لا تنسو التصويت ❤️❤️
استلقى مَازن على ظهر الأريكة بينما يمسك أداة التحكم عن بعد للعبة الفيديو وهو منسجم كليا في ممارستها..
منذ تخرجه من الجامعة وعدم إيجاده عمل هنا وهو يحبس نفسه في إحدى غرف شقته المستأجرة طوال الوقت.. فلا يخرج منها إلا لتناول الطعام أو الصلاة.. بعد إيقافه حياته كاملة متفرغًا لألعاب الفيديو فقط..
ضرب مَازن بيده الطاولة أمامه بعنف وإحباط لخسارته الجولة وبتلقائية قام برمي أداة التحكم أرضا بقوة محطما إياها لجزأين وكأنه يفرغ شيئا مما يقبع في داخله..
تنهد وهو يعيد رأسه للخلف ويغمض عينيه بإنهاك فقد كان يلعب منذ ساعات طويلة.. لقد أصبح بالفعل أسير عالم مزيف افتراضي حتى يبتعد ولو مؤقتا عن واقعه الحقيقي في هذه البلاد الباردة.. هو حقا ليس سعيدا بهذه الحياة التي يعيشها هنا.. وقد تحول لشخص مكتئب ومنعزل..
قبل أن يوافق بحماس وغباء أن يُنفى الى هنا ويغرق في هذه الحياة الباردة قبل سنوات كان شابًا طبيعيًا.. غامرًا.. يستمتع بممارسة الرياضة والسباحة والمشي.. وارتياد السينما مع أصدقائه.. والتخييم..
أحيانا يتساءل.. هل هو حقا غير قادر على إيجاد عمل هنا وغير قادر على تكوين صداقات رغم طبيعته الاجتماعية؟ أم هو فقط لا يريد أن يربط نفسه هنا بأي رابط مهما كان؟
أطلق تنهيدة حسرة حارة وهو يتساءل مجددا متى سيعود لبلاده ويعود كما كان محبًا للحياة والمغامرة والطبيعة يخرج مع أصدقائه بدلا من أصدقاء اللعب الخياليين أو الافتراضيين!
فتح مَازن عينيه جافلا عند رنين هاتفه فامتدت يده ليتناوله.. ليجد رسالة من أخيه مُؤيد ففتحها وهو يرفع حاجبيه استغرابا ليجد السؤال
"أخبرني باختصار يا مَازن هل أنتَ متزوج؟"
تدلى فك مَازن لسؤال أخيه العجيب! فكتب له ومعالم البلاهة ترتسم على وجهه بغير فهم مقصده
"ما مناسبة هذا السؤال؟"
"فقط أجبني يا مَازن هل أنتَ متزوج؟"
"لماذا تسأل؟"
"سواء كنت متزوجا أو لا فهو حقك الذي لا يختلف عليه اثنين.. فأنتَ في الغربة بحاجة لأنيس.. لذا لا تخفي الأمر وأخبرني الحقيقة.. هل أنتَ متزوج؟"
"لا.. للأسف"
ثم أغلق مَازن هاتفه وقذفه على آخر الأريكة.. نعم للأسف هو ليس كذلك.. ولن يستطيع التزوج وربط نفسه بأي شيء أو أحد ينتمي لهذه البلاد الباردة..
=============================
قالت رتيل التي كانت تقف فوق رأس زوجها أثناء محادثته مع شقيقه باقتضاب
((لماذا يا مُؤيد تشجع أخيك على الزواج في الغربة؟ لا تقل حتى يعف نفسه، فزوجته هنا وحيدة وهو ليس الوحيد الذي يمتلك رغبات وحاجات وبحاجة ليعفها بالحلال))
استنكر مؤيد بقلة صبر ونزق من تصرفاتها اليوم
((مــــاذا! ماذا تقصدين يا رتيل؟))
خفت أجيج انفعال رتيل خوفا من إغضابه فتنحنحت تجلي صوتها وجاهدت في إخراجه ودودا وهي تقول بإقناع
((أعنى عليك أن تكون محايدا بين مَازن وزوجته.. بدلا من الميل له لأنه فقط أخيك))
خرج صوت مُؤيد مشتدا صارما وكأنه لا يحتمل النقاش في هذا الموضوع
((الموضوع ليس متعلقا بكونه أخي أو لا، بل لأنه رجل.. والرجل فاعل والمرأة مفعول بها.. يَطلب فتَعْطي.. انتهى))
هتفت رتيل غير مستوعبة منطقه
((ولكن احتياجاتها فطرية متأصله في أي امرأة وحاجة أنثوية خالصة..))
رد مُؤيد منفعلا يقاطعها
((بل دليل وقاحة وقلة حياء وانعدام أخلاقي.. منذ متى وعلى الرجل أن يلبي رغبات زوجته! المعاشرة حقه وحده يحصل عليها متى يشاء ويتركها متى يشاء))
كان يتأجج في عيني مُؤيد غضب شديد فضحت رتيل بلحظة تهورها ودارتها وهي تدير وجهة أي شك متولدة بعيدا عنها وهي تقول بتأكيد
((صحيح معك حق))
ثم لوت فاهها يمينا ويسارا بالاشمئزاز منه.. فهكذا هو يعاملها.. وعاء يصب فيه الرغبة وحسب.. إنه رجل متزمت لا يفهم بحقوق الغير شيء!
