لا تنسو التصويت ❤️❤️
جلست رتيل حول الطاولة تذاكر واجبات ولديها برفقة يزيد لعل وجوده بينهما يحفزهما على حلها بنشاط وحيوية.. انشغلت بتسميع الدرس لباسم عندما صدح صوت فهد عاليا وهو يقول ليزيد الجالس بجانبه متحديا
((انظر كيف سأكتب اسمي كاملا بخط أوضح وأكبر من خطك))
مال فهد منخفضا يبدأ كتابة اسمه متمتا بما يكتبه
((فهد مُؤيد يعقوب الكانز))
برقت عينا يزيد بتحدٍ مماثل لفهد وهو يقرب دفتره منه ويكتب هادرا
((دعني أنا الآخر أكتب اسمي بخط أفضل من السابق.. يزيد مَالك..))
توقف يزيد عما تخطه أصابعه الصغيرة بالقلم وشحب وجهه قليلا وهو يدرك أن اسمه الثالث والرابع هو نفس اسم فهد.. تذكر كيف أن معلم صفه دائما ما يحرص عند مناداة أسمائهم عند أخذ الحضور أو الغياب بمناداته فقط باسم يزيد مَالك على عكس باقي الطلاب كما طلب أباه منه!
فالقرية صغيرة والحاج يعقوب الكانز غني عن المعرفة..
أخذ الخوف كل مأخذ منه وهو يدرك بأنه كاد أن يفضح نفسه ويكشف والده الحقيقي.. قبل أن يجفل بارتباك عندما لكزه فهد متسائلا
((والدك اسمه "مَالك"؟ مثل اسم "عمي"!))
أومأ يزيد بوهن دون أن ينحسر بهوت وجهه فقال فهد بإدراك طفولي
((لهذا تحب عمي مَالك، لأن اسمه مشابه لاسم والدك))
عاد يزيد يومئ مجددا في حين سحبت رتيل التي لفت انتباهها الاسم دفتره تطلع على اسمه المكتوب تقول
((اسمك يزيد مَالك، هذه أول مرة أعرف أن اسم والدك هو "مَالك"))
تطلع فهد باسما لأمه يعقب
((اسم "مَالك" جميل يا أمي؟))
أعادت رتيل الدفتر ليزيد وهي تقول مبتسمة لابنها
((معك حق إنه اسم جميل، الآن تابع نسخ الدرس أنتَ ويزيد))
=============================
صعد وليد الدرج بخطوات سريعة برفقة زميله في العمل بعد أن عادا من المحكمة.. ثم توجها إلى حيث مكتبهم في هذا الطابق..
مال ثغر وليد في ابتسامة جانبية هادرا وهو يناظر شيرين الجالسة على أريكة الاستقبال بمكتب مساعدته بانتظاره
((هل تأخرت عليك يا حبيبتي؟))
خرجت شيرين الشاردة بأفكارها على صوته وانتبهت على قدومه لتتململ مكانها قبل أن تقول بهدوء
((لا بأس أنا من جئت مبكرا))
استقامت شيرين من مكانها تتجه نحوه ليصلها صوت زميل وليد بلباقة
((مبارك عليكما عقد القران، وجمع بينكما في خير إن شاء الله))
ردت شيرين بتهذيب على الزميل
((شكرا لك يا سيد))
أمر وليد مساعدته أن تطلب لهما القهوة بينما يفتح باب مكتبه.. أشار بيده لشيرين أن تجلس.. فاستجابت ببرود وجلست بينما تضع ساقا فوق الأخرى..
أخذ زميل وليد بعضا من الأوراق يضعهم في حقيبته المكتبية وبدأ يهيأ نفسه للخروج عندما تساءل بود
((إذن متى سيكون حفل الزفاف؟ عليك إقامة حفل كبير بما أن حفل عقد القران كان على الضيق))
أجلى وليد صوته هنا متنحنح ثم ردّ
((في الحقيقة هذا ما كنت أقوله لشيرين في السابق، لكن بعد إعادة النظر في الموضوع أرى بأن عليّ أن أقيم حفلا بسيطا يكون هو الآخر على الضيق))
تجلى الاستغراب على ملامح شيرين لما سمعته! لو عاد الأمر لها فهي لا تريد حتى إقامة حفل لزواجها إلا لتزيل أي بقايا من إشاعات تمس سمعتها حبكت عليها زورا وبهتانا! لكن تعجبت الآن من تراجع وليد عما قرره سابقا وقد كان متحمسا لإقامة حفل زفاف ضخم!
تغضن جبين زميل وليد بعدم فهم ثم سارع يدنو منه ثم ينخفض قريبا من أذنه يتساءل بصوتٍ خافت حائر
((هذا غريب يا وليد، أعني ألست سعيدا بزواجك منها؟))
ناظر وليد شيرين المتجهمة بطارف عينه ثم عقب باسترخاء
((أنا اسعد مِمّا تتصور ولكن كيف أقوم بإظهار فرحي بارتباطي بشيرين وأنا أخشى على مشاعر مطلقتي التي أكن لها كل الخير وليس بيننا عداوة! خاصة وأنه لم يفت الكثير على طلاقنا، لم نكمل السنة حتى كما أن دوائر علاقاتنا وصداقاتنا متشابكة جدًا ويصلها كل شيء))
شيد زميل وليد وهو يطبطب فوق كتفه
((ترددك لإظهار فرحك بزيجتك الجديدة يدل على كرم أخلاقك وطيب أصلك ومراعاتك وذوقك فأكمل جميلك للنهاية ولا داعي للإسراف في إظهار الفرحة وإن كان من حقك هذا))
اختلس وليد النظر لشيرين مجددا ليؤكد
((بالضبط، فكما يقال الفرحة في القلب وليس بالمظاهر))
حرك زميله عينيه بين وليد وشيرين يقول بلباقة
((إذن استودعكم الله الآن إلى لقاء أخر))
غادر زميل وليد مغلقًا الباب خلفه بهدوء فمال وليد بكرسيه المتحرك الأسود ناحية شيرين يقول بتلاعب دون أن يعير شرودها الشاحب انتباها
((بالنسبة لقضية الحادث المروري وتعويضاتها المرفوعة عليك من قبل موكلي فقد انتهت يا شيرين بدون داع للخوص في تفاصيل أخرى))
رفعت شيرين وجهها له وقد بدا ذهنها مشغول بشيء لا علاقة له بما يقوله.. تحرك حلقها بارتباك قبل أن تسأله بصوتٍ أجش
((مطلقتك، ذكرني ما اسمها؟))
رفع وليد حاجبيه قبل أن يجيب
((جُمان.. جُمان الطائل.. والدها كان يعمل عند أبي ولكنه كان صديقا مقربا، رغم أن طرقي مع جُمان لم تتقاطع قط إلا أن عائلتينا كانوا قد اتفقوا على أن نتزوج منذ البداية))
حدّقت به بصدمة تقول بتوتر
((ماذا! ولكن.. لكن أنا لم أسمع بشيء كهذا من قبل!))
