لا تنسو التصويت ❤️❤️
طلب يزيد من والدته أن يتصفح صوره القديمة فلبت طلبه وعرضت كل الصور أمامه.. بمهارة طفل وخفة استطاع أن يسرق البوم صور له ويغادر متعذرا بأنه اكتفى من الاطلاع على هذه الصور.. تاركًا أمه تطالع بشجن الصور وحيدة قبل أن تقع بين يديها صورة قديمة لها فتلتقطها بأصابعها.. فتبدأ تتكالب عليها ذكريات الماضي لتنهش بقسوة شيء من قلبها..
رحلت ذاكرتها للماضي.. إلى ما قبل سنين..
بعدما تطلقت من زوجها الأول كامل وفقدت طفلها منه..
مرت لأشهر بوقت عصيب جدًّا.. ما بين كآبة وانهيار..
والدها قد توفي حديثا وأمها المريضة تبذل جهدها لمواساتها دون فائدة..
صرخت فجأة وهي تتهالك أرضا لتسارع والدتها بلحاقها.. فتجدها تكشف قميصها عن ظهرها لتفهم أمها أن سبب انهيارها وبكائها المفاجئ هو ملاحظتها بأن الطفح اليوم انتشر على ظهرها أكثر مما سبق..
بدأت أمها تبكي لبكاء ابنتها الوحيدة وهي تراها في حالة انهيار تام بعد طلاقها.. شكت إلى الله بينها وبين نفسها جور العباد.. ثم تمتمت بصوتٍ متحشرج
((انسيه يا سمية.. انسيه.. لقد طلبتِ الطلاق منه وأصررتِ عليه فتحملي مسؤولية قرارك..))
قالت سمية من بين بكائها بصوتٍ متقطع النبرات
((لم أتوقع أنني سأعاني بهذا الشكل بعد طلبي الفراق عنه..))
جثت والدة سمية على ركبتها إلى جوارها والتقطت كفها بين راحتيها قائلة بإرهاق
((إذا كنت ستعانين في الحالتين.. إذن سأذهب له، وأتوسل منه لو تطلب الأمر حتى يعيدك له.. ما رأيك؟))
هزت سمية رأسها يمينا ويسارًا وهي تتمتم بتوسل يائس حتى الموت
((لا أمي، من المستحيل أن أعود له.. لن أستطيع تحمل ما كنت أتحمله عندما كنت متزوجة منه.. لن أستطيع..))
ثم أردفت بشعور الغدر ذاك
((لقد عرفت بأن والدا كامل طلبا منه أن يفسخ خطبته مني ويتزوج من أرملة أخيه عندما مات شقيقه ولكنه رفض بحجة أنني انتظرته منذ سنوات ولا يستطيع أن يتركني فجأة فضلا عن اعتقاده بأنه يستحق فتاة لم يسبق وأن تزوجت مثله.. لكن بعد زواجه مني اكتشف فجأة بأنه بدأ يحبها))
تراخت تعابير الصدمة على وجه والدة سمية ثم فتحت ذراعيها لابنتها لتستجيب سمية منهكة وتلتجأ إليها معانقة.. شددت والدتها من احتضانها شاعرة بارتجاف جسدها لتقول
((ستتخطين الأمر إذن، وستعود بشرتك صافية نقية كما السابق))
قالت سمية من بين بكائها
((ولكن حساسيتي الموسمية هذه لم تكن يوما بهذه الفظاعة وهذا الانتشار بجلدي كما هي الآن!))
رفعت أمها يدها تمررها على شعرها بحنان وهي تؤكد
((ربما ولكنها ستزول))
أغمضت سمية عينيها ثم تمتمت بيأس
((لا أصدق بأن كل الأطباء الذين ذهبنا لهم عجزوا عن إيجاد علاج لي مكتفين أن يشخصوا سبب تفاقم حساسيتي الموسمية أنها أسباب نفسية فقط))
ابتعدت عنها أمها قليلا تحدثها بالمنطق
((إنهم محقون فالعوامل النفسية تزيد من حِدتها، والأطباء يعرفون العلاقة بين التوتر والقلق والجلد.. وكل هذا الطفح الذي انتشر سيزول عندما تتحسن حالتك النفسية، فتوقفي عن الحزن والانعزال وتسليم نفسك كفريسة للانطواء والاكتئاب))
تمتمت سمية بحشرجة وهي تهز رأسها
((الأمر ليس سهلا يا أمي))
مدت والدة سمية يدها تحيط يد ابنتها مجددا وهي تقول
((لذلك عليك الذهاب في أقرب وقت مُمكن إلى إحدى الحمامات المشهورة الحارة وسط صخور الجبل، والبقاء هناك لأسابيع بين شلالاتها الكبريتية الحارة وأملاحها الفريدة لعل الله يكتب لك علاج كل هذا الطفح والحساسية))
انزوى ما بين حاجبي سمية بينما ارتخت أهدابها وهي تسبلهما لتقول
((سأذهب إلى هناك أنا وأنتِ؟ هل سنتحمل أن نمكث أسابيع هناك؟ أنتِ تعرفين يا أمي أن أسعار الفنادق باهظة في الأماكن العلاجية والسياحية))
قالت أمها بصوتها المجهد
((لا زالت أموال مؤخرك معك وسأضيف عليها مبلغا إضافيا كنت أذخره منذ مدة لوقت الحاجة))
تطلعت سمية لأمها بحيرة وتردد قبل أن تتساءل بتوجس
((متى ادخرتِ تلك الأموال يا أمي؟))
قالت والدتها بشيء من الأسى
((سمية أصغي لي، لن أذهب معك فصحتي لن تتحمل أن أتنقل هنا وهناك.. سيذهب شخص آخر معك..))
