الفصل 39 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
13
كلمة
7,901
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

اتسعت عينا سمية وهي تتساءل بلا تصديق للرجل الواقف أمام باب بيتها بتبختر

((وأيضا والدتك موافقة يا مَالك؟))

لمعت عيناه ببهجة خالصة ممتزجة بعذاب الشوق والعشق بينما يؤكد عليها

((قريبا سنجتمع نحن الثلاثة تحت سقف واحد! بالكاد أتحكم بنفسي حتى الموعد الذي سنحدده لزفافنا متمنيا أن يكون الأسبوع القادم، وهذه المرة ستنتمين لي بعقد لا رجعة فيه))

ازدردت لعابها على عسر ثم قالت بحنق

((لا افهم لماذا لا تستوعب بأن العائق الوحيد الذي يحول دون موافقتي ليس عائلتك فقط!))

مسح على وجهه بنفاذ صبر وتهكم بدرامية مفتعلة

((نعم اعرف بشأن العوائق الأخرى، أنتِ لا تثقين بي وموقنة بأن زواجنا لن يستمر كثيرًا بسبب تلك الفوارق! ولكن أنا احبك وأنتِ تبادليني شيئا من هذا الحب فدعينا ننسى أي شيء أخر ونتزوج، وبعد الزواج سأحرص مليا على دحض كل تلك الظنون والشكوك من قلبك، فلا تعقدي الأمور أكثر من ذلك))

قطبت ما بين حاجبيها بتساؤل منفعل رغم هدوئها لتقول

((مفهوم الحب واضح يا مَالك ولكن الالتزام بالوعود هو المعدوم، أنتَ تعلن بكل صراحة وجراءة أنك تحبني لكن هل كلفت نفسك عناء التفكير إذا ما كنتَ قادرا على الوفاء بالعهد؟ وهل تعي حجم مسؤولية تكوين أسرة معي؟ بظروفنا وأوضاعنا هذه؟))

ارتسمت البلاهة على ملامح مَالك وهو يتمتم ((ماذا!))

صمتت لثواني تستجمع قواها الواهية وهي تستطرد

((أنا سأجيب نيابة عنك يا مَالك.. لا أنتَ لم تفكر.. فكل ما يهمك هو أن تعيش اللحظة وإذا ما تغير أي شيء في مشاعرك أو موقفك في المستقبل القريب أو البعيد تجاهي يمكنك أن تستبدل تلك المرأة التي اخترتها مع تقلب الفصول، ولتذهب بدموعها للجحيم))

تجهمت ملامحه فقال بجدية يشوبها الحزم

((أتفهم أفكارك وكلامك، ولكن لا املك لك ردا أخر، لن أستطيع أن اثبت لك صدق مشاعري إلا من خلال الحياة التي سنعيشها معًا بعد زواجنا، لذا لا تحاولي المماطلة في الموافقة فأنا لا طاقة لي للانتظار والتحمل أكثر فقد تعبت من تلك المحاذير الموجودة بيننا ومن تلك الواجهة الخشبية التي تصدرينها لي دائما حتى تبعديني عنك))

رفعت سمية نظرها لتجد عينيه تطوفان بخضرتهما المتوسلة فوق وجهها ليكمل بعاطفة وشجن جميل

((مهما أنكرت يا سمية لكن الحقيقة هي أنك ملكي أنا منذ البداية.. منذ أن كنتي في حياتي.. منذ كنا نتجاذب أطراف الحديث من وقت لأخر.. منذ أن رأيت فيك صديقة.. منذ أول مرة لهج لسانكِ بالدعاء لي.. منذ زواجنا الأول.. منذ إنجابك قطعة مني ومنك.. منذ أن أصبحتِ الحقيقة الوحيدة الثابتة في يومي..))

