لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السادس عشر
انزوى ما بين حاجبيّ رتيل لتتساءل باستنكار
((لماذا تضحك يا مُؤيد؟))
تعالت ضحكاته أكثر ورأسه يرتد للخلف حتى دمعت عيناه فضغط عليها للحظات حتى هدأ لتظل ابتسامة عالقة على شفتيه وهو يقول
((أمي ستُجن، بل ستفقد عقلها عندما تعرف بأن ابنها المدلل سيتزوج من تلك البستانية بدعم من أبي))
عادت ضحكاته تتعالى فلم تستطع رتيل ألا تبادله الضحك.. لكنها تملكت نفسها لتقول بوجه يصطنع الاحتقان وهي بالكاد تقدر على كبت ضحكاته
((إنها أمك يا مُؤيد، لا تشمت بها!))
قال من بين ضحكاته الصاخبة
((ألم تدلل تؤاميها الصغيرين على حسابنا نحن! فلتحصد إذن))
لكزته بيدها وهي تقول موبخه
((وما شأنك بها! فلتدلل من تريد، لطالما كنت أنتَ ومعاذ المفضلين عند والدك.. ولم يعترض أحد!))
نظر مُؤيد لها بتشكيك هادرا
((وأنتِ أيضًا لا بد أنك سعيدة بأن البستانية ستتزوج أخي وتغدو سلفة لك فعلى حد علمي تحبينها كثيرًا))
نفخت رتيل وجنتيها قبل أن تتشدق بحركة تمثيلية
((نعم أحبها كثيرًا، لا تتصور سعادتي))
تنحنح بملامح جادة ليستعيد تركيزه قائلا
((على كل حال، فمَالك ذاك أكثر إخوتي جنونا، سيندم في المستقبل، أنا متأكد))
هزت كتفها قبل أن تقول بحيادية
((ولكن اشعر بأنه يحبها من قلبه، حب غريب لكنه الحب، يقال بأنه لا يجمع إلا المختلفين.. كإثنين بينهما فارق كبير في العمر، أو أحدهما له ماضي والآخر يحب لأول مرة.. أو.. أو زوج متزمت ورجعي وزوجة مسكينة ومظلومة))
أخر مثال خرج من رتيل وهي تشدد على كلماته فسدد مؤيد نظرات ممتعضة وقال
((وما أدراك بأمور الحب وهذه الترهات؟))
ردت عليه بتلقائية
((اقرأه في المجلات المختصة بشؤون المرأة))
أمرها مُؤيد حانقا
((أحرقي كل هذه المجلات السخيفة، كلها فجور وكلام يشجع على هدم البيوت))
تجهمت في وجهه لكنها لم ترد عليه بل دفعته برفق ليستلقي على بطنه وبدأت تحرك يدها على ظهره بلطفٍ بالغ تحاول تخليصه من تشنجات عضلاته المؤلمة فقد ذهب نيابة عن والده للمزرعة منذ الصباح الباكر وبدا مجهدا عند العودة..
بمجرد أن انتهت استلقت على ظهره واحتضنت جذعه.. وبدأت أناملها تتراقص على بشرته الكستنائية العارية ليجتاحه شعور لذيذ أقوى من أن يأمرها بالتوقف والابتعاد عنه كما هو معتاد عندما تقترب منه!
طبعت قبلةً رقيقةً على جبينه وهمست تطلب بدلال
((حبيبي.. أريد أن اذهب الأسبوع القادم عند أمي..))
فتح مُؤيد الذي كان مسترخيا عينيه فجأة وقال بشيء من الحنق
((ألا تلاحظين أن زياراتك لامك باتت مؤخرا امر مبالغ فيها خاصة وأنك تبيتين عندها لأكثر من يومين؟ يمكنك الذهاب غدا ولكن سأصحبك في المساء))
ابتعدت عنه تنظر له باحتجاج.. لن تستطيع الاستمتاع بوقتها عند غنوة إذا لم تجلس هناك ليومين على الأقل تتسكع معها في أرجاء المدينة! كتفت ذراعيها معترضة
((ستكون يا مُؤيد في المدينة فماذا يفرق معك وجودي من عدمه هنا؟))
تجهمت ملامح مُؤيد وهو يعتدل شبه جالس مكانه..
وكان يريد أن يزجرها بصوتٍ عالي عندما فتح ابنه فهد الباب بغتة مناديا أمه دون أن يطرقه.. فسارع مُؤيد يتناول قميصه المنزلي ويرتديه بينما يوبخ ابنه
((كم من مرة عليّنا أن أنبه عليك أنتَ وأخيك ألا تدخلا غرفة النوم قبل أن أأذن لكما؟))
ثم ناظر زوجته يستطرد بحدة
((ارتدي شيئا ساترا فوق هذا الثوب الساتر، كم من مرة عليّ أن أنبهك ألا ترتدي مثل هذه الملابس الضيقة حتى لو كنت بمفردك في الجناح؟))
أغمضت رتيل عينيها تحث نفسها على الصبر وهي تستوي واقفة من عليّ السرير لتغير ثوبها وتجنب نفسها الاستماع لمحاضرة زوجها الخلوق المحترم! في حين تطلع فهد الذي كان يمسك صندوقا من الصور بوالده ببراءة وهو يزم شفتيه معتذرا
((أنا اسف ولكن أمي طلبت مني أن اختار صوري المفضلة من هذا الصندوق لتضعهم بألبوم خاص بي وها قد انتهيت من الاختيار))
ضيق مُؤيد حاجبيه باستهجان وقال بحيرة مشوبة بالتعجب
((ما قصة الألبومات هذه؟ اسمعها منك كل فترة وأخرى))
تبدلت نظرات فهد للتأنيب وهو يقول بتلميح طفولي
((عمي مَالك يظل يلتقط الصور مع يزيد وصنع له أكثر من البوم لصورهما معًا، فأخبرت أمي وقالت بأنها ستبحث عن صور قديمة لي لتصنع البوم خاص بي))
عندما بدا أن فهد لم يحتمل ثقل الصندوق أكثر وضعه على السرير، وبفضول تحرك نظر مُؤيد عليه فبدأ يقلب بيديه الصور داخله بعشوائية والتي كانت معظمها لفهد قبل أن يضيق عينيه بتدقيق على إحدى الصور التي وقع بصره عليها!