هز وليد كتفيه بأناقة ثم قال
((نعم أعرف.. لأني اخترت ألا أخبرك، فعند أول مرة رأيتك بها يا كحيلة العينين همت فيكي حبا، وقررت أن أتمرد على إرادة والديّ وألا اسمح للكبار أن يتحكموا بحياتي أو اختيار المرأة التي أريد الزواج منها!))
ثم مال ثغره بابتسامة يستطرد باستفزاز
((من كان يظن بأن سخرية القدر ستكون متمثلة بأن أتركك في نفس يوم زواجنا وأتزوج الفتاة التي اختارتها عائلتي، ثم ننفصل بعد سنوات وأعود لك))
نفخت شيرين أنفاسها المحترقة ومشاعرها تنفلت برغبة كاللغم داخلها وهي لا تصدق حقا ما قاله! فهتفت به بكل حنق العالم وإحساس جديد مستفز يعلو داخلها
((لقد بدا الشعور بالذنب طافحا على وجهك قبل قليل، لم يهن على قلبك أن تقيم حفلا كبيرا وتسرف في فرحك خوفا على مشاعر جُمان، في حين أنك قمت بتركي في نفس اليوم الذي كان مقررا فيه أن نتزوج دون الاهتمام بشعوري وسمعتي أو والديّ حتى لو كنت خائنة كما أخبرت سهر كاذبا في ذلك اليوم))
زمّ وليد شفتيه لا يبالي ولا يظهر ندما لها بينما يقول
((هذه المقارنة غير عادلة أبدًا يا شيرين))
عجزت أطراف شيرين عن الحركة والغضب يشب بها ويسري مسرى الدماء.. لكنها ظلت صامتة طويلًا قبل أن تتساءل من بين أسنانها
((هل أحببتها؟ أو هل شعرت بشيء يتحرك فيك تجاهها ولو مرة خلال سنوات زواجكما؟))
ازدادت ابتسامة وليد المتلاعب اتساعا! الحق يُقال فرغم سنوات زواجه الطويلة من جمان ورغم حبه لعشرتها وشخصيتها الفريدة.. إلا أنه لم يصل ولو نقطة من بحر عشقه لشيرين.. ذاك العشق الثائر الذي يشكل خطرا عليه هو نفسه! فعشقها يسيطر عليه ويتحكم به.. بل محتل له ويمتلكه ويأسره!
ربت وليد بسيجارة لم يشعلها فوق العلبة وهو يجيب
((لن أستطيع أن أكون صادقا في هذا الأمر لأنه أمر معقد، ولكن يمكنك أن تقولي بأن مشاعري تجاه جُمان لم تكن حبا بقدر ما كانت شعورا بالألفة التي تخلق شيئا من الراحة.. الراحة التي ستكتمل بعد زواجنا))
كان هناك تهديد ووعيد خفيين في نهاية حديثه! لا زال على انتقامه! فلا قلبه ولا روحه ستخمدان إلا بالانتقام!
بينما هي لم تنتبه لأي إشارة منه وحقدها تجاهه في داخلها يتصاعد.. ليته امتلك شيئا من هذه الحنية والرأفة عندما تركها في نفس يوم زواجهما بهذا الشكل المهين!
بسببه ولسنوات هجرها النوم وأمضت ليالي تشهق من فرط بكائها.. بينما يأكل الحزن قلبها بنهم.. بسبب ما فعله ضاق الأمر بها ذرعا ومن ثقله كانت تظن بأنه سيودي بها للهاوية..
قال وليد لها بتسلية وهو يرفع حاجبيه
((بماذا شاردة كحيلة العينين؟ هل تشعرين بالغيرة من جُمان؟))
تسارعت خفقات قلبها واحتدت عيناها فأكمل
((لا داعي للقلق من مسألة جُمان، لقد تزوجت منها على أمل بأنها ستنجح يوما ما في أخذ شيء من قلبي وأنساك ولكن لم يحدث ذلك ففي المشاعر لا يحل أحد مكان أحد))
تشدقت ساخرة بمرارة
((لم يبد حقا بأنك عجزت عن نسياني، بل حتى وانا في المدينة كانت تصلني أخبار عن مدى حبك لها على الرغم من عدم إنجابها، لم يبدُ عليك الندم أو الحزن لما فعلته بي))
يلتف حول مكتب إلى أن جلس بجانبها
((معك حق فلم تكن هناك أي مشاكل بالنسبة لي بعدما هدمت كل شيء بيننا وتزوجت من جُمان، إلا في الحنين للحظات السعيدة التي اكتشفت فيها متأخرا أن الإنسانة الوحيدة التي أحببتها لم تعد موجودة في حياتي))
وضع عينيه في عينيها مردفا
((فهي لم تكن بالنسبة لي أكثر من فرصة ثانية.. خطة احتياطية.. وعلاج مؤقت))
لم تكن لتحب المرأة التي قبلت على نفسها أن تتزوجه في نفس اليوم الذي تركها فيه وتساعده على تدمير حياتها.. لكنها حقا شعرت بالاشمئزاز منه ومن انحطاطه.. وعلى غفلة منها مأخوذة بصدمتها وقهرها.. أحنى رأسه وقبل وجنتها.. فشهقت وهي تبعده بعنف عنها هاتفة به بجنون
((ابتعد يا وليد، عقد قراننا لا يعني زواجنا))
تأملها وليد بضيق يستنشق رائحتها العطرة وقد اشتعلت حواسه لقربها منه لتزلزل مشاعره ورغباته المكتومة منذ سنوات طويلة تجاهها.. ليهمس لها بوله
((معك حق، لأني لو بدأت شيئا فلن أستطيع منع نفسي من الانجراف بعيدا))
شعرت شيرين بأن معدتها ستنقلب وهي تراه يقف أمامها بكل تبجح نظرته القوية المغرورة!