لانت تعابيره وهو يرى الدموع تترقرق في مقلتيها ثم تنهد بعمق وهو يمرر أنامله بين خصلاته المموجة قائلًا

((إذن هل ستريحيننا نحن الثلاثة وتوافقي؟ أم هيهات لقلبك القاسي أن يرأف بنا ويلين؟))

فغرت شفتيها قليلا ليقول بتحذير يواري عن مرحه

((سمية عليك أن تعلمي أني لن أتحمل أكثر من هذا.. إذا ما تجاوزت حدودي معك فلا تلوميني.. فأنتِ لا تتصوريني في كم مشهد احتجت أن أضمك واحتضنك في فرح أو مواساة دون أن أقدر، أنا بحاجة أن أتخلص من القيود التي تلجمني عن كل هذا))

أنبته إياه برقة وخفوت

((مَالك.. يكفي..))

أصر بعبث يشوف ملامحه

((لا لن اكتفي قبل أن اسمع موافقتك، وتكفي عن كونك مفسدة لذة.. سوداوية.. محبطة.. مخيبة أمال..))

احتدمت ملامح سمية وكانت تنوي الرد عليه قبل أن تشعر بابنها يهز ثوبها قائلًا بإلحاح وتوسل طفولي

((أمي وافقي أرجوك))

بدا وكأنها أخيرا انتبهت لوجوده منذ أن طرق مَالك باب منزلها.. وبخفوت حاني غلف دهشتها قالت ليزيد الذي يظلل وجهه الخشية والانقباض وتشي خطوط وجهه بالإحباط والحزن

((يزيد.. حبيبي.. اهدأ قليلا))

لكنها كانت في هذه اللحظات تعيش دوامة من الصراعات.. من جهة عقلها وبقايا تحفظها يحثها على إكمال رفضها لمصلحتهما هما الاثنين.. ومن جهة أخرى يلجمها وجيب قلبها لتوافق وتعيش حلمها الذي ترفض الاعتراف به حتى بينها وبين نفسها في الاجتماع معه ومع يزيد فيبيت واحد!

حسمت أمرها متنهدة قبل أن تقول بانكسار وخفوت

((أنا بارعة في صبّ نكدي عليك.. اعلم.. لكني أرجوك اعذرني فأنا أخشى يا مَالك أن يمر العمر وتختبر عشق حسناوات يصغرنك، وأعود وحيدة مجددا، أنا لا زلت اشعر بتخبط، لذا أناشدك الصبر وعدم الضغط عليّ حتى أعاضد عقلي قبل أن أصل بقراري النهائي دون ندم أو تردد فأنتَ لا تتصور رهبة الأمر بالنسبة لي))

ناظرها بإحباط وخيبة امل يقول

((ولكن إلى متى؟ إلى متى يا سمية؟ هل تعرفين كم هو عمر يزيد؟ نحن منفصلين منذ ولادته بالضبط.. ومنذ ذاك الوقت وانا أحاول بقدر استطاعتي الابتعاد عنك وإعطائك مساحة للتفكير حتى لا تشعري بأني اضغط عليك.. كان بإمكاني وفي نفس اللحظة أن أخبر كل عائلتي، لكنني رفضت أن أنالك قبل أن أُكون نفسي وأصبح قادر على تحمل المسؤولية فأظفر بك))

أغمضت سمية عينيها توبخ ذاتها وتشتم انفعالاتها العاطفية.. والعقلانية أيضًا مغمغة

((أنا آسفة لك يا مَالك لك أنتَ ويزيد..))

تنهد مَالك بضيق وتمتم بنبرة متفهمة

((لا داعي للاعتذار..))

ثم سألها بابتسامة وهو ينخفض ليحمل يزيد

((ا أخبري الشقي هذا.. هل أنتِ موافقة أو لا؟))

راوغت لتشتت محاصرته

((لا تدخل يزيد في مواضيع الكبار))

تلاعب مالك ((إذن اعطي موافقتك لي أنا لا ليزيد))

ردت بحنق ((بل سأعطيها له هو))

تبسم في وجهها لأنه انتزع موافقتها وقال بعاطفة

((اعطيها لابنة الجيران، المهم أنك موافقة))

ارتبكت سمية من نظراته، ليدرك أنها لا تجاري قدرته بالكلام فقالها صريحة وبقرار محتم عليهما معًا

