الفصل 26 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
18
كلمة
7,405
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الحادي عشر

بعد مرور ستة أشهر..

ارتدت شيرين سترتها تستعد للخروج من البيت مساء لتقوم برياضة المشي التي تدأب على ممارستها في أيام إجازتها.. اقتربت من الباب للخروج وعندما صدح رنين الجرس طالعت العين السحرية فاتسعت عيناها وهي تجد الطارق ما هو إلا.. وليد..

وضعت يدها على فمها شاهقة وقلبها يطرق بقوة..

ابتعدت عن الباب خطوة شاعرة بالحصار وما هي إلا دقيقة وسمعت طرقاته على الباب مجددا.. ورغم ترددها إلا أنها لم تملك إلا أن تفتح الباب على الفور فهي قد تحتمل أي شيء إلا أن يثير جلبة أو فضيحة في منزل سهر.. عليها مواجهته رغم عجزها وقلة حيلتها أمامه الآن..

حررت القفل وفتحت الباب وللوهلة الأولى سرت رجفة في جسدها وهي تنظر لوجه وليد الواثق وهو يبادرها

((علينا الحديث يا شيرين في موضوع مهم))

صوب عيناه على وجهها يتشرب ملامحها بنهم..

فهو لم يراها منذ ما يزيد عن ستة أشهر وقد اكتفى بتعيين رجل يراقبها ليتأكد من أنها حقا لا تلاقي أي رجل أخر.. ولم تعد لمُعاذ بعد أن طلقها على حسب ظنه..

كان وجهها شاحب ومرهق أما عينيها الخضراوين الكحيلتين فقد بدتا زائغتين ومنهكتين.. والحال لم يكن مختلفا عنده..

قطعت شيرين لحظة الصمت هذه وهي تبسط كفها للخارج قائلة

((دعنا نتحدث في المطعم المقابل))

قال بهيبة وهو يبتعد ليفسح لها المجال للخروج

((هيا اخرجي وسأتبعك))

جلست شيرين بجمود على مقعد حول طاولة مربعة صغيرة وفي مقابلها جلس وليد وهو يفتح زر سترته..

بدأت المحادثة قائلة بنبرة جافة لا ترحيب بها

((ماذا تريد يا وليد؟))

انعقد حاجباه ببداية متوقعة لكنه جهز نفسه لها طويلا ليقول بجدية اكتنفت صوته

((جئت أعقد معك صفقة))

قالت بفتور مختصرة

((لا اتفاقات بيننا))

رفع حاجبيه قائلا بنبرة ذات مغزى

((ألا يجب عليّك في البداية أن تعرفي ما هي الصفقة؟))

صمتت وهي ترمقه بنظرات كره وصلت حد الاشمئزاز قبل أن تقول من بين أسنانها بشراسة

((لا أريد أن أعرف شيئا عنك أو عن صفقتك، إذا لم يكن لديك أي شيء آخر، فلا تأتي إلى بيت عائلة سهر مرة أخرى، لا تجبرني أن ألجأ للقانون ليردعك عند حدك))

لم يرد عليها بل رأته يخرج علبة دخان من جيب حلته ويخرج سيجارة منها فتمتمت متسائلة بغير وعي

((متى بدأت التدخين يا وليد؟))

بدأ وليد يمج من سيجارته التي أشعلها ثم ينفث دخانها ليجيب بصوتٍ مبحوح

((منذ سنة..))

كان هادئا تماما ولا يجاريها في الانفعال فقد عاهد نفسه أن يمضي في هذا الحوار للنهاية وقد اقتنع أن العناد لن يجلب له أو لها إلا خسارة المزيد من سنين حياتهما..

يكفي ما ضيعاه حتى الآن.. فقال أمام عينيها المترقبتين لأقواله بقلق مستتر

((بالعودة لموضوعنا فلا زلت مصرا بأن عليك أن تعرفي ما هي الصفقة خاصة وأنها متعلقة بصحة والد سهر))

تمتمت له وقد بهت وجهها

((والد سهر؟ ماذا تقصد يا وليد؟))

رد وهو يرفع نظراته الجليدية لعينيها الكحيلتين

((وجدت متبرعا له))

وثب قلبها فجأة لإعلانه الذي لم تصدقه.. فسألته مسروقة الأنفاس

((من هو هذا المتبرع يا وليد وكيف علمت بشأن مرض والد سهر؟))

أجابها وليد بثقة واعتداد يليق به

((أنا يا شيرين من سأقوم بالتبرع بجزء من كبدي لوالد سهر في عملية زرع حية، أجرى طبيبه المختص بنفسه الفحوصات اللازمة لي وأخبرني بأني مناسب للتبرع له))

اتسعت عيناها ذهولا من الرد الذي لم تتوقعه.. وأخذ الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تقول بتوجس وكأنها توازن كلماته

((وماذا تريد مقابلا له؟ ماذا ينقصك يا وليد؟))

أعاد عينيه إليها قائلا بتصميم هادئ

((أريدك أنتِ يا كحيلة العينين))

هزت رأسها بلا تصديق للإصرار الذي تسمعه بصوته وبدأ صدرها يتشنج وجعًا فقالت مستهجنة

((هل جننت أم تمازحني؟ لقد ظننت اختفاءك من حياتي في الستة أشهر السابقة كان بسبب عودة عقلك لرأسك! ثم ماذا تريد مني بعد وقد سبقك رجل غيرك إلى جسدي؟ هذا ليس منطقك!))

وضع عينيه باحتدام في عينيها وهو يقول

((حتى لو سبقني رجل لك وحتى لو أصبحت مستعملة بجسد سقيم فلا زلت أريدك..))

تساءلت بتوجس وهي تشبك أصابع كفيها فوق الطاولة باضطراب واضح

((إذن لا زلت تريدني للانتقام لأني تزوجت من ابن عمك قبلك؟ ألم يكفك الذل الذي أذقتني إياه طوال السنوات السابقة؟ ألم يكفك هجري في نفس يوم زفافنا والزواج بأخرى بدلا مني))

قال وليد بهدوء يشوب صوته وهو يرفع هامته باعتداد

((لم يتسنى أن أخبرك بأني مطلق منذ أشهر))

أمل أن يرى في عينيها ولو اختلاجة واحدة فقط تدل على فرح أو راحة لأنه انفصل عن جُمان من أجلها.. لكن لم يرى شيء من ذلك.. وكأن طلاقه أو لا لا يهمها ففي كل الحالات ليست مهتمة فعلا بالعودة له!

