لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثالث عشر
((أبي.. أبي.. أنتَ تخنقني))
ابتعد مَالك عنه وكلمة "أبي" تدق نبض قلبه.. ليهدر
((ما أحلاها كلمة "أبي" منك حقا يا يزيد.. المهم ماذا كنت تريد أيها الغالي ابن الغالية؟))
ابتعد مَالك عنه وكلمة "أبي" تدق نبض قلبه.. ثم قال له مبتسما
((ما أحلاها كلمة "أبي" منك حقا يا يزيد.. المهم ماذا كنت تريد أيها الغالي ابن الغالية؟))
عقد يزيد حاجبيه وهو يرمش بعينيه وشرد يتذكر ماذا كان يريد أن يسأله من البداية قبل أن يشهق متذكرا ثم يتساءل ببراءة
((لماذا لون عينيّ مختلف عن لون عينيك؟))
احتارت ملامح مَالك وهو يسأله مستغربا
((ماذا تعني!))
وضح يزيد له بجدية تشوبها العجب
((لون عينا فهد وباسم مشابه للون عيني والدهما الفاتح، أما أنا فعيني لونهما مختلف عنك، حتى لون شعري الأسود مختلف عن لون شعرك البُني المحمر..))
ارتسمت ابتسامة مستمتعة على شفتي مَالك بينما يتابع يزيد التحسر بطفولية
((أستاذي يقول بأن ملامحي شبيهة بك تماما باستثناء اختلاف لون العينين والشعر))
تلاشت ابتسامة مَالك وهو يتأمل ملامح ابنه التي تشبهه، بل نسخة مصغرة منه عندما كان بعمره.. وفجأة باغت كلام يزيد عن أستاذه عقله ليجتذب عقله إحدى المواقف، عندما طلب من معلمي يزيد، معلما تلوى المعلم بخزي ألا يخبروا أحد بأبوته ليزيد، فيزيد يدرس في مدرسته الابتدائية القابعة بالقرية ومعظم الطلاب والمعلمين يعرفون والده الحاج يعقوب! وكم تمنى لو تدرك سمية الألم والطعنات التي يتلقاها من أنظار كل من يعرف بأن يزيد ابنه الذي يخفيه عن الجميع! لو أنها تعيش ربع الذي يعيشه هنا بين الرجال ممن يعرفون حقيقة أن يزيد ابنه لما أصرت بأنانية عليه أن يخفي الأمر حتى يصير يزيد أكبر..
أغمض مَالك عينيه محاولا التغلب على ذلك الشعور القاسي وهو يفكر كم سيضيع من عمره وعمر ابنه قبل أن يستطيع أن يعترف به ابنا أمام الجميع؟
فتح عينيه متنهدا بحرقة قلب وأجاب ابنه شارحا له بابتسامة مرهقة وقلبه يعود ليهدر بإحساس الأبوة الذي يسترقه في هذه الساعات
((لون عينيّ شبيه بلون عينا أمي زاهية يا يزيد، أخذت منها أيضًا لون شعرها أنا وتوأمي.. رغم شبهك الكبير بي إلا أنك ورثت من أمك الجميلة لون شعرها وكذا العينان.. أتذكر بأنها كانت تمتلك شعرًا خلابًا أسودًا..))
بتر مَالك كلماته وتوقف عن وصف شعر سمية واجتذاب الذكرى ثم هز رأسه ينفض تلك الخيالات المهلكة من رأسه.. لا يجوز أن يتذكرها وهي الآن لم تعد تحل له.. هي لم تعد زوجته منذ أن أنجبت يزيد.. ولا يحق أبدًا أن يظل محتفظا بهذه الذكريات قبل أن يعاود الاقتران بها..
حول مَالك أنظاره عن يزيد والتفاؤل يغمره بأنه وعلى الأقل عليه أن يحمد الله أن زواجه القصير منها أثمر بطفل ملائكي يبلغ السابعة من عمره سيربطه بها إلى الأبد..
أخذ نفسا عميقا وزفره بإرهاق تزامنا مع صوت ابنه الحائر
((توأمك؟ اسمه مَازن؟))
ابتسم مَالك وأومأ برأسه يجيبه
((نعم تؤامي مَازن، شقيقي التوأم بمثل عمري ولكن يصغرني بدقائق قليلة، للأسف لم تتاح الفرصة لك لتتعرف عليه..))
ثم اتسعت ابتسامة مَالك وشعت عيناه بوهج مثير خاصة وهو يقول بينما يستوي واقفا ويمسك رسغه جاذبا إياه وراءه
((انهض يا يزيد دعني أريك صوري في طفولتي))
فتح مَالك نور غرفته وبدأ بفتح جواريره بحماس يبحث في أشيائه القديمة.. بمجرد أن وجد الألبومات القديمة حتى أخرجها ثم أجلس يزيد فوق حجره وبدأ يتصفحها أمامه.. بدآ يمضيان وقتًا ممتعًا بدرجة لا توصف وهو يريه كل الصور وذكرى التقاطها المحفوظة في ذهنه..
من أصدقائه القدامى أو ذكريات مشتركة سعيدة مع عائلته تعيده سنوات إلى الوراء..
وفي غمره لهفة يزيد الذي يتطلع بالصور جفل كمن تذكر شيئا وقال
((هل تعرف بأن هناك صور لي لم يسبق وأن رأيتها أنتَ! لو لم ترفض أمي لكنت جلبتها لك))
غمغم مَالك وشرارات الحنق يتطاير من عينيه
((تلك اللئيمة، هل رفضت حقا؟))
فتن يزيد على والدته دون أن يهزّ له جفن
((نعم رفضت لكن سأتسلل وأسرق الألبوم لأطلعك عليه دون علمها))
صوب مَالك نظرات مريبة تجاه طفله قبل أن يغمز له إحدى عينيه
((لا يا يزيد، إذا كانت أمك ترفض أن تريني الألبوم فلا تجلبه لي، عيب أن تخالف كلام أمك))
كتم يزيد ضحكته وهو يفهم مقصد أبيه المناقض لكلامه..
فيما عاد مَالك يناظر صور الألبوم الذي يمسكه ليقول بحنين وهو يشير لإحدى الصور
((هذا أنا الواقف يمين أمي ومَازن يقف يسارها))
أشار يزيد الي صورة أبيه وقال بصدق طفولي
((أنتَ أوسم من عمي مَازن يا أبي))
نظر مَالك بتأثر ليزيد لدقيقة ثم جذبه بعناق قوي قبل أن يبتعد ويلثم جبينه ثم يقول
((فلتسلم كلمة "أبي" من ثغرك يا حبيبي أنتَ))
كسى الاحمرار وجه الصغير ليهمس بخجل
((أنا جاد، أنتَ أوسم من عمي رغم تشابهكما..))