غمغم مُؤيد بنبرة تشكك
((لا أرى عينيك تؤيد ما تقولينه يا رتيل))
سارعت تتصنع التأييد وهي تمسك كفه بيديها الناعمتين
((لا على العكس، أنا معك في كل حرف))
نفض يديها عنه وهو يقول ممتعضا
((هل هذا جزائي لتساهلي معك مؤخرا بناء على طلب أبي وسماحي لك لزيارة أمك والمبيت عندهم لأيام كل أسبوع أثناء وجودي في المدينة!))
كانت خائفة حقا من أن يتراجع عن سماحه لها بالمغادرة فلم يكن أمامها إلا مهادنته ونفاقه لتقول بلهفة مزيفة
((إياك أن تظن بأني أقصد إزعاجك.. أنا فقط أحبك..))
نفض كفيها عنه بكره حاول اختلاقه وهو يتمتم
((لا ينقصني الآن أن تجلبي سوى جلب سيرة الحب..))
طُرق باب الجناح ثم دلف فهد الصغير للداخل يقول مباشرة دون مقدمات بتبرم طفولي
((أبي هل تعرف أن يزيد خرج مع عمي مَالك للمطعم لتناول وجبة الغداء؟ يوما بعد يوم يخرج يزيد مع عمي لشتى مختلف المطاعم ونحن هنا أنا وباسم لا خيار لدينا إلا تناول طعام المنزل الرديء..))
تدلى فك مُؤيد بتعجب من تذمر صغيره وسرعان ما سأل بتهكم ممزوج بالعجب
((الآن صار طعام المنزل رديئا!))
أشاح فهد بعينيه جانبا وهو يكتف ذراعيه مصرا على رأيه فأومأ مُؤيد برأسه وقال وهو يفتح هاتفه
((لا تهون عليّ يا سيد فهد ابن الكانز! سأتصل الآن بخدمة توصيل أحد أفخم المطاعم.. هل هناك شيء محدد تريد مني أن أطلبه لك وأخاك؟))
ازدرد فهد ريقه وقال بإباء وترفع
((لا أريد أن تطلبه للبيت.. أريد الذهاب للمطعم مثلما يذهب عمي مَالك مع يزيد كما السينما أيضًا خلسة حتى لا نعرف نحن، رغم أني أعرف بالنهاية بطرقي الخاصة))
رمق مؤيد ابنه بملامحه المتجهمة ثم لاحت ابتسامة على وجهه وهو يعقب ساخرا على طلبه البريء
((وما رأيك يا صاحب الطرق الخاصة أن أذهب معك للمطاعم والسينما؟ هذا ما ينقصني!))
تدخلت رتيل تقول وهي تمسك كتف زوجها
((وماذا فيها يا مُؤيد؟ لماذا لا تذهب بنا لهذه الأماكن الترفيهية؟))
تطلع لها بتعجب وكأنها تقول شيء عجيب ثم انفعل
((هل جننت؟ وماذا سأجيب عائلتي لو سألوني إلى أين أنا ذاهب بكم؟))
هزت رتيل كتفيها تقول بتلقائية
((أخبرهم ببساطة أنك ستذهب بنا إلى مطعم أو سينما.. بسيطة))
تهكم مُؤيد بتشدق لاذع
((لا ليست بسيطة.. ما رأيك أن نقول لباقي الأقارب والجيران أني اذهب بكم لأماكن كهذه!))
عقبت على كلامه مستنكرة
((شخصيتك قوية ولن يجرؤ أحد على الاعتراض أو منعك حتى أو التعليق على ذلك))
دمدم لها بامتعاض وهو يشيح بعينيه
((الموضوع ليس موضوع شخصية.. بل ما قد يقولونه من خلف ظهري..))
لم يبالي فهد بكلام والده وهو يتشبث بملابسه ملحا برجاء طفولي
((أبي دعنا نذهب مثلما يفعل عمي مَالك مع يزيد..))
هتف به مُؤيد بصرامة وحزم
((تبا لك وليزيد ولعمك مَالك.. لا يوجد عندي أحد يذهب لهذه الأماكن.. عندما تكبران في العمر يمكنكما الذهاب مع الأصدقاء.. لكن الآن أنتم عائلتي وحر بكم))
عقدت رتيل ساعديها واضعة ساقا فوق الأخرى تقول
((إذن المشكلة بي أنا.. لا تريد مني أنا أن أذهب معكم للخارج))
وقف مُؤيد يطل عليها بطوله ويرد بتسلط
((نعم لا أريدك أنتِ أن تخرجي.. هل عندك اعتراض؟))
ظلت تحدق به للحظات ثم قالت باستسلام
((لا ليس عندي اعتراض ولو أني لا أفهم سبب كرهك للخروج معي))
علا صوته أكثر وهو يهتف باستنكار
((وما الحاجة لامرأة متزوجة ومحترمة للذهاب إلى تلك الأماكن الترفيهية؟))
نظرت لعينيه باتساع وصدمة قبل أن تزعق وطريقة تفكيره المتخلفة والمتزمتة تفقدها لجام صبرها
((مُؤيد هل جننت؟ أنا أتحدث عن مطعم أو سينما لا نادي ليلي))
ساد صمت مريع تحيطه أنفاسهم ثم قال بصوت مشتد صارم
((أنا لن أتناقش في هذا الموضوع بكلمة زيادة))
اتسعت عينا رتيل وهي تدرك مجددا نتيجة إغضابه.. فاستقامت واقفة تجبره على الجلوس وهي تقول لابنها
((هيا اذهب الآن للخارج، والدك بحاجة للراحة))
تهدلت كتفا فهد وهو يخرج من جناح والديه ثم يغلق الباب بقوة يفرغ من إحباطه وخيبة أمله..