حافظت شيرين على واجهة ملامحها الجامدة وهي تقول

((وما الذي تغير بعدما طلقتها؟ ماذا بشأن فضحك لشرفي بين الملأ والتشكيك بأخلاقي لمجرد ردي على رسائل حب كتبها زميل لي بعد انفصالنا أنا وأنت، وكان هذا الزميل طلبني من عائلتي رسميا))

خرج صوت وليد ممزوج بالشجن وهو يعقب

((لست من فضحتك، أكن لأفضح امرأة كنت أعرف بأني لن أسمح لغيري بالزواج منها سواء الآن أو بعد سنوات بعد أن يخفت غضبي تجاهها))

هتفت عاليا بانفعال كاره وقد انفلتت أعصابها لتلك الذكرى

((لا يهم.. سواء كنت أنتَ أو أمك من تحدث بسوء عني.. فالأمران سيان بالنسبة لي))

بنظرة صارمة مخيفة أمرها قائلا

((اخفضي صوتك))

رمشت بعينيها ثم نقلت نظراتها فيما حولها بحرج وبعض الوجوه تنظر ناحيتهما..

عاد وليد يقول ببرود مستفز

((سأتزوجك في كل الحالات، لذا على الأقل دعيني أفعل شيئا جيدا في حياتي))

رفعت حاجبيها تقول بجدية وبطء

((بالنسبة للعملية فقد ينطوي عليها مخاطر عديدة.. لماذا قد تجريها وتخاطر بنفسك؟))

لم تنحسر نظراته عنها وهو يعقب

((لا شيء يدعو للتشاؤم فقد قيل لي بأنّها من أكثر العمليات الجراحية أمانًا، ومن يقوم بها يمكنه أن يعيش حياة طويلة وصحية بمشيئة الله))

رفعت حاجبيها تقول متسائلة عن مدى جديته

((حتى لو كانت آمنة نسبيا لك فلا بدّ من حدوث بعض المضاعفات والآثار الجانبية والأضرار بسببها..))

أفرج عن بسمة واهية لم تصل لعينيه ثم أجاب وهو يطفئ سيجارته

((لا داعي للقلق عليّ، فجميع أضرار عملية التبرّع بجزء من الكبد هي أضرار جميع العمليات الجراحية بشكل عام، وعادةً ما تزول هذه الأعراض بعد فترة زمنية قصيرة من تلقاء نفسها))

قالت بحزم أكسبها إياه الألم الذي عانته بسبب كل ما فعله بها في الماضي ولا زال يفعله

((أنا أرى بأن عليك التفكير في الموضوع وتعطيه جديه أكبر قبل أن تقرر المضي قدمًا في الجراحة))

شع بريق الانتصار من عينيه وهو يقول

((لماذا! هل وافقتِ؟))

لحظة خاطفة أفلتت منها لتظهر الإجابة جلية في خضرة عينيها.. وقالت

((أريد منك أن تكون واثقا من قرارك ثم تحضر لي كل الأوراق الطبية التي تثبت بأنك مناسب للتبرع لوالد سهر وبعدها سآخذ وقتا للتفكير إذا ما كان يجب أن أوافق أو لا، لكن لا أريد لسهر أو عائلتها أن يعرفوا شيئا عن كلامنا حتى لا يصابوا بخيبة أمل إذا ما اتضح لي أنك تخدعني بدناءة))

انتصب واقفا من مكانه يقول وهو يرميها بتلك الابتسامة الواثقة

((يبدو أن علينا التخطيط من الآن لحفل زفافنا يا كحيلة العينين))

أنهى كلامه بغمزة عابثة رغم الإجهاد الواضح على ملامح وجهه وبلقبها ذاك الذي لطالما أسرها عند تغزله فيها بلهجتهم القروية التي تزيد كلماته سحرا..

ظلت عيناها عليه وهي تراه يبتعد مغادرا نحو سيارته كما جاء.. واثقًا رصينًا.. كأنه ملكًا يأمر فيطاع..

=============================

بعد مرور الستة أشهر المنصرمة لم يكن قد طرأ أي جديد على علاقة مصعب ونورين إلا إسقاطها لجنين كانت تحمله في أحشائها بعد أن انزلقت أثناء هبوطها السلم نزولا في حادثة غير متعمدة..

تحركت جفون نورين بتثاقل وبعض لمحات إجهاضها الذي حدث قبل أيام يقفز إلى عقلها.. عندما كانت مستلقية على سرير المستشفى وتمسك بأنامل مُصعب بينما تحدق في الجدران البيضاء الباردة..

عادت نورين على أرض الواقع بينما يأتيها سؤال سمية بصوتها الذي يشري فيه الدفء

((هل أعجبك مذاق العصيدة؟))

سارعت نورين ترسم ابتسامة باهتة رغم إنهاكها النفسي والجسدي على حد سواء

((إنها لذيذة جدًّا))

قالت لها سمية وهي تتناول الصينية الموضوعة فوق ساقيها وتضعها على منضدة صغيرة بجانبها

((من الجيد للمرأة تناول هذا النوع من الأطعمة بعد الإسقاط، سأرسل لك منها يوميا لتأكليها))

قالت لها نورين بامتنان صادق

((أنا أتعبك كثيرًا معي يا سمية))

ربتت سمية فوق يدها وهي تخبرها بحنو

((أنا أتفهم ألمك يا نورين بالفقدان والأسف بعد الإسقاط خاصة بصفتك امرأة يمر جسمك أيضًا بهذه الخسارة معك ويمكن أن يكون هناك الكثير من التغيرات الهرمونية التي تؤثر حقًا على صحتك النفسية))

حاولت نورين أن تستوي جالسة مقاومة شعورها الجم بالألم والإعياء بينما كل ما فيها ينجذب باهتمام لكلام سمية التي أكملت بصوتٍ يسحقه الألم