نظر مَالك للصورة موافقا
((فعلا نحن متشابهان جدًّا، حتى بعد أن تخطينا سن الثامنة والعشرين، لكن وجهي أنحف منه ويميل للسمار، وشعري مموج على عكس شعره الأملس))
تغضنت ملامح الصغير فجأة بالألم وهو يمعن النظر لباقي الصور التي كانت تضم والده وعمه مع والديهم ثم تساءل بصوتٍ حزين مشبع بالبراءة
((هل أبيك وأمك هم جدي وجدتي؟))
ضيق مَالك عينيه ثم رفع إحدى حاجبيه متهكما
((بالتأكيد أيها الذكي.. وهل هذا سؤال منطقي!))
رفع يزيد حاجبيه يتساءل بنبرة تشوبها البراءة وشفافية روحه
((هل سيحبانني جدي وجدتي مثل فهد وباسم إذا ما عرفوا بأني ابنك؟))
انتزع صوت يزيد الضعيف ونبرته المشدوهة قلب مَالك من مكانه ومزقه شر تمزيق.. كلمات طفله هزته حتى أعمق أعماقه وهو يدرك مقصده.. فازدرد ريقه بصعوبة ثم قال بابتسامة متشنجة
((نعم بالتأكيد.. بالتأكيد يا حبيبي..))
تهدل كتفي يزيد يقول بحزن رقيق يلين الحجر
((لكن لا أشعر بأن أمك يمكن أن تحبني..))
اشتدت عينا مَالك بنظرة مؤكدة لامعة مؤكدا
((أيها السخيف ستحبك هي بالذات أكثر من أي حفيد آخر فأنا أسميتك على اسم والدها، ستكون أنت المفضل عندها))
طالعه يزيد بحزن ظلل عينيه ثم تشدق بغير اقتناع
((سأكون المفضل! لا أظن ذلك))
زفر مَالك نفسا مثقلا بالذنب الذي يتعاظم داخله في كل ثانية تمر وهو يخفي هذه الحقيقة! فقال بشيء من الثبات وهو يحاول الابتسام
((أعرف أنهما لا يظهران أي مودة لك لكن صدقني بمجرد أن يعرفا حقيقتك سيغدقانك بالحب والحنان، قريبا سنعود أنا وأمك لبعضنا وستعيش معنا هنا ولن يعترض أي أحد على وجودك))
تخضب وجه يزيد ومقلتيه بالدموع فأخفاهما في كفه وأطلق لهم العنان..
عقد مَالك حاجبيه بشدة والألم ينال كل جوارحه كأب نذل مقصر بحق ابنه من كل النواحي والأبعاد.. ثم شد على يزيد إلى صدره يعاهده
((سنعود أنا وأمك.. أما بالنسبة لعائلتي فبمجرد أن يعرفوا بأني سبق وكنت متزوجا من سمية حتى يسارعوا بالموافقة على زواجنا الثاني دون أي مشاكل وسنكمل حياتنا بكل سعادة وهناء))
كان مَالك يرتب لكل شيء في عقله بسلاسة عجيبة رغم شعوره بشيء من الخوف المفاجئ يدق قلبه حول مسألة تقبل عائلته لزواجه السابق من سمية! فهل حقا عليه أن يحمل هما إزاء أي رفص منهم؟
=============================
ليلا.. في جناح نورين..
أحضرت الأطباق من رفوفها وبدأت ترتب سفرة رومانسية على الطاولة بينما تملأ المكان بالشموع والورود الحمراء.. فتحت الأكياس التي جلبتها عند ذهابها للسوق مع رتيل في ذاك اليوم.. الليلة مناسبة لكل ما خططت له كمكافأة لمُصعب على تحملها الفترة الماضية واحتوائه لحزنها وبؤسها ومساعدتها على تخطي خسارة جنينها..
كانت قد اشترت الكثير من القطع بألوان رومانسية حالمة بدرجات فاتحة ومشرقة من اللون الوردي.. ارتدت أكثر قطعة ناسبت قوامها وأخفت من عيوب جسدها الذي اختلف قليلا بعد فترة حملها.. فبدت القطعة فيها بالغة في الرقة المزدانة وبلمسات رائعة جذابة.. أما شعرها الأشقر انساب إلى منكبها النحيل وجزء منه استلقى بدلال على ظهرها..
شعرت بصوتٍ فتح مقبض الباب.. إنه موعد عودة مُصعب..
ارتدت فوق تلك القطعة مئزرا حريريا قصيرا ثم سارعت تسير بخطوات مترددة لتستقبله..
أوصد مُصعب الباب خلفه بإحكام ثم استدار على عقبيه ليتخشب مكانه وهو يطالعها تقف أمامه مبتسمة ببشاشة رغم ارتباكها وهي تقول
((أخيرا جئت! لقد جهزت لك العشاء هنا))
لف الذهول ملامحه ولم يستجب لها بحرف مِمّا جعلها تمسكه من يده وتجره للداخل دون أن تنحسر ابتسامتها
((هيا اغتسل وغير ملابسك ريثما انتهي من اللمسات الأخيرة للعشاء))
مجددا لم ينطق بشيء بل ظل يطالعها بانشداه أبله.. فتخضبت وجنتيها خجلا وأكملت جره نحو الحمام قائلة أمام نظراته التي تجردها من المئزر المغوي الذي ترتديه
((هيا يا مُصعب..))
انتهى من تغيير ملابسه ثم دخل إلى الغرفة الأخرى لجناحهما ليجدها تقوم بإشعال آخر الشموع العطرية الموضوعة فوق طاولة العشاء والمنسقة بطريقة رومانسية لافتة.. بدا عاجزًا عن الكلام قبل أن ينطق وهو يسحب كرسيا ليجلس عليه
((ما هذا الذي تفعلينه؟))
قبل أن تنضم له سارعت بمغادرة المكان وهي تقول
((سأحضر لك كأس مشروب غازي نسيت أن أضعه))
فتحت الثلاثة الصغيرة وأخرجت على الفور عبوة مشروب غازي ثم أفرغتها في كأس زجاجي.. حلت رباط مئزرها ثم تقدمت منه ببطء قاصدة لفت انتباهه لما كانت ترتديه تحت المئزر.. وضعت الكأس أمامه وسألته بشيء من التوتر
((هل اختلف مظهر جسدي عن قبل؟))
لم يرد عليها وهو على تعابيره مِمّا جعلها تزداد توترا..
حاولت أن تستدير لتجلس مكانها مقابله إلا أنه أمسك رسغها يقربها منه هامسا
((هل هذه الفاتنة المتلاعبة التي أمامي هي حقا زوجتي نورين العفريتة والطفولية؟))
تطلعت له بدلال حانق تقول
((هل أنا طفولية؟))
ما إن رآها تزمّ شفتيها وتهم بالابتعاد عنه حتى شدها له يدفن وجهه في عنقها يتحسس ريحها العبقة..
وصله صوت ضحكاتها الخافتة باعتراض
((ليس الآن، بعد العشاء الذي جهزته يا مُصعب))
قال بعاطفة حارة وقد هز الشوق قلبه وأضناه
((هل تعرفين منذ متى لم أقاربك يا نورين؟))
أبعدت وجهها عنه قليلا تطالع عيناه المتوقدتان بولع التوق فتزيد من خفقات قلبها.. لقد جهزت كل هذا أساسا لتعلمه باستعدادها لقضاء ليلة خاصة معه فهما لم يحظيا بواحدة منذ أن خسرت جنينها! إلا أنها قالت بخفوت وهي تحاول أن تنسل من محبسها بين ذراعيه
((حسنًا ولكن ليس قبل أن تأكل شيئا مِمّا أعددته..))
