لا تنسو التصويت ❤️❤️
في غرفة المعيشة حيث مُصعب وأخيه متمددان فوق الأريكة أمام التلفاز.. تململ مُصعب الذي كان يحدق في التلفاز بشرود في مكانه وهو ينظر لساعة يده.. ثم تحرك بكسلٍ لينهض عن الأريكة متمتما وهو يتمطى
((كم أشعر بالنعاس!))
رفع مُؤيد نظره لأخيه بتساؤل
((إلى أين أنتَ ذاهب؟ انتظر ستأتي أم فهد بالشاي هنا لنا))
أجابه مُصعب تزامنا مع دلوف رتيل للداخل ووضع صينية الشاي أمامهما
((سأذهب برفقة زوجتي للتسوق، لقد وعدتها منذ مدة، سأتركها هناك وأعود لأقلها عندما تنتهي فأنا أكره التجول في الأسواق لساعات))
تجهمت ملامح مُؤيد فورا ثم اعتدل بجلوسه وتساءل بصوتٍ واجم
((ولماذا تذهب أنتَ! دع زوجتي ترافقها))
رفعت رتيل حاجبيها بدهشة ثم لكزت كتفه بخفة تعترض
((أنا لست متفرغة يا مُؤيد، سأساعد ابنك بحل فروضه المدرسية بعد قليل))
التفت مُؤيد يرشقها بنظرات صارمة يحذرها الرفض ثم تهكم بتسلط
((لا تتصرفي وكأن ابني في الثانوية العامة.. إنه فقط في السابعة من عمره.. هيا اذهبي ورافقي زوجة أخي))
ضيقت رتيل عينيها وهي بالكاد تكظم غيظها من زوجها!
عندما كانت تتوسل له أن تتسوق أو تتنزه كان يخرج عليها بالصوت العالي رافضا بحجة أنه لا يحب من زوجته أن تطأ قدمها عتبة البيت.. أما الآن فلأنه يخشى أن تتكرر مسألة هرب نورين فهو يريد منها أن تترك أشغالها حتى تعمل كحارسة عنده وتمارس سياسة تعكير الأجواء على عروس الثأر! لكن فجأة لانت ملامحها ورسمت ابتسامة ماكرة لتقول موافقة بشكل مثير للريبة
((حسنا سأذهب، تذكرت بأن هناك أمورا عليّ أن أجلبها من السوق))
كتف مُؤيد ذراعيه يقول لأخيه بلامبالاة مزيفة
((أوصلهما هناك للسوق وزوجتي ستبقى معها))
شرد مُصعب بعينيه جانبا بتفكير وهو يضم شفتيه ثم قال
((لا سأعطي نورين سيارتي وسأنام الآن))
=============================
جناح نورين..
حيث تضع نورين هاتفها أمامها وتتحدث مع أمها صوتا وصورة.. تنهدت بحزن وبكاء أمها يستمر بشكل يدمي القلب وتمنت لو أنها أمامها لتربت فوق كتفها.. فتحشرج همسها وهي تناجيها
((أمي لا تقلقي سأحمل قريبا وأنجب طفلا غير الذي فقدته.. أنتِ فقط توقفي عن البكاء))
شهقت ريحانة والدة نورين ببكائها الحار ثم تمتمت بضعف موجوع بالفجعة والحسرة
((أصدقيني القول يا نورين.. هل قام أحد بضربك أو تعنيفك أو تقصد وقوعك على الدرج ليفقدك الجنين؟))
اتسعت عينا نورين ثم سارعت تنفي مستنكرة
((أمي يا للهول من أين جئتِ بهذه الأفكار! سبق وأخبرتك يوم الحادثة بأني شعرت فجأة بألم في بطني وعندما خرجت من جناحي وهبطت السلم تعثرت ببضع درجات وحدث ما حدث، لماذا لا تصدقيني وتصرين أنه كان متعمدا!))
ردت ريحانة من بين بكائها الذي ينحر قلب ابنتها عليها
((لكن قلب الأم يخبرني بأنك تخفين حقيقة ما يجري لك هناك حتى تخففي من شعورنا بالذنب لأننا أجبرناكِ على هذا الزواج دون جريرة منك))
ابتسمت نورين بشحوب، ثم قالت
((لندع الماضي جانبا أمي، الآن أنا سعيدة هنا ومع مُصعب، وإلا لما استطعت التحدث معكم بمكالمات مصورة بشكل منتظم))
اهتز جسد ريحانة ببكائها الحارق ثم قالت بصوتها المتهدج
((هذه المحادثات والمكالمات لا تغني ولا تسمن من جوع، لن يطمأن حالي إلا عندما أراك وأتفحصك بيدي هاتين وأضمك وأتشمم رائحتك، لا اصدق بأني لم أراك وجها لوجه منذ سنة..))
دمعت عينا نورين وهي تنظر لوجه أمها المبلل دموعًا فانطبقت شفتاها ألما ووجهها الرقيق يتوجع على أمها أكثر من حالها فقالت تحاول التخفيف عنها
((أمي لا بأس، أنا أيضًا مشتاقة لك بحجم السماء، ولكن ما باليد حيلة!))
لكن كانت دموعها لا تتوقف وتنزلق من عينيها دون مجهود.. تنبع من صميم قلب الأم..
