الفصل 28 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
10
كلمة
7,961
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الثاني عشر

في ساعات الليل الأولى..

كان وليد لا زال في مكتب عمله برفقة زميله في العمل ينهيان بعض قضاياهم المتراكمة والمتكدسة عليهما..

أخذ وليد استراحة من عمله ووقف أمام نافذة المكتب الواسعة ينفث دخان سيجارته محاولًا بها التخلص من المشاعر السوداء المشحونة في داخله..

عادة التدخين التي بدأها بعد انفصاله أول مرة عن شيرين ثم أقلع عنها بشق الأنفس ها قد عاد لها..

ورغم اعتقاده التام بأن شيرين ستوافق على طلب زواجه من أجل والد صديقتها إلا أن أيامه التي يقضيها من فرط الترقب في انتظار ردها ثقيلة.. مرهقة.. موجعة..

كم هو مثير للتهكم أنها ترفض الآن وبكل بجاحه العودة له! ألا يكفي بأنه لا زال يريدها بعد أن خانته للمرة الثانية.. حتى لو كانت تلك الخيانتين مشروعتين لأنها لم تكن مرتبطة به! تبا لقلبه الأحمق الذي جعله يلاحقها طوال الفترة الماضية..

لكن على كل حال عليه أن يتحلى بالهدوء وبعد الزواج منها سيكون له كلام آخر معها.. سيجعلها تدفع الثمن غاليا وسينتقم منها على كل لحظة شوق حارق وعذاب عاشها بسببها.. هذه هي الطريقة الوحيدة لإخماد الحرائق المضرمة في داخله..

لصالح شيرين أن توافق بالحسنى لأنها لو لم تفعل فهو لن يتوانَ عن اتباع أخس الطرق وأكثرها نذالة لتعود تحت جناحه! لون ينفعها وقتها معاذ أو غيره..

بدأ كل ما في وليد يغلي بالغضب عند اجتياح معاذ دوامة تفكيره.. معاذ ابن عمه علّم عليه.. المنحط لم يجد غير شيرين ليتزوج منها هي دونا عن باقي النساء؟

بعد أن قاربت سيجارة وليد التي لا يعرف رقمها على الانتهاء عاد يمج منها لمرة أخيرة يملأ صدره بدخانها الرمادي الكريه قبل أن يتيقظ من زحامه على سؤال زميله الفضولي

((متى ستتزوج يا وليد؟))

ألقى وليد سيجارته على بلاط ارض المكتب الفاره بعنفٍ ثم سحقها بقدمه بقوة وهو يجيب ((قريبا..))

غمغم زميله بتساؤل

((لكنك لا تبدو سعيدا))

عاد وليد ينظر أمامه للخارج عبر الزجاج بعينين غائرتين محدقًا في الليل القاتم الممتد أمامه

((أنا أكره فكرة أني لا زلت أريدها.. أكره فكرة أني أحبها.. أكرهها جدًّا..))

قال زميله الممعن في النظر له بصوتٍ رخيم

((إذن لا تتزوجها..))

عم صمت قاتم في المكتب حتى ظن زميله بأنه لن يجيبه.. ثم جاء صوته وكأنه شارد التفكير

((لا أستطيع، لا قلبي ولا روحي ولا عقلي قد يستكينوا قبل أن تعود ملكي، في الواقع هي لطالما كانت ملكي لكن أريدها أن تعود لذمتي))

نكس نظره أرضا مردفا ببحة

((لكن أحيانا أتساءل لماذا لا أستطيع أن أنساها رغم أنني تركتها لسبب لا يغتفر في قاموسي!))

أجابه زميله بالمنطق

((هذا طبيعي، لأن تفكيرك متمحور حولها وأيضا لأنك في عقلك الباطن لم تكن تريد لأمر كهذا أن يحدث))

عاد وليد ليجلس خلف مكتبه بينما يقول زميله مغيرا السيرة

((الكثير من أصدقائنا وزملائنا يسألونني عنك ومنذ أشهر، إلى متى ستبقى غارق في هذه العزلة؟))

دمدم وليد وهو يتطلع على ملف مفتوح

((أنا أحاول التعافي بعدم رؤية أحد إلا عملائي.. لذلك لا أعرف متى سأوافق على مقابلة أحد))

.

.

بعد مدة تمطى زميله وتثائب بإرهاق فأخبره بأنه سيعود لبيته الآن موصيا عليه ألا يطيل وقت بقائه هنا هو الآخر..

فرك وليد ما بين عينيه بإرهاقٍ بالغ وهو يجد نفسه غير قادر على التركيز على أي شيء ولا يسعه قذف شيرين خارج أفكاره.. شيء ما جعله دون وعي يمسك هاتفه ويبدأ بطلب رقم ما..

جاء صوت أنثوي لم يسمعه منذ أشهر طويلة فتساءل بجمود

((كيف هو حالك يا جُمان؟))

لم ترد عليه في البداية.. لكنها أجابت سؤاله بسؤال أخر

((هل هناك شيء؟))

سألها بنفس النبرة السابقة

((هل أنتِ في بيت والدك الآن؟))

بدا عليها الحيرة وهي لا تعرف إلى ماذا يريد الوصول لكنها أجابت

((نعم أنا كذلك.. عدت من عملي قبل ساعات بالتأكيد.. هل هناك شيء مهم؟))

عندما كررت السؤال تنهد وهو يدور في كرسيه ثم أجاب

((فقط أردت الاطمئنان على حالك.. كيف هو والدك؟))

ردت باختصار وبرود

((لقد تحسن قليلا))

شرد نظر وليد وهو يسألها

((هل تكرهينني لما تسببت به من فوضى في حياتك؟ أو هل تأتيك مثلا أفكار إجرامية تودين اقترافها بي؟))

صمتت قليلًا وهو لم يدفعها للكلام حتى تسللت الكلمات أخيرًا من بين شفتيها لتلتهم الصمت البائس بينهما

((وليد.. سبق وأخبرتك بأنك لن تجدني مؤذيًة لك أو معادية مهما فعلت أنتَ ونسيت ما بيننا مِن فضل، لقد غادرتك بلطف ولن تجد أي ردة فعل مختلفة تبدر مني تجاهك مستقبلا))

تساءل وليد بصوتٍ مختلف

((ألا يمكن أن نكون أصدقاء يا جُمان؟))

أجابته جُمان بتلقائية ((مستحيل))

عقد حاجبيه متسائلا بخشونة ((لماذا؟))

قالت بهدوء يكتسح صوتها

((لأني مقتنعة بمبدأ أن الصداقة قد تصبع حبا، أما العكس فلا، بل هو مجرد تخدير وألم))

تشدق بلا مرح

((أنتِ متزمتة وضيقة الأفق))

صححت له بصوتٍ يعتريه البرود

((بل لا أحب أن أخل بمبادئي، كما أن قبولي صداقتك بعد الطلاق دون أن يربطنا شيء يشعرني بأني امرأة سهلة المنال يمكنها التوفر في حياتك متى ما أردت أنتَ))

تكدرت ملامح وجهه إلا أنه قال بخشونة

((حسنا كما تشائين))

أغلقت جُمان الخط من جهتها ولم تكن ستغير ما قالته أو تسحبه فجأة.. هي تستحق أفضل من هذا.. وكلما استهلكت مشاعر أكثر معه وتأخر الانسحاب من حياته كلما تأذت بشكل أقوى وطبعت على روحها ندوب سيظل مفعولها على المدى الطويل..