صمتت سمية لدقائق قبل أن تسألها مجددا وصوتها يرتعش إرهاقا وضياعًا
((من هو هذا الشخص يا أمي؟))
برقت عينا والدة سمية بعزيمة.. ستنفذ ما تخطط له.. لن يهمها مصلحة أحد إلا ابنتها.. يعلم الله بأنها ما كانت تلجأ لهذا الأمر وتدمر مستقبل شاب كان لوالديه فضلا عليها هي وعائلتها بعد الله.. ولكن لقد نفذت من رأسها الحلول باستثناء هذا الحل..
.
.
بعد ذلك لم تعرف سمية ماذا حدث بالضبط أو كيف.. لكنه حدث! لا تدري كيف أقنعتها والدتها أن مَالك الذي لم تراه منذ زواجها بكامل وحتى بعد طلاقها منه قد عرض عليها الزواج فقط ليحل له مرافقتها إلى تلك البقعة العلاجية.. وبمجرد أن تنتهي رحلة علاجها حتى يطلقها دون أن يسجل هذا الزواج في المحكمة! حتى لا يعلم بزواجهما أحد من عائلته التي سبق وتحجج مَالك لهم بأنه سيؤجل إحدى فصوله الجامعية ليسكن مؤقتا في مدينة أخرى من أجل أخذ إحدى الدورات المهمة لتخصصه الجامعي!
لم تكن سمية مقتنعة أبدًا بهذا الكلام لكن إلحاح والدتها وعدم توازنها النفسي أو العقلي جعلها ترضخ في النهاية.. فتزوجته أمام الشيخ وأمها وقريبين لها وصديق له.. ثم حزمت أمتعتها.. وكانت تجلس بجانبه في إحدى الحافلات الذاهبة للمكان المنشود إليه.. دون أن تتحدث معه بكلمة في الطريق..
.
.
في اليوم الأول..
كانت قد وصلت إلى المنتجع السياحي والعلاجي.. حيث تسقط فيه مياه حارة من جبال قاحلة لتكون أحواض ماء أو حمامات صحية طبيعية تحيطها جبال داكنة.. وبفعل الحرارة الجوفية، تشق المياه الحارة صخورا نارية لتنهمر عيونا وشلاّلات، راسمة لوحة بانورامية ألوانها أحضان الطبيعة وعمقها إرث تاريخي..
بقيت سمية هناك طوال اليوم وعندما عادت إلى الفندق الذي تقيم فيه لم تجد أي أثر لمَالك..
لكنها لم تهتم بل عادت لتغرق في أحزانها وبكائها..
وفي صباح اليوم الثاني.. كان مَالك من أيقظها بعد أن أحضر لهما وجبة الفطور بوجه خال التعابير..
بعد الفطور أوصلها إلى الشلالات ثم مضى مغادرا تاركا إياها بمفردها.. ولم تكن تعرف بأنه يراقبها عن كثب من بعيد دون أن تشعر.. ومضى نفس المنوال لأسبوع كامل.. بعد ذلك عادت كعادتها من المنتجع إلى غرفتها في الفندق لتُفاجأ به يعود خلفها بدقائق ويخبرها بأنه سينام في نفس الغرفة معها.. لم تعترض أبدًا بل شعرت بحملها الثقيل عليه فقد كان ينام طوال الأيام السابقة عند الشلالات في العراء.. رغم أنه لم يكن في غرفة الفندق فراش أو غطاء إضافي إلا أن مَالك نام على أريكة صغيرة لا تتسع لطوله بعد أن أبدت هي رفضا غير منطوق بأنه لا يمكنه مشاركتها نفس السرير الواسع..
توسدت فراشها هي بملابس محتشمة ولم تتحرر حتى من حجابها..
حاولت سمية عند حلول الليل أن تكتم بكائها وانهياراتها المعتادة يوميا كروتين في مثل هذا الوقت لكنها لم تقدر..
فهلعت للحمام مهرولة تغلق الباب خلفها.. وقفت بملابسها تحت رشاش الماء في حوض الاستحمام تحتضن جسدها بانهيار.. وكل خلية في جسدها تنتفض..
ومع الثواني التي تزداد كان بكاءها يحتد فتنزلق عبراتها كالجمر وقلبها يئن بألم.. بوجع.. بشوق.. بضياع..
فُتح مقبض الباب فرفعت رأسها مصدومة.. لتجد مَالك يدلف للداخل ويقف أمامها وبصره يوجه لها نظرات ممعنة لم يسبق وأن وجهها إليها من قبل..
ظنته سيسارع الاعتذار لدخوله عليها هنا بالخطأ.. إلا أنه لم يفعل.. بل تقدم منها دون اكتراث يغلق رشاش الماء ثم يجتذبها له معانقا إياها بقوة غير آبها لملابسه التي تبللت أيضًا معها..
كانت منهكة الأعصاب.. متفجرة الحواس.. لم تملك قدرة أن تبعده بل على العكس.. ارتفع صوت بكائها عاليا..
وهو لم ينطق بحرف طوال الوقت بل شدد أكثر من احتضانها.. وظلا هكذا لدقائق.. طويلة.. جدًّا..