مرّ دقائق على حالها قبل أن تخفت أنفاسها ويتعب صوتها لتعلن بصوتٍ جاد رغم ذبذبة النبرة
((لقد أخذنا قرارا أنا ووالدك وعليّ أن أطلعك به لأننا سننفذه قريبا))
تساءلت نورين بملامح متوجسة
((ما هو يا أمي؟))
رغم ارتباك الأم إلا أنها حسمت أمرها وقالت
((والدك يخطط لنسافر نحن جميعا للخارج، وسننتشلك معنا ولن نعود هنا))
اتسعت عينا نورين وأخذ الأمر منها ثوان لتدرك ما تسمعه وتهتف بها بصدمة
((أمي وماذا بشأن الاتفاق الذي..))
غمغمت ريحانة بسخط
((فليذهبوا للجحيم، أنتِ أهم))
تنهدت نورين ثم تمتمت بشيء من ألم الماضي الذي شعرت به بسبب عجز وقلة حيلة والديها
((الآن عرفتم أنني أهم! ألم تعرفوا ذلك قبل أن ترفضوا ابن صديق أبي الذي تقدم لي ووعدني أن أسافر معه وأكمل دراساتي العليا في الخارج!))
مسحت ريحانة عينيها المحترقة بالدمع المالح لتقول بوجع وخزي
((كبار القرية ووجهائها كانوا يضغطون على والدك، ولكن لم يفت الأوان على إصلاح خطئنا.. المهم هو أننا ستحتاج لوقت حتى يتدبر والدك أمر السفر..))
قاطعتها نورين بجزع من سخافة ما تسمعه
((أمي لن يسافر أحد فينا للخارج ولن يترك أبي هنا مصالحه وأملاكه من أجل فكرة غير مدروسة كهذه))
انطبقت شفتا ريحانة فقامت بتغطيتهما بكفها تحارب وخز البكاء.. أما نورين فقد انتظمت أنفاسها لتهدأ رغم أعصابها المتشنجة من عدم مسؤولية والديها..
كانت نورين تريد فتح شفتيها لتقول شيئا لأمها قبل أن تحين منها نظرة إلى حيث شعرت فجأة بطيف أحد يقف عند الباب..
انخطفت أنفاسها وهي تدرك أن هذا الشخص ما هو إلا مُصعب! انقبض قلبها وظلت على حالها لثوان قبل أن تعود وتنظر لأمها الظاهرة على شاشة هاتفها وتقول بارتباك قبل أن تغلق المحادثة
((أمي سنتحدث لاحقا، إلى اللقاء الآن))
وضعت نورين هاتفها على المنضدة بجانبها بينما ترى مُصعب متجهم الوجه يتقدم ببطء ويجلس على الطرف الآخر من السرير..
أخفت قلق قلبها وارتجافه بين أضلعها بينما تسارع بالدوران حول السرير والجلوس بجواره..
ابتلعت الغصة وهي تتماسك وتسأله بخوف رهيب
((مُصعب هل سمعت شيء؟))
هز رأسه وهو يقول بشيء من الشرود
((عندما فتحت مقبض الباب بقيت لمدة لم أرد فيها أن أقاطع حديثك مع أمك.. وأصغيت لحديثك الأخير))
كان كل ما سمعه يتدافع بعقله ويشوش أفكاره فرفعت نورين كلتا يديها تمسك وجهه وترفعه لينظر لها بينما تخبره بلهفة ممزوجة بالقلق
((إياك أن تأخذ ما سمعته من أمي على محمل الجد، والدي الاثنين متقلبان المزاج والمشاعر وعاطفيان ويتخذان قرارات متهورة سرعان ما يتراجعان ، صدقني لو اتصلتُ مرة ثانية بهما سيقولان لي بأنهما تراجعا عن هذا القرار بعد دراسته من كل الجوانب))
لم يجبها مُصعب بشيء فازداد التوتر المشع من عينيها لتسأله بصوت خافت يشوبه التردد
((هل أنتَ غاضب يا مُصعب؟))
كان يتنفس بانتظام مريب عاقدا حاجبيه قبل أن يضع عينيه في عينيها ويقول بكلمات كانت تنبض ثقته فيها
((أنا أثق بك، حتى لو طلبا منك الرحيل أو الهرب، لن تفعلي وتسببي مشاكل للأخرين.. أنتِ بنفسك أخبرتني بأنك باقية هنا برضاك التام بعد أن خيرتك لانفصال بيننا لا يسبب لأحد مشاكل.. صحيح؟))
اهتزت حدقيتها وسارعت تقول بلهفة قلبها نافية
((معك حق مستحيل أن أفعلها.. مُصعب الحقيقة هي..))
ترددت في نهاية حديثها.. إلا أنها ازدردت ريقها ثم رفعت ذقنها لتقول
((نعم أنا سبق وفكرت بالهرب..))