ببطء وتردد مد أصابعه يلتقط الصورة ويقربها من عينيه يمعن النظر في المرأة الظاهرة بها متسائلا عن هويتها..
كانت الصورة لامرأة شقراء بشعر قصير ومساحيق تجميل صاخبة تقف من بعيد في منزل عادي.. وبدا شكل المرأة له أيضًا مألوفًا للغاية، أين يا ترى رآها؟
لو كانت الصورة الملتقطة مقربة لوجهها بشكل أكبر ربما لعرف من هي!
((مُؤيد كيف تنظر لخصوصياتي؟))
خرج مُؤيد من شروده جافلا على زوجته وهي تسحب الصورة من بين يديه بحدة.. فتوتر وتلعثم قائلا
((أنا.. لم افعل.. لم اقصد.. أعني..))
ثم تماسك قليلا يهاجمها بعدوانية كأفضل وسيلة للدفاع
((أي خصوصيات هذه التي وضعتها في هذا الصندوق وأعطيته لطفلك!))
اتسعت عينا رتيل وبررت بشيء من الارتباك
((لقد جمعت صور فهد ووضعتهم في هذا الصندوق ليختار صوره المفضلة.. لم انتبه لوجود هذه الصورة هنا.. لكن كيف تنظر بهذا السفور للمرأة في الصورة! هل هذا غض البصر الذي تعلمته يا مُؤيد؟))
تغضن جبين مُؤيد بالضيق ثم قال بفضول ظاهري مغيرا الموضوع
((هل هذه صورة شخصية لممثلة أو مغنية ما؟ تبدو مألوفة بشكل رهيب، لكن لا أستطيع تذكر أين رأيتها!))
اتسعت عينا رتيل وتأتأت لثوان قبل أن تجيب مُختَلِقة
((لا ليست صورة لممثلة.. بل صورة لإحدى صديقاتي))
مال وجهه باستهجان ثم تساءل
((وماذا تفعل صورة احدى صديقاتك عندك؟ انظري لملابسها القصيرة وزينة وجهها))
دب الخوف في رتيل لكنها ردت بثبات انفعالي
((هذه الصورة لها في منزلها، ما المشكلة أن تتصور مكشوفة في منزلها؟))
لمع بريق مخيف في وجه مُؤيد مستنكرا
((المشكلة هي سحبها للصورة! ماذا إذا رآها أحد غريب ولو عن طريق الخطأ كما فعلت أنا الآن؟ ماذا لو قام أحد أولادها بإعطاء صورها لأخرين مثلما فعل ابن سمية كما أخبرتني))
ثم بصرامة لا تحمل شيء من التهاون رفع مُؤيد سبابته يحذرها
((إياك يا رتيل أن تسحبي صورك وتهديهم لأحد حتى لو كنت ساترة تماما، لا أتحمل أن تصل صورك لأي رجل غريب يمعن فيها بقدر ما يشاء))
تحرك حلق رتيل ثم رسمت تعابير مبتسمة وهي تتساءل بدلال
((هل هذه غيرة؟))
أمسك مُؤيد مرفقها بقسوة يقربها منه ليقول بنبرة شديدة وعينين مخيفتين تبرقان تهديدا
((رتيل بمثل هذه الأمور نحن لا نتهاون أبدًا))
ثم نفض ذراعها بقسوة يبعدها ويغادر المكان بعصبية..
دعكت رتيل مكان إمساكه لذراعه بألم وهي تمتم شاتمة إياه قبل أن تصدر منها ضحكة خافتة وهي ترفع الصورة وتعيد النظر لها!
هل حقا ظنها ممثلة أو مغنية مألوفة؟
نعم هي المرأة في الصورة.. التقطتها غنوة لها في احدى المرات التي مكثت في بيتها بعد أن وضعت لها زينة وجه وباروكة لشعر أشقر قصير.. لطالما ظنت أن الصبغة الشقراء تناسب شعرها وبشرتها الحنطية!
من الجيد أن زوجها المتزمت لم يسبق وأن رآها أمامه تضع مساحيق التجميل صاخبة على وجهها والا لكان تعرف عليها بسهولة!
=============================
في غرفة الجلوس..
وضعت زاهية الهاتف على المنضدة جانبها متنهدة ببؤس ثم قالت وهي تهز رأسها يائسة
((أنه لا يرد مجددا))
انتبهت على نظرات زوجها المتسائلة بحيرة تُسدد لها فهدرت بحزن يجتاحها
((مَازن.. لا يتصل بي.. ولا يرد على اتصالاتي.. يقاطعني منذ أخر مكالمة جرت بيننا))
عقد يعقوب حاجبيه وهو يضع فنجان القهوة على المنضدة أمامه قائلا بسخط
((ولماذا العاق لا يرد عليك؟))
ابتلعت زاهية شيء ما في حلقها وهي تنظر إلى زوجها بعينيها الحزنتين.. وكأنها تعاتبه سلفا.. وتخبره ألا ينعت ابن قلبها بالعاق.. ثم لم تدرِ كيف أفلتت الكلمات من بين شفتيها دون أن تستطيع منعها
((أساسا أنا من أخطأت، فأخر مرة تكلمت فيها معه كانت لهجتي شديدة، وربما أحزنته وضاق صدره مما سمعه مني، لهذا لا يريد التحدث معي))
غمغم يعقوب بغلظة واستياء
((حتى ولو كان الأمر كذلك فلا تبرير لمقاطعته لك! أنتِ أمه يمكنك الحديث معه كيفما تريدين بل وتكسري رقبته أيضًا دون أن يحق له الاعتراض.. سأتحدث الآن معه، وإذا تجرأ على رفض اتصالي سأحرمه من مصروفه الشهري الذي أرسله له))
نهرته زاهية برجاء وصوت واهن
((يا حاج لا تتحدث أنتَ معه، دع أحد من إخوته يتحدث معه، مُصعب أو مَالك، أو حتى مُؤيد، لكن مُعاذ لا فهو لا يقل قسوة منك على أخيه الصغير))
تنهد يعقوب بغير رضا.. ولم يقاطع الجو المتوتر بينهما إلا صوت مَالك يطرق باب الغرفة المفتوحة هادرا
((السلام عليكم يا والديّ..))