=============================

انزعجت ملامح سهر النائمة في غرفتها عند صدوح رنين هاتفها.. فتحت جفنيها المتثاقلين بصعوبة لتمد يدها نحو الهاتف الموضوع فوق المنضدة الملاصقة لسريرها ثم فتحت الخط على هذا المتصل الملح..

ردت بصوتٍ أجش ناعس وما إن أدركت تدريجيا هويته حتى فتحت عينيها على اتساعهما وهي تقول ببهجة

((قصي! مرحبا حبيبي))

ابتسم قصي من الجهة الأخرى وهو يسمع اسمه يُعزف برقة بين شرايين قلبه فهمس لها

((أهلا يا باربي، هل أيقظتك من النوم؟))

تراجعت إلى الوراء تسند رأسها إلى ظهر السرير ثم قالت بابتسامة مشعة ولا تزال آثار بحة النوم عالقة بصوتها

((أنتَ بالذات يمكنك الاتصال بي متى شئت))

همس لها بصدق عاطفته

((كم أنا محظوظ بامتلاكي إياكِ))

بعفوية نظرت سهر للساعة الظاهرة على هاتفها ثم تساءلت بغتة بعجب

((لكن هل هناك شيء مهم؟ إنها الثالثة صباحا..))

همهم لها باستمتاع قبل أن يقول لها بصوتٍ مبحوح

((لقد كنت أتصفح الإنترنت، وأحببت فقط أن ألقي على مسامعك قصيدة أعجبتني وجدتها الآن))

بدأ يلقيها على مسامعها بينما داعبت ابتسامة جميلة ثغرها.. إنها حقا واقعة في حب رجل غير تقليدي..

بعدما أنهى إلقاءها سألها باهتمام

((هل أعجبتك يا باربي؟ وأنا أقراها شعرت بك مختبئة بين سطورها))

ضحكت بخفوت فأطلق قصي تنهيدة حارة قبل أن يقول بشقاوة

((لو تعرفين كم أتمَالك نفسي بصعوبة وألجم نفسي حتى يأتي يوم زفافنا في الوقت الذي ستصيرين فيه ملكي بالمعنى الحرفي))

بدت منهكة فجأة وهي تقول بتوسل ضمني

((إذن عجل فيه حالا، لقد مرت سنتين ونصف على خطبتنا وعقد قراننا))

صمت للحظات قبل أن يقول لها بصوتٍ بدا منهكا

((سأفعل صدقيني.. أبذل أقصى جهودي لأتعجل بالموضوع))

التفتت سهر تناظر ظهر شيرين النائمة والمتمددة جانبا فوق سرير قابع بجانب سريرها ثم هدرت

((دعني أذهب لغرفة أخرى للتحدث معك حتى لا تستيقظ شيرين على صوت هسيسنا، المسكينة تنهض يوميا للعمل صباحا في وقت مبكر ولا تستحق منا أن نتسبب في إراقة نومها))

عند ذكر سيرة شيرين امتقع وجه قصي وتبدل وهو يغمض عينيه ويجز على أسنانه يكاد يتميز غيظا منها..

لو تعرف سهر كيف يتحمل صديقتها التي تكون في نفس الوقت مرؤوسته البغيضة في العمل فقط لأجلها!

جعل قصي صوته ودودا وهو يقول مُؤيدا

((معك حق يا باربي لا تزعجيها))

غادرت سهر غرفة نومها وهي تمشي على أطراف أصابعها بحذر شديد في حين فتحت شيرين التي كانت قد استيقظت على صوت رنين هاتفها منذ الوهلة الأولى عينيها.. ابتسمت على علاقة سهر بخطيبها اللطيفة..

وعادت للفكرة التي بدأت تشغلها مؤخرا..

هل عليها أن تتخلى عن حلمها في الزواج من رجل مناسب وتتزوج فقط من وليد إذا ما اتضح أن كلامه بشأن التبرع بجزء من كبده صحيح ولا يتلاعب بها كعادته؟ ألا تستحق سهر منها التضحية هي ووالدها؟

هي الوحيدة التي لم تتركَها وحيدة.. حفِظت سِرها.. شَدت ظهرها.. وهمُهاُ أمرها.. وكانت وقت الضعفَ قوتها..

تنهدت شيرين بعمق وقد اتخذت قرارها.. بالتأكيد سهر تستحق..

.

.

في الغرفة الأخرى..

خرجت سهر منها بعدما أنهت مكالمتها مع قصي بينما تشعر بكل شيء من حولها ينبض بالحب.. متى ستتزوج من قصي وتجتمع معه في منزل واحد دافئ تكمل حياتها بحب للأبد!

كانت سهر غارقة في عالمها الوردي تماما عندما جفلت شاهقة بلا صوت على أمها تقف بوجهٍ متهجمٍ في نهاية البهو وتتمتم لها بصوتٍ خطير

((هل كنت تتحدثين مع الخطيب المتهرب يا سهر؟))

أخذت سهر نفسا مخطوفا بينما تضع راحة كفها فوق صدرها تهدئ من روعها بعدما أخافتها أمها ثم تذمرت

((أمي لقد أفزعتني.. منذ متى وأنتِ هنا؟))

كتفت تمارا ذراعيها ورفعت إحدى حاجبيها ترد

((ألم أخبرك بأن عليك التوقف عن التحدث مع قصي.. لقد عقدتكما قرانكما قبل سنتين ونصف وإلى الآن لم يحق مطالبي، أحواله المادية ليست متعسرة فهو يغدقنا بالهدايا الباهظة بين الحين والأخر، ما سبب مماطلته!))

قالت سهر بارتباك لأنها تدرك صحة ما تقوله أمها وضعف موقفها

((أمي.. يكفي..))