((وكلما تقدم الحمل بعد ذلك وزادت ذكرياته وتجاربه والإحساس بالجنين ستزداد المعاناة.. لقد جربته قبل إنجاب يزيد.. أثناء زواجي الأول))

سألتها نورين باستغراب وهي ترفع حاجبيها بدهشة

((هل تزوجت أكثر من مرة؟))

توجع وجه سمية بملامحه الرقيقة ألما لذكرى الماضي وأجابت

((نعم تزوجت أول مرة لمدة ثلاث سنوات.. أما الثانية فكانت من والد يزيد واستمر الزواج لأقل من سنة))

نهش شيء من الفضول عقل نورين عن سر طلاق سمية لمرتين! فهي امرأة ناضجة وجميلة وعطوفة ولا ينقصها شيء لتكون حلم أي رجل.. لكنها لم تتحدث بشيء من أفكارها ولم تحاول حتى أن تخمد فضولها غير اللائق حتى لا تجرح سمية وتنبش ماضيها..

بينما أكملت لها سمية بصوتٍ متحشرج

((في زواجي الأول، حملت من كامل بعد سنتين انتظار لذا كان خسارة الجنين صعبة للغاية عليّ))

تنهدت نورين بإعياءٍ وتمتمت بنظراتٍ زائغة

((إنه أمر حزين حقا))

نفضت سمية غبار الماضي عنها وهي تسارع برسم ابتسامتها المعهودة قائلة

((دعكِ مني، وركزي بنفسك خلال رحلة التعافي ستجدين الكثير من الأشخاص المقربون منك يطالبونك بأن تتجاوزي الأمر وتنسيه تمامًا، ولكن لا تحاولي الضغط على نفسك لتنسي التجربة المؤلمة التي مررت بها فالألم الذي تشعرين به هو شيء طبيعي وأنتِ لست في حاجة إلى لوم نفسك أو الاعتذار عنه))

استقامت سمية واقفة وقالت لنورين وهي تجلب لها بعض الوسائد وتضعها خلف ظهرها تساعدها على الاستلقاء جيدا براحة فطالعتها نورين هاتفة بالشكر والعرفان

((شكرا على المعنويات العالية التي أمددتني بها))

لوحت سمية لها وهي تمسك مقبض الباب

((إلى اللقاء يا نورين، أتمنى لك دوام العافية))

خرجت سمية من جناح نورين وهي تغلق الباب خلفها بلطف.. بينما شرد ذهنها للماضي أثناء سيرها للخارج..

تحديدا إلى تلك الفترة التي عاشتها مع كامل..

كامل لم يكن أول حب في حياتها وحسب بل أول رجل ذاقت معه الحنان والرعاية والاهتمام.. وفي أول ليلة جمعتهما بعد زواجهما اختفى فيها كل ذلك الحب بسبب شكّه "بعذريتها"..

فهو لم يمهلها الوقت الكافي لترتاح.. بل حاول إتمام الأمر على وجه السرعة مبررًا ذلك بحبه الكبير لها..

كانت من جهتها متساهلة ومتعاونة بل وتحاملت على نفسها وقبلت رغم تعبها الشديد.. لكن عبارات العشق والحب اختفت فجأة وتبدل وجهه وملامحه في لحظات وأعلن شكه بعفتها بطريقة لا تخلو من الريبة والشك..

في تلك اللحظة كانت نظراته لها مثل خناجر غرزت في صدرها.. قتلها دون أن يدري.. نبذها لأيام ولم يحاول حتى التحدث إليها بل تركها مهملة كما لو كانت متهمة وتنتظر محاكمتها..

كانا قد ناقشا أمورًا كثيرة قبل الزواج.. حتى عن ليلة الزفاف التي كانت من المفترض أن تكون أسعد ليلة لهما.. خُيل إليها أنهما يعرفان أشياء كثيرة عن بعضهما.. لكن ذهب كل ذلك في مهب الريح بعد عدم ظهور إشارة ما يسمونه بالعذرية..

وصُعقت بموافقته على اقتراح زوجة مُعاذ آنذاك بزيارة الطبيب للتأكد من عذريتها معرضا إياها للامتهان وعلى مرأى اثنين من أولاد الحاج يعقوب الكانز.. مُصعب ومَالك..

وما إن اتضحت براءتها أمامه حتى طفح الندم وتأنيب الضمير على ملامح وجهه بل وسرعان ما اعتذر منها وحضنها باكيا وعاهدها بأنه سيعوضها من صميم قلبه حتى نهاية عمرهما عن شكّه بها في تلك الليلة وعن إهانته لها وانتقاصه من كرامتها أمام ثلاثة أشخاص غرباء عنهما..

لم يستطع قلبها الرقيق الغارق في حبه إلا أن يغفر له ويسامحه متطلعا للمضي قدما معه وإيمانا منها بحبه وندمه تجاهها.. حتى أنها شعرت بأنها أحسنت الاختيار بمسامحته فقد صدق بوعده في التكفير عن ظلمه المجحف وقسوته تجاهها في تلك الليلة، فكان يكرمها ويعظم حقوقها ويرفق بها ولا يهينها بكلمة أو فعل.. ومضت حياتهما على هذا المنوال على الرغم من بعض المشاكل والمنغصات من جهة عائلته تخص عدم حملها رغم مرور سنتين على زواجهما..

حتى بدأت تلاحظ على كامل إسرافه في زيارة بيت أبيه وبيت أرملة أخيه التي تسكن هي وأبنائها فوق بيت عائلته.. فبدأ الخوف يتسرب لقلبها وعقلها لكنها سرعان ما كانت تطرد كل هذه الأفكار السلبية فشقيق كامل رحل من هذه الدنيا قبل سنين طويلة ولو كان يريد الزواج من أرملة أخيه لكان فعلها قبل سنوات ولم يكن ليتزوجها..

لاحقا.. وصل القلق لمرحلة ينهش فيها روحها وقلبها بلا هوادة وكامل يكثف اهتمامه في أرملة أخيه وأولادها في حين يهملها ويهمل عمله على حد سواء..