اقتربت رتيل من زوجها تمد أناملها على كتفيه تدلكهما
((دعني أدللك قليلا يا حبيبي))
أظهر مُؤيد شيء من التمنع وهو يبعدها بخفة هادرا
((ابتعدي عني))
لكنها ألحت بصوتٍ ناعم مغوي
((لن أبتعد قبل أن تسترخي تماما))
لوهلة ارتبك مُؤيد من لمساتها وكاد أن يفتضح ارتباكه هذا وهو يشعر بها تدفع بقشعريرة لذيذة لكل خلية في جسده..
رغم مبادراتها الشبيهة لهذه في بداية زواجهما إلا أنه كان يردعها ويتباعد عنها متعمدا ألا يسمح لها أن تخترقه بعاطفتها ولمساتها الأنثوية.. إلا أنه مؤخرا ولأنه بات يسمح لها في الخروج من المنزل أسبوعيا لزيارة والدتها -على حسب اعتقاده- عادت تعرض عليه هذه المبادرات الأنثوية الخالصة وإذا ما رفضها بخشونة لا تمل بل تلح حتى يرضى مرغما أن تخترقه بتأثيرها..
ورغم استرخائه تحت أناملها إلا أنه كره ذلك..
=============================
عصر يوم مشمس.. حيث السماء ملبدة بالغيوم والجو جميل والهواء عليل.. وفي إحدى حدائق المدينة العامة الممتلئة بالعائلات ممن جاؤوا لها لقضاء وقت جميل وتعزيز أواصر المحبة والتآلف فيما بينهم.. كان مَالك ويزيد يتجاذبان الكرة بشكل مستمر فيما بينهما.. الشغف ملؤهما والأدرينالين لا يتوقف عن الجريان في عروقهما..
في حين كانت سمية تجلس فوق غطاء فرشته فوق العشب الأخضر بينما الدراجات النارية تمر بالشارع العام من خلفها..
بدأت تقوم بإعداد شطائر لهم منفرجة الأسارير وهي تحول نظرها بين الفينة والأخرى عليهما وهما يلعبان والبهجة على وجوههم وقلوبهم..
طفلها الصغير يزيد كان يلعب بروح وعزيمة وحميَّة يفتقدها الأطفال الذين في سنه.. مستمتعا بعيش متعته الخاصة في لعب كرة القدم حيث يراوغ ويمرر ويحاول تقليد لاعبه المفضل.. لقد كانت تجد وقتا صعبا في منح يزيد الوقت بسبب عملها المزدحم في حديقة الحاج يعقوب الكانز لذا وعدته أن تأتي هنا..
وما زاد الوقت متعة وجمالا تواجد مَالك معهم الذي كانت رفقته لهم عفوية وغير مخططة.. بل بمجرد أن رآهما ذاهبين مع سلة النزه حتى عزم على الذهاب معهما غير آبه لأي اعتراض..
أمسك مَالك الكرة بيديه ولوح ليزيد ليلحقه بينما يتجه حيث تجلس سمية.. أعطته بلطف منشفة وماء فتناولهم منها بامتنان مشيدا
((يزيد عليك أن تكون فخورا لامتلاكك موهبة في كرة القدم، أنتَ في غاية التفرد))
تطلع يزيد لأمه قائلا بفخر
((هل سمعتي يا أمي؟))
ناكفته ((إنه دائما ما يبالغ في مدحك.. لا أريد أن أكون قاسية لكن عليك أن تكون يقظا لحقيقة الواقع))
سارع مَالك ينفي كلامها بتأكيد
((لا لست أمزح، يزيد يوما عن يوم تزيد مهارته في الكرة.. وهذه موهبة وبذرة كامنة متأصلة تحتاج الى من يخرجها من قمقمها ويكبر معها))
هتف يزيد بصوتٍ مفحم بالحالمية والحماس
((أحلم أن أكون لاعب كرة محترف ومتميز بجانب حلمي في أن أصبح طيارا))
ابتسمت سمية وهي تناظر ملامح وجه ابنها الصافية وبشرته المفعمة بالحياة في هذه اللحظة بينما تسقط أشعة الشمس الهادئة على خصلات شعره الفاحم..
قال مَالك وهو يضع المنشفة خلف رقبته
((إنسَ الطياران، وركز في كرة القدم))
ناظرته بطارف عينها تقول
((مَالك كف عن حشو أفكاره بهذه الأمور، ما زال في السابعة من عمره وعليه أن يهتم بدراسته أكثر))
تناول مَالك الشطيرة التي أعدتها سمية له وهو يتربع بجلسته شاعرا ببهجة وانتعاش رهيبين لاجتماعهم الثلاثة سويا.. لم يحدث هذا منذ مدة طويلة..