اعتدل وليد واقفا من مكانه يتناول سيجارة ويشعلها هادرا بحيادية
((غالبا لن يحضر ابن عمي حفل زوجنا.. خسارة.. هل لا زلتي حزينة لأني جعلته يطلقك؟ أريد منك أن تتأكدي بأني لن أنسي موضوعه أبدًا أبد الدهر، وسأتأكد من جعلك تدفعين ثمنه غاليا بعد زواجنا))
شعرت بالحسرة أنه سيعرف خدعة زواجها من ابن عمه.. لكنها تمَالكت نفسها وهي تنظر له بحدة عيناها كالزجاج تحرقها الدموع والانفعال مكتومًا داخلها
((إياك أن تظن بأنك تخيفني! وإذا كنت تعتقد أنك كسرتني عندما جعلته يبتعد عني فأنتَ مخطئ، على العكس فليست أول مرة أترك بطريقة فظيعة! لذا أنا من سأحرص بعد زواجنا أن أجعلك تندم على الاقتران بي والعودة لحياتي، لا تلمني على كل ما سأجعلك تتجرعه))
تشدق ساخرا
((أنتِ تبذلين جهدك لتثبتي بأنك في أعماقك لا تريدين هذا الزواج لكن سنرى))
واجهته بنظراتها بكل جمود عفوي وصلابة ترد
((أنا حقا لا أريد أن أمضي فيه فمن يعرف يا وليد قدر نفسه يعز عليه أن يمضي في سبيل لا ينتمي إليه، وتلك الأيام الثقال التي مررت بها بسببك صنعت مني إنسانة لا تميل ولا تلين، لكنه كله يهون من أجل سهر ووالدها التي أنا ممتنة لها جدًّا، ففي كل مرة احتجت فيها رفقة أو سند كانت موجودة لتساعدني في التغلب على هذا الشعور أو الاحتياج والاستمرار، وبالمناسبة لقد صححت لها كذبتك عني بشأن الخيانة، وجعلتها تدرك بأنك أنتَ من كنت الخائن فيما مضى))
أطفأ وليد السيجارة ليشرب من قهوته دون أن ينبس ببنت شفة وهو يراها تغادر مكتبه.. فما لا تعرفه شيرين أن كبريائه اللعين الذي أجبره قبل سنوات طويلة أن يتركها قتله.. أيامه السابقة التي عاشها بدونها لم يكن فيها إلا جسدا خاويا بلا روح..
عقد ساعديه العضليين على المنضدة الخشبية القديمة هامسا بوعيد
((انتظري يا شيرين حتى نتزوج، لم يكن عليّ في الماضي تركك أبدًا))
أشاحت شيرين بنظرها عن وجهه البغيض على قلبها الآن بعد حب زائل ثم خرجت مكتبة ثم من المبنى.. لترفع عينيها للسماء التي بدأت تمطر بغزارة..
لم تأبه لتبلل ملابسها وبقيت واقفة مكانها تسمح للأمطار بالهطول عليها.. لربما عليها أن تستقبل الحزن في حياتها كما تستقبل المطر.. وتجعله يغسلها من الداخل..
أخيرا سمحت للدمع أن ينطلق من عينيها رقراقًا.. لعله يداوي بعضا من أوجاع قلبها..
=============================
في حديقة القصر الخلفية..
حركت الرياح الناعمة الأزهار والأعشاب وتمايلت أغصان أشجار الزيتون..
أغمض يزيد الجالس مع أبيه حول الطاولة الخشبية عينيه فلامست رموشه السوداء بشرته الناعمة..
مال برأسه إلى الوراء ليُعرض عنقه لأشعة الشمس.. فتهادى شعره المموج الأسود على كتفيه وقميصه القطني..
فتح عينيه فجأة شاهقا كمن تذكر شيئا.. ثم سارع يتناول حقيبته المدرسية يفتحها مستدعي انتباه مَالك الذي توقف عن تصفح هاتفه وهو يسأله باستغراب
((عمّ تبحث يا يزيد؟))
تطلع يزيد لأبيه مجيبا بحماس
((هل تذكر عندما أخبرتك عن الألبوم الذي يحتوي صور لي لم يسبق لك وأن رأيتها عندما كنت رضيعا؟))
هز مَالك رأسه له ليكمل يزيد وهو يرفع الألبوم بيده ويلوح به مردفا
((لقد استطعت جلبه معي بعد أن أخذته من أمي بخفة!))
توهجت عينا مَالك بلهفة ثم سارع يتناول الألبوم منه هادرا بفضول لهف
((يزيد أنتَ مذهل، دعنا نرى صورك، لا يحق لأمك أن تخفي أي صور تخصك عني..))
فتح مَالك بفضول الألبوم يبدأ التحديق بها وسرعان ما أغلق الألبوم فجأة وتلاشت الابتسامة عن شفتيه تدريجيًا حتى اختفت تمامًا..
تطلع بتجهم في ابنه ليرتبك الأخر وهو يسمعه يؤنبه
((مهلا يزيد.. هذه الصور لك مع أمك، وشعرها مكشوف..))
ازداد ارتباك الصغير إلا أنه أوما برأسه هامسا
((نعم أعلم))
وبخه مَالك مجددا بقسوة وعلو
((لهذا أمك لم تريني صورك هذه، لأنها تظهر بمعظمهم، لم يكن عليك جلبه لي))
تمتم يزيد بخدين مضرجين بحمرة ومتسائلا بغير وعي
((وماذا فيها لو رأيت صورها؟ أليست هي أمي وأنتَ..))
قاطعه مَالك بحدة صوته الذي تزايد وتيرته بغير وعي منه
((يزيد، هي الآن لا تحل لي، سأذهب بهذا الألبوم لأمك وأخبرها أن تخفيه جيدا، وإياكَ أن تدع أحدًا غريب يرى هذه الصور لها حتى لو كنت أنا))
نكس يزيد رأسه بكسرة خاطر ثم همس بشفتين مرتجفتين ((حسنا..))
كان لا زال مَالك ينظر إليه بصرامة حتى جفل فجأة على صوت يهتف باسمه.. رفع رأسه للواقف أمامه وسارع يقف من مكانه متسائلا بصدمة
((أبي.. ماذا تفعل هنا؟))
أشار الحاج يعقوب الذي كانت تعابير وجهه غير مقروءة بذقنه لرتيل الواقفة بجانبه وقال
((جئت أنا وزوجة أخيك للجلوس هنا في الحديقة كما هي العادة))
ظهر شيء من التردد على مَالك وهو يتساءل
((هل سمعتما شيء مما..))