((الأسبوع القادم سيكون عقد قراننا، أمفهوم؟))

زمّـت شفتيها ثم قالت بنبرة تمسدها برسمية تخفف من حميمة المشهد بينهما

((حسنًا.. سأكون أنانية واهتم فقط بمصلحتي وبمصلحة ابني وأوافق على عرضك هذا الذي لا يعوض))

ما قالته كان بمرح يخالف جديتها المصطنعة فتبعثرت البهجة والانشراح بصدر مَالك.. ثم تنفس الصعداء ودفء القرب منها وحرارة التواصل معها وحمى الرغبة بأن تكون له ومعه كلها تتسلل لقلبه..

في حين امتلكت يزيد البهجة من الوريد للوريد وهو يفهم من كلمات والدته بأنها ستعود له..

لكن هلعت ملامح سمية فجأة وقالت بقلق

((ولكن كيف سنخبرهم عن الماضي وكيف سنشرح حقيقة يزيد! لن تكون ردة فعلهم بسيطة!))

تنهد مَالك قبل أن يهدر بجدية تكتنف صوته

((لأصارحك القول في البداية كنت أظن بأن موضوع يزيد هو الطريقة الوحيدة لجعلهم يباركون زواجنا! لكن فجأة بدأت أرى أن نتزوج أولا قبل أن نبوح بحقيقته))

لوث الحزن ملامح يزيد البريئة ثم تساءل منكسا وجهه

((هل أنا مصدر مشكلة لكما؟))

ارتعشت شفتا سمية وهي تناظر ابنها لتهز رأسها مجيبة باختناق

((لا تقل هكذا..))

في حين رفع مَالك ذقن طفله بأنامله وخاطبه بصوتٍ أجش

((لا يا حبيبي أنتَ لست مصدرا لشيء في حياتنا إلا الأمل والحب والبهجة))

ثم ناظر سمية يقول بحسم وهو يشدد من ضم يزيد

((بمجرد أن ينتهي زفاف وليد سيحين دورنا، الأسبوع القادم))

عاد خوف رهبة المواجهة والقلق منها يتسرب لسمية فحبت ابتسامة حالمة ببطء على شفتيه تشاكس قسماته الجادة.. عليه أن يخطو بحذر وتمهل نحوها حتى لا يحول تخبطها وخوفها دون موافقتها..

سمعها تقول بصوتها المرتبك وهي تبوح بدواخلها

((عندما تعرف أمك الحقيقة ستندم على كل خير جادت به على عائلتي! لقد تفضلت عليّ وسمحت بعملي هنا لأكافئها في الوقوع بحب ابنها بل والزواج منه))

مع نهاية حديثها استحالت ابتسامته الى قهقهة عالية ليقول

((تتحدثين وكأنك تزوجتِ من زوجها لا ابنها))

=============================

بعد أن أمضت رتيل ساعات في الإشراف على الطهي في المطبخ وممارسة بعض التمارين الرياضية الشاقة في غرفتها.. رأت أن الوقت قد حان لتمنح نفسها بعض الطقوس اليومية البسيطة التي تعود بمنافع عديدة على صحة جسمها وتشعرها بالاسترخاء والراحة..

ولم يكن هناك أجمل من تدليل نفسها بحمام منعش يمنح جسدها العطر الفواح، وبشرتها ملمسا ناعما ومتوهجا ويزيل آثار التوتر والتعب..

ملأت حوض الاستحمام بالماء، وشغلت موسيقى هادئة في الخلفية ثم أشعلت تلك الشموع العطرية التي كانت قد اشترتها من اجل ليلة رومانسية لها ولمُؤيد.. قبل أن يتضح بأنه لا يستحقها بعدما فعله..

تأوهات باسترخاء وهي تغمر نفسها في الماء الحار الممتلئ بالفقاقيع والرغوة ذات رائحة طيّبة والغنية بالمكوّنات الطبيعية والزيوت الأساسية..

كانت تمسد وجهها بالزيت عندما سمعت صوت وقع أقدام نحو الحمام..