ثم نظر ليزيد وقال وقد لون الحنين صوته
((تذكرني يا يزيد في أيام صباي الجميلة، كنت ألعب أنا وأخي مَازن دائما مع أصدقائنا كرة القدم))
هتف يزيد بطفولية ودهشة عارمة
((حقا؟ احكي لي أكثر عنها؟))
شرد مَالك بعينيه يقول وتلك البسمة على وجهه
((يمكنك القول بأني كنت ألعب كالمجنون وأحارب من أجل فريقي كمن يحارب عن بلاده))
تنهد مَالك بحنين ثم استرسل كلامه
((كان أخي مَازن هو من يحضر الكرة وبالتالي هو المتحكّم في اللعب يُدخل من يشاء ويُخرج من يشاء لأرض الملعب.. بل والأنكى إن هُزم بعد مضيّ اللعب يأخذ الكرة وينصرف لبيتنا بينما أمطره أنا والباقيين بالشتائم وعدم المروءة.. ونعود نتلاوم فيما بيننا عن الذي تسبب بإغضابه وأضاع علينا فرصة لعب الكرة))
ضحكت سمية لذكرى ما يقوله بنعومة ثم قالت
((كنت تخبرني هذه التفاصيل دائما.. وكنت أنتَ أمهر لاعب فيهم ولأنك طولهم.. ومطلوبٌ بشدة من كلا الفريقين وكنت تُحسب باثنين من اللاعبين عند التقسيم))
تدفقت لمَالك المزيد من ذكريات الكرة مع إخوته وأصدقائه فعاد يقول ضاحكا
((وحتى مُؤيد أيضًا كان إذا جاء ورآنا نلعب يترك من يمشي معهم ويأتينا بكل عنجهية ويصرخ نافخًا صدره أن نسمح له بمشاركتنا اللعب أو سيفسده علينا فنضطر مرغمين لإدخاله الملعب ونحن نشتمه في دواخلنا وننتقم بعدم تمرير الكرة له حتى يضجر ويذهب))
رفعت سمية حاجبيها تضيف
((مُصعب كنتم تجبرونه أن يكون حكم المباراة إذا مر في الطريق عليكم))
تعالى صوت ضحكات مَالك وهو يقول متهكما
((نعم.. كنا نحبه أن يكون الحكم لأنه يتميز بالنزاهة))
علت ضحكاتهم الثلاث بلا توقف.. ضحك متواصل تخطى دقيقة كاملة.. حتى تعبوا وخفت الصوت وبقيت أنفاسهم اللاهثة تنتظم ببطء..
متى آخر مرة ضحك أحدهم بهذا المقدار؟
قضم يزيد من شطيرته بشهية مغمغمًا
((سنعود للعب بعد تناول الشطيرة!))
رد عليه مَالك مبتسما
((سنفعل.. أمامنا الكثير من الوقت حتى غروب الشمس))
فجأة تبدلت ملامح سمية والتفتت بغتة لمَالك!
أحقا يعتقد أنها ستسمح لها وليزيد أن يظلا في الخارج حتى يعم الظلام المكان؟ سارعت تحطم السعادة التي تلف الأجواء وهي تعترض
((أي غروب شمس بالله عليك يا مَالك؟ عليّ أن أعود أنا ويزيد خلال ساعة.. هل نسيت أن الأعين عليّ كأم عازبة تعيش في بيت صغير مع ابنها وحيدين؟))
رد عليها بملامح واجمة
((نعم أعرف..))
استغفرت سمية بسرها ثم تمتمت
((لا يبدو بأنك تعرف.. لو كانت حقا سمعتي ومظهري أمام الناس يهمك لما كنت ستقول ما قلته..))
كان غضبها قد انفلت قليلا لشيء من التراكمات التي حدثت في الماضي.. فتجهمت ملامح مَالك واستلبسه الغضب وهو يراها تقلب الأجواء بينهم لغم ونكد..
وكأنها لا تطيق أن تحل السعادة عليهم ولو لوقت قصير ولن ترتاح إلا إذا عادوا للقرية عابسين غاضبين! ودون شعور منه هتف بغضب مماثل
((سمية أنتِ تعرفين بأني أحرص الناس على سمعتك والحفاظ عليها من أي خدش.. ولذلك أنا حريص على الاقتران بك مجددا والخروج بعلاقتنا للنور))
وكأن سمية تذكرت وجود يزيد فناظرته لتجد الحيرة والحزن يلفان وجهه من انقلاب الحال المفاجئ بينهما..
فسارعت تبحث عن حقيبتها وأخرجت منها محفظة لتقول
((يزيد خذ هذه القطع النقدية واشتري لك المثلجات.. قف على الدور ولا تتجاوزه))
كان يزيد يشعر بوجود خطبا ما بينهما لكنه أومأ برأسه طائعا ولسانه يتباطأ بضعف وهو يمد راحته لتناول المال منها ((حسنًا.. أمي..))