وكالعادة بقيت تكبت كل تلك الشكوك والمشاعر السلبية داخل قلبها ولا تصرح بها..

ورويدا رويدا انهارت بها الدنيا عندما حاول أن يصارحها كامل بنفسه ويستشيرها في نيته للزواج من أرملة أخيه.. بل تمنت أن تنشق الأرض وتبلعها قبل أن تسمع ما نطقه لسانه..

فلم ترد عليه إلا بالرفض والاعتراض الجليان الغير قابلين للمناقشة..

وعندما لم يجد كامل أي بد أو أمل من موافقتها ظهر الوجه الآخر له.. نفس الوجه الذي كان عليه في ليلة زفافهما.. وأخبرها بصرامة بأنه سيفعل ما يريد دون أن يعطي بالا أو اهتماما إلا لرغبته هو..

حتى جاء الفرج من الله كما ظنت آنذاك واتضح حملها المنتظر أخيرا.. ظنت بأنها لو أخبرت كامل وعائلته ببشرة حملها سيتراجعون عن أمر زواجه لكن أخبرها كامل بصريح العبارة أنه لن يتراجع حتى لو أنجبت له من الأبناء عشرة..

انهار جسدها وقلبها فأصبحت لا تنام الليل تعاني آلام الحمل من جهة.. وآلام قلبها من جهة أخرى..

استمر هو يجهز لعقد قرانه بأرملة أخيه دون اهتمام بمشاعرها بينما تلقى خطوته مباركة من طرف عائلته..

وخطبا رسميا.. وخلال هذه الفترة تفننت أرملة أخيه في تشويه سمعتها بين عائلته والكيد لها فانقلب الجميع عليها وضمنت ألا يحدث ما قد يفسد زواجها من كامل الذي كان مأخوذا بشكل كامل فيها..

وكأنها سحرته.. واستحوذت.. واستولت على كل جزء فيه.. فلم يحب طوال فترة حملها قضاء الوقت في منزلها بل يتهرب وينشغل عنها لمختلف الأعذار حتى اللا معقولة منها ويمضي معظم لياليه في شقة عائلته القابعة تحت شقة أرملة أخيه.. يخططان لزواجهما وكأنهما الاثنين سيتزوجان للمرة الأولى..

وبعد أن يأست سمية من جعله يتراجع عن قراره.. أو يعود لحنانه وحبه وعطاءه المعهود معها على الأقل.. بدأت تتلاشى من حياته وعالمه..

قررت أن تنطوي على نفسها وتنطوي في بيتها الذي يلفه الصمت والكآبة وتعاني فيه الهوان والذل.. وكل من يعرفها يرشقها بنظرات الشفقة والعطف وبالتالي قطعت علاقاتها بكل من تعرفه..

في يوم الزواج وعندما صار قلبا وقالبا ملكا لأرملة أخيه قررت أن تحزم أمتعتها..

لاحقا أرسل كامل لها عشرات التحذيرات والتهديدات بأنها لو تطلقت منه سيأخذ طفله بمجرد أن تضع حملها.. ولم تستطع ألا تصدقه وهي تدري بساطة والديها وعجزهما فهما مجرد بستانيين بسيطين يعملان في مزارع الحاج يعقوب الكانز.. فأمضت فترة وجودها في بيت عائلتها ببكاء وهم مضاعف من أن يصدق كامل في تهديده..

قبل موعد ولادتها المنتظر شعرت بألم في بطنها وظهرها على حد سواء قبل أن تتدفق منها مياها ثم ينزل الجنين..

وكان مخلقًا كاملًا بدون أي تشوهات لكن فاقدا للحياة..

كان وقع الابتلاء مؤلمًا جدًا عليها وقد انتظرت قدومه منذ ما يقارب التسعة أشهر ليكون عوضها في هذه الدنيا.. لكن ألمها النفسي هو من تسبب بإصابة أعضاءها بالوهن والإعياء ومن ثم وفاة جنينها..

لكنها سلمت أمرها لله وتقبلت نصيبها.. فهي إرادة الله التي لم تكن تريد منها أن تنجبه حيا..

=============================

في شركة القاني..

كانت شيرين في مكتب مدير القسم لغاية اجتماع سريع يخص العمل وقد أنهته عقب أن كلفها المدير بحزمة من المهام والأوامر..

قالت مؤكدة بينما كانت تجمع الأوراق

((لا تقلق يا سيدي، أنتَ تعرف بأني لم أصبح مشرفة في هذا القسم عبثا، سأقوم بكل ما يجب فعله على أكمل وجه وسأكون صارمة بهذا الخصوص))

شبك المدير أصابع يديه فوق المكتب ثم قال على مضض

((أتمنى ذلك حقا.. فأنتِ تعرفين أن الكثير ممن حولك في هذه الشركة يترصدون الأخطاء لك.. أتمنى أن تظلي على الطريق الصحيح للنهاية))

توقفت شيرين فجأة عما تفعله وناظرته عابسة

((ألا تثق بي يا سيدي؟ كنت تشيد بي كثيرًا عندما كنت موظفة مواظبة تعمل بجد قبل أن أصبح مشرفة هنا))

بدا على المدير الاستياء وهو يجيبها بنبرته الغليظة بفطرته

((نعم كنت أشيد بك كثيرًا آنذاك.. لكن الموظف الممتاز لا يعني أنه سيظل كذلك عندما يتسلم وظيفة إدارية))

ثم استطرد كلامه باستهانة واستخفاف

((ينظر الناس عادة للترقي الوظيفي على أنه نجاح مهني لكنه قد يعني أيضا الحصول على منصب أنت لست مؤهلا ولا مستعدا لتوليه، ومن ثم يقودك إلى الفشل))

ضيقت شيرين عينيها وهي تدرك جيدا أن كل من في القسم حتى مدراءها الذين كانوا يشيدون بها وزملائها الذين كانوا يودونها في السابق يكرهونها ويحسدونها الآن بعد ترقيها..