ازداد انعقاد حاجبيه دون أن يبدي شيئا من احتدامات مشاعره ينتظر ما تريد إكماله.. فتنهدت لتلقن ذاتها القوة والشجاعة ثم هدرت مسترسلة كلامها
((لا تستغرب ما تسمعه، أنتَ من أشعرتني بأنه يمكنني أن أمضي في قول الصدق دون أن أخاف من شيء))
سألها بصوتٍ ثابت دون أن يحيد بعينيه عنها
((متى فكرتي بالضبط أن تهربي؟))
أجابته بصوتٍ أجش
((قبل الزواج بأيام، قبل أن أعرف من سيكون زوجي.. لأنني..))
هدر بما يحثها أن تكمل
((لأنك ماذا؟))
أجابته بصدق وطيف الماضي يمر من أمامها
((لأنني كنت لا أفكر إلا بنفسي.. كنت أؤمن بشدة أنى أستحق الحب ولم تهن نفسي عليّ أن اقترن بهذه الطريقة، لم أتحمل فكرة أن أظل لآخر عمري أدفع ثمن شيء لم أقترفه..))
انفرجت ملامحه قليلا لكن شابها الاستغراب وتساءل
((ولماذا توقعتِ وحكمت بتأكيد أن الشخص الذي ستتزوجينه سيكون سيئا؟))
ردت عليه بابتسامة شاحبة
((وهل من المنطقي أن أتزوج من رجل بهذه الطريقة ويكون إنسانا جيدا؟ لقد كنت مرعوبة أن تأخذني بذنب قريب عائلتي الذي قتل ابن عمك بلا وجه حق وبالتالي تظلمني وتسيء معاشرتي وتذيقني شتى أنواع الإهانات والشتائم والضرب، كيف هكذا سيكون موقفي أمام أطفالي ولومهم لي لأني قبلت أن أتزوج من أب سيء!))
ترققت ملامح مُصعب أكثر لتهز برأسها وهي تسترسل
((وحتى لو قررت أن تخاف الله بي وقررت ألا تأخذني بذنب قريبي، فلن نتمتع بحياة جميلة مطمئنة كما أحلم ولن نحظى بأسرةٍ متماسكة، لربما بسبب نقص في التناغم أو اختلاف الشخصيات والاهتمامات، إذا كان الأزواج وبعد فترة خطوبة طويلة وتعارف يجدون أنفسهم غير قادرين على التكيف مع بعضهما فما بالك بزواجي من شخص لم يسبق وأن رأيت شكل وجهه إلا في يوم عقد قراننا!))
ثم رسمت ابتسامة حانية وهي تستطرد كلامها مؤكدة
((لا تتعجب يا مُصعب فأنا لم أكن لأتزوج من أي كان دون خطبة وفترة تعارف لأدرس الشخص الأخر بصدق وتروٍ، وأقف على شخصيته وطريقة تفكيره ومشاعره وميوله واتجاهاته وهواياته ومزاجه وخلقه، فالزواج ليس نزهة أو فترة عابرة في حياة الإنسان، بل إنّه التزام أبدي وتعايش بين اثنين تحت سقف واحد وفيه مسؤوليات كبيرة وثقيلة على الاثنين))
مالت زاوية شفته بابتسامة باهتة على ما قالته.. لكن لم ينحسر صمته..
مرت دقائق عليهما قبل أن يقول بصوتٍ غريب
((وهل هذا ما فعتله مع ابن صديق والدك الذي وعدك بان يرافقك للسفر في الخارج؟ ألم تقولي لي عندما كنا في بركة مزرعتنا البعيدة بأن الدكتوراه لتخصصك غير متاح دراستها إلا في الخارج؟ فهل زواج الثأر كان سببًا في عدم زواجك من شخص يناسبك ويرضيك؟))
نظرت في عينيه بتنبه من نوع آخر وانخفضت كلتا يديها إلى حجرها لتجيب بشيء من التردد لكن بصراحة
((كانوا يشهدوا له بحسن السيرة والخلق لكن لم أكن أعرف عنه إلا القليل، وعندما طلب والده يدي من أبي تحمست لأنه كان بكل الأحوال سيسافر خارجا حيث يعمل وحيث يمكنني أن أكمل تعليمي معه.. أما بشأن كلامي السابق أمام أمي كان بمثابة عتاب لهما لعدم تمكنهما من حمايتي، ولم يحمل شيء من الحسرة أو السخط.. على العكس.. زواجي منك كان أفضل شيء حدث لي، وكأني امتلكت حظ الدنيا أجمع.. متأكدة من أني مهما جبت الدنيا فلن أجد رجلا أفضل منك))
ثم رسمت بسمة عذبة أذابت بها ما تبقى من تعابير متشنجة فيه، وشرحت قلبه المنقبض.. لتسترسل كلامها
((أكره الظروف التي جمعتنا وأكره طريقة زواجنا لكني احبك.. أحبك جدًّا.. جدًّا.. ولا أتخيل بأني أقدر على أن أكون مع رجل غيرك.. أمي كانت تدعو لي ليل نهار أن يكون من نصيبي رجل صالح طيب المعشر لا أهون عليّه أبد الدهر.. وها قد تحققت دعوات أمي متمثلة فيك))
أمسكت بيديها كفه لتضيف بوله دون أن تحيد بعينيها عنه
((أنا سعيدة أني متزوجة من رجل مصبوغ بالحنان مثلك، أنا احبك))
أخيرا انفرج فمه عن ابتسامة رجولية تضج جاذبية وهو يميل برأسه ليقبل جبينها ثم يضمها جاذبا إياها لصدره ومتنهدا بهمس رقيق
((أحبك أنا أيضًا))
هذه المرة.. ورغم أنها لم تشعر بذاك الشغف والحب في كلمات حبه إلا أنها بدت مختلفة عن سابقاتها.. وتأثرت بها وهو يقولها بصوته ورجولته وعاطفته..