رد الاثنين السلام على ابنها ثم ناظر يعقوب زوجته هامسا
((سنتحدث يا زاهية فيما بعد عن مَازن..))
شيء من الاستغراب لف ملامح مَالك عند ذكر سيرة أخيه لكنه سرعان ما نسيه في خضم ما يشغل تفكيره..
ازدادت ابتسامته اتساعا عندما طلب والده منه أن يجلس بجانبه بصوته الرخيم المميز.. فجلس مَالك حيث يطبطب والده بجانبه على الأريكة وهو يأخذ نفسا عميقا بينما يحث نفسه على التفاؤل.. لن تكون المواجهة الآن مع والدته صعبة طالما والده موافق..
قالت زاهية مبتسمة بإجهاد
((تبدو سعيدا اليوم يا مَالك، أخبرنا ماذا هناك؟))
بشيء من التردد وبصوت خافت أجاب
((لقد فاتحت أبي برغبتي في الزواج قريبا))
تلاشت الابتسامة من زاهية وتيقظت حواسها وهي تتساءل بينما توزع أنظارها للاثنين
((تريد الزواج وجئت لي لأبحث لك عن عروس مناسبة؟ هل هذا ما تقصده يا مَالك؟))
أجابها مَالك بنفس نبرة صوته الخافتة وهو يسبل أجفانه
((لا أمي، لقد اخترت المرأة التي أريد الزواج منها))
تضرج وجه زاهية بحمرة الغضب وهي تقول بشيء من الانفعال
((وهل عندي فكرة عن هوية المرأة التي تريد الزواج منها؟))
رفع مَالك وجهه قائلا بهدوء رغم التوتر الذي بدأ يتسرب إلى صوته
((نعم أمي تعرفينها جيدا))
تحدثت مباشرة وهي تقف على قدميها بحدة
((وهل تظن بأني سأسمح لك أن تتزوج امرأة مثلها بكل تلك الفوارق بينكما؟))
وقف مَالك من مكانه يقول بنفس الهدوء وقد حانت منه نظرة إلى أباه الذي لم ينطق بحرف بعد
((إنها المرأة الوحيدة التي أريدها، ولن اقبل الزواج من غيرها حتى لو ظللت عازبا لأخر يوم في حياتي))
شهقت زاهية وهي تضرب على صدرها
((يا إلهي.. هل وصل الأمر بك أن تتحدانا من أجلها؟ ماذا فعلت بك لتسحرك طوال هذه السنوات؟))
حاول مَالك بتوتر التعقيب
((أمي أنا من ألاحقها وانا من أحبها، هي حاولت كثيرًا أن تبعدني عنها ولكني لا زلت لا أرى غيرها زوجة لي))
تساءلت زاهية بقهر عارم
((لماذا هي بالذات! ما الذي تمتلكه هي دون غيرها من النساء؟ إنها حتى ليست بذاك الجمال الذي يسلب اللب لأقول بأنه ما جعلك مأخوذا بها لسنوات!))
غامت عين مَالك ليجيب بعاطفة لا تتناسب الموقف
((مهما تساءلت بيني وبين نفسي عن سبب حبي لها، لا أجد جوابا إلا أنها الوحيدة الّتي بوجودها حولي تمحي أي حزن أو غم مثقل في داخلي وكأنه لم يكن..))
جحظت عينا زاهية بغضب وقالت بحدة
((هراء، أنا لن اسمح لك بالزواج منها، لو كنت قصرت بشيء في حقك لعذرتك على حب امرأة بصفاتها وعمرها.. لكن.. لكن..))
حاول مَالك أن يمسك كفيّ والدته ويتوسل
((أمي أنتِ أفضل أم قد يحظى لها أحد.. أكثر ما احبه بسمية هو شبهها بك.. بعطفك وحنانك واهتمامك الصادق بي.. أنها تشبهك برقتك ورجاحة عقلك))
بنفس الحدة السابقة قالت زاهية والدموع رغما عنها تتجمع في عينيها
((هناك الكثير من الأخريات اللاتي قد تجد عندهن كل ذلك وأكثر فإنساها وجد غيرها))
شردت خضرة عينيه ليقول بكلمات مثقلة بالعشق
((لن أقدر يا أمي فقد ملأت سمية كل قلبي منها ولم يتبقَ أي مكان خالي لسواها))
حررت كلتا يديها منه بانفعال ثم أخذت نفسا عميقا مرتجفا تحاول أن تتمَالك أعصابها قبل أن تسترسل بلهجة حاسمة لابنها
((إيجاز نقاشنا هذا يا مَالك هو أني لن اسمح لك أن تتزوجها، لن اسمح لك أن تفعل هذا بنفسك يا مَالك..))
تضرج وجه مَالك بالألم معاتبا أمه برقة
((أمي لم اعهد قاسية هكذا أمي، أنتِ تقسين بكلامك هذا عليّ قبل أن تقسي عليها))
قللت زاهية من احتدام تعابيرها قليلا ثم قالت دون أن يرف لها جفن
((افعل هذا لمصلحتك مَالك، فأنا لا أرى أي إيجابيه ولو واحدة فيها تجعلني أتنازل واقبلها زوجة لك، إنها مطلقة مرتين، وأم لطفل، تكبرك بسبع سنوات، لا مستواها الاجتماعي ولا الثقافي يشبهك))
هنا جاء صوت يعقوب واضحا هادئا في حزم وهو يجد بأنه قد حان وقت تدخله الآن
((كل هذا هو نصيبها من الله يا الحاجة زاهية! لا ذنب لها فيه! ثم لا يجب عليك أن تتحدثي وتعامليها مع صفة "مطلقة" وكأنها وصمة عار، ولا تصلح أن تكون زوجة لابنك))
ارتبكت زاهية وشحبت ملامحها قليلا وهي تدرك أن زوجها الذي التزم الصمت منذ البداية يقف بصف ابنه.. فتمتمت بلا تصديق
((كيف تقول ذلك وكنت أكثر المستائين من قرب مَالك من ابن سمية! كنت تطلب مني أن اللح عليه في الإسراع في الزواج كباقي إخوته لأجدك اليوم تعينه لينساق للهاوية!))