زعقت أمها بها دون اهتمام بمن قد يسمعها من الخدم أو شيرين أو والدها

((قصي أيتها الحمقاء لا يريد الزواج منك.. لهذا يؤجل تعريفنا على عائلته بحجة أنهم يعيشون في الخارج، ولم يحدد وقت للزفاف حتى الآن))

أطرقت سهر بعينيها أرضا ولا وجه أو جرأة لديها أن تدافع عنه الآن بينما تكمل أمها بغضب

((إنه صاحب وعود كاذبة وتسويف مستمر، إنه يتلاعب بنا، وحينما ينهي وطره منك سيهجرك بلا أي إحساس، على الانفصال أن يكون من جهتنا، اكتفيت منه وسأجعله يفسخ هذه الخطبة ولا يضيع وقتك أكثر من هذا))

همت تمارا أن تستدير على عقبيها فقالت سهر برجاء

((أمي أنا لن أنفصل عن قصي أبدًا.. سأخبره في الغد بأني لا أريد منه حفل زفاف ضخم ولا فيلا فارهة، أريد فقط أن نتزوج بأسرع وقت ممكن))

جحظت عينا تمارا وهي تتمتم بسخط

((هل أنتِ مجنونة يا سهر؟ أنا لن أقبل أن أزوجك بدون حفل زفاف ضخم وفيلا فارهة، سأجبرك أن تتركيه وتتزوجي من غيره إذا لم يوفر ذلك))

صممت سهر بعزم يعتريها

((سأكون مجنونة فقط لو تركته.. إنه يجعلني أشعر وكأني خلقت فقط يوم دخوله لعالمي، له ذلك التأثير الهادئ على روحي ووحده من أشعر معه بالسكينة، لا يمكن أن أتزوج غيره))

نعتتها تمارا وهي تستوعب أن ابنتها غارقة بانجراف بحب وعاطفة ذلك المخادع المسوف للوعود

((أنتِ مجنونة))

=============================

جناح مُصعب ونورين..

تحركت جفون نورين الشبه مستلقية فوق سريرها بتثاقل مستكينة الملامح.. فاستقامت نجلاء من مكانها وهي تمسك باقة الورد التي جلبتها معها منذ البداية.. ثم مدتها باتجاه مُصعب هادرة بشيء من التردد

((هذه الأزهار من أجل زوجتك يا مُصعب))

تناول مُصعب منها الباقة قائلا بلباقة وتهذيب

((شكرا لك يا نجلاء، أنا أقدر منك هذه اللفتة))

ازدردت نجلاء لعابها بصعوبة ثم غمغمت بخفوت

((حسنا سأذهب الآن، إلى اللقاء))

استدارت نجلاء على عقبيها نحو الباب فوصلها هدير نورين البغيض على قلبها

((إلى اللقاء يا نجلاء، أحكمي إغلاق الباب جيدا ورائك))

أغمضت نجلاء عينيها وهي تكز على أسنانها بغيظ لكنها أحكمت مسك أعصابها لتغادر وتؤصد الباب خلفها بهدوء..

تطلع مُصعب متهجم الملامح لزوجته يعاتبها

((لم يكن عليك قولها لها بهذه الطريقة الفظة، ألا يكفي أنها جاءت من المدينة في عز وقت امتحاناتها الجامعية لتطمأن عليكِ؟))

رفعت نورين له عيناها الباهتتان وثبتت نظراتها صوب وجهه، ثم ملأت ثغرها بضحكةٍ هازئة بينما تنطق

((يمكنك الركض خلفها والاعتذار عن تصرفي إذا أردت، لم تبتعد كثيرا))

كتم معصب ضحكته.. وحنقه على جفائها مع نجلاء يتبخر من داخله.. فقال بتلاعب

((لماذا تنظرين لي بهذه الطريقة؟ هل تغارين؟))

في الحقيقة هي وطوال الأشهر الماضية تعاملت مع زيارات نجلاء المتكررة هنا بشكل طبيعي ولم تمنحها الفرصة لتستمتع بغيرتها وتتباهي عليها بأن مُصعب سبق وكان يريد الزواج منها.. بل كانت تحاول إظهار كم هي سعيدة في حياتها معه مهما كانت ظروف زواجها منه في البداية وكيف أن مُصعب سيصبح أبا لطفلها..

فلم تُزعج مُصعب بشأن دواخلها وقلقها من نجلاء.. بل كانت تكتفي أن تشعره بأنها مصدر راحة له.. لكن الآن تخشى من أن تتسرب بارقة أمل لنجلاء بحدوث شرخ في علاقتها مع مُصعب لمجرد فقدانها الجنين.. فكانت معاملتها قبل قليل معها ورغما عنها باردة وجافة بشكل واضح..

أبعدت نورين غمامة هذه الأفكار المزعجة ثم مدت يدها لتمسك رسغ مُصعب وتشده لها ليستجيب ويجلس على السرير بجانبها بينما يسمعها تهمس له بكبرياء أنثوي

((بالطبع سأغار على الرجل الذي أحبه))

رفع مُصعب أنامله يمشط خصلات شعرها الشقراء المبعثرة وهو يخبرها بحنو

((وأنا أيضًا أحبك يا نورين))

كان قد سبق وأخبرها عدة مرات سابقا بأنه يحبها كرد على كلمات حبها.. لكنها لم تشعر في أي مرة بالحب فعلا ينبض بين كلماته.. لكن لا تعطي الأمر الكثير من الاهتمام..

مدت نورين يدها تمسك كفه وتقربه لثغرها وما إن قبلت أول مفاصل أصابعه حتى سحب يده على الفور ومال نحو جبينها يلثمها..

ابتسمت بحب متدفق له وهي ترفع نظرها لعينيه وتسأله

((هل مللت من الحزن والبؤس الذي لازمني مؤخرا؟))

جذب مُصعب رأسها ليرتاح على صدره وراح يمسد خصلاتها بلطفِ العالم أجمع بينما يتمتم بنبرته الدافئة

((قطعا لا، أنا حزين مثلك بالضبط للجنين الذي خسرناه، لكن متأكد بأنه لا يضاهي حزنك فأنتِ من حملتيه في أحشائك لستة أشهر))

أغمضت نورين عينيها تتمتع بلمساته الحنونة والدفء المنبعث منه قبل أن تفتحهما وتقول

((هل تعرف بأنه لا يوجد أي سبب طبي يمنعني مباشرة بعد توقف نزف الإسقاط أن..))

سارع يقاطعها بحزم

((نورين الأفضل أن نتريث أكثر قبل أن تحملي مجددا.. أنتِ بحاجة للاستعداد والاستقرار أولا))

رفعت رأسها معترضة برقة

((ولكني قلت لأمك بأني سأفعل..))