لكنه جذبها نحوه أكثر يعتصر ضلوعها في أحضانه هامسا بثمالة وهو يقبل كل إنش في وجهها
((أنتِ.. الليلة.. عشاءي.. يا.. نورين))
حاولت مجددا بتلاعب محبب أن تعترض إلا أنه أسكتها قبل أن تنحدر قبلاته نحو شفتيها هامسا بصوتٍ أجش بالرغبة
((لقد اشتقت حقا لك))
وما مرت دقيقة حتى حملها بذراعيه نحو سريرهما لتشهق عاليا قبل أن يتصاعد رنين ضحكاتها المبتهجة وهي تحيط رقبته بكلتا يديها.. لقد تغير معها.. ليس للحد الذي تريده.. لكنه لم يعد ذاك الرجل البارد.. الهادئ طوال الوقت معها..
.
.
في الصباح..
استند مُصعب على مرفقه مبتسما بخفة ينظر إليها تتململ أثناء نومها فمال لها ينثر القبلات الناعمة بأنحاء وجهها.. لقد أنهكها كل ما تبادلاه في ليلة الأمس..
لكن عليه التفكير بجدية في الانتقال من هذه المساحة الصغيرة المتاحة لهما في القصر إلى شقة خاصة بهما..
تململت في فراشها أكثر قبل أن تفتح عينيها الناعستين..
تمطت في مكانها لتعقد حاجبيها بنصف وعي وهي تراه يطالعها بنظرات مستمتعة..
بادلته النظر لتتضرج وجنتيها بحمرة الخجل عند تذكر ما حدث بينهما من أحداث ليلة أمس العاصفة..
ابتسم مُصعب المتنعّم بقربها الشديد منه ثم ربت على مقدمة رأسها بحنان وراقب نظراتها هادرًا
((صباح الخير))
ازدادت حُمرة وجنتيها إلا أنها استوت جالسةً وهي تتمتم بخفوت حانق
((لكن لم تأكل شيء مِمّا أعددته في الأمس))
ضحك من قلبه على كلامها ثم رفع إحدى ذراعيه ليلامس بأصابعه خصل شعرها هادرًا بعاطفة
((كنتِ في غاية الجمال والسخاء دون تحفظ في الأمس))
برقت عينا نورين فجأة لتقول بلهفة ونعومة
((انتظر قليلا سأذهب لأغسل وجهي أولا.. ثم آتي لك بشيء))
قفزت من السرير تتجه نحو الحمام وسرعان ما خرجت منه وهي تجفف وجهها بينما تسأله عن الجلبة التي حدثت قبل قليل
((هل كان أحد هنا؟))
أخبرها مُصعب الذي يضع طبقا ممتلئا فوق المنضدة الملاصقة للسرير
((لقد جلبت لي نجوم طبق طعام تقول بأنه من سمية))
سارت نورين إلى خزانتها تفتحها وتخرج شيئا منها
((أنا محظوظة بسمية، إنها ترسل لي منذ أن خسرت الجنين يوما بعد يوم من الأطايب التي أحبها))
تساءل وعينيه على الكيس الورقي الفخم الذي تمسكه
((هل هذه الهدية لي؟))
جلست على السرير متربعة وهي تقول بحماس بينما تناوله الكيس
((نعم، اشتريت لك هدية عطر رجالـي فاخر، كنت سأريه لك في الأمس، لكن لم تسمح الفرصة))
انتهى مُصعب من إزالة الورق اللامع ولف الذهول نظراته فقال وهو يتفحص العطر
((إنه من ماركة غالية جدًّا، لماذا اشتريته لي؟))
عبست في وجهه تدعي التدلل
((تسأل عن السعر بدلا من أن تعبر عن امتنانك لي))
التفت لها وزاوية ثغره تميل لترسم ابتسامة جانبية
((نعم سأعاتبك، مدخرات مصروفك الذي أعطيه لك لا تسمح لك باقتناء شيء بهذا السعر! أخبريني كم سعره بالضبط حتى أعوضك؟))
ناغشته ردًا وهي ترفع يدها كي تلامس ذقنه
((لا علاقة لك بسعر هذه الهدية..))
زادت ابتسامته الرجولية اتساعا ليعبث
((إذن سأكون ملزما أن أردها لك بهدية أبهظ منها))
ابتسمت له بغنج ناعم بينما تهز كتفيها
((هذا الأمر يعود لك))
مد مُصعب يده يلتقط الطبق الذي صنعته سمية قائلا
((كلي قليلا منه..))
أقترب أكثر منها ورفع الملعقة يحشرها داخل فمها قائلا
((عليك أن تنهيه كله..))
وهي لم تمتنع فقد كانت شهيتها مفتوحة والطبق بغاية اللذة..
=============================
في شركة القاني..
في إحدى القاعات الضخمة داخل مبنى الشركة كانت تقام احتفالية سنوية تأسيس فرع شركة القاني الثانية.. اليوم هو الذكرى العاشرة على تأسيس هذا الفرع فكان الحفل ضخما وأكبر بكثير من حفل الإطلاق نفسه.. حتى أن الاحتفال رعاه دولة رئيس الوزراء وحضر معه ثلة من أصحاب المعالي والعطوفة وعدد من مسؤولي الشركة وشركائها المحليين، إضافةً لممثلي الصحافة والإعلام والمختصين والخبراء في هذا المجال..
من كثرة الأشخاص المهمين شعرت شيرين بنفسها غاية في الضآلة أمامهم.. لكنها لم ترغب بمغادرة هذا الحفل وقد شعرت بجمال شعور أن تكون بين الأناس الأغنياء والمهمين وممن يحظون بمناصب مرموقة..
جذب انتباهها صوت أحد الرجال بينما يتقدم منها لترسم ابتسامة وهي تنتبه بأنه أحد مدراءها السابقين عندما كانت مجرد موظفة خدمة عملاء في هذه الشركة..
قال المدير الخمسيني لها بترحيب وحفاوة
((لا أصدق لقائنا هذا، لم أراكِ أبدًا منذ انتقالي لفرع العاصمة))
تألقت الابتسامة على ثغرها لتقول بمرح
((أنا مسرورة جدًّا لرؤيتك يا سيدي، أنتَ من أكثر المدراء الذين قابلتهم في شركة القاني لطفا، بل الأصح أن أقول الوحيد، حتى عندما أصبحت مشرفة لم أعرف أن أتحلى ولو بربع تفهمك ولطفك))
قهقه المدير عاليا يشاركها الضحك على كلامها ولم تجد شيرين أي ضرورة للتحفظ معه وهو فعلا من أكثر المدراء الخلوقين والخدومين الذين مروا عليها.. خفتت ضحكات المدير بينما يسألها
((ما هي آخر أخبارك يا شيرين؟ هل تزوجتِ؟))
ارتبكت ملامح شيرين فجأة وترددت قبل أن تجيبه
((لا ما زلت عزباء))
ورغما عنها انحسرت ابتسامتها ولولا يقينها بأخلاق مديرها هذا لم تكن لتسمح له بمثل هذا السؤال الشخصي..