شعرت خلالها بطمأنينة تجتاحها من يده التي تمسد على شعرها المبلل بينما يهدهدها كطفلة بائسة.. وعندما خفت بكائها وهدأت ابتعد قليلا عنها ثم رفع وجهها المنكس قائلا بهمس حازم
((سمية افتحي عينيك))
ببطء فتحت عينيها تصوب نظرها المشوش بفعل الدموع عليه فأكمل
((انسيه وركزي على نفسك، لقد تزوج وانتهى الأمر، لقد سمعت أيضًا بأن أرملة أخيه بل من أصبحت زوجته حامل بالفعل بطفله))
لم تكن تعرف بأمر حمل أرملة أخيه.. فكان الأمر بمثابة القضاء على آخر أمل متبقي لها من أمنية سخيفة متمثلة في ندم كامل على ما فعله ويعود معتذرا لها.. وعندها فقدت أي قدرة لها على الثبات أو الصلابة وعادت تنفجر في البكاء وهي تنفض يده عن وجهها الذي أشاحته جانبا.. لكن مَالك لم ييأس فحاوط رأسها المبلل بكفيه ورفع وجهها لتنظر إليه عنوة ويخبرها
((لقد باعك بالرخيص فلماذا لا تنسينه وحسب؟))
هزت رأسها مُؤيدة بعزم ممزوج بالإرادة
((سأفعل.. سأنساه.. سأنساه مثلما فعل..))
مد مَالك إحدى ذراعيه دون أن يفلتها بالذراع الأخرى ليلتقط أقرب منشفة تطالها يده.. ثم لفها حولها وهو ينهضها من مكانها هادرا
((تعالي للداخل، عليك تغيير ملابسك))
استجابت وخضعت لأمره بهدوء مريب وهناك أجلسها على مقعد بلاستيكي.. ثم لثم جبينها يهمس بصوتٍ أجش
((سأذهب لإحضار ملابس جافة لك))
لكن وقبل أن يبتعد سارعت تحتضنه وهي تهمس بامتنان ورهبة منه
((شكرا لك يا مَالك لقدومك معي.. شكرا لك))
صدمت نفسها قبل أن تصدمه بما فعلته، بل تقبلها لقربه ما صدمها أكثر.. حتى لو كانت الآن زوجة له لكن هذا القرب كله منه.. ولثمه لها.. وعناقها له.. كله لم يكن يجب أن يحدث! أما مَالك فحرك حلقه بصعوبة وهو يشعر بنفسه غير قادر على التحمل أكثر.. بالكاد هو يمسك نفسه.. لكنه استدار وضمها إليه بقوة حتى كاد أن يدخلها في ثنايا عظامه.. قبل أن تتصاعد وتيرة أنفاسه فيبعدها عنه وتمضي نظراته لتستقر على عينيها المليئتين بالدموع.. ثم تهبطا إلى.. شفتيها..
((رباه..))
همس بصوتٍ أجش من إثر الرغبة وهو يجاهد للتحكم برباطة جأشه وعدم الانهيار.. لكنه كان أضعف بكثير وهو يرى حلمه متمثل أمامه.. بل ويربطهما رابط شرعي!
من جهتها لم تهبه أيّ رد وهو لم يكن بحاجة لإذن ليميل بوجهه عنها ويروي عطشه من منبع شفتيها بقبلة ناعمة شعر أثنائها باختضاض جسدها.. وبشيء من الرفض!
حرّرها مَالك وأسند جبينه على جبينها وتمتم بصوت أجش ومرتجفا بعض الشيء
((أنا.. أحبك))
ارتعشت خفقات قلبها بقوة وهي تنظر له بانشداه.. بردة فعل منها مختلفة كليا عندما اعترف لها بحبه أول مرة!
كانت تلهث بجنون فتشعل جنونه المشتاق لهفة ورغبة في التهور أكثر..
حاولت سمية الاعتراض ولو بكلمة لكن اختنقت الكلمات بالهجوم العاطفي السافر الثاني على شفتيها.. حتى كادت أن تقع أرضا لولا التفاف ذراعيه حول خصرها.. ودقيقة وراء أخرى أحس برفضها يقل وبسكونها يزيد.. وسرعان ما بدأت تذوب بسيل قبلاته الحارة.. وتنهدات روحه المحترقة.. وخفقات قلبه المتزايدة..
بعد مدة وجيزة.. أحست سمية بتشوش ذهنها وبدا كل شيء من حولها ضبابيا.. لم تعد تعرف أين هي وماذا تفعل! وكيف ذابت بين ذراعي مَالك حتى نالها كاملة.. بمنتهى الرقة.. منتهى العاطفة..
انتهى الأمر به يعانقها بقوة بينما يترك لها العنان لتبكي بقدر ما تشاء.. لم تكن تصدق ما حدث! كيف لم تستمر بمقاومتها له؟ هل بسبب فيض لمساته العجيبة؟ أم بسبب صبره وحنانه الذي أبداه نحوها؟
استمرت غارقة في دوامة الذنب وتأنيب الضمير، حتى أسدلت جفنيها تغط في نوم عميق.. أما هو فشدد من اجتذابه لها في هذا الظلام الدامس وقد أنهكه نيل المراد أخيرا أكثر من انتظاره!
.
.
في الصباح..
ابعد مَالك خصلة شعر عن خد سمية الذي سلبته الدموع الجافة نعومته ثم مرّر إصبعا واحدا على طول خدها قبل أن يتحرك للأعلى ليمرره بخفة بالغة فوق رموشها المنسدلة.. لم يكن يصدق كيف ضاعت في الأمس بين ذراعيه!
ورغم همس اعتراضاتها الواهنة إلا أن ارتباكها بدا كارتباك اللمسة الأولى.. حتى ثغرها الرقيق بدا وكأنه يختبر معنى القبلة الأولى منه هو.. بدت وكأنها تجربتها الأولى كما هي تجربته الأولى، فلم يشعر بأي حرج أو تردد..