قاطعها مجددا يربت على قلبها بحديثه الرزين

((أعرف أن عائلتي تضغط عليك وتزيد ما تشعرين به من ضغط نفسي وحزن ولوم، لكن علينا الانتظار لأشهر قبل ذلك، حتى تفرغي مشاعرك وتستعيدي عافيتك النفسية قبل بدء محاولة الحمل مرة ثانية))

أومأت موافقة بلا مجادلات فأعاد جذب رأسها الى صدره عنوة واعتصرها بين ضلوعه.. فتبسمت بهدوءٍ عميق وكم احتاجت هذا الشعور.. الأمان والدفء المنبعث من جسده الهائل ينسيها أي حزن يحوم حولها..

قالت بعد دقائق وفي عينيها لمعة شقاوة

((حسنا.. لكن متى ستحضر لي كتاب أخر لأقرأه؟))

أخذ نفسا عميقا ليقول بامتعاض مزيف وهو يفكها من قيده

((لا تجلبي لي سيرة الكتب وإلا فعلا سأحطم خلية النحل المفضلة لي على رأسك، لقد أعطيتك كل الكتب التي سبق وقرأتها، لم يبقَ شيء الآن، إلا إذا أردت أن أجلب لك كتبي ومقرراتي الجامعية لتطلعي عليها))

كتمت ضحكاتها المستمتعة وهي تقترح عليه ببساطة

((إذن اشتري لي كتابا جديدا لم يسبق وأن قرأه أحدنا ودعنا نقرأه سويا ونتناقش حوله من وقت لآخر))

همهم بتفكير قبل أن يقول

((حسنا ألم أقل بأني سأذهب بك للتسوق نهاية الأسبوع؟ هناك اشتري كتبا بقدر ما تريدينه))

حذرته بحزم رقيق

((ولكن هكذا عليك أن تقرأه معي في نفس الوقت لأن الهدف من مطالعتي للكتب هو خلق حديث معك))

تذمر لها بنبرة مغتاظة

((أما أنا لم أنتهي من دراستي المدرسية والجامعية حتى يأتي من يلزمني بقراءة شيء رغما عني))

استوى واقفا من على السرير وأعطاها ظهره حتى لا ترى ابتسامته التي داعبت زاوية فمه.. يحبها عندما تكون مزعجة بكلامها الطفولي الشقي.. على الأقل تنسي نفسها وتنسيه ما فقدوه مؤخرا..

رسمت نورين الحنق وهي تراه يبتعد عنها فهتفت متذمرة

((ما بك؟ لماذا ابتعدت؟))

أجابها متهكما وهو يفتح خزانة ملابسه ويخرج ثيابا مريحة

((كنت لا أحبذ القراءة في السابق ولكن بت أكرهها مؤخرا بسببك))

غمغمت معترضة ((لا تبالغ..))

أنهى ارتداء ملابسه ثم قال لها مبتسما

((على كل حال انهضي لنهبط للأسفل ونشارك عائلتي طعام الغداء، الكل مجتمع بما فيهم أخي مُعاذ))

تبدلت ملامحها لأخرى ممتقعة مترددة وهي تمتم بتوتر لم تقدر على إخفائه

((لا.. لا لست جائعة ثم أنا اشعر بالتعب ولا أريد أن أبارح مكاني))

استنكر مُصعب بريبة تشوب نبرته

((لقد لاحظت بأنك لا تنزلين للأسفل ولا تجلسين على مائدة الطعام عندما يكون مُؤيد متواجدا.. لماذا تهابين وجوده من حولك؟))

بدأت تتلاعب بأناملها كحركة ملازمة لها عند ارتباكها وهي ترد بخفوت

((لا أحب أن أكون متواجدة في نفس المكان معه))

ضيق عينيه بتوجس واقترب منها متسائلا وهو يمعن النظر فيها

((لماذا؟ هل قال أو فعل أي شيء لك؟))

رفعت وجهها له تنفي بلهفة ثم صارحنه

((لا.. لكن أخافه.. إنه عصبي جدًّا..))

عقد حاجبيه وتصلبت ملامحه ليقول بينما يمد يده لها ويجذبها لتقوم من مكانها

((نورين أنا مصر بأن عليك النزول برفقتي، ماذا لو قرر مُؤيد أن يستقر هنا ويترك شقته في المدينة؟ هل ستحبسين نفسك طوال الوقت هنا؟))

استجابت له على مضض ورغبة منطفئة بينما يحثها

((اغسلي وجهك وبدلي ملابسك حالا))

.

.

في غرفة المعيشة..

حيث يجلس جميع أفراد سكان هذا المنزل حول مائدة الطعام.. يأكلون ويتجاذبون أطراف الحديث بينما صوت ضحكاتهم وهمهماتهم يرتفع..

سحب مُصعب كرسي لنورين التي كانت منكسة الوجه بارتباك وهمس لها يحثها

((هيا تعالي اجلسي هنا))

استجابت له وسحب له الآخر كرسيا ليجلس عليه حول هذه المائدة العامرة بأطباقها الشهية..

رفع مُؤيد نظره نحو نورين يطالعها بشرر.. منذ زواجها من أخيه قبل سنة لم يراها حتى أكثر من أربع أو خمس مرات.. حتى أنه ينسى شكلها أحيانا.. لكن لا زالت نار الثأر الذي لم يؤخذ لموت ابن عمه يحيى لم تخمد في داخله.. كل عشيرته ستبقى موصومة بالعار لتنازلها عن هذا الثأر، والرضا بصلح الدية عن طريق زواج الدية هذا!

والأنكى أن أخاه الأحمق يعامل عروس الثأر أفضل معاملة كما لو كان تزوجها في زواج عادي وطبيعي..

تصاعد الشرار المنطلق من عيني مُؤيد عندما رأى مُصعب يضع الأرز وقطعة من الدجاج في طبقها ويناولها ملعقة فيشع وجهها بهيام ابتسامتها المسحورة به..

كانت رتيل تتلاعب بالملعقة فوق طبقها منذ انضم نورين ومُصعب لهم.. لم تستطع ألا تنتبه على نظرات زوجها تجاه نورين.. وبالتالي لم تقدر إيقاف تلك الغيرة المتشعبة حول قلبها التي انعكست على صفحة وجهها الذي بهت..

ازدردت تلك الغصة المسننة بحنجرتها.. إنها تعرف بأن نورين بالفعل متزوجة من أخيه بل وكانت حامل بطفله.. وتعرف بأن نظرات مُؤيد لها لا تضمن إلا الاشمئزاز والكره فهو لا يراها إلا الطريقة الأخيرة المتبقية لأخذ ثأرهم.. لكن يظل الأمر صعبا أن تراه ينظر لغيرها..