فُتح عليها الباب فجأة ليطل زوجها منه والذي سرعان ما استدار يقول بصدمة

((رتيل كيف تستلقين في الحوض بهذا الشكل؟))

نظرت إليه قليلا كيف ينأى بنظره بعيدا عنها ويغض البصر عنها فأغمضت عينيها تجز على أسنانها بقوة ثم فتحتهما لتجيبه بهدوء كأنها تخاطب شخصا مجنونا بلا عقل

((ادخل، ادخل يا مُؤيد اعتبر نفسك مثل زوجي))

ببطء وتجهم التفت مُؤيد نحوها وكادت أن تضحك ملء شدقيها عليه لكنها اكتفت بابتسامة جميلة وهي تسمعه يقول بوجوم

((ماذا تفعلين الآن؟))

أجابته وهي تغمر جسدها كله باستثناء رأسها تحت ماء الحوض المليء بالفقاعات والرغوة الملونة

((كما ترى، استرخي لأجهز نفسي لحفل زفاف ابن عمك الليلة))

غمغم مُؤيد مغتاظ وهو يرشقها بنظرات ساخطة

((أخر مرة سنذهب لزفاف.. صدقيني))

رفعت حاجبيها تقول باستفزاز

((لماذا! كل هذا لأني اهتم بنفسي؟))

هتف بها بغير رضا

((ما الحاجة لامرأة متزوجة أن تهتم بنفسها قبل الذهاب للزفاف؟ إذا كنت أنا زوجك اقبل بك كيفما كنت فلماذا تحبين الاهتمام بنفسك!))

ابتسامة جانبية لم تعلم أكانت ساخرة أم منكسرة ارتسمت على وجهها وهي ترد

((اهتم بنفسي من اجل نفسي وحسب، لا تقلق أي ملابس ضيقة ولن أضع زينة على وجهي في الزفاف))

سألها بحنق وهو يمعن النظر بها كلها

((متى ستنتهين؟ أريد الاستحمام أنا الأخر))

تراخى جسدها أكثر في الماء وقالت

((لم أقم بحمام الزيت ولا التقشير، اخرج لا زال أمامي الكثير حتى انتهي))

حدجها بحنق وقبل أن يستدير نبهته

((مُؤيد تذكر ما اتفقنا عليه، لا تطلب منا أن نرحل قبل عرض البوفيه، هذا إذا أردت ألا تستمتع لمناحة أولادك بعد الحفل))

تساءل مُؤيد بامتعاض وعيناه تطالان بالنظر لرسم مفاتنها ونحرها المكشوف بعدم غفلة منها

((أي طلبات أخرى يا هانم؟))

وبقي شيء في مُؤيد يجعله يتسمر مكانه ويراقبها باهتمام وبدقيق رجولي.. فهبّت الغيرة المتأصلة في أوردته على روحه وهو لا يفهم منطقه بمنع نفسه من التمتع بكل هذا الجمال المتشكل على هيئة زوجته!

حركت رتيل حاجبيها بمشاكسة هادرة وهي تغمزه

((أخبر نجوم أن تعد لي بعض الشاي والفاكهة والماء المُنكّه بالليمون..))

رفعت رتيل يدها تتابع تمسيد وجهها بنعومة.. مدركة أن نظراته تلتهمها لكنها لم تشعره بانتباهها..

=============================

جفل قصي على دوى صوت قائد فريقه وهو يقول بينما يتطلع لساعة يده

((ألم تنتهي نوبتك الصباحية لهذا اليوم قبل ساعة يا قصي؟))

همهم قصي وهو يضيق عينيه بتفكير، يتذكر بأن ساعات عمله في الشركة بالفعل انتهت قبل الساعة من الآن.. تابع قائد فريقه معتز يقول

((نعم يا قصي أنا متأكد من أن نوبتك اليوم تنتهي في الساعة الثامنة مساء.. أي أنك قد عملت اليوم لساعة إضافية بالفعل))

اغلق قصي حاسوبه وتمطى وهو يقول بإجهاد

((لم اشعر بالوقت بكل صراحة))