تململت سمية من مكانها وما إن فتحت جفنيها المثقلين حتى وضع واجهة الثبات وهو يعلمها ببرود
((لقد جلبتْ خدمة الفندق طعام الفطور، تناوليه لوحدك ثم اذهبي للمنتجع.. وانا سأغادر الآن))
بمجرد أن انصرف حتى تذكرت كل ما حدث معها في الأمس وانفجرت بالبكاء.. كان عقلها رافضا كليا ما حدث ولا يتقبله.. فمَالك بالنسبة لها مجرد صديق.. أخ صغير..
.
.
ذهبت للمنتج العلاجي وأمضت طول النهار فيه بوجه شاحب لا تصدق استسلامها المخزي له في الأمس..
كررت على نفسها بصرامة ألا تسمح لمَالك بالاقتراب منها لو قرر النوم مرة أخرى في نفس الغرفة معها..
لكن عندما حل الليل وعاد مَالك مباشرة ورائها أدركت بأنه يمضي نهاره في مراقبتها..
حاول مَالك مجددا الاقتراب منها ولصدمتها لم تستطع أن تعترض أمامه إلا باعتراضات واهية استطاع هو إخمادها لتتلاشى من أمامه.. فبعد أن أمضت طول اليوم بين الشلالات غارقة في الذنب والخزي وتأنيب الضمير جاء الليل ليمحو كل ما عزمت عليه لتستسلم بسحر عجيب له.. وتلك الرابطة الشرعية بينهما هي ما تجعل اعتراضاتها أوهن..
.
.
وهكذا مضى الشهرين في المنتجع العلاجي..
في النهار يغيب عنها ولا يظهر إلا عندما يريد توصيلها للمنتجع.. وفي الليل يبيت بعضها في الخارج وبعضها الآخر في داخل غرفتهما حيث يحرص كل الحرص على وجودها بين ذراعيه بعد أن يعرف كيف يوقد عواطفها ويطوعها بصبره وحنانه.. إنه يعرف كيف يخترق حصونها فقد أمضت وقت طويل مضني ومثقل بالألم والهجران والقسوة ولم يكن هناك أسهل من أن تخضع لإرادته ورغبته وتتغيب عن إدراكها، خاصة وهو حريص على إرضائها ومراعاتها كل الحرص والمراعاة..
قبل أن تأتيه مرة بوجه شاحب تطلب منه أن يعيدها لقريتهم فقد اكتفت من وجودها في هذا المنتجع.. لم يعرف سر إصرارها على العودة رغم تحسن حالها هنا لكن عندما نظر بتمعن في وجهها المتشنج عرف بأن الأمر جلل..
ولم يجد أمامه إلا أن يخضع أمام رغبتها وهو يحضر نفسه لاطلاع عائلته بزواجه منها وتحمل مسؤولية كل شيء بصلابة وثبات..
استقلا الاثنين الحافلة التي تقلهما من المدينة التي يتواجد فيها المنتجع إلى المدينة التي تتواجد بها قريتهم..
جلست سمية بجانبه باضطراب وقسمات وجهها متشنجة بينما ذهنها شارد تماما.. يجلدها ويؤنبها على انزلاقها في هذا المنحدر.. لقد سقطت في الهاوية متناسية تلك الفروق بينهما.. متناسية أن من أمامها هو مَالك.. صديقها.. أخاها الصغير.. ابن أسيادها..
أي هوان تلبسها لتمحو إدراكها وتنسى حقيقة وضعها وتمنح نفسها الحق في خوض غمار تلك العاطفة مع شاب لا تملك له أية مشاعر حب تجاهه حتى لو كان يربطهما رباط مقدس الآن!
وبمجرد أن حطت الحافلة عند مدخل القرية حتى سارعت سمية تستقل بحقائبها الكثيرة سيارة أجرة إلى بيتها دون أن تطلب منه مرافقتها.. فاستقل سيارة أجرة أخرى له..
وصل للقرية ثم اتجه نحو بيت سمية.. وقف أمام باب منزلها المفتوح وهتاف سمية الباكي يتصاعد عاليا مع والدتها ليصله..
((أمي أقول لك بأني حامل.. حامل.. أنا متأكدة من أني حامل..))
((أنا لم أتوقع بأنك قد تحملين بظرف شهرين..))
((وأنا أيضًا كنت أظن بأني أعاني من خطب ما، فأثناء زواجي من كامل لم أستطع الإنجاب إلا بعد سنتين.. الآن ماذا سأفعل بهذه الفضيحة!))
((اسكتي يا سمية ولا تتحدثي وكأن ما في بطنك ابن حرام))
((لا أقول ابن حرام ولكننا لم نثبت زواجنا في المحكمة.. ووالد الطفل شاب لم يتخرج من جامعته بعد.. لقد دمرت مستقبله ومستقبل ابني قبل أن يخرج للحياة.. أفضل الموت قبل أن أؤذي مَالك أو أعرض طفل لا ذنب له لكل هذه التساؤلات القاتلة..))
((توقفي عن الدعاء على نفسك، أنتِ لم تخطئي بشيء، ابن الحاج يعقوب الكانز تزوج منك بكامل قواه العقلية وجعلك تحملين بطفله.. ليست مشكلتك.. هو رجل وعليه أن يتحمل مسؤوليتك ومسؤولية زواجه منك ويعلنه..))