أبعدت طبقها الذي لم تأكل شيئا منه إلا القليل ثم اعتدلت واقفة تقول بصلابة مصطنعة تجاهد ألا تظهر استعار نار قلبها ((سأذهب لأحضر قدر الحساء من المطبخ وقد أتأخر قليلا))

غمغم مُعاذ لابنته عند ابتعاد رتيل آمرًا

((دارين اذهبي وساعدي زوجة عمك))

زمّت دارين شفتيها ثم قالت باقتضاب

((يمكنها أن تطلب مساعدة منال أو نجوم في المطبخ..))

رشقها مُعاذ بنظرات صارمة يكرر عليها

((دارين اذهبي وساعديها فكل من في المطبخ قد يكونون الآن في وقت راحتهم))

نفخت دارين أوداجها وقامت من مكانها بعنف مغمغمه بامتعاض ((سأذهب..))

بمجرد أن غادرت دارين غمغم الحاج يعقوب وكأنه يتحدث بشيء عابر

((بالمناسبة، سمعت من وليد بأنه سيتزوج قريبا))

توقفت الحاجة زاهية عن مضغ ما بفمها وهي تنظر لزوجها سائلة بدهشة

((حقا؟ ومن هي سعيدة الحظ التي سيتزوجها؟))

دمدم لها يعقوب بخفوت يعكس عدم رضاه

((لم يعطني أي تفاصيل غير أنها نفس الفتاة التي كان مخطوبا لها قبل جُمان، تلك التي تدعى شيرين))

صمتت زاهية تفكر بما سمعته قبل أن تتحدث

((عجيب أمر ابن أخيك، كان يحب شيرين لكنه تركها فجأة في يوم زفافهم وتزوج من جُمان، وكان يظهر أمامنا طوال العشر سنوات الماضية عشقه لجمان التي لا يبدلها بنساء الدنيا رغم أنها لم تنجب منه، حتى أنه رفض أن يتزوج ممن ستكون عروس الثأر من أجل جُمان وفجأة طلقها بهدوء ليتزوج من شيرين! لو كان والداه على قيد الحياة لم يكونا ليسمحا بحدوث كل هذا))

ولم ينتبه أحد للذي أظلمت ملامحه فجأة حتى صارت عيناه أكثر عمقًا.. وألمًا.. بداخل معاذ حرب مشتعلة بغير حساب.. لا يكذب أنه في لحظة من اللحظات قرر الزواج من شيرين.. لا يعرف سببا محددا إلا أنها كانت أول امرأة يشعر تجاهها براحة وانجذاب بعد أكثر من ثمانية سنوات عزوبة ووحدة.. لم يحمل أكثر من مشاعر الود ولم يرَ فيها أكثر من امرأة مناسبة ليكمل حياته وينشأ عائلة معها.. لكن ما كانت هي تخطط لفعله أصاب رجولته بمقتل! فهي الأخرى لم تراه أكثر من وسيلة لتغيظ وليد وتجعله يندم على كل ما اقترفه بحقها!

نعم.. هو مُعاذ.. الرائد.. الصلب.. يهابه من حوله ويعمل له ألف حساب.. تقلل امرأة منه وتستهين به وتستخدمه لتغيظ به ابن عمه!

استقام مُعاذ واقفا بعنف غير آبه لنظرات الجميع التي صوبت باستهجان له وهو يغادر المكان بدون ولا كلمة..

.

.

دلفت دارين للمطبخ لتجد زوجة عمها تميل متكئة على الرخام ونظرها شارد.. فسألتها وهي تخرجها مما هي مستغرقة بالتفكير به

((لماذا لا تحبين زوجة عمي مُصعب؟))

توشحت عينا رتيل بدموع تنخزها فحاولت حبسها ومداراتها عنها ثم أجابتها بصوتٍ حاد وملامح قاسية

((لست بحاجة لسبب لأحبها، أنا فقط أكرهها))

قالت دارين برنة تحمل سخرية لا تناسب الوضع

((الكره بدون سبب هو مرض نفسي))

بدت عينا رتيل زائغتين ونبرة صوتها خاوية وهي تقول

((أنتِ تكرهينني بدون سبب، هل تتحدثين عن نفسك؟))

تبدلت ملامح وجه دارين فجأة لأخرى مقتضبة معترضة

((لا أكرهك بلا سبب.. بل هناك سبب وكبير..))

امتعضت ملامح رتيل وتساءلت باهتمام حقيقي

((وما هو هذا السبب؟))

أغمضت دارين عينيها بضيق بالغ.. لا تفهم كيف تستطيع زوجة عمها أن تكون دائما واثقة جدًّا من نفسها ولا تقلق من فكرة افتضاح أمرها وسرها! لقد سمعتها أكثر من مرة على الهاتف مع صديقتها تلك التي تُدعى غنوة دون أن تنتبه.. إنها في كل مرة كانت تدعي أنها ذاهبة لبيت والدتها مستغلة ثقة عمها الشديدة بها كانت في الحقيقة تذهب إلى بيت صديقتها غنوة القابع في إحدى مناطق المدينة وتنام عندها.. إنها تغدر بعمها مُؤيد باستهانة.. وما يدفعها هي كدارين حتى الآن أن تكتم هذا السر هو أملها أن تتوقف عما تفعله وتعود لصوابها وتتوب.. فهي من رعتها بصغرها وكانت أما ثانية لها.. لكن لا فائدة..

فتحت دارين عينها وكل ما فيها يحثها ألا تكشف حقيقة ما تعرفه.. ليس الآن على الأقل.. فاكتفت أن تقول بحنق واضح

((أنتِ تغضبين عمي مُؤيد الذي أحبه جدًّا، بل هو أكثر عم أحبه من بين جميع أعمامي وأكثر من أبي.. ولهذا لا أحبك.. أنتِ تزعجينه وتكرهينه ولا تبحثين عن راحته))

تدلى فك رتيل لما تسمعه ثم قالت متهكمة باستهزاء

((أنا من أغضبه ولا أريحه! هل أنتِ واعية يا دارين لما تقولينه؟))

عقدت رتيل حاجبيها وهي تعيد التفكير بما قالته دارين لتعاود سؤالها بشك واستغراب

((لحظة.. هل حقا تحبين مُؤيد أكثر من أبيك؟ هل هذا قول يصدر من فتاة صالحة؟))

أشاحت دارين بنظرها جانبا وازدردت ريقها قبل أن تقول بلا ندم

((عمي مُؤيد يطمأن عليّ أكثر مما يفعل هو ودائما ما يخرجني أنا وهدى ويشتري لنا مثلجات وحلوى لذيذة عند عودته إلى هنا.. أما أبي..))