بمجرد أن ذهب يزيد حتى قامت سمية بإغلاق العلب المفتوحة تستعد للمغادرة بينما تقول بشكر وعرفان
((مَالك شكرا على الوقت الطيب، سنعود للقرية منفصلين))
كز على أسنانه يأخذ نفسا ليهدأ ثم قال
((لماذا دائما ما تنهين حوارنا عندما أجلب سيرة الزواج؟ هل يعجبك وضعنا هكذا؟))
قالت ((معك حق خروجنا بهذا الشكل سويا حتى لو كنا في مكان عام لا يجوز لا شرعا ولا عرفا، ولأننا نعرف هذا نقوم به بالخفاء))
مسح مالك على وجهه الأحمر لكتمان الغضب ثم أدار وجهه بعيدا يجيبها بقتامة
((بيدك أنتِ أن تجعليه جائزا شرعا وعرفا ودينا.. وبيدك جعل علاقتنا رايةً مرفوعةً على ساريةٍ عالية.. ألا زلت بالنسبة لك ذاك المراهق الذي يصغرك بسبع سنوات؟))
تجمدت كل حركتها وظلت تناظره بملامح ضائعة للحظات طويلة قبل أن تخبره بصوتٍ متحشرج وبعاطفة صادقة
((أكذب عليك إن لم أقل بأني مؤخرا بدأت أشعر بمشاعر تجاهك.. لا أستطيع تحديد إذا ما كانت حبا أم لا، لكنها مشوبة بعواطف تخصك أنتَ))
لم يكد يصدق ما يتناهى لسمعه.. آخر ما توقعه أن تكون فعلا تشعر شيئا تجاهه عدا الحاجة أو تلك المشاعر الأخوية! وللحظة انتبهت هي لاهتزاز حدقتيه الخضراوين وهو يناظرها بعينين واسعتين متفاجئتين لتكمل
((وهذا الأمر يجعلني غاضبة كثيرا، لأني مدركة بأني لو أحببتك فلن يكون متبادلا.. عدى عن أنك تستحق الأفضل))
صمت فجأة مشدوه النظرات بذهول وكلماتها واعترافها يشع في عقله بلا مقدمات ليقول بنبرة تحيا بعد موت
((دعك من فكرة بأني أستحق الأفضل، لأنه من وجهة نظري أنا أستحق ما أحب.. لكن ما الذي يجعلك تظنين أنه غير متبادل؟ أنا أتوسل منك الحب منذ سنوات طويلة وأنتِ تقولين بأنه لن يكون متبادلا؟))
زمّت شفتيها ثم قالت بصبر
((نعم ليس متبادلا، لأن الوهم الذي تعيشه لا يمكن أن يكون حبا..))
وأضافت وصوتها الهادئ الواثق رغم التوتر المحسوس يستفزه
((مَالك.. أنتَ غير مدرك للكارثة التي تريد مني أن أقع فيها! أرجوكَ لا تستدرجني لأقع في هاوية حبك وابتعد عني، لأني اعرف أن الأمر سينتهي بجعلي إياك تتغلغل في نفسي إلى الحد الذي أعري نفسي بالكامل أمامك وأضع كل حبي وعاطفتي عليك ظنا مني بأني وجدت السعادة المنتظرة التي ستعوضني عن كل ما مررت به.. ثم.. ثم..))
خطفت عيناه وجهها بنظرة مدمرة ثم عقد حاجبيه يحثها على الإكمال هادرًا ((ثم ماذا؟))
تيقظت عينيها بالقوة وبكل تأكيد أكملت
((ثم أجدك أرضيت غرورك وكبريائك وملأت خزائن رهاناتك بي.. وقد اكتفيت من ذكرياتي الحزينة وماضيي المرير، وملامحي الباهتة، وجسدي الهرم، ثم تقرر أن تمضي قدما من دوني.. مع امرأة غيري تستحقك.. تاركا إياي وحيدة مع حزن مضاعف وقلب مشروخ.. وأنا لن أتحمل أن تخذل قلبي وروحي وتضرب بهما عرض الحائط قبل أن تتخطاني))
شعرت بقلبها ينتفض نبضا.. إنها تائهة ومشتتة بين احتياجها له وقد تأقلمت على أنه يستحوذ على جزء من حياتها.. وبين بدئها تجاوز كل خطوطها ودفاعاتها معه..
تنهد مَالك تنهيدة محتدمة وتقبضت يده، ثم زمّ فكيه قبل أن يقول بنبرة مبهمة لا تحمل من روحه المحترقة شيئا
((إذن أنتِ تشعرين بشيء تجاهي وغالب ظنك أنه الحب، لكن ما يجعلك لا تريدين التغلغل في هذا الشعور ومبادلتي إياه هو بأنك لا تثقين بي.. حسنًا ممتاز.. لقد قطعت أكثر من نصف الطريق تجاهك هكذا.. الآن أنا فقط بحاجة أن أثبت لك مسؤوليتي تجاه ما أشعر به وأجعلك تشعرين بالأمان والاحتواء.. ثم كله يهون.. حتى عائلتي سيقتنعون ببساطة))
تضرجت ملامحها ببطء مع كلماته وعيناها ترمشان بلا توقف لتمنع الدموع التي تجمعت بها.. فابتسم دون أن يشعر ليستطرد معترفا
((لا أصدق بأني حقا اقتربت من الحصول عليك بعد كل السنين التي يأستُ فيها من أن تشعري بشيء تجاهي، الحب من طرف واحد قاتل ومؤذي))
لم تجبه بشيء فهمس بصوتٍ أجش خفيض وكأنه ينطق باسمٍ فيه الترياق
((سمية..))