هتف أحد الرجال من زملاء المدير باسمه يدعوه للتسليم على رجال آخرين فتطلع المدير لشيرين يقول بعجل لا يخلو من التهذيب
((أنا أعرف يا شيرين رجل خلوق ذو مكانه مرموقة تعب من العزوبية ويريد الزواج، ويبحث عن بنت حلال مثلك، سأرسل صورته لك على رقم هاتفك لو تكرمتي وأعطيته لي الآن، وإذا ما شعرت بأي بادرة قبول أعلميني رجاءً لعل النصيب يحدث بينكما))
ازدردت شيرين ريقها وأخفضت بصرها بينما يكمل المدير بحرج واعتذار
((يبدو أن كلامي كان مباشرا وبدون مقدمات وبطريقة غير لائقة، ولكن أنا أتمنى حقا من أعماق قلبي أن تعطي الرجل فرصة))
ابتسمت شيرين بتشنج لتقول بينما تكتب له رقمها على هاتفه
((لا بأس أرسل لي صورته ورقمه وسأفكر بالعرض))
أشرق وجه المدير بالفرح هادرا
((لا تتصورين سعادتي الآن! صديقي هذا رجل محترم وأتمنى أن ينال إعجابك))
غادر المدير يلحق بزميله الذي لا يزال يشير إليه للانضمام لهم.. ولم يمضِ وقتٌ حتى وصلت رسالة لشيرين تتضمن صورة صديق المدير.. ففتحتها وسرعان ما جحظت عيناها بصدمة.. فصورة العريس كانت لرجل خمسيني أو ستيني.. المهم أن رأسه قد اشتعل شيبًا.. والله أعلم ما سبب بقائه حتى الآن بلا زواج! شعرت بإهانة بالغة جعلتها ترغب أن تجهش بالبكاء وسط جموع الناس في هذا الاحتفال.. خاصة وأن الموسيقى من حولها وربما لن ينتبه أحد لها!
هل هي بنظر الناس وصلت للعمر الذي يجعلها عروسًا مناسبة لرجل مثله؟ صحيح أنها في السنوات الأخيرة أصرت أنها لن تتزوج إلا من رجل يكبرها بالكثير فمعظم الذين يتقدمون لها من عمرها أو أصغر منها
يخبرونها صراحة بأنهم تقدموا لها على شرط أن تظل بعملها وتساعدهم بالإنفاق! هي لا تريد ترك عملها بعد الزواج ولكنها في ذات الوقت لن تقبل أن يتزوجها صعلوك عاطل عن العمل من أجل راتبها وحسب..
لكن لا يعني أن تقبل الزواج برجل يكبرها بهذا المقدار!
أغمضت عينيها وأخذت نفسا عميقا! ربما عليها التفكير بجدية في عرض وليد بالزواج ليس من أجل والد سهر وحسب بل من أجلها هي.. فذلك اللعين وليد هو من ضيع عليها كل تلك الفرص في زواج مكافئ بعدما شوه سمعتها ثم حاصرها طوال هذه السنوات!
.
.
مساءً.. منزل عائلة سهر..
عادت شيرين من الخارج ثم دخلت غرفة النوم لتتمدد على السرير بينما تطلب رقما ما على الهاتف.. تنهدت تُقوي نفسها وما إن جاءها الرد حتى باشرت دون مقدمات
((بعد تفكير مضني وعميق أريد أن أخبرك بأني موافقة على عرضك للزواج مني يا وليد))
همهم لها وليد قبل أن يتهكم
((تفكير حكيم من شخص متهور ومتسرع مثلك))
قاطعته بصلابة تملي عليه
((لكن لدي شروط..))
ارتفعت زاوية فاهه قائلا
((ما هي؟ أفحميني..))
بنفس نبرتها السابقة أجابت
((أريد كل الأوراق التي تثبت بأنه يمكنك التبرع بجزء من كبدك لوالد سهر، وأنا بطرقي الخاصة سأعرف كذبها من صحتها حتى أتأكد من أنك لا تخدعني، فقد سمعت بأن التبرع بالكبد يجب أن يكون من قريب للمريض وأنت لا تمت بأي صلة لسهر.. هذا أولا..))
قال بثقة دون أن يرف له جفن
((لك كل الحق، بعد انتهاء عملك مري على مكتبي وسأكون قد جهزت لك كل الأوراق اللازمة))
صمتت قليلا ولا تنكر أن ثقة وسرعة ما قاله أراحها قليلا.. قد يكون حقا صادق ولا يتلاعب بها.. فتمتمت
((ممتاز..))
حثها وليد على الإكمال
((وثانيا؟))
قالت شيرين بصوتٍ أجوف.. أقرب للموت
((ثانيا أريد أن تتحدث عن براءتي من البهتان الذي قلته في حق سمعتي وما قذفتني به قبل سنوات عندما تركتني في ذلك اليوم..))
لم يدعها تكمل وهو يقاطعها بشيء من الانفعال وقد نجحت في جعله يتخلى عن تسليته في استفزازها
((وهل كنت لأتحدث علنا في سمعة فتاة كنت أعرف جليا بأني لن أتركها طويلا وسأعود لأتزوجها عاجلا أو آجلا! إنها أمي وبغير علمي من نشرت ذاك الكلام، وفي الحقيقة لم ألمها فقد كان قلبها محروق على وحيدها وهو يتعرض للخيانة من خطيبته، ففعلت ما فعلته بغير وعي أو إدراك منها.. لكن على كل حال، فمجرد عودتي لك سيكمم الأفواه في القرية عن أي كلام قد طالك))
أرجعت رأسها للخلف وهي تهدر بغضبٍ شديد
((لن أتحدث في موضوع الخيانة، فأنا وأنت نعرف أنه في الماضي لم يكن هناك خائن بيننا سواك يا وليد..))
حاول وليد التحلي بالصبر والهدوء وهو يسمعها.. رغم يقينه من أنه لن يتقبلها كزوجة له إلا بعد أن ينتقم لنفسه من خيانتها له في الماضي.. وخيانتها له في الحاضر.. إذا لم يفد بعده عنها طوال السنوات الماضية وزواجه من غيرها في إطفاء النيران المتأججة في قلبه أو تطييب جراحه.. فزواجه منها سيفعل! فتمتم أخيرا بفتور
((هل هناك شرط ثالث؟))
زمّت شفتيها بضيق للحظة.. ثم قالت على مضض
((نعم.. العلاقة الزوجية..))
زاغت عيني وليد بخفر عند هذه الكلمة ليتذكر حقيقة أنها تزوجت رجل قبله.. خطى في الرواق بضع خطوات ثم توقف وهو يتراجع حتى استند للجدار برأسه محدقًا في السقف بعينين زجاجيتين.. ودون أن يشعر وجد كفيه تضغطان الهاتف بكل قوته حتى نفرت العروق في عنقه..
