساعة يده بإشارة إلى اقتراب انتهاء فترة راحته القصيرة.. فقال قصي بصوتٍ خافت لسهر التي لا تزال معه على الخط

((أنا آسفة يا باربي، سأتحدث معكِ بعد انتهاء وقت عملي))

قالت سهر رغم خيبة أملها بما لا يجعله يقلق على حزنها

((لا تتأسف يا قصي.. على كل حال أنا الآن مع أمي في إحدى دور الاهتمام بالبشرة.. إلى اللقاء))

=============================

أغلقت سهر الخط عليه متنهدة بحزن ومقوسة الشفتين.. وتراخت جلستها البائسة في دار التجميل..

هي هنا في روتين شهري تحرص أمها على الدوام عليه للعناية بجمال بشرة وجسد كل منهما وتدليلهما..

كانت العاملة في الصالون قد بدأت باستخدام جهاز تنظيف البشرة وتقشيرها عقب أن وضعت الغسول المخصص على شعيرات الجهاز.. ثم بدأت تمريره على مسامها بانسيابية..

بعدما انتهت غسلت سهر وجهها وأمسكت منشفة نظيفة بيضاء لتجففه بنعومة قبل أن تتجهم ملامحها لمَرْأَى النساء الثلاثة الجالسات أمامها وهم يرمقنها بنظرات مختلسة من أعلاها لأخمص قدميها.. وبدت بدت النساء في بداية الخمسينات من عمرهن رغم أن مظهرن يعطيهن عمرًا أقل لفرط اهتمامهن وعنايتهن بأنفسهن.. لا بد أنهن من نفس طبقة والدتها وعميلات دائمات لأماكن مثل هذه..

عندما انتبهت النساء أن سهر أمسكت بهن متلبسات ينظرن لها حتى أخفضت اثنتين منهن نظرهن في مجلات الموضة التي بين أيديهن إلا واحدة لم تتوقف عن تسديد نظراتها الثاقبة في سهر وكانت هناك هالة راقية محيطة بها.. فعقدت سهر حاجبيها تسألها مباشرة

((عفوًا.. لماذا تنظرين لي؟))

انتبهت المرأة الخمسينية لاقتراب تمارا من سهر بخطوات متروية فتساءلت بتعجب

((هل أنتِ سهر؟ سهر فايد حقًا ابنة تمارا؟))

انتبهت تمارا للمرأة التي تحدث واتضح بأنها تعرفها

((نعم يا مدام روزانا إنها ابنتي))

تغضن وجه روزانا بضيق ولف الامتعاض وجهها هادرة في سهر بصوتها مخملي

((ولكن اذكر بحسب آخر مرة رأيتك فيها بصباكِ أن لكِ شعرًا بنيًا وكذا العينين.. فمن أين تلك العينين الزرقاوين والشعر الأشقر هذا؟))

تحدثت المرأة بجانبها لها بلهجة مقتضبة

((الشعر مقدور على صبغه بلون آخر بسهولة.. لكن ما ماركة عدساتك هذه التي تلبسينها يا سهر؟))

أجابتها تمارا بامتعاض

((ابنتي طبيعية مئة بالمئة، لا تضع لا أصباغ ولا عدسات))

ابتسمت سهر وأجابت بسماحة رغم أن ملامح النساء أمامها لا تشير بأنهن يستلطفنها بعد أن عرفنّ هويتها وهوية أمها

((الحقيقية يا مدام روزانا كنت أكره بصغري شعري الأشقر.. فكنت دائمًا ما اصبغه بلون بني غامق، لكن لو دققتِ آنذاك بمنابت شعري للاحظتي بأنه أشقر اللون))

قالت روزانا بامتعاض وجهها العابس المخملي

((ربما.. لكن لا يهم))

ثم وقفت من مكانها واستدارت تجلس في مكان آخر بترفع تام فتبعتها المرأتين اللتين معها..