وتابع بتهديد ضمني
((أنا لن أتوانى عن أي طريقة ألجأ لها لتعودي لي))
ثارت عيناها نارا متقدة لتنفلت أعصابها لذكرى تهديده السابق بسلبها يزيد.. فسارعت ترفع رأسها شامخة مثله وأكثر قائلة بحسم صارم منتهٍ
((ماذا تقصد بأي طريقة تلجأ لها؟ لا تفكر أن تسلك طريق مساومتي على ابني يا مَالك.. إذا كنت سأعود لك فيجب أن يكون السبب نابع من رغبتي بذلك وبدون أي ذرة ضغط من قبلك.. تجربة زواجي الأولى هي ما أوصلتني لما أنا عليه.. إذا لم أكن أرغب في العودة لك فلن أعود حتى لو كان من أجل يزيد.. لذا لا تفكر أن تستخدمه للضغط عليّ))
كان لا يزال يمعن النظر في وجهها الحازم إلا أنه لم يرد بشيء.. فترققت ملامحها ووهنت نبرة صوتها شيء فشيء وهي تستطرد
((لن أتحمل مرة أخرى أن أكون زوجة لشخص يجدني عبئ عليه.. رغم أنه أشبعني حبا في البداية))
ازدادت طرقات قلبه مخاوفها التي هي سبب عنادها وإصرارها على التباعد وبناء جدار عازل بينهما.. فأخذ نفسا طويلا وأطلقه كحياة ردت بصدره.. انفعلت عيناه هائجة المشاعر كلسانه الذي نطق بصوتٍ مضطرب
((لماذا لا تستطيعين إدراك كل ما أكنه لك! إني صريع في هواكِ.. أهواك أنتِ بلا حدود.. أنتِ لا فكرة لديك عن جنون وطيش آهاتي التي تنادي باسمك ليل نهار.. فكل آمالي هو حبك وأجمل أمنياتي هو أنتِ))
قالت باختناق مشاعر وهي تشعر بخضرة عينيه تخترق دواخلها وتبصر قلبها
((توقف يا مَالك عما تقوله))
هز رأسه نافيا ثم ابتسم وقال بصوتٍ خافت.. بنغمة تثير الشجن
((لن أتوقف.. منذ البداية لامستِ قلبي برقتك المعهودة.. وشغلتِ عقلي وتفكيري بك ليلًا نهارًا.. كل ما فيك أسرني.. شخصيتك.. عقلك الراجح.. حتى أصبحت جزءً هامًا في حياتي لا أستطيع الاستغناء عنه.. وأفتقده إن غاب للحظات))
التمعت عيناها ثم قالت بصوتها العائد من سنوات الفراق بالحياة ونبرة مريرة ممزوجة بذكريات الماضي متعمدة ألا تذكر اسم زوجها الأول وتغضبه
((حتى هو كان هكذا في البداية.. كان غارقا في عشقي وكان يخبرني مثل تلك الكلمات بل ويتوسل لي دائما أن أصبر عليه حتى يُكون نفسه ويتزوج بي.. ثم تغير قلبه فجأة))
تجهم وجهه بغضب بارد مبعدًا عينيه عنها حتى لا يطفو غضبه ثم قال
((هذا لأنه لم يكن ليجد امرأة جميلة تقبل بضيق حاله ووضعه إلا أنتِ.. كان هو المخطئ ومن توقف عن حبك فجأة فلا تلومي نفسك بل لوميه هو))
أطلقت نفسا مرتعشا من أعماق قلبها المتدافع نبضه ثم ردت بخفوت وهدوء مفتعل
((لقد تجردت من عاطفة اللوم منذ زمن بعيد ولن ألوم أحد على أي شيء))
تحرك حلق مَالك وهو يبتلع ريقه ثم قال بعاطفة نابعة من أعماقه المجتاحة
((لقد انتظرتك يا سمية لأني آمنت بأن كل شيء سيحدث بوقته.. عندما أكون ناضجا وجاهزا.. كل شيء يأتي عندما أستحقه.. ولا أجد أفضل من هذا الوقت..))
بنفس اللهفة الناطقة بعينيه إن لم تكن أكبر كانت تشعر بها.. فهمست بشيء من التردد
((ولكني قلتُ بأن كل ما أحمله لك هو مشاعر مبهمة))
رد عليها بجدية واستعداد تام
((أنا لا أريدك أن تغرقي فجأة في حبي وتتعلقي بي.. على العكس.. أريد أن تتعلقي بي برفق.. لأن الأشياء التي يتعلق القلب بها فجأة يفقدها فجأة))
راقبت سمية دواخل عينيه وبريقهما.. وتلك الإشراقة التي أحاطت وجهه فقط الآن..
عيناه الخضراوين سنةٌ كل فصولها ربيع أخضر.. تعتلان في سحرهما جمال النجوم.. تجيدان إرباكها.. تلفتان قلبها قبل نظرها.. تسحرانها ببريق لا يقاوم..
كانت تشعر حقا بأنها في عالم آخر لا يتواجد فيه إلا هما الاثنين ولم يعدها إلى الواقع إلا صوت يزيد يقطع حوارهما وهو يقترب منهما بتذمر
((لقد أكلت مثلجاتي كاملة وأنتما لم تنتهيا من الحديث الذي صرفتماني من أجله؟))
اتسعت عينا سمية لتنتبه على ابنها وتستوي واقفة محاولة استعادة توازن كاذب يضيع بنبرتها الخافتة
((أيها الشقي ساعدني في حزم المفرش والأغراض))
بدأ مَالك يساعدهم هو الأخر بينما يقول
((سأوقف الآن سيارة أجرة..))