رد يعقوب بنفس الهدوء والوقار المتأصل فيه
((ولا زلت حتى الآن على رأيي فيهما الاثنين سويا، لكن طالما ابنك مُصر على الزواج بها فأنا لن احرم ما احله الله له خاصة واني لا أعيب في أخلاق المرأة، لدي بعض التحفظات عليها ولكن في النهاية لن أحرم حلالا))
برقت خضرة عينا مَالك بامتنان وتأثر لوالده في حين ازداد ارتباك زاهية ولم تجد ما تقول بينما أكمل الحاج يعقوب
((لأنه الله أكرمنا بكل هذه النعم من حولنا فلا يجب علينا أن نشكره بأن نعتبر أنفسنا من عِلية القوم ونترفع عمن هم اقلوا منا حظا! فلا تصوري ابنك وكأنه مخلوق من غير طين ولا يمكن أن يقبل بفتاة أقل منه))
لف الخجل والندم وجه زاهية بسبب طريقة حديثها السابقة لتتمتم بينما تجلس على طرف الأريكة
((أنا لم اقصد أن أبدو بمظهر إنسانة مغترة ومتعجرفة، قصدت فقط أن أقول بأنهما غير ملائمين لبعضهما فمن أسس الزواج الناجح التوافق في معظم أمور الزوجين))
مسح يعقوب على وجهه مستدعيا الصبر قبل أن يؤيدها بقناعة راسخة
((وهذا ما كنت أحاول قوله له، لكن إذا كان مصرا فليقدم على ما يريده وليتحمل هو نتيجة قراره، أنه ليس صغيرا، وأنا كأب لا أريد إلا سعادته وزواجه من امرأة تعينه في أمور دينه ودنياه، لو تحبين ابنك بحق لما اختلف موقفك عني))
تمتمت زاهية وعينيها تفيضان من الدمع
((لا أحد قد يراهن على حبي له، لكن إذا وافقت على زواجه منها، فماذا سيقول كل من في القرية؟ ماذا لو تسألوا فيما بينهم عن سبب موافقة الحاج يعقوب ابنه زواجه من البستانية التي تعمل عندهم.. هذه المرة أنا لا اقصد التقليل منها، لكن ماذا سنبرر لهم؟))
خرج يعقوب عن ثباته هادرا
((وما شأننا بالناس وكلامهم؟ لطالما ابني لم يتعدّ حدود الله فأنا لن اهتم بشيء أخر ولست مستعدا أن احرم ابني من فرحته لأجل أحد))
ازدرد مَالك ريقه وهو يلاحظ ازدياد الاحمرار الظاهر على ملامح والدته والناتج عن ارتباكها أمام أبيه.. فجلس بخفة بجانبها يعيد احتضان يديها وقد أشفق عليها فكل انفعالها السابق كان بدافع حبها ورغبتها بالأفضل من وجهة نظرها له..
التفتت زاهية تنظر في وجه ابنها وعيناها تتيهان في ملامحه ثم غمغمت بصوتٍ محشرج
((لا أحد يحبك يا مَالك ويريد مصلحته مثلي.. الأمر فقط.. أني..))
قال مَالك بتأثر صادق
((أنا أكثر من يعي هذه الحقيقة، ولهذا اعتبر نفسي من أكثر البشر حظا لأنك أمي.. لكن صدقيني لا أريد زوجة أعيش معها تحت سقف واحد إلا سمية))
كتمت زاهية شهقة خارجة منه ليحاول مَالك تشرب حزنها وهو يتوسل لها
((أرجوكِ يا أمي وافقي على اقتراني بالمرأة الوحيدة التي أحببتها! أنتِ تعرفين بأن لن أقدر على الإقدام إلى هذا الزواج دون موافقتك..))
تذمرت زاهية بمرارة
((لا اصدق ذلك.. أنتَ فقط تحاول تخفيف ذنبك تجاهي))
حرر مَالك احدى يديها واخذ يلامس خصلات شعر والدته التي ورث منها لونه وقال مربتا على قلبها
((لا أمي من المستحيل أن أقدر على الارتباط بها دون موافقتك، لن أستطيع فعل ذلك دون رضى أغلى إنسانة على قلبي.. حتى أبي يدرك حقيقة أني احبك أكثر منه))
أخر جملة قالها هامسا في أذنها فخرجت ضحكة متحشرجة من يعقوب قبل أن يقول بروح رياضية
((قلها بصراحة يا مَالك فأنا أيضًا كنت أحب أمي أكثر من أبي رحمهما الله))
شعرت زاهية بالغصة تؤلم حلقها لكنها دفعته عنها وهي تقول بحزم مزيف بعد لحظات بينما تضع عينيها في عيني ابنها
((حسنًا موافقة أنا على زواجك من تلك البستانية ولكن عندي شرط بخصوص ابنها، لن يعيش هنا منا))
ابتسم مَالك بحزن وعينيه يطفو فيهما ألم مبرح ثم قال
((بالتأكيد يا أمي، سبق وتناقشنا أنا وأبي في هذا الموضوع))
اتسعت عينا زاهية بذهول لسرعة بديهية وتلقائية إجابته.. ثم تمتمت بتساؤل
((وأين سيذهب؟ امه وحيدة لا معارف مقربين لها))
هز مَالك كتفيه يقول ببساطة بثّت الريبة في قلب والديّه
((لوالده يا أمي! أبا يزيد هو أولى الناس برعايته))
رغم التعجب والريبة التي كانت تغزو زاهية إلا أنها تمتمت بتيه
((والده! صحيح والده هو أولى فيه عند زواجك من امه))
ثم طالعت ابنها تتابع بتأكيد وحزم
((ما أقوله لمصلحتك يا مَالك، فكيف ستهتم بك سمية وبأولادكم إذا انشغلت فيه، ثم أنه ليس طفلا رضيع، والده كيفما كان سيعرف كيف يعتني به))
وافقها مَالك القول بجمود ودون أدنى اعتراض
((أنا معكما في هذا الموضوع.. يزيد لعائلة أبيه))
ظلت زاهية تنظر في ملامح ابنها بتوجس للحظات طويلة تحاول أن تستشف شيء فيه قبل أن تتساءل بريبة عميقة
((ولكن هل حقا سمية موافقة على ترك ابنها عند عائلة زوجها السابق؟ هل هي من قالت لك ذلك بوضوح؟ أخشى أن تغير رأيها))
قال ملك بمواربة وببسمةٍ لطيفةٍ لا تتناسب مع توقعاتهما
((نعم أمي، لا نقاش في هذا، الآن أريد سماع موافقتك))
امتقعت ملامح زاهية.. وشعرت بكره أكبر تجاه سمية..