ثم تجلت ملامح الألم على وجهها وتحشرج صوتها وهي تستطرد

((اشعر بأنه أحيانا يعتبرني السبب في وفاة أمي التي فقدناها بعد سنوات من إنجابي بسبب المضاعفات التي حصلت لها أثناء حملها بي))

لم تكن دارين منصفة تجاه والدها، فهو وبشكل أسبوعي أحيانا يصحبها لزيارة قبر أمها وينفد كل طلباتها بلا نقاش.. لكن في ذات الوقت أحست بألم تجاهها وقد كانت هي فعليا من ربتها منذ أن قدمت لهذا البيت وشهدت على معاناتها ومشقتها بعد فقدها لأمها.. فسارعت تصحح ما تظنه الصغيرة وهي تقول لها برزانة

((لا إياكِ أن تقولي هذا الكلام وتدعي الأفكار الخبيثة تحوم حولك، هذا هو قدر والدتك، ولو كانت على قيد الحياة أنا متأكدة بأنك ستكونين بارة بها وتفعلين ما بوسعك لإسعادها والاهتمام بها، لكن بما أنها بالفعل انتقلت لرحمة الله فلا أمامك الآن إلا الدعاء لها))

نكست دارين نظرها أرضا فظلت رتيل تنظر إليها طويلا قبل أن تمد كفها لتربت على كتفها وكأنها تؤازرها قبل أن تعود من حيث جاءت وقد نسيت إحضار قدر الحساء..

في حين بقيت دارين تخفض نظرها أرضا برأسها أفكارها السوداوية عن والدتها المتوفاة تدور بعقلها دون هوادة قبل أن تطلق من شفتيها زفرة مثقلة حارة من الهموم الكبيرة على سنها الصغير..

=============================

في حديقة القصر الخلابة حيث تحيطها أشجار الليمون والبرتقال والزيتون كان يجلس الحاج يعقوب والحاجة زاهية مع ابنيّ مُؤيد..

بعد أن عاد مَالك من الخارج صدح صوته عاليا وهو يقترب بوجه بشوش من والديه الجالسين في أحضان الحديقة

((أمساكم الله بالخير))

التفتت الحاجة زاهية نصف استدارة لترتسم ابتسامة وهي تقول بحنو الأمومة

((هل جئت يا مَالك! كيف حالك؟))

اقترب مَالك من والدته يرفع يدها ويلثمها هادرا

((أنا بخير، كنت في الخارج وجئت مباشرة لكما))

ثم مال على والده يلثم جبينه بينما يدمدم الآخر له

((عافاك الله يا مَالك))

مد مَالك يده يبعثر شعر فهد مداعبا إياه قبل أن يسحب كرسي ويجلس برفقته هادرا

((أبي لا داعي غدا لزيارتك الأسبوعية لمزرعتنا البعيدة، ذهبت بنفسي منذ الصباح واستفقدت كل شيء..))

تطلع يعقوب عاقد الحاجبين يعاتب ابنه برقة

((ولكن أنا أحب أن اذهب هناك لأتأكد من كل شيء بنفسي وأسمع من أفواه المزارعين..))

قال مَالك باهتمام صادق يقاطعه

((أبي لقد كنت متعبا في الأمس ولا زلت بحاجة للراحة))

عاد والده يقول معترضا

((ولكن لا أريد أن أتعبك في يوم إجازتك.. كان عليك اليوم الاستمتاع بوقتك بدلا من الاستيقاظ باكرا وتفقد أحوال المزرعة!))

عبس مَالك في وجه أبيه وهو يقول

((أي تعب يا أبي! أمضيت عطلتي في الأمس خارجا ألعب كرة القدم، فلماذا لا أدخر اليوم للاهتمام بشيء من أمورك!))

قال يعقوب لولده بفخر يلف صوته

((بارك الله فيك يا بني، أنتَ وإخوتك ذخيرتي بعد الله في هذه الحياة))

اتسعت ابتسامة زاهية رغما عنها بتأثر للحديث الذي تسمعه.. وكم شعرت بالراحة والبهجة أن الأمور عادت أفضل من السابق بين مَالك ووالده بعد المشادة الأخيرة التي حصلت بسبب إصرار مَالك على استبدال الخدم..

لقد ربت وأنشأت كل أولادها الخمسة تربية صافية وبعيدة عن الحقد والكره وفعل السوء للناس.. وكم هي سعيدة أن الحب والحنان ممزوج في خصالهم الطيبة.. فقد تعبت عليهم لتغرس فيهم ما يجعلهم يكونون سندا لها ولزوجها وولائهم لبعضهم..

تمتمت لمَالك بعاطفة أمومية متدفقة كالشلالات الهادرة

((حفظك يا مَالك أنتَ وإخوتك لنا أنا وأباك))

رد مَالك على أمه وهو يربت فوق يدها بحنو

((وحفظكما الله لنا يا أمي))

استوت زاهية من مكانها تميل لتلثم خده ثم تقول بمزاج حلو

((سأذهب الآن لآمر أن يصنع لكما قهوة))

بمجرد أن غادرت زاهية تساءل يعقوب بعفوية يفتح حديثا عشوائيا مع ابنه

((هل كنت تلعب كعادتك مع أصدقائك كرة القدم؟))

اضطربت ملامح مَالك وأجابه بشيء من الارتباك

((الحقيقة لا.. كنت مع يزيد..))

رفع فهد حاجبيه يقول بعفوية

((ولكنه قال لي بأنه ذهب بالأمس مع أمه للتنزه!))

أغمض مَالك عينيه لأن الصغير فضح أمره.. عاد يفتحهما ويقول بنبرة مبهمة خافتة كأنه يتوارى عن الأمر

((نعم صحيح))

تطلع يعقوب بدهشة لابنه الذي كان يشيح بنظره عنه وسرعان ما صارت الدهشة ذهولا وانفعال وهو يتساءل

((ما هو الصحيح يا مَالك؟ لا تقل لي بأنك ذهبت مع يزيد وسمية سويا للتنزه ولعب كرة القدم!))

ابتسم مَالك بابتسامة متشنجة وهو ينظر باتجاه والده مغمغما

((دعني أشرح لك يا أبي..))

رد يعقوب بانفعال أفلت منه

((ماذا ستشرح لي؟ كيف ترافق امرأة لا تحل لك؟ هل اعتبرت طفلها الصغير هو محرم لها؟))

بهتت ابتسامة مَالك وعاد يقول بلطف

((أبي اهدأ قليلا.. الأمر..))