لكن كلامه الغامض هذا بدأ يثير قلقها فتساءلت بتوجس

((ما الذي تقصده؟ هل لديك أي تحفظات على طريقة إدارتي للأمور هنا؟))

التزم المدير الصمت للحظات قبل أن يقول ببطء

((لا تحفظات يا آنسة شيرين، يمكنك الانصراف الآن))

كانت شيرين تمعن النظر به وهي تجاهد ألا تظهر ضيقها ثم ألقت السلام بصوتٍ هادئ قاتم بينما تستوي واقفة..

غادرت شيرين مكتب مديرها بخطوات رزينة وسارت باتجاه مكتبها.. دلفت للداخل ووضعت الملفات والأوراق بعنف فوق الطاولة ثم استدارت حول المكتب لتجلس على مقعدها تزامنا مع دخول معتز من الباب المفتوح يلقي السلام..

لم ترد عليه شيرين الشاردة فتساءل باستغراب وهو يناظر وجهها المحتقن وملامحها الممتعضة

((تبدين غاضبة هل حدث شيء يا شيرين؟))

أخذت نفسا عميقا تحاول استعادة شيء من توازنها

((لا أبدًا.. لكن بدأت أخاف على نفسي هنا، الكل يطمع في منصبي ويظن بأني غير مؤهلة له لأني حصلت عليه بجهدي لا بوساطة كما الأغلب هنا))

أومأ معتز بلا اهتمام حقيقي لها وقال

((عليك أن تكوني أكثر حذرا))

أخذت نفسا آخر أسرع وسألته بعفوية وهي تبحث عن فأرة حاسوبها من بين الأوراق والملفات المتكدسة فوق المكتب الفوضوي

((المهم أخبرني كيف هو حال قصي سامح؟ هل تجيد يا معتز جعل حياته هنا جحيما؟))

صدرت صوت ضحكات مستمتعة من معتز قبل أن يتفاخر بشر

((أقوم بذلك على أحسن وجه، لا زالت حاقدة عليه؟))

تطلعت شيرين متجهمة في معتز ثم قالت بصوتٍ يقطر غلا

((بالتأكيد لا زلت حاقدة عليه))

نعم غيظها من قصي يكاد يلتهمها.. فبعد أن أرسلت كتابا بتخلفه عن الدوام لأسبوع وسفره للخارج لسبب غير مبرر كالاستجمام، قام قصي باللجوء لمدير القسم الذي بدوره طلب منها أن تتجاوز عما فعله وتسحب الشكوى التي رفعتها بحقه فهو موظف مسكين.. وهي بالتأكيد لم تستطع الرفض أو المناقشة فلا مصلحة لها في إغضاب أحد المدراء.. خاصة وهي تظن أن قصي حجة لهم لإثارة استفزازها حتى تخطئ..

شد معتز على أسنانه وهو يقول بنبرة مغتاظة

((ذاك الأحمق قصي محظوظ جدًّا، إنه أكثر موظف مهمل وغير مسؤول مر عليّ في كل حياتي، رغم تدنى رواتب الموظفين هنا إلا أن الجميع يبذلون أقصى جهودهم ليحتفظوا بمكانهم هنا في شركة القاني.. إلا هو))

ارتفع ضغط دمها فائرا وهي تذكر كيف نجا قصي بفعلته رغم استهانته واستهتاره الشديدين ثم استنكرت

((معك حق ففي هذا القسم يعمل تحت إدارتي أكثر من ثلاثمائة موظف ولم أرَ من أحدهم شيء مما أراني إياه قصي سامح منذ عملي هنا))

مطّ معتز شفتيه ثم قال

((على كل حال سأذهب لأتفقد قصي وأتأكد من أنه يقوم بعمله على أكمل وجه بعد أن كلفته بموقع مختلف أكثر صعوبة عمّا كان عليه في السابق))

لكن قبل أن يخرج رفع هاتفه يناظر الصورة التي أرسلها لها قصي آنذاك وهو يستجم أمام البحر عندما سأله معتز عن سبب غيابه عن الدوام ليغمغم بصوتٍ يفيض حسدا ذا أنين حار

((اللعين يبدو أنه كان في بلد أوروبي.. انظري لخلفية صورته.. الغبي سبق وأخبرني بأنه خاطب وعلى وجه زواج ومع ذلك ينفق أمواله بإسراف وربما يقوم بالاقتراض بدلا من ادخارهم))

زوت شيرين حاجبيها ومدت يدها تقول بفضول غير معهود عليها

((أرني الصورة يا معتز..))

رمى لها الهاتف فتلقفته منه بمهارة ثم نظرت في الصورة مغمغمه

((معك حق.. يبدو أنه سافر لجزيرة خلابة، البحر الظاهر من خلفه.. أوه لحظة هناك خصلة متطايرة لفتاة تظهر في صورته..))

رفع معتز احدى حاجبيه يدمدم

((لا بد أن خصلة الشعر هذه لخطيبته.. ما بك؟))

قامت شيرين بتكبير الصورة وهي تمعن النظر في لون خصلات الشعر الفريد الذي بدا لها مألوفا جدًّا..

لونه البُني المتداخل بخصل ذهبية.. ثم غمغمت

((ليس هذا ما أقصده، لكن لون خصلة الشعر هذه..))

بترت شيرين كلماتها وذهنها يستغرق بالتفكير ليتشدق معتز ساخرا

((هل أعجبك لون شعر خطيبته من خصلة شعرها الظاهرة؟ يا إلهي أنتن النساء كيف تدققون وتهتمون بالتفاصيل!))

تغضن جبين شيرين بضيق.. فهي محجبة ولم تحب تلميحه فوضعت هاتفه على طرف المكتب وقالت بوجوم

((اذهب معتز من هنا لعملك، أنا مشغولة الآن))

.

.

دلف معتز إلى قاعة العمل حيث يجلس مئات الموظفين خلف حواسيبهم يعملون ويتلقون الاتصالات والاستفسارات من العملاء بانضباط واجتهاد..

توجه إلى حيث يجلس قصي وما إن انتبه له الأخر حتى اعتدل واقفا من مكانه مغادرا، فأضطر معتز أن يهرول ليلاحق خطواته.. وعندما أدركه سأله عابسا بصرامة

((لحظة.. لحظة.. لحظة يا قصي إلى أين تذهب؟))

نظر قصي بوجه شديد التجهم لقائد فريقه ثم أجابه وهو يشد على ضروسه

((بدأ وقت راحتي..))