قاطعه والده بصوتٍ رخيم
((نعم يا مَالك.. صوتك العالي وصلنا))
ثم التفت ينظر لزوجة مؤيد يطلب منها بلطف
((تناولي يا رتيل الألبوم منه وأعطيه لأم يزيد، وأخبريها أن تخبئ خصوصياتها جيدا عن متناول طفلها الصغير))
هزت رتيل رأسها بطاعة وتناولت الألبوم من مَالك لتذهب نحو بيت سمية القريب من هنا..
تنهد مَالك ثم عاد يجلس ويميل نحو يزيد يسأله بخفوت
((هل أحزنتك؟))
رفع يزيد له عينيه المغرغرتين بالدموع وهدر بمعاتبة رقيقة
((ألم تخبرني أن أجلب صوري التي لم تراها لي من قبل؟))
رفع مَالك يده يربت فوق شعر الصغير وعاتبه برفق وهو يأخذ دوره الحقيقي معه كأب
((نعم لأني فهمت من كلامك أن الصور لك وحدك لأني لا أحتفظ بالكثير من صورك عندي! لكن لم أعتقد أن أمك تظهر فيها دون وشاح..))
كان الحاج يعقوب الجالس معهم يصله صوتهما الهامس ولم يكن يعجبه ما يسمعه.. فبأي صفة يطلب ابنه مَالك صور يزيد ويحتفظ بها! فصدح صوته هاتفا باسم ابنه ليلتفت مَالك له بتساؤل.. فقال يعقوب مشيدا دون أن تنحسر الشدة عن صوته أو ملامحه
((ما زلت غاضبا عليك لحديثك الدائم بين الحين والآخر مع أم يزيد وعلى خروجك في ذاك اليوم معها، لكن رؤيتك الآن لا تستسهل الحرام وتردع نفسك عن رؤية صورها مكشوفة الرأس جعل غضبي عليك يخفت قليلا.. فالنظرة الأولى الواقعة دون قصدٍ أنت غيرُ مؤاخذٍ عليها لأنك لم تتعمدها لكن النظرة التي بعدها أنت كذلك، فكن حذرا من أن تتبع النظرة بنظرة))
كان مَالك ينظر لوالده بانشداه لا يفهم كثيرا ما الذي يريد أن يصل له.. فرقّ صوت يعقوب وهو يسترسل
((وكما تعلم يا مَالك على المرء عندما يحب أن يخلص ويتعفف، لا يقبل أن يدنّس حبّهُ بذنب قد يحرمهُ إياه))
كان الحاج يعقوب يريد التحدث بشيء عندما وقف مَالك فجأة وقال بتوجس
((لحظة من ذاك الرجل الواقف أمام منزل سمية))
عقد يعقوب حاجبيه وهو يستدير نصف استدارة يتطلع نحو منزل سمية الصغير الذي يمكن رؤيته من هنا..
وقبل أن ينطق بشيء كان مَالك يهرول باتجاهه هناك قبل أن يقف أمامهم ويتبين له أن الرجل هذا ما هو إلا.. كامل.. زوج سمية الأول.. ومع امرأة.. غالبا تكون زوجته والتي كانت أرملة أخيه..
.
.
هتفت سمية والتي كانت بجانبها رتيل بكامل عاليا
((أخبرتك أن تُعلم أمك بأني سامحتها على كل ما فعلته بي فلا داعي أن أذهب لمقابلتها))
صرخ كامل بها معترضا بفظاظة
((لكن أمي مصرة أن تأتي بنفسك عندها وتقفي أمامها))
هدرت سمية له بانزعاج يشوبه الحزم
((لا أريد يا كامل، لذا غادر لو سمحت.. أنتَ وزوجتك..))
شهقت زوجة كامل وهي تضرب صدرها بيدها والتفتت لزوجها متذمرة
((انظر يا كامل كيف تتحدث عني؟))
هدر كامل وهو يرشق سمية بنظرات الامتعاض
((دعك منها تلك المتعجرفة، بدلا أن تشكرك من أنك موافقة على عودتي لها وتربية ابنها تعاملك بهذه الصلف!))
ما إن انتهى كامل من قوله حتى كان قد طفح الكيل بمَالك الذي حضر وفاض الأمر به.. لم يعد قادرًا على إعطاء قلبه المهدئات ويستمع أكثر لباقي حوارهم الذي يحاول كامل من خلاله إقناع سمية بالعودة له.. فسارع يتهجم عليه ممسكا بمقدمة قميصه يجذبه له صارخا
((أخبرتك أن ابتعد من هنا، فما الذي تعجر عن فهمه؟))
شهقت النسوة من قدوم مالك في حين حاول كامل الاعتراض إلا أن مَالك رفع قبضة يده ليلكمه في وجهه بغضب مكتوم جعله يتراجع خطوات للخلف وكاد أن يفقد توازنه..
دب الذعر في كامل من تواجد ابن الحاج يعقوب الكانز.. فسارع يهتف بهلع مدافعا عن نفسها وهو يجفف خيط الدم الرفيع الذي انساب من فمه
((سيد مَالك.. لحظة.. سيد مَالك دعني أشرح لك موقفي، أنا وزوجتي جئنا هنا لإقناع سمية أن تعود لي بعد أن طال على بقائها مطلقة مرتين سنين طويلة، وهكذا نكسب أجرا في تربية طفلها البائس بدلا من أن يعيش كيتيم ووالده الحقير على قيد الحياة لا يسأل عنه))
آخر كلمات كامل هي من جعلت مَالك يضيق ذرعًا فيتهجم عليه ويقبض على تلابيبه باحتدام.. بينما كامل يحاول تخليص عنقه والتملص حتى لا يختنق تحت يدي مَالك الذي يفوقه قوة وطولا.. سارعت سمية تصرخ فيه بفزع
((مَالك.. مَالك أرجوك ابتعد.. ابتعد ولا تتدخل..))
كانت خائفة مما قد يقدم عليه حتى أنها لم تنتبه أنها تنادي اسمه مباشرة دون أن يسبقه أي ألقاب كما هي معتادة على مناداته عند تواجد أحد من حوله..