أخيرا سألها من بين أسنانه
((ما بها العلاقة الزوجية! ألا يكفي بأنك تزوجت من رجل قبلي.. وليس أي رجل.. بل ابن عمي!))
هدرت شيرين بدفاعية توقفه عند حده
((على رسلك يا وليد.. فأنتَ أيضًا تزوجت من امرأة قبلي.. كنت تعاشرها طوال عشر سنوات أما أنا فلم يستمر الأمر بيني وبين مُعاذ أكثر من أسابيع..))
وجد نفسه يصرخ بهياجٍ مكانه وهو يركل جدارًا بقدمه غير آبها لسماع أحد العاملين في مكتبه له
((ادخلي مباشرة في الشرط الثالث وحسب))
تلاعبت ابتسامة جنونية بشفتيها أخفت عنه بؤسها وأرضتها.. لا تصدق حقا بأن خدعة زواجها انطلت عليه.. حقا لا تصدق! كما لا تصدق أن مُعاذ لم يفشِ بحقيقة ما حدث.. كل الأمور تسير إلى صالحها بسلاسة رهيبة! تلك الفكرة المجنونة التي ظهرت لها بغتة وارتسمت أمامها بلا سابق تخطيط كلوحة واضحة المعالم قد نجحت..
لكن تسرب المقت فجأة إلى خلايا جسدها وتحسرت بأنه عاجلا أو أجلا سيكتشف وليد حقيقة أن زواجها من مُعاذ ما هي إلا خدعة سخيفة..
قطع وليد حبل أفكارها بنفاذ الصبر
((أنا أنتظر يا شيرين شرطك الثالث..))
أجابته بهدوء خادع
((شرطي الثالث بأنه لن يحدث بيننا أي علاقة زوجية قبل أن تتم الجراحة وتتبرع للسيد فايد! كنت سأشترط ألا نتزوج قبل عملية والد سهر الجراحية لكن أعرف بأن الثقة بيننا معدومة لذلك سأقبل أن يقام حفل الزواج، هنا نكون قد وصلنا لحل وسط يرضينا نحن الاثنين))
توترت قليلا عندما لم تجد منه ردا لكنه سرعان ما قال بهدوء قاتم ((موافق..))
ردت عليه شيرين بنفس الهدوء
((عملي وصديقاتي لن يتغير فيه شيء بعد زواجي منك، يفترض أن يكون هذا الأمر مفروغ منه لهذا لم أضعه في قائمة شروطي المبدئية، وإذا وجدت أي حاجة لإملاء المزيد من الشروط سأطلعك عليها يا وليد لاحقا))
خرج منه صوت مستهزئ قبل أن يقول بصوتٍ مغتاظ
((سأكون أكثر من مرحب لأستمع لها بأي وقت..))
أبعد وليد الهاتف عن أذنه ينوي إغلاقه قبل أن تعاود القول
((لحظة، وليد.. هل لا زلت معي؟))
عقد حاجبيه يسألها بخشونة
((نعم أنا كذلك.. هل طرأ على ذهنك أي شروط أخرى؟))
قالت شيرين له بصوتٍ يلفه التحقير والنفور في آن واحد
((لا ليس شروط.. لكن أجد بأني مضطرة بحكم الأخلاق أن أخبرك بأن حياتك ستكون كالجحيم معي، فأنت أكثر رجل أكرهه وأشمئز منه ولا أطيقه في هذا العالم، ولولا والد سهر وعائلتها التي أدين لها بالكثير لما كنت سمحت لنفسي أتزوج من حقير مثلك))
ثم أغلقت شيرين الهاتف دون أن تنتظر منه أي كلمة.. يكفيها الانتشاء برشقه بين الحين والأخر بكلمات سامة لها مفعول قاسي على أي رجل يمتلك كبرياء..
غادرت شيرين غرفة النوم للخارج دون أن تلاحظ شحوب ملامح سهر التي استمتعت لمحادثتهما كاملة..
=============================
في اليوم التالي..
دلف وليد لداخل مكتبه ينكب على عمله ويدفن نفسه بين ملفاته وأوراقه المتكدسة عندما وصل إليه صوت جلبة وضجيج من الخارج.. استقام واقفا من مكانه باندفاع عندما فُتح باب مكتبه بهمجية ودلفت منه امرأة للداخل يبدو عليها علامات العدوانية..
أمسكت مساعدة وليد ذراع المرأة معتذرة بحرج
((لقد دخلت يا سيد وليد هنا رغما عني ولم تقبل أن تعطيني اسمها لأعرف إذا ما كان لها حجز اليوم))
كانت مساعدته لا تزال تحاول جر المرأة الواقفة بصلابة أمام وليد إلى الخارج.. عندما غمغم بصوتٍ متشكك وهو يضيق عينيه المصوبتان نحوها
((سهر.. سهر الفايد؟))
كانت سهر واقفة مكانها تلهث وكأنها قطعت سباقًا طويلًا فقد كانت تسابق خطواتها السريعة في صعود الدرج للوصول إلي حيث يقبع مكتب وليد في هذه البناية.. فتمتمت مجيبة بأنفاسها المتقطعة
((نعم صحيح أنا سهر))
تطلع وليد بملامحه الحادة لمساعدته يأمرها
((يمكنك تأجيل أي شيء في جدولي لوقت لاحق))
أومأت له المساعدة برأسها مطيعة بينما تستدير على عقبيها للخارج وتوصد الباب خلفها.. فسارعت سهر إلى المنضدة أمام وليد تنحني وهي تضرب على سطح مكتبه بقبضتيها هاتفة بنبرة نارية
((بدون أي مقدمات، يمكنك مشكورا أن تتبرع لوالدي إذا أردت لكن أنا لن أسمح لك أن تتزوج من صديقتي))
ظل وليد ينظر لوجهها بصمتٍ قاتم للحظات ثم تساءل بهدوء وبريق خافت متهكم يلمع من عينيه
((هل شيرين هي أكثر أهمية عندك من والدك؟))
اشتد الغضب داخل سهر واندفعت الدماء برأسها في غليان متصاعد.. يستحيل أن تقبل على صديقتها الزواج برجل مثله! بدون وعي هتفت به بشراسة
((لا أنا ولا والدي قد يقبل لشيرين أن تتزوج من شخص حقير قاسي مثلك..))