((لا يا أمي لن أسمح بذلك، لم يخطأ بشيء إلا عندما تنازل وألحت عليه شهامته أن يتزوجني ليرافقني للمنتجع البعيد من هنا، إنه خطأي أنا لم يكن عليّ أن استسلم أنا الناضجة))
((توقفي عن لوم نفسك، في اللحظة التي غادرت بها القرية نشرت أخبار زواجك في كل مكان والجميع يعرف الآن أنك برفقة زوجك وقريبا سنعلن هويته))
((أمي كيف تفعلين هذا؟ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ هل تكافئين مَالك على معروفه لي بوضعه في مثل هذه الورطة؟ هل كنت من البداية تخططين للإيقاع به وإجباره على إعلان هذا الزواج حتى لو لم أحمل منه أيضًا!))
((سمية زواجك مثبت في المحكمة.. أنتِ بنظر القانون كما الشرع زوجته أيضًا..))
((ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ كيف ثبتي العقد؟ ماذا سيقول مَالك لو عرف بأنك خدعتيه بما قد يدمر مستقبله ويستدعي سخط والديه؟ لن أسامحك أو أسامح نفسي على ما فعلناه به))
كانت سمية تحاول الخروج من المنزل لكنها شهقت بصدمة عندما وجدته واقفا أمام الباب وقد سمع أغلب ما دار بينهما..
شحب وجهها شحوبا يحاكى الموتى وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها! بدأت تذوب من الحرج.. تتآكل من سخطها على روحها.. تستنفذ أشنع النعوت وأحقرها لتلقيها على نفسها..
خنقتها غصة خزي من حالها لكنها كانت تجاهد لإخراج الصوت من شفتيها والنطق بأي شيء قد يحاول تخفيف موقفها أمامه وتخبره بأنها لم تقصد توريطه وإيذائه..
لكن مَالك أشاح بوجهه المتجهم جانبا عنها.. وبدا وكأنه.. وكأنه.. وكأنه غير متفاجئ مما سمع.. حتى قال أخيرا بصوتٍ خشن
((أنا بنفسي من قمت بتثبيت زواجنا في المحكمة، وليس لأحد حق الاعتراض..))
تدلى فك سمية حتى كاد يقع أرضا واتسعت عيناها..
مَالك كان لديه فكرة واضحة تماما عن تخطيط أمها بل وساعدها على ذلك!
خرجت من حالة الجمود وسارعت تخرج رأسها من طرف الباب تتأكد من أن لا أحد هنا ثم سحبت مَالك من مرفقه للداخل وأغلقت باب منزلهم..
كانت تلهث بشكل غريب عندما أجلسته على الأريكة وجلست بجانبه لتقول بإصرار رغم تشتتها
((عليك أن تطلقني فورا يا مَالك.. من أجلك أقول هذا.. لا يجب أن يعرف أحد من والديك بزواجنا..))
وكأنها صفعته بأصابع حديدية! فزادت حدقتاه اتساعًا وتلبدت أطرافه لثوان قبل أن يصرخ مستنكرا
((أنتِ تحملين طفلي فكيف تريدين مني أن أحررك؟))
أغمضت عينيها تحاول استعادة رباطة جأشها قبل أن تقول بهدوء مغيظ
((مَالك عليك أن تطلقني هذا ما يجب أن يحدث))
هدر مَالك بجنونٍ مطبق وقد اسودت الرؤية أمام عينيه
((مستحيل.. سأذهب الآن لأخبر عائلتي بزواجي منك وبأنك حامل بالفعل))
ابتلعت الغصة وهي مستمرة في محاولة التماسك
((لا لن تفعل.. ستقيم الدنيا ولن تقعد لو أخبرت عائلتك بما حصل..))
قاطعها هاتفا بحنقٍ أهوج
((لن يحدث شيء فأنتِ حامل وزواجنا مسجل ولا مجال للتراجع عن أي شيء))
انفلتت أعصاب سمية فقالت بنفاذ صبر وهي تضرب فوق ذراع الأريكة بانفعال
((بل سيحدث الكثير، سيضعك والداك بين خيارين أحلاهما مر، سيخيرونك بين تطليقي مقابل مسامحتك على ما فعلته وبالطبع بمجرد أن ألد سينتزعون الطفل مني وسيحرمونني من رؤيته وتربيته..))
مال مَالك بوجهه قليلًا عاقدًا حاجبيه ثم وجد نفسه يردد بشرود متشنج
((لن يحصل، مستحيل، لن أتخلى عنك ولن أسمح لأحد بانتزاع الطفل منك))
لوحت سمية بيدها متوترة ثم هتفت بعصبية
((إذن فأنتَ ستجبرهم على الخيار الأخر.. وهو التبرؤ منك ومن ولدك، سيقطعون عنك دعمهم المالي وسيطردون عائلتي من هنا، وبالتالي ستضطر لترك جامعتك والعمل للإنفاق علينا..))
مال بعينيه نحوها يقول بتحدٍ سافر
((لا يهمني سأتركها، وسأبحث عن عمل))
ردت سمية بقنوطٍ واقتضاب
((أنت في سنتك الأخيرة.. يكفي الفصل الذي أجلته بسببي.. لا تتهور أكثر من ذلك.. وأي عمل هذا الذي سيدر عليك دخلا يجعلك تعيش بنفس الرفاهية التي اعتدت على عيشها منذ صغرك.. لن تستطيع..))
انبثقت تعاسة العاشق على وجهه بينما يغمغم رافضا
((لا يهمني إلا أن أكون مع المرأة التي أحبها..))