رفع مَالك قبضته ينوي ضرب الآخر مجددا حين دوى صوت والده الذي يعلن عن قدومه
((مَالك توقف عما تقوم به))
توقفت قبضة مَالك عاليا في الهواء وكل ما فيه يرتجف من شدة الغضب..
فتح كامل إحدى عينيه تدريجيا بذعر يتأكد من أن وجهه لن يُضرب ثم فتح عينه الأخرى ونفض يد مَالك عنه ليتراجع للخلف..
تقدم الحاج يعقوب من كامل يسأله بحزم
((أجبني ماذا تريد من أم يزيد؟))
كان كامل يتنفس بعنف وخوف مما حدث ويناظر بطارف عينه مَالك الذي يرشقه بنظرات متوعدة يتطاير الشرر منها بينما يخفض قبضته للأسفل جانبه كما طلب والده منه..
عاد كامل يتطلع للحاج يعقوب يحاول استمالته
((أنا كنت يا حاج أحاول وزوجتي التحدث معها بخصوص شيء متعلق بنا..))
اندفع مَالك نحو بغضب منفلت
((لا شيء يخصها متعلق بكم))
حذر الحاج يعقوب ابنه بصرامة عينيه من التهجم على الرجل مرة أخرى.. فتدخلت زوجة كامل مدافعة عن موقفهم
((أقسم يا حاج يعقوب بأننا جئنا لنتحدث مع أم يزيد بخصوص موضوع يهمنا نحن الثلاثة، وحثها على لقاء والدة زوجي وجها لوجه كم طلبت))
قاطعها مَالك منفعلا
((ليس هناك من شيء يربطها بكما أنتما الاثنين))
زجر الحاج يعقوب ابنه ليهدأ ثم تطلع لكامل هادرا
((وهي أخبرتكم بوضوح سلفا بأنها لا تريد المجيء، لذا غادر يا كامل ولا تقرب عتبة بيتها مجددا.. لا أنتَ ولا زوجتك))
ظهر غلم عارم على وجه زوجة كامل في حين هزّ كامل رأسه بخوف قبل أن يلتفت سريعا ويغادر
((حسنا يا حاج يعقوب.. أدامك لنا..))
تطلع يعقوب بسمية التي كان الشعور بالذنب طافحا على وجهها خوفا من أن يوبخها.. فهي سبب تهور مالك الآن بهذا الشكل! إنها جلابة المشاكل له..
إلا أن رتيل التي كانت تقف بجانبها قالت للحاج يعقوب وهي تمسكها من رسغها وتدفعها للداخل
((سأتحدث قليلا مع سمية في الداخل يا عمي، ثم آتي عندكم))
هتفت رتيل بيزيد الذي كان بالقرب منهم واقفا بخوف يغزو ملامحه البريئة
((ادخل بسرعة يا يزيد))
سدد يعقوب نظره لابنه ليقول آمرا بلهجة مغلفة بالغضب من تصرفه الأرعن قبل قليل
((الحقني يا مَالك))
لم يجد مَالك أمامه إلا الانصياع لأمر أبيه ولحاقه..
.
.
جلس يعقوب على إحدى الكراسي حول الطاولة المتواجدة في الحديقة الخالية.. ثم هتف بنبرة توبيخ ساخطة لابنه الذي جلس مقابله
((هل أعجبك تهجمك على الرجل قبل قليل؟))
قال مَالك بثبات انفعالي دون أن يهزّ جفن له أو يظهر ندما
((ألم تسمع ما قاله؟ كان يتحدث بشيء يخص العودة.. إنه يريد أن يعيد سمية له! على أي أساس يقول هذا بعد كل هذه السنوات التي انقضت على طلاقهما؟ لا والأنكى أنه تحدث بسوء عن والد طفلها يزيد))
هتف والده به باستنكار
((وما شأنك أنتَ؟ سواء كان يريد هو أو والد طفل سمية أن يعود لها فلا حق لأحد في التدخل))
احتقن وجه مَالك وهو يجد صعوبة في البوح بالحقيقة! فحافظ على ثباته قائلا
((أتفهم أن يعود والد طفل سمية لها فهناك ما يربطهما، لكن كامل! كامل! لماذا قد تعود له وقد انتهي كل شيء بينهما! حتى طلاقهما أظهر قبح وانحطاط أخلاقه معها!))
زعق به يعقوب
((وأنتَ مجددا ليس لك علاقة بكل هذا! في النهاية سمية هي فقط من لها الحق باتخاذ أي قرار في حياتها مهما بدا لمن حولها غير معقول!))