ابتسم معتز له بلؤم وقال وابتسامته عالقة على وجهه لا تتزحزح

((لم تكمل تلقي عدد الاتصالات المطلوب منك لذا لن تقوم من أمام الحاسوب قبل ذلك))

رسمت ملامح الصدمة على وجهه وقال ذاهلا منفلت الأعصاب

((وقت الراحة هذا من حقي فكيف تجرأ على الأخذ منه؟ يمكنني أن أرتاح إذا أردت في وقت العمل لكن العكس فلا تحلم))

كان معتز في غاية الفخر لقدرته على إخراج قصي من طوره واستفزازه فمنذ دخوله شركة القاني وهو يحافظ على واجهة الشاب البشوش الودود المحب للمزاح..

حتى قام هو وشيرين بتكليفه بعمل آخر أكثر صعوبة بمراحل من عمله السابق في هذا القسم..

فرد معتز عليه وابتسامته المرسومة بعناية فائقة لتستفزه تتسع

((أنتَ حر يا قصي ولكن أنتَ تعرف قوانين الموقع الذي نقلناك له جيدا.. عندما ترد على أقل من ثلاثين عميل في الساعة سيتعرض راتبك للخصم))

اتسعت عينا قصي وبدا أنه لا يعرف هذا القانون فقال ذاهلا

((هل ما تحاول قوله بأن عليّ الرد على ثلاثين عميل في كل ساعة لكي أحصل على الامتيازات التي هي من حقي الأساسي من راتب كامل وفترة راحة؟))

صدرت من معتز ضحكات خافتة لئيمة خبيثة ثم أجاب وهو مستمتع بلعبة الانتقام من قصي واستهتاره السابق

((بالضبط.. المهم ما رأيك بعد أن ينتهي دوامك أن تخبرني القليل عن جزر الواق واق التي ذهبت لها مع خطيبتك!))

كز قصي على أسنانه وهو يحاول هذه المرة جره للجدية بعيدا عن المزاح والاستهتار وقد تبدلت الأدوار بينهما

((أنتَ لست عادل يا معتز.. متى سينتهي عقابي وتعيدوني لعملي السابق! لقد كانت إجازة أسبوع فقط التي أخذتها للسفر مع خطيبتي.. لا يستحق الأمر أن تعاقبوني لستة أشهر!))

رد معتز دون أن يتخلى عن سلاح الفكاهة

((بل تستحق أكثر من هذا.. فقد تغيبت لأسبوع كامل في أكثر أيام السنة ضغطا يا قصي، احمد ربك بأنك لم تفصل من عملك))

رفع معتز يده ملوحا بوداع ومزيدٍ من الاستفزاز والشماتة وهو يبتعد عن قصي الذي تمتم من بين أسنانه

((ليتكم فصلتوني، لكان أهون من نقلي لهذا الموقع))

تنهد قصي وهو يعود ببؤس لمكانه ثم يضع السماعات على أذنيه ليبدأ تلقى المكالمات..

لو يعرفوا هؤلاء العملاء الحمقى أن موظفي خدمة العملاء الذين يعتبرونهم "ظالمون" في مكالمتهم معهم لطلب خدمة أو تقديم شكوى.. هم على الناحية الأخرى مظلومون.. ويعيشون تحت ضغط هائل من المعاناة والمشقة التي يخفونها خلف نبرة صوت تدعى الهدوء والمودة رغم أنها تخفي كثيرا من الألم والتحمل والصبر..

=============================

بينما كانت رتيل تقوم بجمع ملابس زوجها وتوزيعها ما بين كي وغسيل التقطت معطف حلته..

بدأت تقوم بإفراغ جيوبه الداخلية قبل أن يستدعي انتباهها وجود ورقة بيضاء مطوية.. ففتحتها بفضول أنثوي لتجدها عبارة عن فاتورة مطعم.. باهظة الثمن..

اضطربت يد رتيل الممسكة بها..

كل هذه القيمة هي فاتورة مطعم واحد!

انعكف فمها في سخرية.. وهل كانت لتقبل زميلات عمله الخروج معه لو لم يكن يملك المال وقادر على إنفاق ثروة صغيرة على وجبة واحدة في المطعم!

جفلت على رنين هاتف مؤيد فجعدت الورقة التي تمسكها وهي تعيد المعطف مكانه مقررة ألا تقوم بكيّه من أجله..

بملامح غامضة رفعت ذقنها تقترب منه وهي تراه مشغول في كتابة رسالة ردا على المتصل الذي فصل على اتصاله بسرعة رهيبة..

بدأ رنين هاتف مؤيد يتصاعد مرة أخرى فزمّت شفتيها وهي تسير نحو الغرفة المرافقة له تعطيه مجالا للرد..

وما إن شعر مُؤيد بها تغادر المكان حتى سارع يجيب اتصاله بصوتٍ خافت

((أهلا يا دموع.. كم مرة عليّ أن أخبرك ألا تتصلي بي عندما أكون في البيت!))

((مُؤيد أنا لا أتصل بك لأني أريد ذلك، بل من أجل العمل وآخر دفعة عليّ استلامها منك..))

قاطعها مُؤيد بهسيس خافت

((حسنا لا بأس.. لكن لنتحدث لاحقا.. ليس هنا وأنا اقضي إجازتي في بيت العائلة))

وقام على الفور بفصل الخط عليها ما إن شعر برتيل تعود إدراجها..

سارع يكتب رسالة ما لدموع بينما رتيل تجلس بجانبه فوق السرير هامسة بنبرة ناعمة

((مُؤيد أعرف بأنه لم يمضِ إلا أسبوع منذ آخر مرة ذهبت لزيارة أمي! ولكن يجب عليّ أن أزورها مجددا..))

أخبرها مُؤيد على الفور متوترا وهو مشغول بكتابة الرسالة ويميل بجسده خوفا من أن تقرأ زوجته ما يكتبه

((حسنا.. حسنا.. ولكن خذي هذه المرة الولدين معك..))