فهل هي نفس تلك المرأة التي هتفت بعنف في أمس قريب بأنها لن تتزوج وستهب حياتها كلها من اجل تربية ورعاية صغيرها! لكن الآن وقد تغير العريس المُتقدم لها وأصبح مَالك، ابن الحاج يعقوب الكانز، كبير وجهاء القرية.. اختلف الأمر معها وصار لابنها والد يهتم به ومستعد لأخذ حضانته منها إذا ما تزوجت!
عكفت زاهية فمها بازدراء.. وموجة من الكآبة طغت على حواسها المرهفة وهي تطرق رأسها بانهزام، ورغم عدم رضا قلبها الكامل إلا أنها شعرت بلزوم إسعاد قلب ولدها والموافقة.. فابتسمت بارتجاف وهزت رأسها بوهن موافقة أمام ملامح ولدها العاشق هادرة
((سأوافق يا مَالك، فقط لأجلك، لأني لا أريد إلا سعادتك أنتَ ولن أتحمل حزنك))
انفجرت أسارير مَالك هاتفا ببهجة
((هل تقولينها من أعماق قلبك؟))
ردت زاهية على مضض دون أن تنحسر ابتسامتها
((يمكنك قول ذلك))
طالبها مَالك بلهفة
((إذن منك أنتِ سأسمع أول زغاريد حفل زفافي بسمية))
سالت دموع مكتومة على وجنتي زاهية لتقول بصوتٍ مرتعش تتغالب على ألمها
((نعم أول زغرودة ستكون مني أنا..))
حث يعقوب زوجته وهو يلامس كتفها برقة
((إذن هي اسمعينا واحدة يا زاهية))
انحسرت ابتسامة زاهية قليلا لتتردد
((لا ليس الآن، ما زال الوقت باكرا))
قطب الحاج يعقوب ما بين حاجبيه يعترض
((ليس باكرا ولا شيء من هذا القبيل، سأطلبها له في أسرع وقت نقدر عليه))
أدرك مَالك مدى الضغط الذي تعيشه أمه فقال لوالده
((لقد قالت أمي لك لاحقا، فلا داعي لنستعجلها))
ثم ناظر أمه يتابع بعينين تذوبان تأثرا وحبا لها
((أنا احبك أمي، أنتِ أغلى إنسانة في حياتي))
أمال مَالك رأسه واخذ يلثم يداها الحانيتان في سعادة لا توصف.. ثم قام بعدها وتوجه ناحية أبيه يقبّل يده هادرًا بامتنان وعرفان
((لولا دعمك لما تجرأت على مواجهة أمي، أنا محظوظ بك))
غامت عينا الحاج يعقوب بحنان لتلك البهجة الخالصة في ملامح ابنه.. خاصة مع ذاك الصدق والعشق المختلط بنبرته.. فقال بصوتٍ أجش
((والله يا مَالك لا أريد من هذه الدنيا إلا رؤيتك أنتَ وإخوتك تعيشون في سعادة وهناء، مبارك بنيّ))
عاد مَالك يكرر امتنانه بعاطفة
((شكرا لك يا أبي، حفظك الله لنا))
ابتسمت زاهية قليلًا على هذا المشهد رغم أن الألم لا يزال حيًا في عمق عينيها على إصرار ولدها في اختياره..
تنهدت وهي تمد ذراعيها وتجذب ابنها إليها وتضمها إلى صدرها بينما تلثم شعره..