لم يعي مَالك على نفسه وهو يقول بتملك شرس
((كيف لا دخل لي أنا؟ لا تدَعي يا أبي أنك لا تعرف بأني أحبها))
اتسعت عينا يعقوب ولم يظن يوما أن ابنه سيقولها صراحة أمامه هكذا بلا خجل أو حياء لكن مَالك لم يندم على ما قاله بل كرر بلوعة
((نعم أحبها! أحبها! ولن أسمح لأحد غيري أن يتزوجها))
اضطربت ملامح مَالك في نهاية حديثه وهو يشعر بغيرة غريبة تدب في أعماقه على نحوٍ لم يتخيله متذكرا ما كان يريده كامل منها! ورغم شعور والده به إلا أنه هتف به
((مَالك، راقب ما يخرج من فمك جيدا، هل تعي ما قلته؟ أنا لا أسمح لك أن تتصرف بهذا الاستبداد والتجبر، كيف تتحدث عن زواجك منها وكأنه أمر مسلم به؟ وماذا إذا كانت هي لا تريد الزواج منك؟))
شمخ مَالك بذقنه وقال بثقة ناظرًا في عينيه
((أبي هي بنفسها من أخبرتني أنها تحمل مشاعر لي، لكن بسبب ذاك المنحط كامل وعودته المفاجئة هذه، وبسبب خوفها من سخطكم وغضبكم عليها أظن الآن بأنها ستقبل العودة له حتى لو كُرها لمجرد أن ترضيكم))
دمدم يعقوب بهدوء ورفق
((مَالك اهدأ يا بني))
أغمض مَالك عينيه يأخذ نفسا عميقا قبل أن يفتحهما ويقول بنبرة حرص بجهد ألا تبدو صدامية مع والده فلا تشعره أن الأمر ينطوي على صراع أو تحدي
((أبي أنا أريد الزواج من سمية، لن أقول بأنها تحبني، ولكنها تميل لي، على الأقل أريد أن أحظى بفرصة إقناعها بأني الرجل المناسب لها! أريد منكم أن تعينوني على ذلك وتظهروا لها الدعم لتعرف بأنه مرحب بها هنا معنا))
ظل يعقوب ينظر في عيني ولده للحظات طويلة بصمت يتمعن في الثبات والصلابة المتوهجة من حدقتيه.. ثم قال أخيرا بآخر شيء توقع مَالك أن يسمعه منه
((وأنا موافق يا مَالك))
فتح مَالك فمه ينوي الاعتراض على تعنت والده وإجحافه بالرفض قبل أن يرتفع حاجباه متسائلا بدهشة يكاد لا يصدق ما سمعه
((هل أنتَ موافق حقا؟))
أومأ والده بإيجاب وملامحه لا تظهر إلا الجدية.. فسارع مَالك يقول بصوتٍ مختلج
((إذن عليك أن تطلب يدها لي ونتزوج بأسرع وقت ممكن))
صدر صوت ساخر من يعقوب على لهفة ابنه! الحقيقة هي أنه ووافق بينه وبين نفسه على زواجه من سمية سلفا وانتوى اليوم أن يفاتحه في أمر موافقته بعد أن لامس خطورة ما قد يرتكبه مَالك أو يتجاوزه من حدود حمراء إذا منعه مما يريد.. وما حدث قبل قليل أمام زوج سمية الأول كان خير برهان! أطلق الحاج يعقوب عدة أنفاس كانت تجيش في صدره ثم تحدث بحكمة يجتذب تركيزه
((إذا كانت سمية موافقة على الزواج منك فأنا بنفسي سأطلب يدها لك، ولكن قبل كل شيء أريد منك أن تضع في حسبانك أن الإقبال على هذا الزواج يتطلّب منك كثيرًا من المروءة في الالتزام بتبعات هذه الخطوة والتفكّر جيدًا بالمعطيات المطروحة قبل الارتباط بها! كي تقيّم الوضع جيدًا، ليس من أجلك، بل من أجلها هي.. أريد أن أتأكد بأنك بعد أن تتزوجها لن تنسحب وتتركها في منتصف الطريق لمجرد أنه لم يرق لك الوضع! فوفقا لمقتضيات الرجولة والشهامة على الرجل أن يتحمّل مسؤولية تبعات قراره وألا يظلم امرأة تزوّجها بكامل إرادته))
أشار مَالك بيده لنفسه مستنكرا وهو يميل بوجهه للأمام
((أنتَ لا تثق بحبي لها يا أبي؟))
تحدث يعقوب بفطنة
((في الوقت الحالي أنا واثق من صدق ونقاء المشاعر التي تكنها لها، لكن في نفس الوقت أنا أعرف مشاعر الحبّ التي تجعل الإنسان في لحظات الذروة العشقيّة يقول ويفعل مثلك أمورا قد يندم عليها مستقبلا، لذا يجب أن تترك لعقلك موضع قدم في قرارك هذا لتضبطه، وتسمح له أن يطلّ من بين العواطف والأحاسيس والانفعالات، وأن يقول كلمته، والأمر بعد ذلك لك، إن شئت سمعت له وإن شئت أعرضت))
عقد مَالك ما بين حاجبيه بتساؤل
((أبي لم أعد أفهمك! أنتَ موافق أو لا؟ هل كانت موافقتك سابقة ما هي إلا موافقة شكلية قبل الدخول لهذه المقدمات؟ كأنك تدعي موافقتك وتأخذني على مقدار عقلي حتى تستطيع أن تقنعني بالمنطق والعقل أن أتراجع وكأني مجنون متهور لا يدرك ما يفعله! ماذا سيحدث لو لم أقتنع أيضًا هكذا؟ ماذا ستفعل لتمنعني من الزواج منها أنت أو أمي؟))
كان مَالك في نهاية حديثه متحديا دون وعي منه.. ومع ذلك لم يغضب يعقوب بل تحمل وجلده بصبر قبل أن يقول بصوته الوقور الرخيم
((فلتعلم يا مَالك بأني لا أنا ولا والدتك لنا الحق في منعك من الزواج من المرأة التي تريدها، على العكس دائما ما أدعو الله أن نعينك أنتَ وإخوتك على برنا، وأنا لم ولن أكون الوالد الواقع في دوامة بعض العادات البالية أو أشعرك لا سمح الله بأنّ زواجك من بستانية مطلّقة تكبرك هو زواج من مواطنة من الدرجة الثانية، هذا شيء غير صحيح، فقد تكون هي خيرًا لك من غيرها، أنا فقط أحاول نصحك وبيانك وتوضيح الأمور لك بما أملكه من خبرة الحياة، لا أكثر من ذلك))
ظل مَالك يتطلع في والده باهتمام وتركيز ليسترسل يعقوب وحروفه تدخل لمَالك بحكمة وصبر
((أكرر عليك يا مَالك بأن زواجك من سمية ليس بحرام ولا هو بالعيب.. كلّ ما في الأمر أنّ على الإنسان أن يدرس إمكاناته التي تكون بعد زواجه.. وإذا رأيت من حالتك والظروف المحيطة ما يجعل الاستمرار ممكنًا وطبيعيًّا فأقبل على هذا الزواج.. وأما إذا رأيت أنّ عواطفك فقط هي التي تحرّكك وأنّ المعطيات تقول بأنّ احتمال نجاح هذا الزواج قليلٌ.. فإنّ الأفضل.. بمنطق العقل.. هو الذهاب نحو خيار آخر أفضل وألا تجعل الخيال الحالم الرومانسي يسحبك بعيدًا))