وبخه يعقوب بغضب مكتوم

((ماذا لو رآكما أحد هناك وتعرف عليك وتساءل عن هوية المرأة التي تمشي مع ابن الحاج يعقوب؟))

حاول مَالك أن يهدئ من غضب والده وهو يقول

((أبي كنا نلعب ونتنزه في ملعب المدينة، ولا مجال لأحد أن يرانا هناك))

وكان مفعول كلامه هو العكس فقد اشتعل غضبه أكثر وهو يقول بينما يلوح بيده خارجا عن وقاره

((والله ألن يراك أينما تكون ومع من تكون! ما هو مبررك للتنزه مع امرأة لا تربطك أي صلة بها أو معرفة! مَالك هذه ليست المرة الأولى، لا زلت أذكر تلك المصيبة التي حدثت بسببك عندما ذهبت معها لإحدى المطاعم.. أنا تجاوزت عن الأمر فقط لأن زوجة أخيك مُصعب كانت معكما هي والصغير ولكن ليست كل مرة ستسلم الجرة))

صمت مَالك وهو يشعر بالتشتت.. من لا يستطيع الآن البوح لوالده برغبته في الزواج من سمية قبل أن يقدر على إقناع سمية نفسها به، لأنه ببساطة لن يقدر على الدخول بصراعين في آن واحد.. والديه وإقناعهما من جهة.. وجعل سمية تؤمن بحبه لها من جهة أخرى..

صمت مَالك أمام والده مِمَّا جعله ينفجر به هاتفا

((تحدث يا مَالك، أين ذهب لسانك يا ولد!))

قال مَالك وهو يهز كتفيه مبررا

((أبي هي كانت ستخرج للتنزه مع يزيد في كل الأحوال وطلبت سيارة أجرة لهما فعرضت عليها أن أرافقهما وأجلس في المقعد الأمامي بجانب السائق، فكيف يكون تواجدي معها جريمة إذا كان من المألوف استقلالها هي ويزيد سيارة أجرة مع رجل غريب))

فغر يعقوب شفتيه بعجب ثم تساءل بصوتٍ خطير

((وهل اكتفيت في إيصالها للمتنزه أم أنك أيضًا رافقتها للخارج وجلست معها ولعبت كرة القدم مع ابنها!))

ازدرد مَالك ريقه وعاد يشيح بوجهه بعيدا فعرف يعقوب الإجابة وأغمض عينيه بخيبة أمل ليسارع مَالك التبرير مجددا قبل أن ينفجر به صارخا مرة أخرى

((أبي كنا في مكان عام لا مغلق وكان الناس من حولنا.. عدتُ للقرية أنا ويزيد وحدنا وهي كانت بحاجة للتسوق فعادت بعدنا وحيدة))

هز يعقوب رأسه يدمدم بيأس وإحباط

((لا حول ولا قوة إلا بالله، تتحدث ببساطة وكأنك لم تخطأ بشيء))

تغضن جبين مَالك بالضيق وقال وهو يضع راحة يده فوق كتف والده

((حسنا يا أبي لربما كلامك صحيح، لم يكن عليّ التساهل بأمر كهذا..))

قاطعه والده وهو ينفض يده من كتفه هاتفا بانفعال

((ربما؟ بل مؤكد كان عليك احترام تعاليم ديننا وعاداتنا وتقاليدنا، منذ متى كان من المستهل أن تتكلم وتخرج وتتنزه مع امرأة لا يربطك بها شيء؟ خيبت ظني بك يا مَالك، لم تكن هكذا في السابق، لا أصدق بأنك الشاب الرزين الهادئ من يفعل هذا! لو كان توأمك مَازن والله لكان الأمر أقل وطئا وصدمة عليّ!))

تمتم مَالك برجاء ووهن

((أبي.. أرجوك.. لا تغضب..))

بدأ غليان الدم يزداد في عروق الحاج لأن مَالك لا يعترف بتجاوزه الحدود.. فرفع سبابته يلوح بها أمامه قائلا بغضب ساحق

((مَالك من الآن وصاعدا لا أريد منك أن تتحدث مع يزيد أبدًا، لأنه من الواضح بأنك لا ترى هذا الصغير إلا وسيلة لك لتقترب من أمه، وهي الأخرى مدانة بسماحها لك تجاوز الحدود معها، مَالك أنا أتحدث معك بصراحة ووضوح شديدين، إياك أن تنساق لعلاقة محرمة))

اتسعت عينا مَالك بدهشة مستعرة وقال مستنكرا برفض بالغ

((أبي! أي علاقة محرمة.. هذه الكلمة كبيرة جدًّا))

لم يقل يعقوب شيء بل ظل الصمت بظلاله قاتمًا من حولهم إلا أنفاس صدره الذي يعلو ويهبط في انفعال ويكاد يجن من أفعال ولده المعهود له بالرزانة إلا فيما يتعلق الأمر بتلك البستانية! وحتى فهد انكمش على نفسه بتأنيب الضمير وهو يشعر بأنه السبب في هذه المشادة!

كسر يعقوب الصمت أخيرا وقال بتشديد

((مَالك أنا أريدك حذرا ويقظا من تصرفاتك، فأي علاقة محرمة تكون بين رجل وامرأة تبدأ بنظرة فابتسامة فإعجاب ومن ثم تبادل الكلام والخروج وتبدأ العلاقة الشيطانية المزيفة تحت غطاء الحب وكلمات الغرام.. إياك أن تغتر وتظن نفسك قادرا على المحافظة على نفسك وتمتنع عن أي خطيئة كبيرة ظانا أن ما تفعله من مقدمات لها هي أمور عادية))

ثم استطرد كلامه وهو يمنح ابنه نظرة تهديد صريحة

((مَالك لا تجبرني أن أسحب منها عملها هنا ومسكنها وأجبرها على الرحيل لمكان آخر وأقطع برزقها بسببك))

شعر مَالك بثقل الهم فوق صدره مع هذا التهديد.. ألا يكفي أنه يخوض معركته في إقناع سمية!

قال أخيرا لوالده وصوته يخرج خافتا ضائقا معاتبا

((أبي لقد علمتني درسا قاسيا بأن لا أتسبب بخسارة إنسان عمله أو مصدر رزقه والآن تهددني بفعل هذا لامرأة وحيدة يتيمة لا أحد لديها سوى الله ثم نحن))

زجره يعقوب مصححا بانفعال

((أنتَ من ستتسبب بالمتاعب لها لو لم تبتعد عنها وعن ابنها))

صمت مَالك مجبرًا كارهًا لأنه لا يستطيع حقا التحدث بشأن رغبته في الزواج منها بعد.. وقال عوضا عن ذلك باقتضاب يتلاعب بالكلمات

((أبي دعك منها مبدئيا.. ولكن ما دخل يزيد! أنا معتاد على وجوده في كل تفاصيل يومي، في البداية كنت أشفق عليه وأهتم به من باب العطف.. لكن الآن تغير الأمر وأصبح بالنسبة لي كابن من صلبي))

اكتسح الألم وتأنيب الضمير مالك فهو كاذب دنيء بامتياز!