زمّت رتيل شفتيها تعترض وهي تمرر أناملها بين خصلات شعرها

((لا أستطيع.. ألا يكفيها أمي أولاد أخويّ؟ كما أنك لا تهتم بهما أو تتفقد أحوالهما أثناء غيابي فلماذا تقلق بشأن بقائهما هنا؟ نجوم سترعاهم جيدا))

توقف مُؤيد عما يفعله وناظرها قائلا بامتعاض

((رتيل ألا ترين أن ذهابك ليومين كل أسبوع عند والدتك والنوم هناك أمر مبالغ به!))

جفل مُؤيد على صوت وصول رسالة له فعاد يولي الهاتف اهتمامه بينما تجيبه رتيل بدلال مقصود

((مُؤيد أنا أحب والدتي جدًّا.. إياك أن تفكر بأن تحرمني منها لأشهر كما فعلت سابقا))

تحرك حلقه عندما ازدرد ريقه بينما غمغم لها بدون تركيز وهو يمسح سجل المحادثات التي أرسلها أخيرا

((حسنا معك حق.. كله إلا الأم.. يمكنك الذهاب))

داعبت ابتسامة المنتصرين زاوية ثغر رتيل..

إذا كان مصر على الالتقاء والتسكع مع نسوة غيرها بحجة العمل في أماكن مختلفة في المدينة.. فهي من حقها أن تخون ثقته وتكذب بشأن خروجها وتذهب إلى حيث تسكن غنوة في نفس المدينة وتقضي معها أوقاتا حرة طليقة.. نعم عليها أن تتابع ذهابها لغنوة دون أن تسلعها أسواط تأنيب ضمير..

الكل يريد منها أن تكون امرأة مستسلمة تنتظر عودة زوجها كل أسبوعين عندما يعود من المدينة بعد أن يفرغ من قضاء وقت متعته عله يتنازل ويمنحها نظرة رضا..

وهي مجبرة بكل أسف أن تخضع لمثل هذا النوع من الحياة المسالمة التي يطبعها عليها مُؤيد ومن قبله عائلتها لكي تتكيف عليها.. لكن هذا لن يحدث!

ستظل في كل مرة تذرع بزيارة أمها في القرية المجاورة وفي المقابل تذهب لزيارة غنوة في المدينة!

مالت لمُؤيد الذي أغلق هاتفه بعد أحكم إخفاء جريمته ثم طبعت قبلة على وجنته بود يناقض ما تكنه في باطنها له..

رسم مُؤيد ملامح اشمئزاز مزيف على وجهه وهو يرفع راحة يده ويقوم بمسح مكان قبلة زوجته..

في حين قاطع المشهد عليهما طرقات الباب لهدى الصغيرة وهي تهتف

((عمي أنتَ هنا!))

تغيرت ملامح مُؤيد لأخرى لطيفة وهو يعتدل مكانه ويلامس الأرض بقدميه هاتفا

((تعالي يا هدى))

فتح مُؤيد ذراعيه بينما تهرول الصغيرة نحوه في عناق جميل هادرة

((عمي مُؤيد.. جدتي تناديك لتحضر على الغداء))

سألها على الفور باهتمام وهو يستقيم واقفا بينما يحملها

((أيتها الساحرة الصغيرة.. كيف حالك؟ لم تسلمي عليّ اليوم))

راقبته رتيل عن كثب وجمود وهو يلاعب هدى.. ثم سألته

((هل تحب ابنة أخيك كثيرا؟))

أجابها مُؤيد وهو لا زال يداعب الصغيرة حتى صدحت قهقهتها عاليا ببراءة وعذوبة

((بالتأكيد.. أحبها.. إنها ابنة أخي وهل هناك أحب على قلبي منها هي ودارين؟))

ضيقت رتيل عينيها بغل على أبوته الموضوعة بغير مكانها.. فولديها أولى.. ثم غمغمت بخفوت

((نعم هذا واضح جدًّا.. أنتَ تحبها أكثر من ولديك الاثنين المسكينين..))

توقف فجأة مُؤيد عما يقوم به والتفت لها متجهما بينما ينزل هدى على الأرض بحذر

((رتيل ألن ننتهي من تلميحاتك هذهّ! بنات إخوتي ومن الطبيعي أن أغرقهن بالاهتمام والدلال، أما فهد وباسم فلن يصبحا رجلان صلبان قادران لو دللتهما))

بدت رتيل مترددة للحظة واحدة ثم وكأنها اتخذت قرارها وهي تسأله بسؤال مكتوم في داخلها

((مُؤيد ماذا ستفعل لو تزوجت هدى أو دارين من رجل يسيء معاملتهما عندما تكبرا؟))

تطلعت الصغيرة بحيرة لزوجة عمها لا تفهم ما تقوله في حين رد مُؤيد بعدوانية وملامحه تزداد تجهما

((سأمحيه من وجه الأرض))

رسمت شبه ابتسامة متهكمة فوق وجهها.. لولا أن الصغيرة هدى لا ذنب لها وإلا لكانت تمنت أن يأتي رجل يحمل طباع مُؤيد ويتزوج منها..

فيرى زوجها كل ما كان يفعله بها يتمثل أمامه ويعرف كم هو ظالم بكسره لقلبها.. تعمده لإهانتها.. وعدم حبه لمجالسته معها.. وتجاوزه الحدود مع النساء عندما يكون في المدينة..

اكتفت رتيل أن تتمتم بخفوت ساخر

((لا أشك بذلك يا مُؤيد))

قطب حاجبيه قليلا بارتياب لمقصدها ثم قال بنبرة قوية

((وهل تعتقدين بأني سأقبل أن أزوجها لرجل قبل أن أتأكد من أني أقدر أن أؤمنه عليها وبأنه يستحق ثقتي وسيصونها ويسندها.. سواء هدى أو دارين فهاتان ليسا أي بنتين بل حفيدتي الحاج يعقوب الكانز))

زفرت رتيل نفسا ضيقا وهي تختصر على نفسها نقاش لا طائل منه وخرجت من جناحه تنضم لهم أثناء وجبة طعام الغداء..