تطلعت سمية له معترضة
((يكفي أنك رافقتنا عندما أوقفت السيارة واستقللت المقعد الأمامي.. الآن لا يصح أن تعود برفقتنا أيضًا))
عقد مَالك حاجبيه يقول
((ما رأيك أن نوقف سيارة واحدة وقبل أن ندخل القرية سأنزل منها وأكمل الطريق إلى بيتي سيرا على الأقدام))
قالت له عقب أن أطلقت تنهيدة
((مَالك.. سأذهب لأبتاع غرضا من متجر ما، عد مع يزيد وأعطني هذه الأغراض لأعود لوحدي))
تجهم وجهه يقول متذمرا بغضب منبعه خوفه عليها
((هل ستعودين وحيدة يا هانم؟ وفي أي ساعة إن شاء الله؟))
كررت عليه بنبرة ممزوجة بالرجاء
((لن أعود وحيدة بسيارة أجرة، بل سأستقل حافلة القرية لأعود بها.. أرجوكَ خذ معك يزيد واتركني على راحتي))
صمت لثوان ثم تدبر ابتسامة عادية
((حسنًا سأعود أنا ويزيد.. وأنتِ عودي بعدما تتبضعي حاجتك.. استودعك الله))
بادلته الابتسامة وهي تحمل الصندوق الذي وضبت فيه الأغراض.. بقيت واقفة أمامه تراه يمسك بيد يزيد ويقف أمام الشارع العام.. ثم خطت نحو إحدى المحلات تشتري لها عصير مثلج وهي تشعر بالندم يتسرب لكل خلية في جسدها على كل ما اعترفت فيه له..
الرادع الأكبر بينهما هو إيمانها بأنه يستحق من هي أفضل منها بجانب يقينها من أنها مستقبلا ستراه نادما غير مقتنعا بزواجه منه..
لذا عليها أن تبذل جهدا أكبر مستقبلا في ردعه عنها..
ثم هي ومع أنها لا تنكر تأقلمها الشديد على وجوده في حياتها واعتمادها عليه وأهمية دوره في حياة يزيد..
إلا أنها لن تموت لو قامت برميه خارج حياتها..
سبق وتعلمت بأنه ليس لها أحد سوى نفسها مهما كثر الذين يخبرونها بأنّها تعني لهم..
هي سند نفسها وقوتها.. وعليها ألا تضع نفسها في مكان لا يليق بها..
.
.
وصل مَالك للقرية قبل سمية بطبيعة الحال فاصطحب يزيد معه لداخل قصرهم ثم إلى غرفة نومه ريثما تصل سمية..
دخل للحمام المرافق لغرفته يغتسل بينما تسلق يزيد مقعد مَالك الموضوع أمام مكتبه.. سحب ورقة وقلم وبدأ يكتب واجب تعبيره الذي طلب الأستاذ منهم كتابته وتسليمه في ورقة خارجية في الأسبوع القادم..
كان التعبير أن يكتب عن نزهة ذهب فيها مع والديه..
تنهد يزيد ثم بدأت يده تخط في الكتابة التي يبرع فيها وتدوين ما مر به اليوم وبعد أن كتب ما يدور في عقله من تفاصيل رفع الورقة بانتظار أن ينتهي مَالك من الاستحمام حتى يراجع له الأخطاء الإملائية..
لكن جفل فجأة واستدار نصف استدارة للخلف عندما سمع صوت طرقات الباب..
نقل بصره بين باب الغرفة وبين باب الحمام وصوت المياه المنهمر المستمر دليل على استغراق مَالك في الاستحمام وعدم سماعه صوت الطرقات..
شعر يزيد بحيرة وإذا ما كان عليه فتح الباب أو لا..
لكن باغته الطارق وهو يفتحه ليتضح بأنها والدة مَالك تهتف بصوتها الوقور المستغرب
((مَالك.. هل عدت يا بني؟ أين..))
بترت الحاجة زاهية كلامها واتسعت عيناها بصدمة وهي ترى يزيد جالس على الكرسي ويمسك بورقة فسألته ذاهلة وغاضبة
((من سمح لك أن تدخل هنا؟))
نكس يزيد رأسه كشخص مذنب ثم تمتم مجيبا
((جئت مع عمي مَالك إلى هنا، إنه في الداخل يستحم))
انسحبت الدماء من وجه زاهية وهي تفغر شفتيها للحظات قبل أن تتمكن من التحدث بفظاظة وغضبها يشتد
((إذا كان يستحم في الداخل فماذا تفعل هنا؟ هيا اذهب يا يزيد لبيت والدتك لا يصح أن تبقى هنا..))
ازدرد يزيد ريقه وأمسك الورقة ثم قفز من على الكرسي أرضًا وتابع السير نحو الباب دون أن يتفوه بكلمة أو يرفع رأسه..
أغلقت زاهية باب غرفة مَالك خلفها بعنف وأمضت طريقها نحو حديقة المنزل حيث يجلس زوجها ورتيل بينما تشتعل غضبا من الداخل!
تلك البستانية تحاول شبك خيوطها حول مَالك كأنثى العنكبوت السوداء إلى الحد الذي يعجز مَالك الطلب من ابنها مغادرة غرفته حتى في وقت استحمامه!
ماذا لو جاء أحد الخدم أو إخوته ودلفوا لغرفته ووجدوه يستحم في الداخل بينما الصغير جالس أمام مكتبه!
وقتها من قد يمنع الظنون السيئة من الحوم حوله!