أظهرت سمية واجهة جامدة وهي تقول بحسم رغم اضطراب صوتها
((مَالك لقد حسمت الأمر.. ستطلقني.. وأنا سأربي هذا الطفل بنفسي وسأتحمل لوحدي مسؤوليته.. وبمجرد أن يكبر الطفل ويحين الوقت المناسب ستخبر عائلتك.. هكذا حتى لو فكروا بحرماني من الطفل فلن يقدروا بعد أن يكون قد أدرك بأني أمه))
دفن رأسه بين كفيه وهو يميل للأمام محدقًا في الأرض بتخاذل في حين وضعت أمها يدها تغطي فمها وهي تقول بصوتٍ باكي متحسر على ابنتها الوحيدة
((هل ستطلقين للمرة الثانية أيتها الغبية؟ ماذا سنقول للجميع بعد طلاقك الثاني؟ كيف سأبرر الأمر لهم؟))
استقامت سمية من مكانها والتفت نحو أمها تقول بجفاء وقسوة
((مثلما أخبرتِ الجميع بزواجي للمرة الثانية يمكنك أن تعاودي نشر خبر طلاقي بعد حملي منه))
ثارت أعصاب مَالك فجأة فلوح بيده لتهبط على المنضدة الموضوعة أمامه هاتفًا بسخط جعل كل من سمية وأمها تنتفضان مكانهما لوهلة
((لماذا لا ترينني رجلا كفاية لأتحمل مسؤوليتك ومسؤولية الجنين الذي في بطنك؟))
وقف مَالك بعنف من مكانه تزامنا مع نهاية حديثه.. لكنها لم تعطيه أي رد فعل إلا أن ضاقت عيناها للحظات ثم قالت له بتبلد
((لا تنظر للموضوع من هذه الزاوية، ثم أنتَ ستشكرني بعد سنوات على ما أفعله!))
تسمر مَالك مكانه بوجهٍ مسود وقد تحفزت جميع خلايا عقله قبل أن ينطق مستنكرا ببطء
((أشكرك على ماذا؟ أشكرك لأنك تحاولين الضغط عليّ وتدمير ما بيننا؟))
ازداد انعقاد حاجبيه وزمّ شفتيه يريد الصراخ أكثر بوجهها مستنكرا لكنها رفعت يدها معترضة تقول بصوتٍ باتر
((أنتَ لا زلت في مقتبل عمرك وأمامك الكثير لتجربه قبل أن تربط نفسك بامرأة.. عندما تمضي السنوات ستعي بأن ما فعلته أنا كان لمصلحتك.. ستشكرني وستكون ممتن لي.. فليس من السهل أن تتحمل مسؤولية زوجة تكبرك وغير متكافئة معك))
مسح على وجهه بإعياء مستغفرا قبل أن يهمس بوهن يحمل إصرارا بدأ يتفتت
((سمية أنا لن أطلق، وسأخبر الآن عائلتي بحملك))
توقفت مكانها للحظات وأصابعها تنفرد على بطنها بحركة غريزية ثم قالت بصوتٍ متحشرج دون أن تلتفت له
((إذا أردت منهم أن ينتزعوا طفلي بعد أن ألده ويجبرونني على الرحيل من هذا البيت الذي عشت فيه طوال عمري فيمكنك إخبارهم.. ولكن سننفصل أيضًا في النهاية))
وهكذا استطاعت بالضغط النفسي والعاطفي على مَالك أن تقنعه بالطلاق وكتمان سر يزيد على أن يعلنوه لاحقا بعدما يكبر!
عاشت أياما صعبة وقاسية أثناء حمل يزيد وما زاد الأمر ألما فقدانها لوالدتها.. لكن مَالك كان معها لآخر لحظة.. وكان هو من يمدها بسيولة مالية تكفي حاجتها وأكثر..
فقد كان يتملكه الخوف أن ما يدفعه لا يكفي أن يغطي كل نفقاتها هي وابنه..
وهو أعلم الناس بعفة نفسها واستحالة السؤال عن حاجتها لأحد ولو كان من والد ابنها والمسؤول عنها!
لم يطلب من والديه أي مصروف إضافي حتى لا يلاحظا ما قد يثير الريبة.. فاضطر أن يبيع حاسوبه وألعاب البلايستيشن الباهظة التي كان يحب مشاركة توأمه في لعبها..
.
.
عقب إنجاب سمية لطفلها بقيت لدقائق تطالع سقف غرفة المشفى الأبيض.. كانت متعبة.. مرهقة.. مستنزفة.. إذ مرت بأصعب وأقسى ساعات مرت في حياتها..
أغمضت عينيها لدقائق قبل أن تفتحهما عندما أوقظتها حاجتها الأمومية لاحتضان طفلها الذي لم تكن قد رأته بعد..
دخل فجأة عليها مَالك وهو يحمل الطفل بين يديه بحذر وحيطة فغمغمت بوهن وهي ترفع إحدى يديها
((هاته أضمه لصدري يا مَالك))
مد مَالك يديه لها بالطفل لتتناوله منه بلهفة شديدة بينما تسمعه يقول بحنو
((لقد أذنت في أذنه اليمنى..))
بدأت عينا سمية تأخذها برحلة استكشاف حول ملامح طفلها.. قبل أن تضمه بخوف وقد بدأت دموعها تسيل فوق وجنتيها بنعومة وبلا صوت.. كانت ترتجف أثناء احتضانها ابنها.. لقد عاشت الأشهر الأخيرة في خوف من أن يعرف أحد من أفراد عائلة مَالك بحقيقة ما جرى ويأخذوه منها رغما عنها..