ارتاحت نورين على صدره بينما تسدل أهدابها وتستمتع بذلك الشعور وكل مخاوفها مما سمعه من كلام متهور لأمها تضمحل.. بينما روحها تنشرح..
استمر عناقهم العاطفي لدقائق لم يكن فيها مُصعب حقا يريد أن يفارقها وهو مستمتع باستنشاق رائحة الياسمين المنبعثة من خصلات شعرها قبل أن تقول نورين فجأة
((من أجل الخروج إلى السوق اليوم فلا أريد أن أفعل، لا اليوم ولا لاحقا.. لا أريد أن اخرج إلا وأنا معك جنبا إلى جنب حتى لا تشعر بذرة قلق من ابتعادي أو هربي))
أبعدها فجأة عنه وأمسك كتفيها بيديه ليقول بحزم
((نورين لا تعقدي الأمور في بعضها.. ستخرجين كما سبق وأخبرتك وزوجة أخي ستذهب معك))
قالت له بجدية تكتنف ملامحها
((لا مُصعب ألغي الخروج كله.. أهم شيء بالنسبة لي هو أن أحافظ على ثقتك، لا أريد أن تشعر بذرة قلق من أني قد أنصاع لكلمات أحد والدي ولو أني واثقة بأنه سيندثر أدراج الريح بعد أن ينقضي حزنهم عليّ))
تألقت ابتسامة متلاعبة على شفتيه هادرًا
((نورين حبيبتي أيتها العفريتة.. أنا أثق بك.. وأثق بوالديك أيضًا.. لا بد أنهما والدين رائعين لتخرج من كنفهم ابنة رائعة مثلك! ثم أنا أخبرتك بأنك ستذهبين مع زوجة أخي، أي لن أوصلك وهذا يعني بأني سأعطيك مفاتيح سيارتي))
أشرق وجهها بدهشة ممزوجة بالسعادة مرددة
((حقا؟ سأذهب للتسوق بسيارتك؟))
أبعدها مُصعب عنه وقام من مكانه يتجه إلى حيث يعلق مفاتيح سيارته وهو يقول
((بدلي ملابسك، زوجة أخي قد تكون استعدت منذ وقت.. هيا أسرعي))
كمن دبت الحياة فيها فجأة تحركت وهي تذهب للاغتسال قبل أن تستعد للخروج..
بمجرد أن انتهت من تغيير ملابسها وغطت شعرها بالوشاح حتى أخذت مفتاح سيارته الذي وضعه لها على المنضدة..
اقتربت منه حيث يتوسد السرير ويحاول النوم لتنخفض وتلثم جبينه هامسة بنعومة
((نوم هنيء يا أميري..))
ما إن همت أن تستدير على عقبيها حتى تشبث بذراعها يجذبها نحوه لترتطم به.. استوى جالسا بينما يميل ليقترب من أذنها هامسا بصوتٍ حار عاطفي
((نورين، أريد أن أقول لك بأني أيضًا كنت أشعر بالتعاسة عند عقد قراني بك، لأني سأفقد وقتها فكرة الاستقرار مع امرأة تناسبني، لكنني سعيد بأن المطاف انتهى بي معك.. أنت أجمل هدايا القدر وأحلى عطايا العمر، أنتَ أيضًا دعوة أمي الصادقة بالسعادة لي في ساعة رضا))
أدارت وجهها المشدوه بعينيها المتسعتين والمتفاجئتين مما قاله نحوه بارتجاف لا تكاد تصدق ما سمعته من كلام هز الأنثى بداخلها أيما هزة.. فسألته بصوتٍ مرتعش متلعثم
((مـــ.. ماذا قلت الآن؟))
تمتم مُصعب لها ببراءة مصطنعة
((قلت فقط أنك دعوة أمي لي بالسعادة..))
لكنها كانت لا زالت مشدوهة لا تستوعب بعد ما نطق به من بين شفتيه فقام من مكانه، قبض على ذراعها وجرها نحو الباب وهو يوصيها
((لا بد أن زوجة أخي تتوعدك على تأخرك عليها، بطاقتي التي زودتك بها ممتلئة فلا أريدك أن تكوني مقتصدة وإلا سوف آخذ الموضوع بشكل شخصي.. قودي بحذر خاصة عند الازدحام والمنعطفات..))
ثم فتح الباب على مصراعه يدفعها للخارج كمن يطردها ويقول ملوحا بيده
((إلى اللقاء يا عفريتة))
كانت كلماته العاطفية شيئا فشيئا تأخذ مسارها نحو أعماقها حتى شعرت بقلبها يرفرف كأجنحة طير..
لكن سرعان ما خرجت من حالة الذهول التي تلبستها فحاولت أن تعترض له متلعثمة بينما تحاول الدخول مجددا
((لحظة.. لحظة يا مُصعب أريدك أن تعيد ما قلته.. أرجوكَ..))