نظراتها العدوانية المصوبة نحوه بثت النشوة في جسده فأكمل بنبرة مستفزة
((حسنا لن أتزوجها ولن أتبرع))
ألقت سهر عليه سيل من الأسئلة المستنكرة بغضب ملامحها ونبرتها الصلبة المشحونة
((لماذا لن تتبرع له؟ ما الذي قد يضرك لو تبرعت؟ سيأخذون بعملية جراحية جزء من كبدك ويضعونه داخل أبي، وكبدك سينمو ويعود إلى حجمه الطبيعي وقدرته في غضون شهرين بعد إجراء الجراحة، وفي الوقت نفسه سينمو جزء الكبد عند أبي ويستعيد وظائف الكبد الطبيعية لديه.. ما الذي قد تخسره لو فعلت ذلك؟))
كتم وليد ضحكة صاخبة مكتفيا بابتسامة مستهزئة رققت ملامحه الحادة ليقول أخيرا مختصرا
((الحقيقة لا أحب أن أقوم بأي شيء دون مقابل))
مسدت سهر جبهتها بأصابعها مرتبكة ثم قالت على مضض
((إذن فلا تفكر بأني قد أسمح لك أن تتزوج من شيرين، ولو أصرت شيرين فسأخبر أبي بكل شي وهو بنفسه من سيرفض عرض تبرعك، لا يمكن أن يعيش أبي على حساب عذاب شيرين))
ثم شمخت بنظرها وحدجته بنظرةٍ حادة أخيرة وهي تردف من بين أسنانها بتحدٍ سافر
((مقدما أقول لك أن زواجك بها لن يتم، هي اكبر من أن تتزوج من رجل كان أهون ما فعله بها في الماضي تركه لها في ليلة زواجهما والتزوج من أخرى))
بلحظة واحدة طفا شيطان وليد فضاعت ابتسامته بإظلام عينيه اللتان تلونتا بشيء من لون الدماء.. وتوحشتا..
يدرك بأن سهر قادرة فعلا على إثناء شيرين عن موافقتها.. وبحركة محتدة كان يستدير لإحدى الخزائن الموضوعة في ركن ما ويفتحها.. أخرج من إحدى جواريرها مجلدا كان قابعا في الداخل.. ثم استدار نحوها يهتف بقوة
((وهل سألتي نفسك عن السبب الذي جعلني أتركها في نفس يوم زفافنا؟))
ازدردت سهر ريقها من انقلاب هيئته لتجيب
((بلى أعلم، لقد أخبرتني شيرين عن سبب تركك إياها..))
قاطعها بحدة ((لا أظن فعلا بأنها أخبرتك بخيانتها لي فتصرفاتك وكلامك لا يوحي بأن هذا ما قالته))
شحبت ملامح سهر وخفق قلبها بخوفٍ حقيقي بينما تتمتم باقتضاب
((خيانة؟ لا يمكن لشيرين أن تخونك أبدًا..))
غمغم وليد ببرود
((بلى فعلت))
كانت سهر تهز رأسها غير مستوعبة ما نطقه لذا همست متهكمة
((هل تقصد بكلمة "خيانة" معنى مجازي أم معنى..))
قاطع شكوكها بنبرته الحادة الراسخة وهو يناولها الأوراق الموضوعة في ملف
((خذي واقراي تلك الرسائل التي كتبتها للشاب الأخر، وكلها مكتوبة بخطها، كانت قد كتبتها قبل وقت قصير جدًّا من موعد يوم زفافنا.. يدعى ذاك الشاب نائل.. هذه هي صورته))
في نهاية حديثه أخرج صورة لشاب بدا في مقتبل عمره فنظرت سهر إلى الصورة
((لا يمكن أن أصدق ذلك..))
قال وليد بصوت مشروخ متحشرج
((وأنا لم اصدق هذه الرسائل، فواجهتها وسألتها، كنت مستعدا أن اصدقها لو كذبت عليّ وقالت بأن كل ما كتبته لذاك الشاب ما هو إلا أوهام وأكاذيب، ولكنها لم تفعل، بل قالت بشكل واضح وصريح بأن ما شعرته تجاه ذاك الشاب نائل كان حبا))
رفعت سهر يدها إلى عنقها شاعرة بغصة تمنعها عن التنفس وهي تهمس بغير تصديق ((أنتَ كاذب))
رد وليد بصوتٍ ميت ((أنا أتفهمك ولكان عندي نفس ردة فعلك لو كنتُ مكانك، ولكن خذي وقتك يا سهر في قراءة هذه الرسائل ثم واجهي شيرين))
هتفت سهر بتخاذل
((لا يمكن.. مستحيل.. لم أسمع بهذا المدعو نائل طوال عمر صداقتي مع شيرين..))
تضاربت مشاعر وليد بعنف ليطل منها احتياج صارخ أن يحطم أي شيء أمامه.. فتابع هتافه بنبرته القوية
((ضعي نفسك مكاني، ماذا كنت ستفعلين لو عرفت في نفس اليوم المقرر لزفافكما بأن المرأة التي حاربت الجميع للزواج منها تخونك بالمشاعر وتتبادل رسائل الحب مع شاب آخر؟))
راقبت بتوجس رهيب تجهم ملامحه ونظراته النارية..
إنه يكذب.. مؤكد هو يكذب.. ازدردت ريقها قبل أن تسأله
((كيف عرفت بها؟))
ردّ بصوتٍ مخيف رغم انخفاض نبرته
((الشاب نفسه كتب لي رسالة يشرح فيها الانهيار والدمار الذي يكتسحه لأنها تركته ورفضت أن تتزوجه من أجلي، لأني من عائلة ذات خلفية اجتماعية واقتصادية أفضل منه))
تسمرت مكانها وقد فقدت ملامح وجهها جميع ألوان حيويتها فعرض عليها ببساطة
((أُفضل أن تذهبي لمكان آخر وتقرأي هذه الرسائل على راحتك، فاليوم حافل بالنسبة لي وهناك مواعيد مهمة مع عملائي، لا أستطيع أن أضيع وقتي أكثر..))
ارتجفت يدي سهر الممسكة بالأوراق بينما تتلعثم بارتباك وتشتت
((وليد أنا.. أنا سأقرأ كل شي ولكن.. لكن..))
بدا صوت وليد أجش وهو يقول
((أنتَ مستغربة مني أني لا زلت أريدها حتى بعدما خانتني أول مرة بتلك الرسائل، وخانتني المرة الثانية بعد زواجها من ابن عمي، نعم معك حق، ولكن ماذا أفعل! هذه هي إرادة قلبي السخيف! إنه مُصر على إذلالي))
تماسكت سهر بشق الأنفس وكانت تريد أن تستدير للخارج عندما ناداها مجددا وهو يناولها أوراقا أخرى
((قبل أن تغادري، أعطي هذه الأوراق لشيرين، لقد طلبتها مني حتى تتأكد من صدق كلامي بشأن التبرع))
تشبثت سهر بإطار الباب وهي تترنح بملامح شاحبة لكنها أجبرت نفسها على سحب الأوراق منه بعصبية قبل أن تغادر للخارج بخطواتٍ سريعة مندفعة..
.
.
مساء..
كانت شيرين تتوسد سريرها وتقرأ كتابا ما كمحاولة للاسترخاء بعد ضغط يوم عمل مرهق.. عندما طُرق باب الغرفة سمحت للطارق بالدخول لتدلف تمارا والدة سهر تتقدم نحوها بعصبية هادرة بجنون
((أين هي سهر؟ هاتفها مغلق وخطيبها المسوف المحتال يرن عليّ منذ ساعة! يبدو أنها لا ترد عليه حتى))
اعتدلت شيرين شبه جالسة وهي تقول بخفوت
((وأنا أيضًا لا ترد عليّ))
رفعت تمارا هاتفها تنظر له بغل عندما صدح صوت رنينه مجددا ثم ناولته لشيرين تقول بغيظ عارم
((ردي على هذا المحتال فهو يتصل بي بإلحاح ويظنني من أمنع سهر من الرد عليّه، أخبريه أن سهر ليست هنا، لأني لو أجبت على اتصاله لن يحدث خيرا أبدًا))
غادرت تمارا غرفة النوم تترك شيرين في مأزق حرج وهي محتارة إذا ما كان عليها الرد على خطيب سهر..