أرخي مَالك أجفانه يقول بخفوت وهو يمسك بيديه كف والده
((لقد درست يا أبي ما أن مقبل عليه من كل الجوانب، لذا عليك أن تدعمني أنتَ وأمي ولا تقفا ضدي، هذا الأمر سيشجع سمية على الموافقة))
شدّ يعقوب على يده ابنه ثم قال مبتسما
((كما سبق وأخبرتك فأنا لم أعد ضد زواجك منها، لكن أنا أعوز عليك التفكير في هذه الخطوة مليًّا وبتبعاتها قبل الإقدام عليها وتعرف أن ثمة صعوبات ومعيقات كثيرة قد تواجهك، وتضع كل التفاصيل والسيناريوهات في حسبانك حتى لا تكون متفاجئًا أو مصدومًا عند حدوثها))
ضيق مَالك عينيه ليوضح له يعقوب
((زواجك من سمية سينطوي على بعض الصعوبات، وأولها انشغالها بابنها وهمومه ومشاكله، لن تكون الوحيد الذي ستنفرد بتفكيرها وعاطفتها له، ثمة من سيقتسم معك هذا دومًا وهو ابنها، أعرف بأنه سيكون بعيدا عنها ولكنها ستظل منشغلة به فكريًا ووجدانيًا، وستحاول رعايته عن بُعد، وستضطر في بعض الأحيان أن تتواصل مع والد طفلها لأجل مناقشة أمر يتعلق به، بل قد تضطر أنتَ نفسك التواصل معه بشأن يزيد))
تغضن جبين مَالك بحيرة ولم يكن شيء قد لفت انتباه إلا جزئية يزيد فتساءل باستغراب
((ولماذا سيعيش يزيد بعيدا عن سمية بزواجها مني؟))
أجاب يعقوب سؤاله بسؤال أخر
((وهل كانت لديك أي نية في أن يعيش يزيد هنا في القصر؟))
ملامح وجه مَالك نطقت بالجواب فسارع يعقوب يقول بحزم
((لا يا مَالك.. يزيد لن يعيش معكما هنا في هذا القصر ولن تخطوا قدمه عتبته إلا في زيارات محددة وبعد أخذ الأذن مني أو من والدتك))
اهتزت حدقتا مَالك قليلا وهمس باستهجان
((أبي هل تريد أن تحرم الأم من ابنها؟))
شاب شيء من الغضب نبرة يعقوب وهو يقول
((مَالك أنا لا أحاول تعجيزك أو تصعيب موضوع زواجك.. كما لست متحجر القلب لأبعد أم عن ابنها.. ولكن يزيد سيظل غريبا عنا حتى بعد زواجك من أمه وأنتَ لا تعيش في هذا القصر وحيدا، فكيف تريد من بنات إخوتك أن يعشن في نفس المكان الذي يعيش فيه شخص غريب ويأخذن راحتهن!))
فغر مَالك شفتيه باستنكار قبل أن يحتج ا
((أبي يزيد لا يزال في السابعة من عمره، لم ينهي الصف الثاني بعد))
قاطعه والده يحسم نقطة الخلاف
((الصغير سيكبر يا مَالك، وإذا لم نضع حدود من الآن فلن نستطيع لاحقا، لقد ظننت بأني لن أكون بحاجة أن أنبهك على هذا الأمر، لكن الآن تجعلني أعيد التفكير بموضوع موافقتي في زواجك من سمية!))
أطرق مَالك بوجهه مفكرا.. بإمكانه الآن وفي هذه اللحظة أن يخبره والده بأن يزيد ابنه وينهي مهزلة هذا الحديث الساخر! فهو لا يصدق أن الحال وصل به أن يتناقش مع والده عن يزيد وكأنه حقا ابن رجل آخر غيره! لكن شيء ما يجهله في داخله جعله يتراجع في اللحظة الأخيرة عن البوح له.. بل بدا أن جلالة إعلام والده الحقيقة مهيبا وليس بذاك الاستخفاف الذي كان يظنه! وشعر بأن والده الذي بدا الآن شبه موافق على زواجه من سمية قد يتراجع ويثور عليه لو عرف بحقيقة يزيد، وسيدخله بدوامة أخرى تفيض بالعتاب والاحتقار لأنه اخفى عليهم مثل هذه الحقيقة!
هزّ مالك رأسه مقتنعا.. ليتزوج سمية ويعلن زواجه منها وبعد ذلك لكل حادث حديث! فهمس أخيرا بعد فترة تفكير طويلة وهو يرفع وجهه
((حسنا يا أبي.. معك حق.. بمجرد أن يتم زواجي أنا وسمية سينتقل يزيد للعيش مع والده))
لوح يعقوب بسبابته محذرا ابنه من التلاعب
((أنتِ رجل ناضج ولست شابا أهوجا يتراجع عن كلمته، فإذا ما قلت لك بأن يزيد لن يعيش هنا فأنا لا أتوقع منك أن تُّخل بالتزامنا بعد زواجك منها، أو ستضطرني أن أطردك من هذا القصر وتعيش مع سمية وابنها في منزل آخر!))
وارى مالك بريق التلاعب المشع من عينيه وقال
((لن أخل باتفاقنا يا أبي! أعطيك كلمة رجل بأن يزيد لن يسكن هنا في هذا القصر إلا إذا كنت راضيا أنتَ وأمي))
امتعضت ملامح يعقوب وقال
((وأنا وأمك لن نرضى أن يسكن ولد غريب هنا، لذا نبه سمية أن ابنها بعد الزواج سيأتي إلى هنا في زيارات أسبوعية ويجلس مثل الضيف لساعات محدودة ثم يغادر، ولا تتوقع أكثر من ذلك))
=============================
في منزل سمية الصغير..
ربتت رتيل على كتفها تدعمها ثم سألتها
((هل هذه أول مرة يأتي كامل هنا إلى منزلك؟))
هزت سمية رأسها نافية ثم أجابت بوهن وخفوت
((لا.. هذه هي ثاني مرة.. جاء في الأمس أيضًا))
غزت أمارات الدهشة ملامح رتيل ثم ناظرت يزيد الذي كان يقف منكمشا على نفسه بشيء من القلق
((يزيد اذهب لغرفتك حبيبي، أريد التحدث مع أمك))
استجاب يزيد بصمت وطاعة وولج لغرفته ثم أوصد الباب تاركا القليل منه مفتوح ليسترق السمع لحديثهما..
بلهفة عادت رتيل توجه بصرها لسمية متسائلة
((ماذا يريد منك هو وزوجته؟))
ابتسمت سمية بتهكم وأجابت بنبرة مغلفة بالمرار
((قال لي في الأمس بأن أمه تريد مني أن أزورها، فهي من منظورها الشخصي تعتقد أن تخلي زوج ابنتها عن ابنتها بعدما أنهكها المرض هو جزاءً على ما فعلته بي في الماضي هي وابنها، لذلك تريد الآن الاعتذار لي))
اتسعت عينا رتيل متسائلة
((وأنتِ ماذا قلتي له؟))
هزت سمية كتفيها قبل أن تقول ببلادة اكتسبتها
((قلت له في الأمس بأني أسامح والدته على كل ما فعلته بي ولكني لا أرغب بمقابلتها، فرؤيتها ستعيد لي ذكريات قاسية ومؤلمة لا أحب تذكرها، فجاء اليوم قائلًا بأن والدته طلبت منه أن يعيدني على ذمته تكفيرا عن ذنوبهم بحقي، فجلب معه زوجته ليريني بأنها موافقة بنفسها أن تتنازل وتقبل أن يستر عليّ ويرعى ابني وينفق عليه!))