لكن بقوته الجسدية استطاع دفعها للخارج وإحكام إغلاق الباب عليه بالمفتاح.. مما جعلها تضرب الأرض بقدمها متذمرة ثم تمتمت بينها وبين نفسها بدلال أنثى منزعجة يتلاعب بها الهوى
((لماذا لم يقل تلك الكلمات بوقت آخر مناسب حتى أعيش اللحظة كما يجب..))
أغمضت عينيها ساخطة ولوهلة كانت تريد الصراخ به بأنها لا تريد الذهاب مع رتيل والنقاش أكثر بأول غزل يسمعها إياه.. فهو لم يكتفِ بأن يقول بأنها طيبة وسهلة المعشر بل كلامه حمل الكثير من معاني ومشاعر وامتنان وعاطفة.. لكن تدريجيا اختفت المشاعر السلبية وتألق وجهها بابتسامة جميلة بينما يصيب الحياء منها ما يصيب.. تشابكت أناملها ببعضها تتلاعب بهم وهي تنزل شاردة الذهن للأسفل متوردة الوجه.. ولو كان مُصعب هنا لأدرك وقع كلماته القليلة على بسكويت هش مثلها..
=============================
ركنت نورين سيارة مُصعب التي كانت تقودها أمام مركز تجاري ضخم ثم ترجلت هي ورتيل للخارج.. سارتا الاثنتين لنصف الطريق قبل أن تمسك رتيل ذراعها لتوقفها مكانها وتُعلمها ببرود
((حسنا نورين ها نحن في منتصف المركز التجاري، سنفترق هنا، وعندما أنتهي أنا من ابتياع ما أحتاجه سأتصل بك لنعود للمنزل بسيارة مُصعب))
لف الاستغراب ملامح نورين بينما تقول معترضة باستنكار
((نفترق؟ ولكن لماذا؟ أنا لم آتي إلى هنا مسبقا وأنتِ جئت معي لتدليني وترشديني))
رشقتها رتيل بازدراء لتقول
((نورين كفي عن التذمر فأنتِ لست طفلة صغيرة، سيري في الأرجاء وتعرفي على الأماكن بنفسك، إذا تهت فاسألي المارة، من يسأل لا يضيع))
كتفت نورين ذراعيها واعترضت من بين أسنانها بقهر
((كم أنتِ مزعجة يا رتيل سيضيع الوقت وأنا أسال عن أماكن المتاجر بدلا من ابتياع ما أحتاج))
قلبت رتيل عينيها ببرودة أعصاب ثم قالت لها ببساطة وهي تعطيها ظهرها وتغادر
((لنفترق الآن))
حاولت نورين أن تلحق بها وتقنعها بألا يفترقا بشيء من التعقل وهي تكتم غيظها.. لكنها عرفت مسبقا بأنها لن تستجيب لها وهي بالفعل تكاد تتلاشى من أمامها..
تخصرت نورين وهي تزفر أنفاسها بقوة مفكرة بحل ما!
قبل أن تتسع ابتسامتها تدريجيا وتبرق عينيها بتلاعب..
ربما عليها أن تستغل مسألة تسوقها وحيدة لتذهب لإحدى تلك الأماكن الخاصة بملابس النساء والابتياع منها شيئا خاصا.. وهذا ما فعلته وهي تجد أخيرا متجرا كبيرا فخما متعدّد الأقسام مخصص لهذه الأمور..
دلفت للداخل ونظرت بذهول مشدوهة لكل القطع الباهظة والجذابة التي يعرضها..
وقفت حائرة مكانها وهي توزع نظرها في المكان لا تعرف من أين تبدأ.. إنها تعرف مقاسها جيدا ولها اطلاع على علاماتها التجارية المفضلة لكن المشكلة بأنها لا تعرف التصاميم التي يفضلها مُصعب! لكن لا بأس..
بشكل مبدئي عليها أن تكون جريئة في اختيارات الألوان والخامات والتصميم.. فهي ومنذ زواجها به لم ترتدي أمامه إلا تلك المنامات الفضفاضة وطفولية المظهر!
جاءت مساعدة المبيعات لسؤالها إذا ما كانت بحاجة لأي مساعدة فأخبرتها نورين عما تبحث عنه.. وبدورها ساعدتها في تضييق نطاق الاختيار وهي تطلعها على أحدث ما وصلهم من قطع عديدة بطيف من الألوان النابضة بالحياة..
.
.
أما رتيل كانت محتارة إلى أين تذهب تحديدا.. فهي سبق وأخذت إذن زوجها لزيارة أمها في نهاية الأسبوع القادم.. وكالعادة ستدعي ذهابها هناك وبدلا من ذلك ستذهب إلى صديقتها غنوة التي تسكن في المدينة..
لقد اتفقت معها عندما تزورها أن تقيم في أول يوم حفلة للطهي ويخترن فيها بعض الوصفات المناسبة لطهيها..
ربما الآن عليها أن تذهب لأحد المتاجر الغذائية وتتسوق لتشتري المكونات المطلوبة.. ثم ستشتري بعض الحاجيات التي ستحتاجها للتخييم في حديقة منزل غنوة كما اتفقت معها أن تفعل في المساء!