لكن وقبل أن يخفت رنين الهاتف سارعت تجيب بادئة بلطف زائد رغم توتر صوتها
((مرحبا سيد قصي.. أنا شيرين.. صديقة سهر..))
استغربت شيرين سماع صوت تأتأة من جهته وكأنه صدم من هوية المجيب.. قبل أن يسعل بمحاولة تجلية صوته ويرد عليها برسمية وصوته الرخيم يدل على هيبته صاحبه
((مرحبا، آنسة شيرين..))
تشنجت قسمات شيرين المبتسمة بينما تقول بصوتٍ لبق
((سهر ليست في البيت، نحاول الاتصال عليها ولا ترد، لكن أظن بأنها بخير، لا تقلق عليها يا سيد قصي))
رد قصي بإيجاز قبل أن يغلق الخط عليها
((إلى اللقاء..))
اتسعت عينا شيرين باستغراب وهي تنظر للهاتف لا تصدق كيف اختصر حديثه معها بهذا الشكل! منعدم اللباقة.. لكن شردت عيناها قليلا وهي تفكر بأن صوته مألوف جدًّا لها رغم أنها لم تتحدث له سابقا! هي أصلا لم تراه إلا مرة أو مرتين من بعيد أثناء عقد قرانه بسهر!
ضيقت شيرين عينيها تعتصر عقلها وتحاول جيدا تذكر من لديه صوت مشابه له دون فائدة..
انتشلها من شرودها صوت سهر فرفعت نظرها لها لتجدها تقف عند عتبة الباب بملامح متجهمة..
اتسعت عيناها وتحفزت تقوم من مكانها نحوها تسألها باستهجان
((سهر أين كنت طوال هذا الوقت؟ هاتفك مغلق، حتى أنك لم تعلمي أحد بمكان تواجدك))
في آخر حديثها رفعت يدها تمسك مرفق سهر التي سرعان ما نفضتها لتقول بصوتٍ متعب
((اتركيني يا شيرين))
بدت سهر بوجه آخر وهي تتحدث معها.. وجه متعب ومرهق رغم تماسكه.. لتتوجه ببطء نحو السرير تجلس على طرفه بإنهاك قبل أن ترمي كومة الأوراق التي تمسكها فوق السرير.. فتساءلت شيرين بتردد وشعور من عدم الاطمئنان يتسرب لقلبها
((ما هذه الأوراق؟))
رفعت سهر وجهها الجامد تجيبها بفتور
((هذه إثباتات بأن وليد قادر على التبرع لوالدي بجزء من كبده))
نظرت شيرين لها بتشكك وتبين لها سبب تصرف سهر معها.. فتصلبت نبرتها وهي تتساءل
((هل كنتي عند ذاك المنحط وليد؟))
زمّت سهر شفتيها للحظات قبل أن تجيبها بنبرة لائمة
((شيرين لقد أخبرني وليد عن سبب تركه لك في يوم زفافكما..))
كتفت شيرين ذراعيها تتساءل بصوتٍ قوي
((وماذا أيضًا قال لك لتنقبلي عليّ بهذا الشكل الفظيع؟))
ردت سهر بلامبالاة ظاهرية
((لا يوجد مزيد، فقط أخبرني عن السبب، وعن تلك الرسائل التي كتبتها لزميلك المدعو نائل))
مالت شيرين بفمها ممتعضة لكنها قالت ببرود
((دعيني أخبرك كل ما حدث بالتفصيل قبل يوم زفافنا، فكل الأحداث تبدو مثالية حينما تُروى من طرف واحد، لكن سرعان ما ستتغير نظرتك بل وتنقلب إلى الضد ما أن تسمعيها من الطرف المقابل))
ضيقت سهر عينيها تسألها بتوجس
((وضحي لي كل شيء وسبب ما كتبتيه))
=============================
في المدينة..
أمام منزل غنوة..
ركنت غنوة دراجتها النارية لتحرر رتيل أخيرا أصابعها المتشبثة بقوة بمعطفها وتترجل من الدراجة النارية بحذر.. خلعت الخوذة الواقية بينما تقول بنشوة
((رباه كم هو جميل ركوب الدراجة يا غنوتي، كلما اعتلي الدراجة خلفك بينما تقودينها أشعر وكأنني أحلق))
ضحكت رتيل بانتشاء وبهجة تجربة الدراجة النارية ثم تمتمت مردفه
((عندما سمعت مُصعب مرة يسأل زوجته عن شعورها وهي تستقل الدراجة وتجلس خلفه وأنا أنام وأحلم بركوبها، وبفضلك تحقق حلمي في تجربتها، أضحى أحب ما على قلبي المجيء عندك وركوبها كما تجرب نورين دراجة زوجها))
ركنت غنوة الدراجة النارية عند منزلها ثم وضعت الأقفال عليها متهكمة
((جربتيها بالضبط كما فعلت نورين، بل وعلى نفس دراجة زوجها تلك التي سرقتها))
اختفت ابتسامة رتيل تماما بغيمة سوداء أخفت لمعان عينيها وهي تتذكر أن هذه الدراجة كانت هي السبب في جعل غنوة تسرقها من مُصعب.. صحيح بأنها قامت بالتسلل ووضع مغلف في سيارته بثمن قيمتها بل وأكثر.. لكن هذا لا يقلل من ذنب السرقة! فتمتمت باختناق
((أحكمي إغلاق قفل الدراجة يا غنوة))
ولجت رتيل منزل غنوة ثم أوصدت الباب خلفها.. بدأت جلبتها في حل عقد وشاحها لتقول غنوة بحنق وهي تقفز متمددة على إحدى الأرائك
((رتيل عليك التوقف عن ارتداء تلك القمصان الطويلة والحجاب عندما تأتين إلى هنا، إنها حتى تعيق ركوبك للدراجة، لا أعرف كيف تستمتعين أثناء ارتداء مثل هذه الأشياء الفضفاضة الواسعة، الحجاب مكانه القرية فقط))
حدجتها رتيل بنظرات خطيرة وهي تتمتم بتحذير
((اختصري يا غنوة! كم من مرة عليّ أن أقول لك لا تتناقشي معي بهذا الموضوع))
لوت غنوة فاهها وهي تشيح بوجهها جانبا.. أما رتيل فقد كانت حقا تحب غنوة وتحب الأيام التي تقضيها معها هنا في منزلها في المدينة.. بل هي أفضل أيام حياتها.. لكن المشكلة فيها هي وساوسها وضغطها عليها بأن تتحرر من كل القيم التي تتبناها.. وهنا فقط تحاول إيقافها عند حدها.. كما فعلت الآن قبل أن تحاول تلطيف الأجواء وهي تعود لهالة ذهولها السابق
((من علمك قيادة الدراجات يا غنوة؟ لطالما أصابني شغف الدراجات النارية منذ طفولتي))
رفعت غنوة رأسها بغرور فطري وقالت منتشيه بفخر
((معي الرخصة منذ زمن! ولشح المال لم أستطع توفير ثمن الدراجة لكن بفضلك أو بفضل شقيق زوجك ها قد أصبحت عندي واحدة))
أومأت لها رتيل رأسها فقالت غنوة مقترحة بحماس وهي تعتدل جالسة على الأريكة
((ما رأيك أن نستضيف الآن حفلة راقصة؟))
تسرب الضيق لوجه رتيل وهي تقول بامتعاض
((لا.. لا أريد..))