.

.

على سفرة الطعام حيث يجتمع أفراد العائلة غمغمت الحاجة زاهية بنبرة عادية

((أين هي نورين يا رتيل؟ كنا بياسمين التي لا تخرج من غرفتها والآن انضمت نورين لحزبها))

صمتت رتيل للحظة فالجميع يعرف أن نورين لا تجتمع معهم وقت الطعام في حالة تواجد مُؤيد.. لكن مؤكد حماتها تسأل عن سبب انطوائها في غرفتها طوال اليوم!

فأجابتها وهي تمسك رغيف خبز

((تعرفين كم هي حزينة لفقدها جنينها.. كانت في الشهر السادس.. لربما تفضل هذه الأيام الانعزال على نفسها))

غمغمت زاهية بشيء من الامتعاض

((نعم أعلم ذلك ولكنها ليست أول من تفقد جنينها ولن تكون الأخيرة.. كلنا حزنّ على فقدها ذاك الجنين ولكن هذا لا يعني أن تدفن نفسها في غرفتها طوال الوقت))

صدح صوت يعقوب وهو يسير نحوهم وبرفقته ياسمين

((السلام عليكم جميعا..))

سحب الحاج بحركة لبقة كرسيا لياسمين لتجلس عليه ثم جلس على رأس المائدة حيث مكانه المعهود.. ولم يستغرب أحد.. فإذا كان هناك شخص يتحدث مع ياسمين ومقرب منها في هذا البيت فهو الحاج يعقوب فقط..

غمغمت زاهية برضا لكنتها

((أحسنت يا ياسمين مؤخرا بدأتي تخرجين معنا من تلقاء نفسك وتختلطين.. هذا الأمر جيد لك ولصحتك))

ابتسمت ياسمين لها بمجاملة وموافقة في حين طلبت دارين بفظاظة

((اسكبي لي يا زوجة عمي رتيل القليل من الحساء))

تدبرت رتيل ابتسامة متكلفة لدارين وهي تتناول طبقها..

ران الصمت وبدأ الجميع يتناول الطعام وما انتهت زاهية من طبقها حتى أراحت جسدها على ظهر الكرسي وعادت تسألها بهدوء

((هل تتحدثين مع مَازن يا ياسمين مؤخرا؟))

أجابتها ياسمين بآلية جوابها المألوف

((نعم.. لا تقلقي..))

ردت زاهية وهي تتصنع التوجس والحذر

((معظم الشباب عند السفر ينسلخون عن دينهم وعاداتهم وتقاليدهم يا ياسمين وزوجك أنتِ..))

ثم توقفت زاهية عن إتمام جملتها عن عمد وكأنها تهاب النطق بالكلمات فهتفت ياسمين تحثها على المتابعة

((وزوجي مَازن ما به؟))

صمتت زاهية للحظة ثم أكملت

((ليس به شيء لكنه شاب يضجّ رجولة ووسامة وأناقة بين الرجال.. أينما يذهب تكون عيون النساء عليه.. لا بد أنك لاحظتي ذلك..))

قالتها زاهية وعيناها تدرسان ردة فعل ياسمين التي التقطت أول الخيط وذاك التوجس يلتمع في عينيها لتجيب أخيرا بشيء من الاستغراب وهي تضيق عينيها

((لا أفهم ما ترمين له يا عمتي.. أرجوكِ كوني مباشرة في حديثك))

أجابت زاهية بسلاسة خبيثة ناعمة

((أظن بأن ولدي متزوج.. بل أنا متأكدة من ذلك دون أن يخبرني أحد.. فهو وطوال سنوات غربته لم يأتي هنا إلا أياما معدودة.. كما أنه ليس موافق على استقدامك لتعيشي معه هناك.. ولا حتى لو بشكل مؤقت.. فماذا يعني هذا غير أنه متزوج؟))

لم تهتز ولم يرتجف أصغر رمش في ياسمين وهي تبادل الحاجة زاهية النظرات العنيفة بأخرى متحدية مشوبة باللامبالاة لتجيبها

((وماذا لو كان متزوجا.. لا عيب ولا حرام..))

اتسعت عينا زاهية من ردة فعلها ثم قالت بنبرة خرجت منفعلة دون وعي

((أقول لك بأن زوجك المغترب الذي لا يكلف نفسه زيارتك أو السؤال عنك أو ابنتك متزوج وتردين عليّ بهذا الشكل؟ لا عجب أن ابني لا يناديكِ إلا لوح الثلج.. لا أعصاب لك حقا))

خرج صوت ياسمين باردًا هادئًا

((أشكرك يا عمتي على قلقك ومشاعرك النبيلة الصادقة تجاهي ولكن أتمنى ألا تشغلي نفسك بي..))

ثم استقامت من مكانها تدمدم بخفوت

((الحمدالله.. شبعت))

تمتمت زاهية بذهول وهي تناظر وجوه الحاضرين

((ستفقدني عقلي تلك المخلوقة.. إنها حقا لوح ثلج))

في حين استوى يعقوب بهدوء واقفا وهو يغادر المكان مكفهر الملامح.. وللعجب تمنى أن يكون ابنه متزوج في الحلال.. على الأقل أفضل من انشغاله في ملاحقة النساء وربما الراقصات في الملاهي الليلية الموجودة في كل بقعة من بلاد الغرب يبعثر المال عليهن كما يصور له ذهنه أحيانا!

تعجبت زاهية من زوجها كيف غادر ملتزما الصمت..

فسارعت تلتفت لمُؤيد تسأله بلهفة ممزوجة بالقلق

((بماذا أنتَ شارد يا مُؤيد؟ هل تعرف أي شيء عن أخيك))

عقد مُؤيد حاجبيه بصرامة وهو يرد

((لم يخبرني أي شيء، لكن من الأساس يا أمي تسع وتسعون بالمئة من الرجال في الخارج متزوجون.. وهذا حقهم))

ثم أخرج هاتفه وقال وقد شبع هو الآخر

((انتظري سأذهب لاتصل به وأحدثك بما يدور بيننا))

وبطبيعة الحال لحقته رتيل مهرولة خلفه لتعرف..

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...