تنهدت وهي تبدأ رحلة ابتياع الأغراض دون حماس..
فهي لا تحب التسوق لوحدها ومعتادة على وجود غنوة معها.. حتى لو لم تكن تريد شراء شيء فكانت تذهب معها كلما زارتها لتستمتع معها بالمشي وسط المتاجر ومشاهدة المعروضات وتجاذب أطراف الحديث.. لكن فجأة عقدت حاجبيها عندما لمحت نورين تخرج من أحد المتاجر الخاصة بالقطع النسائية وهي تحمل أكياسا كثيرة!!
=============================
كاد غروب الشمس أن يكتمل ومَالك يقود سيارته في دروب القرية عائدًا الى قصر عائلته وإلى جواره يجلس يزيد.. همهم مَالك لسمية التي كانت تحدثه على الهاتف هادرة بامتعاض
((مَالك تأخر الوقت.. أنا سأنهي آخر ما بيدي وأعود للمنزل.. أعد يزيد حالا))
نظر مَالك ليزيد الذي كان يلعق مستمتعًا من المثلجات الموضوعة فوق مخروط البسكويت والمزينة بالألوان والنكهات ثم غمغم
((يزيد سينام عندي.. لقد مر وقت طويل منذ أن شاركني النوم في غرفتي))
وصله زفرة طويلة منها وهي تقول متذمرة
((لا أحب أن ينام برفقتك، يجلب الكثير من الأقاويل))
أبعد مَالك الهاتف عنه ومال نحو يزيد يهمس له متهكما ((أمك محقه، سأحملك وأخبأك تحت معطفي قبل أن نتسلل بك للداخل))
هتف يزيد بإثارة وحماس
((نعم.. مرحى))
عاد مَالك للانتباه إلى الطريق أمامه بحذر ثم غمغم مسارعا قبل أن تغرقه بمزيد من نكدها
((إلى اللقاء يا سمية))
انتفخ صدره بنشوة التحكم وفرض إرادته ثم وضع هاتفه في المكان المخصص له في السيارة.. وأوصى يزيد
((لا تخبر فهد عن ذهابنا للسينما سيحزن جدًّا، المرة المقبلة ربما آخذكم جميعا لهناك، وقتي معك هو سرنا))
رسم يزيد شِبح ابتسامةً متصنعة على شفتيه وهو يهز رأسه بطاعة.. وبقدر ما كانت ابتسامته متفهمة كانت متألمة أيضا..
.
.
في الحديقة الخلفية..
عقب أن أنهت سمية مكالمتها مع مَالك هزت رأسها بيأس ثم عادت تمر من الباب المؤدي للمطبخ.. سحبت كرسيا ثم جلست عليه حول الطاولة تكمل تقطيع الخضراوات.. فقالت نجوم الجالسة مقابلها بامتنان
((لست مضطرة أن تساعديني في عملي أنا في المطبخ))
تجلت البشاشة على وجه سمية وهي تخبرها بطلف بالغ
((نجوم أقل ما قد أفعله لقاء كل خدماتك لي واعتناءك بيزيد هو هذا.. أنتِ ألطف شابة أراها بكل حياتي))
تألقت ابتسامة على ثغر نجوم هي الأخرى لتصدقها القول
((وأنتِ لطيفة جدًّا يا سمية))
لوت منال التي كانت منشغلة بعمل آخر في المطبخ شفتيها غلا، فابنتها السخيفة تعامل تلك البستانية سمية وكأنها من إحدى سيدات هذا المنزل! تنحنحت قبل أن تقول بصوت حانق مغيظ
((أين هو يزيد ذاك الشقي؟ في العادة دائما ما يحوم حولك ويصدع رؤوسنا))
أجابت نجوم أمها على الفور
((رأيته عصرا مع السيد مَالك، لا أدري إذا ما كان لا زال معه!))