غمغمت تمارا وهي تكاد تتميز غيظًا

((امرأة حمقاء، تتجرأ على القول بأنكِ مزيفة، لا يعرفون أن باربي هو لقبك))

صححت لها سهر بمرح

((لا يناديني أحد بـ باربي إلا قصي))

قالت تمارا وهي تنظر بشيء من السخط لملابس ابنتها

((لقد أخجلتني يا سهر أمامهن بسبب الملابس التي ترتدينها فهي بسيطة جدًّا ولا تعكس خلفية عائلتك الثرية والفاخرة التي تواكب آخر صيحات الموضة!))

تذمرت سهر ((أمي ألا يكفي الساعات الطويلة التي أهدرها يوميًا في الاهتمام ببشرتي وشعري وممارسة الرياضة! هدفي من الملابس هو الراحة فقط والموضة لا قيمة لها عندي، ثم من هذه مدام روزانا؟))

استرخت تمارا على مقعدها مجيبة

((يمكنك القول بأنها ترأس إحدى الجمعيات الخيرية التي أنضم لها، السيدة روزانا هي إحدى أغنى نساء المجتمع الراقي))

غمغمت سهر وهي تشعر بأن تلك المرأة لا تزال تسترق النظر لها

((تبدو امرأة متعجرفة))

قالت تمارا بشيء من الغبطة والحسرة

((لكنها زوجة رجل ثري جدًّا وتملك عدة مؤسسات وجمعيات خيرية تستعرض بهن أثناء الاجتماعات من حين لآخر، محظوظات الفتيات اللاتي ستختارهن زوجات لأبنائها الثلاثة، لكن لا بأس فخطيبك قصي رغم غموض مقدار ثروة عائلته إلا أنه غني أيضًا))

قطبت سهر ما بين حاجبيها لكلام أمها التي سارعت تنهرها وهي تلمس ما تحت عينيها بأناملها

((انظري يا سهر لهذه التجاعيد، يجب أن تطبّقي كريم المرطب مرّتين في اليوم لتحصل بشرتكِ على الرطوبة اللازمة وتبقى نضرة ومتوهّجة طيلة الوقت..))

تبرمت لها سهر

((أنا افعل ذلك يا أمي ولكني في الثانية والثلاثين.. من الطبيعي أن يظهر شيء من أثار التقدم في العمر على وجهي))

.

.

على الجهة الأخرى من دار التجميل..

توقفت روزانا عن اختلاس النظر لسهر وقالت

((تخيلي بأني كنت حقًا أفكر بها عروس لابني الكبير لشدة جمالها اللافت، لكن اتضح بأنها سهر ابنة تمارا، سُمعتها تسبقها فقد سبق وهربت مرتين في الماضي بحفل زفافها..))

عقبت إحدى المرأتين على كلامها

((وبعيدًا عن سمعتها المخزية فإياكن أن تنبهرن بشكلها وأنوثتها الظاهرية وتظني بأنها تناسب أن تكون زوجة لاحد أولادك، فعلى حسب ما سمعته منها هي فتاة متمردة ومزعجة وفي غاية السطحية والغباء لا يمكن الاعتماد عليها لأنها لا تفهم شيء في الحياة الزوجية))

أومأت المرأة الأخرى قائلة بتأكيد

((نعم أذكر تلك الحادثة جيدًا.. أمها المسكينة تبحث لها عن عريس ثري ومن عائلة ذات صيت آنذاك بلا فائدة))

قربت المرأة الأولى رأسها من الاثنين تخبرهما بهسيس

((لقد سمعت بأنها خطبت وعقدت القران من رجل غني.. لكنها ترفض الإعلان عنه قبل أن يحددا موعد الزفاف))

قالت المرأة الثانية بنفس الهسيس

((لا أشكك بهذا الكلام صراحة، فهي صارت أجمل مِمَّا كانت عليه بصغرها، لا بد أن تمارا تبذل الكثير من المال والوقت والجهد عليها لتبرز جمالها))

عادت الأولى تعقب وهي تسترق النظر لسهر

((إنها جميلة حقًا، لا بد أنها تثير عاصفة من النظرات المعجبة دون أن تتعمد ذلك، فهي لا تضع الكثير من زينة الوجه ولا تختار ملابس ملفتة أو ألوان صارخة))

ابتعدت روزانا عنهن بضيق تقول وهي تعود لتقلب صفحات المجلة بين يديها

((دعكن من سيرة تمارا وابنتها))

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...