في حين قال يعقوب وهو يطبطب فوق كتف زوجته بكلمات مواسية لا يعلم انه لا يواسي بها إلا نفسه
((ستكونين فخورة وسعيدة بنفسك لأنك اعنت ابنك على ما يحب ويريد))
في هذه اللحظات دخلت عليهما دارين بمرح كما حالها كلما تعود من الخارج بعد قضائها وقتا لطيفا مع أبيها.. فابتسم الجدين ببشاشة لها وتساءل يعقوب وهو يحثها على الاقتراب منه بيده
((لماذا تأخر والدك في العودة هنا يا دارين؟))
اقتربت دارين من جدها قافزة بسعادة وتناولت يده تقبلها فتحوز منه على كلمات الرضا قبل أن تجيبه بصوتٍ مبهج
((لقد ذهبنا أنا وهو لإحدى المطعم بعد أن انتهينا من زيارة قبر أمي كما العادة))
عقبت زاهية بعتاب مرح
((هل رأيت كيف يخرج معك وينزهك كلما اتيحت الفرصة له! لا تلوميه عندما يهملك في فترة من الفترات وتضغطي عليه بالعتاب والاتهامات المجحفة، فطبيعة عمله تجبره أن يسكن بعيدا عنا ولا يتفرغ لنا بشكل كامل))
عقدت دارين حاجبيها بطفولية واعترضت
((جدتي نحن لا نذهب لزيارة قبر أمي إلا مرة أو مرتين في الشهر أي أني لا أرى أبي واخرج معه إلى مكان مميز للتنزه إلا قليلا، فكيف يكون هذا كافيا؟))
ثم تراخت ملامحها الحانقة قليلا وتطلعت لمَالك تقول بمكر لذيذ وكأنها أمسكت به متلبسا
((أما الآن فقولوا لي من الذي سيتزوج؟ عمي مَالك؟))
انفرجت ضحكة عن مَالك ليهز رأسه لها بإيجاب ويمد كلتا يديه قارصا وجنتيها الممتلئتين
((نعم سأتزوج والعقبى لك بعد أن تنهي دراستك كاملة))
=============================
أوصدت نورين باب جناحها خلفها بعدما دلفت للداخل ثم سألت لمُصعب الجالس بين كومة صناديق على الأرض
((عدت من بيت مصعب وأنت لا تزال تنظم أغراضك؟))
أجابها وهو يعتدل واقفا يبدأ بإغلاق أول صندوق
((لقد كدت انتهي من تجميع هذه الزوائد التي لا حاجة لها حتى أتخلص منها))
هزت رأسها مغمغمه ((جيد))
بمجرد أن بدأ بإغلاق الصندوق حتى لمح الكتاب الذي وضعه جانبا.. فسعل قليلا قبل أن يناظرها متهجما بطارف عينيه ويسألها
((لم تسأليني منذ مدة عن موضوع الكتب؟))
شبكت كفيها ببعضهما خلف ظهرها وقالت وهي تطالع الصناديق بفضول متأصل بها عندما يتعلق الأمر بأي شيء يخص مُصعب
((لم افهم قصدك))
أمسك الكتاب وناظرها يقول بشيء من التردد
((أعني ألن تطلبي مني أن اجلب لك كتب سبق وقرأتها لتقرئيها وتتناقشي بها معي؟))
توقفت مكانها تبادله النظر باستغراب لتردد
((لكنك أنهيت قراءة كل الكتب التي قرأتها ولم يعد لديك شغف لقراءة المزيد.. هكذا قلت لي))
رفع الكتاب الذي يمسكه ولوح به قائلا
((ما زال هناك كتاب أخير قرأته ولم أطلعك عليه، لكن هل تحبين قراءة الروايات؟))
فجأة تبدلت ملامحها إلى أخرى تضج بالشقاوة وهي تميل له هادرة
((لم يسبق وأن قرأت رواية، لكن إذا اقترحت عليّ سأفعل، اهم شيء أن تكون رواية رومانسية))
تجهمت ملامحه وهو يرد عليها
((لا إنها ليست رومانسية لا من قريب ولا من بعيد))
زمّت شفتيها تتمتم بإحباط
((متوقع منك!))
تنهد وبدا أنه يجاهد فيما يقوم به لحاجة أن تقرأها هي ثم قال
((اقصد أني أريد أن اقترح عليك رواية سبق وقرأتها عدة مرات تتعلق بإنسان يبحث عن حريته.. فهل تحبين قراتها أنتِ الأخرى؟))
ضيقت عينيها تشعر بالريبة منه.. فتناولت منه الكتاب تتفحصه سريعا متسائلة بوابل من الأسئلة الفضولية التي خطرت على بالها
((ما اسم الكاتب؟ ليس هناك أي تفاصيل مكتوبة على الغلاف حتى لو سيرة ذاتية أو اسم دار النشر))
كتف ذراعيه وهو يجيبها
((سأخبرك المزيد عن هذه الرواية لاحقا، لكن طالعيها أولا))
((تبدو كبيرة بالنسبة لرواية، هل سبق وقرأتها كاملة؟))
((نعم فعلت في الماضي وقرأتها في المشفى بين مناوباتي، لأصارحك البداية مملة قليلا فكنت اقرأ على مضض لكن شعرت بشيء من الحماس لاحقا ولم اتركها قبل أن أكملها للنهاية))
ردت عليه وعيناها تعودان لتشردان في الكتاب بتدقيق
((تبدو رواية مثيرة للاهتمام طالما أنها نالت إعجابك أنت الكاره للقراءة))
لم يعقب في البداية لكنه عاد يسألها بجدية بالغة
((إذن هل تريدين أن تطالعيها ثم تخبريني فيما بعد برأيك بها؟))
اتسعت عيناها قليلا وعادت تحتل التسلية ملامحها لتقول بدهشة مصطنعة
((وتصر على أخذ رأيي أيضًا! فعلا مثير للاهتمام!))
بدا عليه الحنق وهو يقول
((نورين أنا جاد.. أريد رأيك فيها))
ازدادت ابتسامتها الحلوة اتساعا لترد
((حسنًا، سأقرأ هذا الكتاب لكن ماذا قلتي لي هو نوع الرواية؟))
تنهد قبل أن يجيبها برتابة وهو يعطيها ظهره ويعيد إغلاق ثاني صندوق
((كما قلت لك سابقا، إنها رواية تتحدث عن أنسان يعيش في احدى الدول الأوروبية في العصور الوسطى، يناضل من اجل حريته وحرية شعبه))
ضبطت نظراته المختلسة إليها بين الحين والأخر فقوست شفتيها بشبه ابتسامة مكتوبة وسألته باهتمام
((يبدو أن هذه الرواية لم تعرض للنشر من قبل وصاحبها قام بطباعتها من اجل نفسه فليس لها عنوان حتى!))
خفت صوته وهو يجيب
((نعم صحيح، لان الكاتب ببساطة أنا فقط اعرفه))
ضيقت عينيها تسدد مرمى نظراتها المتوجسة له للحظات طويلة ثم تساءلت
((أنتَ لست الكاتب.. صحيح؟))
صدرت منه ضحكة خافتة قبل أن يقول بصراحة
((صدقيني لم أكن لأضحي بساعات راحتي ووقت فراغي المحدود في هذه الحياة في كتابة أو قراءة شيء!))
تمتمت نورين مخففة من وطأة ضغطها عليه رغم الحيرة التي لا تزال الحيرة تلفها
((نعم وانا أكثر من يشهد على هذا، فأنتَ لست من النوع المولع بالكتابة أو القراءة لذا اهتمامك بهذه الرواية بالذات مثير للريبة!))