آخر جملة خرجت من نجوم كسؤال وهي تناظر سمية فاضطرت الأخيرة أن تجيبها على مضض بصوتٍ خافت
((نعم هو كذلك))
بنظرة صلف وقحة قالت منال موجهة حديثها لسمية
((السيدة زاهية ستستشيط غضبا إذا عرفت بأن ذاك الشقي برفقة السيد مَالك.. ستفكر بجدية بطردك من منزلك الصغير ثم من القرية كلها.. صدقيني سمعتها بأذني أكثر من مرة تقول ذلك))
ثم التمعت عيناها بنظرة خبث وهي تضيف باستدراك مصطنع
((أوه كيف قلت هذا الكلام أمامك بلا وعي.. لا تذهبي وتخبري السيد مَالك فيعاود طلب طردنا مرة أخرى))
أغمضت سمية عينيها بغيظ شديد وقد توقفت يديها عن تقطيع الخضرة التي أمامها.. حتى لا تلمح ابتسامتها الخفية الهازئة منها وقد عادت أكثر أذية لها من السابق.. لكنها لم تجد إلا أن تقول بصوتٍ متحشرج وبصلابة مزيفة بعد أن فتحت عينيها
((أخبري السيدة زاهية بأني سأغادر هذه القرية.. لكن إذا وافق مَالك فقط))
مالت شفتا منال بنظرة احتقار لتسارع سمية تصحيح ما قالته بلحظة انفعال وهي ترسم ابتسامة لا معنى لها
((أقصد بأنه متعلق بيزيد وربما يحزن لو ابتعد عنه ويزيد هو الآخر سيحزن لهذا لن أستطيع المغادرة.. أما لو وافق السيد مَالك على مغادرتي وابتعادي من هنا فسأفعل دون جدال))
كانت نعمة طوال الوقت تلتزم الصمت، تجاهد ألا تكرر ما حصل قبل أشهر لكن وجدت نفسها هنا تدخل بصوتٍ جهوري صارم لها وحاجباها يرتفعان بعلامة رقم ثمانية
((وما دخل السيد مَالك ليوافق؟ إياك أن تحاولي أن تستقوي به لمواجهة سيدة هذا البيت؟ إياكِ أن تظني بأن العطف الذي يوجهه لابنك يعني بأنك تعنين له شيء))
ثم استرسلت موبخه سمية بصوتٍ أعلى
((هل أنتِ واعية لهذا الجنون والترهات التي تخرج من شفتيك! أدركي حقيقتك يا امرأة.. من هو يزيد ابنك هذا لتتحدثي عنه وكأنه كنز للسيد مَالك سيوافق بسببه أن يعصي أمه ولا ينفذ رغباتها! اسكتي فأنتِ تثيرين أعصابنا.. إياك أن تظني بأن هناك شيء اختلف عن السابق.. لا زال غير مرحب بك هنا لا أنتِ ولا ابنك))
غمغمت منال بصوتٍ مستهزئ مقصود شاكرة مدبرة المنزل
((سلّم الله ثغرك يا سيدة نعمة))
أشاحت سمية بعينيها بعيدا عنهن وهي تعيد نظرها نحو الخضراوات التي عادت تقطعها.. لم يكن عليها الانفعال هكذا.. لطالما كانت معتادة أن ترد بذكاء وتتجاهل مقاصد الثرثارين المزعجين الذين يعملون هنا دون أن تكشف دخيلة نفسها..
شعرت نجوم بأن أمها جرحت سمية فتركت ما تقوم به ومدت يدها تلامس كف سمية بدعم هامسة
((لا تحزني يا سمية، لكن حقا عليك بأن تقللي من وجود يزيد مع السيد مَالك))
تطلعت سمية لها باستغراب ((لم أفهم!))
ضيقت نجوم عينيها دلالة على أهمية ما تقوله مسترسلة
((دائما ما يشددوا على عدم الثقة المطلقة في أحد وألا نترك الأطفال مع الغرباء.. وإن استدعى الأمر يجب أن يكون هناك نوع من المراقبة والملاحظة..))
في البداية لم ترد سمية عليها وهي تبادلها التحديق ولكن بتجهم.. قبل أن تؤكد عليها
((نعم أنا حذرة جدًّا من هذه الناحية، أضع يزيد بعيني، ولا اتركه وحيدا مع أحد خوفا من أن يساء معاملته أو يتعرض لانتهاك أو تحرش عافانا وعافى أولادنا))
تدلى فك منال حتى كاد يسقط أرضا ثم تشدقت بصوتٍ يشوبه الذهول من الهمس الذي وصل لها
((غريب ما تقولينه أيتها الفيلسوفة سمية! بل والأنكى أنه مناقض لتركك قرة عينك خمسة وعشرين ساعة في اليوم مع السيد مَالك))
شحبت قسمات سمية وهي تلتفت فجأة لمنال وما تقوله..
هل هذه هي نظرتها حقا إزاء تقرب مَالك من يزيد؟
في حين زعقت نعمة بتعابير مخيفة بمنال تردعها عن التمادي أكثر من ذلك في تلمحيها
((اخرسي يا منال.. ما هذا الذي تلمحينه عن سيد مَالك!))
وكأن منال توا انتبهت على ما قالته فسارعت تبرر بجزع فيما يشبه الاعتذار وهي ترفع كفها وتضعه مفرودا على صدرها بإخلاص
((لا.. لا.. لا إياك أن تفهمي ما تظنينه.. حاشَ أن أقصد أي سوء خصال السيد مَالك.. لكن قصدت أن أقول.. أعني اتخاذ تدابير الحماية والوقاية خير من العلاج..))
عادت نعمة تهتف بها بصوتٍ صارم
((يكفي لا أريد أن اسمع همسك..))
غادرت نعمة المطبخ وقد سئمت مما تسمعه فلحقتها منال متمتمه من خلفها بعبارات التبرير وتوضيح سوء الفهم الذي نتج عن كلماتها المتسرعة غير الحذرة..
جفلت سمية عندما هزت نجوم يدها وهي تقول
((لا تنزعجي من كلامي، لكن أمي لم تكن مخطئة تماما.. أنا أرى حقا بأنك تثقين بالسيد مَالك كثيرا بل وابنك يتخذه كصديق في مقام عم له، مَعاذ الله أن ألمح بشيء يمسه.. ولكن في زمننا هذا فالمرء لم يعد يأمن على أبنائه حتى مع أقاربه فما بالك..))