غمغمت غنوة باقتضاب
((لماذا؟ سأضع أغانيك المفضلة والأضواء وسنستمتع سويا مع صديقاتي اللاتي سأدعوهن، ربما أعلمك أيضًا بعض حركات رقصة جديدة لا تعرفينها))
كتفت رتيل ذراعيها تقول بهدوء متناقض مع السخرية التي علت ملامحها
((لا يا غنوة، لا أريدك أن تدعي أحدا آخر عندما يأتي موعد زيارتي الأسبوعية لك، لا أرتاح لصديقاتك، إنهن أسوء منك بالتحرر.. أوه فقط انسي..))
هزت رتيل كتفيها في نهاية حديثها بلامبالاة لا تريد الخوض أكثر في الحديث.. في حين عادت غنوة تقترح وهي تلامس خصلات شعرها
((كنت أفكر بأنه مضى وقت طويل لم أغير تصفيفة ولون شعري.. هل تحبين أن تغيري أيضًا وتجددي معي؟))
تنهدت رتيل ثم قال بصوتٍ يلفه البؤس متحسرة
((لا لن أغير شيء، مُؤيد يكره أن أصبغ شعري ويحذرني أن أفكر في ذلك حتى، لا لشيء إلا أنه كرجل متخلف ينظر لصبغ الشعر نوع من أنواع الانفلات!))
قالت غنوة بامتعاضٍ أقرب للشعور بالغثيان
((يا إلهي أستاذ مانع وصل لمرحلة صعبة حقا، دماغه متعبة ولست متفائلة بأنه قد يُشفى يوما من التخلف))
أخفضت رتيل بصرها تقول بصوتٍ خافت
((بعد كل هذه السنين صرت أفهم تناقضاته وطباعه وأحاول التعامل مع غيرته واندفاع أفعاله قدر الإمكان))
نظرت غنوة بطارف عينيها لرتيل تقول بنبرة ذات مغزى
((لو كنت مكانك لتطلقت وارتحت منه..))
انتفضت رتيل كالعاصفة الهوجاء وعيناها تتطايران بشرر ناري لتهتف بغضب متأجج
((توقفي عن جلب سيرة الطلاق في كل مرة يا غنوة وإلا لن آتي هنا مرة أخرى، لقد بات الموضوع فعلا مزعج.. ألا حديث عندك إلا طلاقي؟))
لم ترتبك ملامح غنوة حرجًا.. بل على العكس ارتسم على وجهها الاستياء وهي ترد بامتعاضٍ شرس
((ألهذه الدرجة تحبينه رغم خيانته لك؟))
قالت رتيل بمنطقها وبصوتٍ أجش حزين
((المسألة ليست مسألة حب، بل إن الحياة مع رجل مثله أرحم من الحياة مع عائلتي المتعصبة، هل تعرفين أن العودة لمنزلي مطلقة حيث تعيش أمي المتزمتة بعادات الماضي المتخلفة وإخوتي الأكثر تشددا من مُؤيد يعني الانتحار؟ لن أقدر وقتها على القدوم عندك حتى!))
رفعت غنوة حاجبيها تمعن التفكير بكلام رتيل لتكمل الأخرى باقتضاب
((لو لم تكن لدي عائلة كعائلتي فأقسم لك لحاولت الطلاق حتى لو ترتب عن الأمر أن أتخلى عن ولديّ، ولجئت هنا لأعيش عندك بحرية))
وعند ذكر سيرة ولديها فهد وباسم.. تقوست شفتي رتيل لترتجف حزنا وحسرة
((آه ولديّ المسكينين! إنهما يخطران على بالي في كل مرة آتي هنا خاصة عندما أذهب معك لأي مطعم أو سينما، أقصى أمانيهم أن يذهبا معي أو مع والدهما إلى هذه الأماكن لكن مُؤيد يرفض رفضا قاطعا..))
تطلعت غنوة إلى ملامحها الشاردة الحزينة والذابلة ثم تساءلت بحيرة
((لماذا لا تجلبيهما معك؟))
أجابت رتيل بحزن وشعورٍ كئيب يغلف قلبها
((لا أستطيع أن أخاطر، إنهما صغيران وأخاف أن يفتنا عليّ لوالدهما أو أحد من العائلة فهما لا يستطيعان كتم السر أبدًا.. عليّ أن أكون حذرة إذا أردت ألا ينكشف هذا السر ولا ينفصل رأسي عن باقي جسدي))
ثم ازدادت ملامح رتيل بؤسا مكملة
((غدا عليّ أن أعود للقرية إلى حيث النكد والتكتم.. يا إلهي لا أريد العودة.. لا أريد.. لماذا تمر الأيام سريعة بشكل رهيب عندما أكون عندك، وتمر بطيئة كالجحيم عندما أكون هناك!))
تنهدت غنوة وتقدمت نحو رتيل تمد ذراعها تحيط به كتفيها وهي تشجعها
((حسنا دعينا نستغل آخر ساعات لك هنا قبل العودة بالمرح بدلا من التحسر والغرق في مآسي الحياة، هل أذهب بك لزيارة متحف أو معرض للفنون رغم كرهي لهذه الأماكن المملة؟))
تبدلت ملامح رتيل للنقيض لتتحمس ببهجة
((نعم.. نعم يا غنوة.. أعشق المتاحف وكل شيء له صلة بالتاريخ والفنون.. دعينا نذهب لهناك))
قالت غنوة بمرح وهي تغمزها بابتسامة
((من عيوني.. سأذهب لأبحث الآن عن المعارض المقامة قريبًا ونذهب لها معًا.. ربما يستضيفون أنشطة جانبية كالندوات والمحاضرات وعروض الأفلام أيضًا..))
حلقت عينا رتيل بلهفة وانفجرت أساريرها بينما تصفق بيديها
((سيكون هذا من حسن حظي..))
أما غنوة ففكرت بأن عليها أن تقلل من تحريض رتيل على الطلاق.. على الأقل بشكل مبدئي.. ثم هي وبل الأحوال تستفيد منها ماديا كلما جاءت عندها.. يكفي بأنها تدفع لها مبالغ طائلة كإيجار من نقودها عن كل يوم تمكثه هنا!
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!