خاطبها بصوتٍ عادي
((نورين بعيدا عن أي شيء أخر، أعطِ نفسك الفرصة للتفكير والتأمل مع هذه الرواية فأنا أريد رأيك الحقيقي بها))
استجابت ((نعم سأفعل..))
اخفض مُصعب بصره ورفع أنامله يدلك جبينه كمن لا يعرف كيف يشرح الأمر الآن.. ثم عاد يلح عليها باهتمام
((أريد منك أن تجعلي قراءتك لها كعملية بحث واكتشاف مستصحبة الصبر والجلد لكي تستوعبي ما تقرئي))
ردت بشيء من الامتعاض والتوجس وهي تعيد تضييق عينيها
((تشعرني يا مُصعب بأنك ستختبرني بعد أن انتهي من قراءته، وانا لا أريد أن أعيش ضغط أيام الامتحانات والمشاريع في الجامعة مجددا))
ثم خبأت الكتاب جانبا لتقرأه لاحقا وعادت تنظر له متسائلة
((ما كل هذه الملابس التي جمعتها؟))
أجابها مُصعب وهو يهم بإغلاق أخر صندوق
((معظمها باتت واسعة عليّ سأتخلص منها، أو ربما أتبرع بها.. المهم سأدبر لها تصريفه))
اتسعت عينا نورين ما إن وقع نظرها على تلك السترة التي تعلو باقي الملابس وسارعت تتناولها قبل أن يغلق الصندوق هادرة
((هذه السترة الصوفية جميلة عليك، لا تتخلص منها))
اعترض ((لم ارتديها أبدا هذا الشتاء.. أنتِ من كنتي ترتدينها يا نورين..))
قهقهت وهي تتأمل السترة ثم قالت
((صحيح، أحب ارتداء ستراتك الرجالية فهي تبدو جميلة عليّ وتجمع بين النمط الكلاسيكي الأنيق والكاجوال العصري، هذه أخر صيحات الموضة))
تهكم رغم جديته
((اشعر بالسوء لأجلك فأنا سأتخلص منها))
هتفت متوسلة وهي تتشبث بذراعه
((لا أرجوك.. احتفظ بها.. أنا أحبها جدًّا))
مد يده لتعطيه السترة أمرا بحزم
((أكره تكديس الأشياء أو الاحتفاظ بأشياء اعرف باني لن احتاجها))
ألحت في توسلها الرقيق وهي تبعد السترة عن مرمى يده
((سأحتفظ بها عندي إذا كنت تتخلص من الملابس من اجل المساحة في الخزانة))
لم يتأثر بتوسلها ليقول متشبثا بعناده
((لا نورين.. ضعيها في الصندوق))
رسمت ابتسامة جانبية ثم لمعت عيناها لتشاكسه
((إذا كنت تريدها فالحق بي))
كانت تسير نحو الباب وتفتح مقبضه عندما حذرها مُصعب
((نورين لست صغيرة لألحقك، هاتيها))
هتفت من بين ضحكاتها التي تجتاحها بلا توقف
((سأخبها في مكان أخر، إلى اللقاء))
حذرها مُصعب من التمادي
((لا تجبرني على اللحاق بك))
فتحت الباب وخرجت منها هاتفة ((إلى اللقاء))
التمعت عيناه بتوعد ليهتف بعلو صوته
((تعالي إلى هنا يا نورين))
صرخت بتحد وقد خرجت من الجناح بالفعل
((لن آتي، الحق بي وخذها))
ثم هرولت سريعا تهبط درجات السلم وبالكاد تكتم ضحكاتها الصاخبة التي تدوي في أنحاء القصر..
وصلها صوته وبدا بأنه خرج من الجناح أخيرا
((حسنًا سألاحقك ولكن حينها ستعاقبين.. ستعاقبين بنفس المكان الذي اقبض فيه عليك وحتى لو كان حولنا أحد))
وصلت للصالة وقد عرفت بأنه ضيعها ولم يعد خلفها، فقالت بشقاوة من بين أنفاسها المتصاعدة
((لن تستطيع الإمساك بي))
قلّت سرعة جريها تدريجيا وشعرت بنفسها يكاد يتقطع من الإجهاد وتخمة معدتها الممتلئة من الأطايب التي أكلتها عند سمية قبل قليل.. لكن ضلت ضحكاتها التي لم تسيطر عليها صاخبة وهي تدخل المطبخ..
وسرعان ما شهقت بذهول وتلاشت هذه الضحكات عندما لاحظت وقوف مُؤيد عند الرخام بينما يرتشف من كوب شاي قام بإعداد بنفسه..
شحب وجهها قليلا وهي تنتبه أنه لا أحد في المطبخ غيره فالآن هو وقت راحة العاملين فيه..
وقعت أنظار مُؤيد المخيفة عليها فلم تتجرأ أن تمر إلى داخل المطبخ وتتجاوزه لتصل للباب الخارجي.. فوقفت متسمرة مكانها بينما تلهث بقوة.. لكن سرعان ما تزحزحت من مكانها واستدارت كليتها تعود أدراجها لا تجرأ للدخول للمطبخ وهو موجود..
كانت خفقات قلبها في تزايد.. من هرولتها قبل قليل أم من رؤيته فلا تعرف..
عادت للصالة بتوتر شاردة الذهن قبل أن تسمع صوت مُصعب الظافر
((ها قد وجدتك يا عفريته))
شهقت بخوف وهي تدور حول منضدة ما تقول بدفاعية
((لا تحلم أن تمسك بي))
صدرت منه ضحكة ساخرة رغم جدية قبل أن يقول
((لن تظلي هاربة للأبد، لقد أمسكتك تقريبا))
لكنها ظلت تراوغ وتناور للإفلات منه رغم محاصرته لها.. حاولت أن تسرع الخطى للباب الخارج من الصالة إلا أنه كان أسرع منها وقبض على اعلى ذراعيها هاتفا بنفس تجهمه
((ها قد أمسكت بك يا عفريتة))
رفعت له الكنزة ورمتها على الأريكة هادرة بلهاث
((أنا آسفة، لم اعد أريدها، تبرع بها للأقل حظا))
لمع شيء من الشقاوة في عينيه لم تنتبه لها ثم قال وهو يميل بوجهه منها
((سأخذها بكل الأحوال لكن ليس قبل معاقبتك بعد كل هذه الفوضى التي تسببت بها من اجل الكنزة الصوفية!))