ابتسم مَالك بحنو لها رغم القلق الذي استبد به عليها قبل قليل.. منظرها آسرا وهي تضم طفلهما بأمومة فياضة رغم تعبها وضعفها.. لكنه احتاج فعلًا أن يربط جأشه ويتحكم بلهفته المشتعلة في مقلتيه كما الجمر في فؤاده شوقًا لها.. فهي الآن بعد إنجابها انتهت عدتها ولم تعد تحل له.. لم يعد يربطه شيء بها إلا هذا الطفل الملائكي الصغير..
ابتلع مَالك تلك الغصة المسننة وهو يفكر بهذه الحقيقة المرة بألم..
رباه! هي لم تعد امرأته.. لم تعد ملكه.. لقد منحها الطلاق الذي أرادته وتركها تحرق فؤاده.. كل شيء انتهى..
شعر باختناق رهيب يسحق كل فرحته بقدوم هذا الطفل..
لكنه تجاهل أنين فؤاده وتطلع عليها عندما سألته بابتسامة خلابة رغم شحوب وجهها وإجهاد صوتها
((ماذا ستسميه؟))
ترققت نظراته تأثرًا له وهو يهمس بتردد
((أنا؟ أنا من سأسميه؟))
هزت رأسها مصرة دون أن تنحسر ابتسامتها
((أنت والده وأريدك أنتَ أن تسميه))
سالت دمعة حارّة على خدّ سمية وهي تراه يداعب بإبهامه وجه الصغير بحذر قبل أن يتمتم
((يزيد.. سأسميه يزيد))
يزيد كان هو اسم والد أمه التي لم تنفك عن تمنى تسمية أحد أحفادها بهذا الاسم بعد أن رأت أبيها في منام مؤخرا.. وبما أن مؤيد يصر أن يكون فهد هو اسم الطفل الذي تحمل زوجته به سيفعل هو..
نفضت سمية تراب الماضي وهي تعود بذهنها للواقع..
إنجاب يزيد وقدومه للحياة أسعد قلبها وأضاف شيئا من الحب والاهتمام لحياتها التي كانت تلونها الكآبة والبؤس.. فكانت تتلمس في أحضانه العزاء، السلوان، والصبر..
حنانه وضحكاته ومشاكساته كانت هي ما تواسيها في كل ما يواجهها في هذه الحياة بوحدتها وقلة سندها..
لن تنكر أن مَالك كان دائما أمامها وخلف ظهرها..
يقف في جانبها.. ماديا ومعنويا.. لكن لم تكن تشعر بالسعادة لما تتلقاه منه إنما شعرت بأنه استغلال واستنزاف له.. على عكس ما تتلقاه من ابنها..
يؤلمها أن يكبر يزيد بين عائلة والده وأولاد عمه دون أن يعرفوا حقيقته.. ويؤلمها أن يعاني منهم النبذ والكراهية.. لكنها في صميم قلبها لم تكن لتغير شيئا لو عاد بها الزمن.. لم تكن لتسمح لهذه الحقيقة أن تُعلن وتخسر الشيء الوحيد المتبقي في حياتها!
=============================
تنهدت رتيل بشيء من البؤس وهي تناظر تلك القطع التي اشترتها.. منذ أن ذهبت في ذاك اليوم للتسوق مع نورين ولمحت بمصادفة ما اشترته من ملابس خاصة حتى أجبرها عقلها أن تدخل هي نفس المتجر..
صحيح بأن مُؤيد كان يطالعها باشمئزاز كلما كانت ترتدي مثل هذه القطع الجريئة في بداية زواجهما ويخبرها بكل وضوح ألا تكرر ارتداءها مجددا.. لكن وبما أنه قد مر سنوات على زواجهما.. وحواجز التزمت والانغلاق في مُؤيد بدأت تنهار فيه شيئا فشيئا.. فلم لا تعود لتجربة هذه الأشياء أمامه لعلها تجتذبه قليلا لها وهي التي سبق ويئست بدل المرة ألف مرة من التأثير عليه؟
لمعت عينا رتيل بعزم.. الليلة ستفعلها..
أمسكت هاتفها تكتب بكلمات قليلة رسالة مختصرة وترسلها لزوجها.. ثم عادت تنظر للقطع التي اشترتها والتي كانت بألوان من درجات الأحمر الفاقع الجريء بتصاميم مختلفة وقمة في الإثارة..
بدأت ترتدي أكثر قطعة جرأة مصممة من قماش الكشمير الناعم والدانتيل الفاخر.. وقفت أمام المرأة الطويلة تناظر نفسها بانبهار وغرور.. كانت غلالتها الحمراء الرقيقة لا تلبسها الفتاة إلا بين يدي عشيقها..
خفتت الإضاءة.. وبمجرد أن فتح مقبض الباب ودلف منه مُؤيد حتى هتف بحنق
((بماذا تريدينني يا رتيل؟ ولماذا هذه الغرفة مظلمة؟ أين أنتِ يا..))
بتر مُؤيد كلماته عندما شعر بها تقترب من مصباح موضوع جانبا وتشعل إضاءته الخافتة ثم تسير بخطوات رشيقة لتستقبله
((أنا هنا..))
انتشر الوجوم فجأة في ملامح مُؤيد عندما تبين له ما ترتديه زوجته.. فسارع يغلق الباب خلفه بإحكام خوفا من دخول أحد الغرفة وهو لا يزال يصوب نظره نحوها..
اهتزت ثقة رتيل عندما ازدادت ملامح وجهه وجوما..
لكنها لم تظهر أي شيء من ذلك بل تقدمت ببطء وهي تتمايل بإثارة مقصودة نحوه..
رفعت أصابعها الرشيقة تفتح أول أزرار القميص الذي يرتديه إلا أنه رفع كفه ينفضها عنه قائلا ببرود
((أنا متعب..))