كز يعقوب على أسنانه مجيبا بنبرة مغتاظة وقد انفلتت أعصابه عندما سمع جملة "ابن من صلبي"

((أقفل فمك وتوقف عن التحدث بهذه الترهات.. أي أب هذا.. بينك وبين الصغير ربما عشرين سنة فكيف تعتبره كابن لك أيها الأبله؟))

زمّ مَالك شفتيه ثم قال وهو يهز كتفيه

((أنا أكبره بعشرين سنة ونصف.. إذا كان مَازن نفسه تزوج في هذا العمر وكان في الواحدة والعشرين عندما رزق بابنته هدى))

أغمض يعقوب عينيه وكأنه تذكر فعلا أن هذا هو فرق العمر بين مَازن وابنته هدى أيضًا! ثم فتحهما يأخذ نفسًا طويلا أطبق على صدره ليقول آمرا باختناق وكأنه ما عاد يستطيع التحمل

((مَالك اغرب عن وجهي حالا))

عقد مَالك حاجبيه مطأطأ الرأس معاناة يحملها وحده والألم يتوارى بوضعه ثم قال بصوتٍ منطفأ

((انتظر حتى أرتشف القهوة التي ستجلبها أمي..))

صرخ يعقوب به كابحا رغبته في كسر رأسه

((لا أريد أن تتسمم أكلا أو شربا هنا.. هيا اغرب من أمامي فأنا في هذه اللحظة لا أطيق حتى رؤية وجهك))

أومأ مَالك رأسه في صمت وفضل فعلا أن يغادر علّ غضب والده منه يهدأ فاعتدل واقفا من مكانه يغادر ليسارع فهد اللحاق به والتشبث بساقه هادرا

((عمي أنا آسف لأني سبب توبيخك من جدي لذكري سيرة يزيد))

نظر مَالك للأسفل ثم انخفض يحمل ابن أخيه هادرا وهو يرسم ابتسامة مطمئنة

((لا يا حبيبي أنتَ لست كذلك، رافقني لأشتري لك المثلجات))

تهللت أسارير فهد هاتفا بحماس

((حقا؟ أريد نفس المثلجات التي تشتريها ليزيد عندما تأخذه لنزهة سريعة معك من خلف ظهورنا))

شعر مَالك بشي من الذنب أنه لا يولي فهد ولو نصف اهتمامه بيزيد حتى لو كان محقا، فقال له بحنو

((بل سأذهب بك لمكان يبيع مثلجات ألذ منه))

هتف فهد وهو يصفق بكلتا يديه

((مرحى لنذهب حالا))

نظر مَالك للخلف يسأل والده بشيء من التردد

((أبي سأذهب للخارج هل تريد مني شيء؟))

زعق به والده دون أن يلتفت له

((فقط اغرب عن وجهي))

استجاب مَالك وهو ينسحب من الحديقة بهدوء للخارج بينما لا يزال يحمل فهد.. أما الحاج يعقوب فأغمض عينيه وهو يريح جسده على ظهر الكرسي الذي يجلس عليه.. وعقله يذهب لذلك اليوم عندما أخبرته زوجته زاهية بأن مَالك قد حزم ملابسه في حقيبة ويريد الخروج من القصر فذهب هو غاضبا له ليوبخه ويزجره على تفكيره الطفولي الغير مألوف منه لمجرد أنه يرفض طرد الموظفين الذي يعملون في قصره منذ ما يزيد عن عقد!

وعندما لم يجده بغرفته أخبره فهد الصغير بأنه رآه يسير نحو المطبخ مع حقيبته التي حزمها.. وقتها استغرب ذهابه لهناك خاصة وأنه لم يكن أحد يعمل في المطبخ في الوقت الحالي.. لكنه على كل حال اتجه هناك وتفاجأ من وجود تلك البستانية تتحدث معه هناك بعد أن دخلت للمطبخ من الباب الخارجي.. فوقف مكانه متخشبا عند عتبة المطبخ يسمع حوارهما الذي كانت سمية فيه تقنعه ألا يغادر القصر ويبقى هناك.. وهو كان ينصت بهدوء لها بملامح منغلقة.. وما إن ألحت في توسلها وذكرت سيرة ابنها يزيد وبأنه سيحتاج رؤيته يوميا وسيفتقده إذا ما سكن بعيدا حتى لانت ملامحه..

لم تحتج تلك البستانية أكثر من جملتين أو ثلاث تطلب فيهم أن يسامح من قام بطردهم حتى أومأ لها بجمود مؤكدا عليها بأنه سيتراجع عن المغادرة فقط لأنها طلبت ذلك! فهللت بفرح وهي تغادر المطبخ من الباب الخارجي وهي تخبره بأنها ستسرع لتبشر يزيد الحزين على رحيله..

عاد يعقوب للواقع والسخط يشع أكثر على وجهه.. لا ينكر أن مَالك حاول جاهدا أن يصالحه ويمحي آثار المشادة الأخيرة التي حصلت بينهما حتى عادت علاقتهما أفضل من السابق.. لكن كيف يمكن لابنه هذا الخضوع بهذه البساطة لبستانية تعمل عنده في حين أنه عاند وأصرّ على قراره رغم اتباعه معه أسلوب اللين والمنطق!

أومأ يعقوب برأسه وهو يقر بأنه يعرف بأن ابنه منجذب لها ومن صغره.. لكن لم يتوقع بأن الأمر بدأ يتخذ منحنى جدي معه تجاهها..

شتت يعقوب نظره في الأرجاء وإحساس رهيب خانق يداهمه بأن عليه أن يوقف مالك عند حده قبل أن يتطور الأمر ويصعب إيقافه وتتكرر مسألة توأمه مَازن!

وعند ذكر سيرة ابنه الآخر مَازن بدأت أطياف من الذكريات المسمومة تقفز بين عيناه وتجلد روحه..

فرفع أنامله يدلك بين عينيه بإرهاق..

لربما عليّه أن يسأل مالك إذا ما كان يرغب في الزواج من تلك البستانية؟ وإذا ما كان رده بالإيجاب هل عليه الموافقة حتى مع وجود تلك الفوارق الرهيبة بينهما حتى لا يحاسبه الله بأنه كان سببا في سلوك ابنه طريق الحرام لأنه لم يعنه على الحلال!

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...