استطاعت أن تلتقط صوت أنفاسه والتي باتت تعلم منها مقياس استفزازه.. فحاولت أن تتملص من قبضته هاتفة
((اعتذر منك.. أنا آسفة.. مُصعب لا تدع عصبتيك النادرة تنفلت الآن، لقد أردت أن أمازحك قليلا، الأمر لا يستحق الغضب..))
لكن صمتت للحظات بينما انحنت عيناه بتأثير جبار وبدأت أنفاسه الحارة تتهدج قليلا.. تلفحها وتوهن المتبقي من قدرتها على المقاومة.. وحين تكلم قال أخيرًا بصوتٍ ساخر رغم الدفء الذي لم يستطع إخفائه في نبرته
((لست أنا من تجعله زوجته يركض خلفها في أرجاء المنزل))
خرجت ضحكة ناعمة مرتجفة من بين شفتيها وهي تلمس عبثه الآن..
مال برأسه جانبًا حتى يتمكن من مس جبينها بشفتيه مرة بعد مرة بكل نعومة.. فارتفعت على ركبتيها تحيط عنقه بذراعيها لتقربه منها أكثر وتشعر بدفئه الذي لم تعرف مثيله في حياتها من قبل بينما هو يتابع تقبيل وجهها بحرارة..
أراحت رأسها على كتفه.. فهمس في أذنها ويده تداعب خصرها
((لن أمرر الأمر دون عقاب))
سألته مبتسمة بصوتٍ منتشي وأنفاسه تداعبها
((ماذا ستفعل إذن؟ خدعة خلية النحل لم تعد نجدي نفعا))
رفع حاجبيه متعجبا ليهمس بخفوت من بين أنفاسه المتحشرجة بينما يكتم ضحكته
((حقا أيتها العفريتة لم تعد تنطلي عليك؟ إذن سأجرب غيرها الآن..))
لم ترد عليه واكتفت بالمحافظة على ابتسامتها الشقية لما قاله.. ولم يكن ينقص هذا المشهد إلا شعورهم بسعال رجولي خشن عالي جعلتهما ينتفضان بعيدا عن بعضهما..
مرّ مؤيد من الصالة مكشرا بغضب ثم غمغم باشمئزاز
((استغفر الله العظيم.. ما هذه الميوعة! ألم تستطع أن تنتظر حتى تصعد لغرفة النوم بدلا من الصالة! أم الحديقة في الخارج أمام الملأ مناسبة أكثر لك؟))
بدا شعور مُصعب بالإحراج واضحا جدًّا إلا أنه ردعه باستياء
((يكفي يا مُؤيد، فهمنا يا أخي، نسيت أين أنا ولم أشعر باقترابك من هنا))
رماه مُؤيد بنظرة أكثر اشمئزازا من السابقة ومقللة منه قبل أن يتجاوزهما مبتعدا.. فطالع مُصعب نورين يقول بتأنيب وقد ظهر غضب حقيقي على وجهه
((هل أعجبك ما سمعته بسببك يا هانم! لقد جعلتني أنسى أين نحن، تخيلي لو مر أحد والديّ من هنا!))
عبست ملامحها من تأنيبه المجحف لها.. ليس وكأنها هي من بادرت غمره في القبل بل هو! لكنها أرادت أن تخفف من حدة الموقف فسارعت بحركة فجائية بدغدغته ضاحكة.. لكن خفتت ضحكاتها وهي تستشعر عدم تأثر جسده الصلب بشيء..
رفعت وجهها له لتجده يناظرها بملامح جامدة ثابتة التعبير.. فابتعدت عنه قليلا وأدركت بأن الوقت لم يكن مناسبا لهذه الحركة الطفولية.. فنكست رأسها تحاول ألا تتمادى أكثر وكانت تريد أن تتجاوزه لتغادر لكنها شهقت عندما قيد رسغها وجذبها نحوه..
اتسعت عيناها عندما دفعها لترتمي على ظهرها فوق الأريكة برفق.. قبل أن يبدأ بدغدغتها ولم تستطع إلا أن تُطلق ضحكةً رنانة.. أغمضت عينيها بقوة وقالت من بين ضحكاتها
((يكفي.. يكفي إلى هنا..))
توقف لوهلة يكتفي من عقابها هذا ثم ابتسم لها هو يتأملها.. ضحكتها هذه قريبا ستخل بتوازنه!
عند هذه الفكرة علاها ليدغدغها أكثر بلا رحمة غير آبها لتوسلاتها وهي بالكاد تلتقط أنفاسها
((لا أرجوك.. أرجوك.. سأموت يكفي))
كان صوتها مجهد من شدة الضحك وقد التمعت الدموع في عينيها.. ولم يكون ليبتعد عنها منتفضا لولا صوت مُؤيد الذي عاد أدراجه للصالة يهتف بتعجب مستنكر
((أما زلتما هنا!))
انتفضا مبتعدين عن بعضهما..
اعتدلت نورين واقفة وهي تلملم خصلاتها الثائرة من تحت الحجاب وتغادر مهرولة المكان، ثم لحقها مُصعب حتى لا يسمع المزيد من شقيقه الذي هتف به
((سأخبر أبي وإذا لم يطردك أنتَ وزوجتك من هنا فسأنتقل من هنا إلى مكان أخر أنا وعائلتي فأنا بصراحة عليّ أنا أخاف على طفليّ من الانحراف))
ثم غمغم بغيظ مستعر يعاني في كبحه بينه وبين نفسه
((مثيرين للاشمئزاز!))
وكان مُصعب قد ترك السترة على الأريكة في الصالة.. وكأنه ظل يلاحقها ليجاريها في عبثها معه وحسب لا أكثر!
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!