جلست زاهية على مقعدها تتمتم بكراهية
((عممي على العاملين هنا ألا يدخلوا ذاك الولد الصغير القصر، إنه يتجول هنا وهناك وكأنه ابن أصحابه))
عقدت رتيل حاجبيها وقد فهمت من تقصد حماتها..
في حين قال الحاج يعقوب باستغراب
((لا تبالغي يا زاهية.. يزيد مجرد طفل))
التفتت زاهية تنظر لزوجها بانفعال متقد بعينيها
((لا طفل ولا هم يحزنون.. غدا سيكبر وستبقى طباعه على ما اعتاد عليه.. وحبذا لو جعلت أمه البستانية ترحل من كل هذه القرية.. لا تتصور رغبتي الرهيبة بطردها من عملها في حديقتنا اليوم قبل الغد))
عبس يعقوب باستهجان واضح لما يسمعه من زوجته الرزينة ليعترض
((ما هذا الذي تقولينه يا زاهية؟ وهل القرية لنا لنتحكم في وجود من نريد فيها؟))
برقت عينا زاهية لتضيف بنبرة ذات معانٍ
((إذن أعطها قدر ما تشاء من النقود مقابل الابتعاد والرحيل من هنا))
تدخل فهد الذي كان يجلس بجانب أمه يمسك كأس عصير وقال ببراءة ودفاع مستميت
((ولكن يا جدتي أنا أحب يزيد.. إنه قوي ويقف بوجه أي متنمر يحاول أن يقترب مني أنا أو باسم))
طل الحزن من عيني رتيل وهي تلقي اللوم على مُؤيد لضعف شخصية ابنيها على عكس يزيد رغم أن والده بعيد عن عينه وقلبه..
أجابته زاهية بما لا يناسب عمره بينما الكره يطل من عينيها صارخًا صريحًا
((أما أنا فأكرهه، كرهي له مزروع في داخلي ويمر بشرياني كتدفق الدماء))
اتسعت عينا يعقوب وهو يجد بأن الأمر بدأ يأخذ مع زوجته منحدرا غير طبيعيا فقال مستنكرا
((هل أنتِ نفسك زوجتي الحنونة والحكيمة من تتحدث عن طفل بكل هذا الكره والنفور؟ لا أكاد أصدقك))
قالت له بعبرة مخنوقة
((لن تفهم وجع قلبي..))
لم تستطع إتمام جملتها وهي تسارع بإغماض عينيها ومنع عبرة أخرى من الانزلاق على وجنتها..
كرهها ليزيد لا دخل له بكرهها لأمه.. بل هناك نغزه في قلبها تشعر بها فقط عندما ترى هذا الطفل الصغير.. لسبب مبهم لا تدركه أبدًا!
مال يعقوب لزوجته متسائلا باستهجان
((هل هذه دموع؟ ما الذي يحصل معك؟))
كفكفت عبراتها بباطن كفيها وقالت بنبرة تجلى له فيها شجنها الشديد
((لا أدري سبب هذه الدموع، ولا سبب ألم قلبي.. ولكني أشعر به كلما أرى ابن البستانية وأتمعن في ملامح وجهه الطفولية))
أطرق يعقوب مليًا وغلب ظنه أن زوجته فقط تخشى من ميل مَالك لأمه وبالتالي طلب الزواج منها!
لطالما كان التوأم أقرب أولادها إلى قلبها.. يكفي أنها حرمت من اختيار عروس مَازن ومن الاحتفال بمظاهر الزفاف عندما تزوج من ياسمين.. ولا تريد أن يحدث نفس الشيء مع مَالك..
تنهد ثم قال بعد هنيهة من الصمت
((لا بأس عليك يا زاهية..))
في حين قالت رتيل التي كانت لا تفهم شيء مِمّا يدور حولها
((هل تكرهين يا عمتي وجود يزيد أو امه بسبب ما تقوله منال عنها.. مرة قالت بأن يزيد هو ابن.. أقصد كانت تلمح بأننا لم نرَ يوما زوجها الثاني ولم يحضر أحد في القرية حفل زواجها منه.. ولم تسمع مرة أن يزيد ذهب في زيارة عند والده أو أحد أقاربه من جهة والده..))
بترت رتيل كلامها جافلة عندما صدح صوت حماها باسمها بغضب مستعر
((رتيل توقفي ولا تكملي الحديث.. هل تعرفين أن ما تقولينه هو قذف للمحصنات.. استغفري الله وتوبي من ذنبك فورا..))
رفعت رتيل كلتا يديها لفاهها وهي تتمتم بذنب
((استغفر الله.. لم أقصد ذلك.. لكن خفت أن تصدق عمتي تلك الإشاعات المقيتة التي تتمتم بها منال لتلمح بأن يزيد هو ابن سفاح، لأن هذا غير صحيح وإلا فكيف تمكن من الذهاب للمدرسة بأوراق قانونية!))
عاد يعقوب يصدح صوته بصرامة
((كله كلام عار عن الصحة لا يصدر إلا عن شخص فاسق.. لقد قالت والدة سمية لي بنفسها آنذاك بعد طلاق سمية الأول بأشهر بأنه قد طلبها رجل من خارج القرية وستتزوج منه وتعيش عنده.. لكن نصيبها كان ألا تكمل زواجها هناك))
=============================
انتهى الفصل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!