بترت نجوم كلامها متمنية أن تكون فكرتها وصلتها لسمية لكن الأخرى تمتمت متسائلة بشفتين استحال لونهم للأبيض الشاحب
((ماذا تقصدين يا نجوم؟))
أوضحت الأخرى دون مواربة
((لا تفهمي كلامي خطأ، فأنا أنظر للسيد مَالك نظرة مليئة بالاحترام، ولكن حتى لو أنه من جهته لا نية سوء له تجاه يزيد.. لكن هل أنتِ على يقين أنه يفعل ما يفعله لك دون هدف أو غاية؟ ماذا إذا كان يزيد بالنسبة له ما هو إلا وسيلة للوصول إليك أو الاستحواذ عليك؟))
نكست سمية ببطء وجهها بذنب جلي لتتابع نجوم بتحذير
((كل ما أعرفه أنه ليس لطيفا مع أحد غيرك ولا يتخلى عن طبعه الهادئ والرزين إلا معك، أخبريه إذا كان يشعر تجاهك بأي شيء عليه أن يتزوجك وبشكل رسمي، وإذا رفض بسبب الفوارق بينكما فعليك أن تعرفي بأن نيته ليست سليمة تجاه ابنك))
اكتفت سمية أن تتمتم بشرود
((مَالك ليس بتلك الدناءة والقبح يا نجوم.. إنه فقط..))
وبدأت موجات من تأنيب الضمير والذنب تجتاح سمية بلا هوادة.. لا تلوم تفكيرهم أو تحذيرات نجوم سليمة النية تجاهها.. فأي شخص قد يلاحظ اهتمام مَالك بابنها سيظن أسوء الظنون.. كله بسببها.. بسببها هي.. ابن وأب لا يستطيعون ممارسة علاقتهم بشكل طبيعي إلا بالخفاء بسببها هي!
.
.
في غرفة مَالك.. حيث تضج الغرفة بظلام دامس غمغم يزيد المتمدد على فراشه الصغير أرضا
((عمي مَالك.. هل أنتَ مستيقظ؟))
فتح مَالك عينيه ببطء ثم أضاء المصباح الخافت القابع فوق المنضدة الصغيرة الملتصقة بسريره..
مد يده للأسفل يقول بحنو
((اصعد يا يزيد عندي، دعنا ندردش قليلا قبل النوم))
بحماس قفز يزيد من مضجعه ثم تسلق سرير مالك الواسع ليتوسد الطرف الأخر.. فمرر مَالك أنامله الرجولية فوق شعر يزيد المموج وهو يسأله
((لماذا تناديني عمي يا يزيد؟ ألهذه الدرجة أنا لا أستحق حتى سماع كلمة "أبي" العذبة منك؟))
رد يزيد بحذره الطفولي
((أمي أخبرتني حتى لو كنا بمفردنا فعليّ أنا أدعوك بـ"عم" خوفا من أن أخطئ بمناداتك بغير وعي عندما نكون مع الآخرين))
كانت ملامح مَالك وهو يتلقى الإجابة من ابنه الذي من صلبه هادئة لا تحمل أي تعبير وإن كان قد ظهر في عمق خضرة عينيه نوعًا من خيبة الأمل والجرح.. لكن عادت ابتسامته الرجولية المفعمة بالحنو تتألق على شفتيه ليقول بينما يمسك كف يزيد الصغيرة الغضة
((عندما نكون وحيدين أريد منك أن تدعوني فقط "أبي".. لم أتحدث بشأن هذا معك في الماضي لأني كنت أرى بأني لم أفعل لك ما يجعلني أستحقها.. لكن ألا يمكن أن أكون أنانيا وأطلب الآن ما لا أستحقه منك؟))
احتارت ملامح يزيد بدون أن ينطق برد.. فزفر مَالك نفسا ملتهبا بالذنب الذي يتعاظم داخله ثم عاد يقول
((أرجوك ادعني ب"أبي" لا "عمي"))
خرجت الحروف من بين شفتي الصغير بعفوية
((أبي أنتَ..))
ضغط مَالك على كف يزيد بقوة وكأنه نسى أنها يد طفل لكنه لم يشعر بنفسه وهو يتأثر إزاء تلك الحروف الجميلة المنسابة إلى أذنه..
رفع كف يزيد يلثمها بعينين لامعتين وقلبه يهدر بإحساس الأبوة الذي يستمتع به في هذه اللحظات المسروقة.. ثم استوى جالسا على السرير بحركة فجائية وهو يحمل يزيد ويأخذه بحضنه يضمه متمتما بحرارة
((أنا أحبك يا ابني))
شدد مَالك من ضمه وعَبرة غير ملحوظة تنزلق على وجنته فتحرق صدره قبل عينيه.. ليقول بصوتٍ متحشرج
((عندما نكون معا وحيدين لا أريد أن أسمع منك إلا هذه الكلمة قبل أي جملة يا يزيد.. مفهوم؟))
شعر يزيد بعظامه تكاد تئن فحاول التخلص من تكبيل والده ليرد باختناق
((أبي.. أبي.. أنتَ تخنقني))
ابتعد مَالك عنه وكلمة "أبي" تدق نبض قلبه.. ليهدر
((ما أحلاها كلمة "أبي" منك حقا يا يزيد.. المهم ماذا كنت تريد أيها الغالي ابن الغالية؟))
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!