أتعست عيناها لردة فعله فتابع سيره نحو الأريكة ليجلس عليها بينما يفتح هاتفه باقتضاب..
ازدردت ريقها ثم جاهدت نفسها ألا تستسلم.. اقتربت منه مجددا.. فجلست على ذراع الأريكة بجانبه لتسأله بصوت مبحوح ودعوة أكثر جرأة وبطريقة غير مسبوقة لها منذ زواجهما
((هل أنتَ متعب؟ سأقوم بتمسيد عضلاتك))
أبعد ذراعها عنه بقوة واشمئزاز وهو يقول
((رتيل، هل يمكن أن أطلب منك أن تقومي بتغيير ما ترتدينه؟))
فغرت شفتيها برجفة وتبدل لونها ثم سألته بصوتٍ خفيض
((ألم يعجبك؟))
أغمض عينيه وبذل مجهودًا مضاعفًا بلجم انفعاله ثم فتحهما يقول ببرود جليدي وشرارات النفور من كلماته تصل لها
((فقط غيريه وارتدي شيئا آخر من مناماتك المعتادة))
ازداد انخطاف لون رتيل من كلامه وازداد لون عينيها قتامة وهي تراه يحطم أنوثتها وكبرياءها برفض هذه المبادرة منها!
وبدأ شيء من القهر.. النبذ.. الاحتقار.. يتسلل للظلام في داخلها..
لماذا لا يمكن أن يتصرف ولو لمرة واحدة كرجل طبيعي!
لماذا لا يبهجه محاولاتها في إسعاده؟
لملمت رتيل بقايا كرامتها ثم ذهبت للحمام تتحرر مما كانت تلبسه.. وقفت أمام المياه المتدفقة الحارة فوقها بينما تغرقُ في أفكار سلبية عديدة.. وكل دقيقة تمر عليها كانت حرارة المياه تزداد إلا أنها لم تشعر بالألم.. فما بداخلها كان أكبر وأشد حرارة.. بل احتراقا..
لم أزعجه ما ارتدته له؟ هل كان هناك خطئا في زينة وجهها الصارخة؟ لماذا كره مبادرتها هذه؟
أليست جميلة كتلك النساء اللاتي يحب أن يتسكع معهن؟
لا بل هي كذلك وأجمل منهن.. ليست بحاجة أن تراهن لتعرف هذه الحقيقة..
كل ما في الأمر أن زوجها لا حاجة له أن يمتع ناظره في زوجته حلاله.. وعنده بديل يسد احتياجاته..
استندت رتيل بكفيها الى الحائط وقد بدأ الألم يزداد في داخلها.. ويصبح عنيفا.. عنيفا جدا.. أكثر من أي لحظة مرت عليها في حياتها.. مهما أنكرت يظل ألم نفوره منها وعدم تأثره بها أكثر من أن تتحمله!
خرجت من الحمام وسارعت تجفف نفسها وترتدي إحدى منامتها العشوائية..
اقتربت من السرير تنفض الغطاء الذي وضعت فوقه مجموعة من الشموع العطرية وأوراق الورد قبل أن تسحبهم بواسطة المكنسة الكهربائية..
عندما انتهت سمعت صوت وقع خطواته يقترب منها بملامح مبهمة.. فبادلته النظرات ببغض..
اقترب مُؤيد أكثر منها يمعن النظر في وجهها الصافي والخالي من أي مساحيق ومنامتها الداكنة التي ترتديها..
وبمجرد أن وقف أمامها حتى تجاوزته نحو غرفة النوم ثم اندفعت بكل غيظ نحو فراشها تدس نفسها به.. تكورت كالجنين وأرادت أن تبكي، إلا أن طبيعتها الصلبة منعتها..
شعرت به بعد دقائق يدلف للغرفة.. يطفئ النور.. يقترب منها.. ثم يدخل الفراش ويضع يده على كتفها هادرا بصوتٍ أبح ((رتيل انظري لي..))
نفضت كفه من على كتفها ورفضت النظر له مما جعله يلتصق بها ويدفن وجهه في شعرها..
حاولت أن تبعده عنها وتنسل من بين ذراعيه هادرة
((ابتعد عن يا مُؤيد.. أريد النوم))
لم يعطها مجال فأردفت بصوتٍ يلفه تناقضاته
((توقف عن العبث بمشاعري والتلاعب بأعصابي، توقف عن التصرف وكأنك مجنون!))
لكنه جذبها نحوه أكثر يعتصر ضلوعها في أحضانه هامسا وهو يضع شفتيه فوق بشرة وجهها
((أنا لا أعبث.. سنتحدث لاحقا))
اشتدت شفتاها كالوتر تنفر رفضا
((فقط ابتعد عن زوجتك القبيحة))
إلا أنه أسكتها عندما انحدر بفمه نحو ثغرها بينما تسللت يديه أسفل منامتها لتجوب جسدها.. هامسا لها بصوتٍ أجش بالرغبة ((زوجتي أنا جميلة))
رغم الرفض الذي كانت تصر عليه أمامه.. إلا أن اجتياحه اللحوح وهو يقبل عليها بكل هذه الرغبة كان أقوى من أن تصر على رفضها.. لم تكن تصدق ما يحدث.. لقد كان حقا راغبا بها أكثر من أي مرة مضت..
لكن إذا كان يقمع كل تلك الرغبة بها فلماذا فعل ما فعله قبل قليل؟
تلاشت تلك الأفكار السلبية وتوقفت عن التفكير بأي شيء إلا الغرق معه في هذه الدوامات..
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!