برقت عينا سمية بحاجزٍ رقيق من الدموع ثم تمتمت بخفوت كمن تحدث نفسها
((الأخرق! لو كنت لا زلت أريد العودة له فهل كنت لأتركه من الأساس!))
في هذه اللحظة تماما تاهت عينا سمية متذكرة أشد لحظات حياتها وجعًا وضياعًا وظلمًا عاشتها.. ولن تكذب إن قالت بأن الله أعاد مَالك لحياتها لينتشلها من قاع الكآبة الذي كانت تغوص فيه.. فبعد أن كان الحزن والقهر يلتهمانها وكل تفكيرها منحصرا في الغرق في الذكريات المريرة والقاسية من زواجها السابق جاء هو ليقتحم حياتها ويبعثرها لتنسى كل مرت به تماما وتنشغل في الفوضى التي أحدثها مَالك بعد زواجه منها! بل هي أيضًا لا تنكر أنه خلال تلك الأشهر التي استمر فيها زواجهما ولاها كل رعاية ممكنة ومنحها طمأنينة ومواساة حتى تسترد الجزء المفقود من صحتها جراء الحزن والخيبة التي نالت منها ما نالت.. فخضعت فيها لعاطفته واحتوائه بعد رحلة طويلة مضنية كانت فيها تعاني الألم والهجران والكتمان..
خرجت سمية من دوامة الماضي على صوت رتيل المتسائل
((إذا كانت والدته تريد منك فقط أن تأتي لزيارتها وطلب السماح فلماذا لا تذهبين فقط؟))
ازدردت ريقها ثم قالت بصوتٍ متحشرج
((عندما تزوجت من كامل ومنذ أول يوم وهي تعاملني بقسوة واحتقار وتجبرني على العمل في حقلهم المستأجر لساعات طويلة دون أن تأخذها بي شفقة أو رأفة وإذا رفضت مساعدتهم يوما بسبب الإرهاق أو المرض كانت تعنفني، حتى صارت طريحة الفراش في يوم وليلة وساءت حالتها، وقتها نسيت كل الماضي وكنت أقوم بنفسي برعايتها والاهتمام به والسهر على مرضها وهي تظل طوال الوقت تبكي لي وتطلب الصفح والغفران..))
تمتمت رتيل تحثها على المتابعة
((هذا جيد.. ماذا حدث بعد ذلك؟))
أجابت سمية بنفس نبرتها السابقة
((بعد أشهر من العناية بها تحسن حالها واشتد عودها وعادت صحتها كالسابق وعادت معها شخصيتها الصعبة وقسوتها في التعامل معي بل وأشد حتى أنها أقنعت كامل الزواج من أرملة أخيه.. وبعدها تعرفين ما حدث))
غمغمت رتيل بامتعاض
((امرأة كريهة، جرعتك المرار والآن تطلب بكل جرأة أن تأتي لقعر دارها لتعتذر منك!))
أطلقت سمية تنهيدة تكتمها ثم قالت بملامح تضج ألما
((لست بحاجة لاعتذارها فقد جربته مرة ولن أرغب بتكراره، أريدهم فقط أن يكفوا بلائهم عني، بعد أن انفصلت عن كامل عانيت لأشهر يمزقني الاشتياق ويلازمني الخواء وأقضي ليالي طويلة أختنق فيه من ظلم الاختيار الذي وقع عليّ دون ذنب أو جريرة!))
لم تصدق كيف كان يتحدث كامل معها بترفع قبل قليل هو وزوجته بأنه سيعيدها له! إنه غبي إن ظن بأنها كانت تنتظر رأفته بأن يعود لها! لقد سبق وقامت ذكرياتها المرة معه بتنحية قاسية لأفكارها العاطفية البلهاء تلك..
وبعد إنجابها يزيد أقسمت أن تستعيد قوتها بالكامل وألا تضيع المزيد من أيام عمرها بالتفكير به!
عادت رتيل تطبطب فوق كتفها هادرة بمؤازرة
((لا تحزني، سأخبر عمي بشأن كامل..))
قاطعتها سمية وهي تطالعها بلهفة تحمل توسل ضمني
((لا أرجوكِ لا تخبريه بشيء، لا أريد إثارة المشاكل، ثم لن يتجرأ كامل على اعتراض طريقي مرة أخرى بعد تهجم مَالك المتوحش عليه))
هزت رتيل كتفيها تخضع لرغبتها ثم استقامت واقفة تقول من قبل أن تغادر
((حسنا سأذهب الآن))
.
.
أغلقت رتيل باب المطبخ الخارجي الذي دلفت منه للداخل من خلاله لتتساءل ((ماذا تفعلين يا نجوم؟))
أجابتها نجوم وهي منهمكة بعملها
((أمسح المطبخ مرة أخرى، أنا متفرغة وأشعر بالملل))
همهمت رتيل لها قبل أن تفاجئ بمَالك يندفع لداخل المطبخ كالعاصفة يسألها وينهال عليها بوابل من الأسئلة
((أم فهد.. أين كنتي؟ هل عدتي الآن من بيت سمية؟))
ضيقت عينيها بتلاعب ثم قالت تعقد معه صفقة
((أخبرني ما كنت تتحدث به مع والدك، أخبرك ما قالته سمية لي))
كتف مَالك ذراعيه حانقا من فضولها الذي بررته ببساطة
((إذا لم أعرف ما يحدث من حولي وأشبع فضولي لن يعرف النوم أي طريق لي لأيام))
تنهد مَالك بضيق وهو يخضع لها لكنه لوهلة عقد حاجبيه يناظر نجوم التي تصب كل تركيزها معهما والتي سارعت تقول بتأكيد ((أنا جيدة في كتم الأسرار حتى عن أمي.. قولي كلمة يا سيدة رتيل هل سبق وأن أفشيت سرا من أسرار ما يحدث في داخل هذا القصر للخارج؟))
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!