رفع معتز سبابته محذرا كمن تذكر شيئا

((إياك أن تطالب ثمن هذه الساعة الإضافية، لن تنال شيئا مقابلها فنحن لم نطلبها منك))

مال قصي بشفته بامتعاض ثم سخر بمرارة

((ليس وكأن المبلغ الإضافي الذي سأناله مقابل هذه الساعة قد يفرق على راتبي الضئيل الذي أتقاضاه))

استنكر معتز باستغراب

((مرّ عليّ موظفين يغادرون عملهم قبل انتهائه بحجة النسيان، أما أن يعملوا أكثر من ساعات عملهم الرسمية بنفس الذريعة فأنتَ أول من يفعلها))

اغلق قصي حقيبته ثم رفع أنامله يدلك جبهته ويقول بإنهاك

((معك حق، لقد كنت منغمسا في تلقي المكالمات ومركز فقط في كيفية حل مشاكل العملاء))

همهم معتز ثم قال بفضول دون مواربة

((حالك متغير هذه الأيام، لقد صرت موظفا مواظبا تأتي قبل العمل بوقت ولا ترحل إلا بعد أن ينتهي على أتم وجه، حتى مواعيد راحتك لا تأخذها كاملة من شدة اجتهادك.. ما هو سرك؟))

تمتم قصي باستياء وغيظ

((لم يمر إلا شهر واحد على التزامي هذا فلا تحسدني من الآن، عجيب أمرك يا معتز))

سأله معتز باستغراب

((ما هو العجيب؟))

قال قصي بحنق بالغ

((لا يعجبك تسربي وإهمالي لعملي في السابق والآن لا يعجبك التزامي واجتهادي.. هل أعود لقصي القديم؟))

مال معتز بوجهه له يرسم له تعابير متهكمة باطنها محذرة

((هل تعرف بأنه ينقصك خطأ واحد قبل أن يتم فصلك من هذا العمل ونودعك للأبد؟ إياك أن تغتر وتظن بإمكانك أن تنجو بفعلتك مثل المرة الماضي عندما طالب مدير القسم من المشرفة شيرين أن تسامحك وتتجاوز عن خطأك ذاك.. فمدير القسم لا يعرف بوجودك من الأساس ولا يهتم بشأنك، لقد وقف بجانبك لأنه أراد أن يستفز شيرين ليزيحها من منصبها.. لا أكثر ولا أقل.. وأنتَ لست محظوظا كفاية لتسلم الجرة معك في كل مرة))

قال قصي بضجر وسخرية

((حقا يا معتز!))

أجابه قائد فريقه باهتمام وجدية

((نعم يا حبيبي وهل تظن بأننا سنظل نسايرك ونتحمل إهمَالك ونتجاوز أخطائك في عملك هنا؟ لا يا حبيبي دلالك هذا مارسه في شركة الوالد أما هنا فلا أحد يتحمل الأخر..))

شيء من العبث.. أو حتى الحسرة توهجت في عيناه ثم تمتم

((هل حقا أستطيع ممارسته في شركة الوالد؟ لأني اشك بذلك))

لوح معتز بيده هادرا بتأكيد

((على العكس لو كان والدك رجلا مقتدرا فاطلب منه أن يشتري لك محل تجاري ويوظفك فيه وبعدها تدلل وغب عن العمل بقدر ما تشاء ولن يحاسب أحد ابن صاحب المكان))

ارتد رأس قصي للخلف وغمغم بصوتٍ منطفئ

((أحقا لن يحاسب أحد الموظف إذا ما كان ابن صاحب المكان؟))

مال معتز ليتكئ على الحائط متسائلا بفضول

((دعك من شكوكك هذه الغير مفهومة وأجبني.. كم هو عمرك يا قصي؟))

عقد قصي حاجبيه وهو يجيبه باستغراب

((في عيد ميلادي القادم سأكون في الرابعة والثلاثين..))

اتسعت عينا معتز قليلا وبدا أنه تفاجئ كثيرًا من عمر قصي الذي ظنه أصغر بكثير مما يبدو عليه.. ليس بسبب مظهره الخارجي وتوهج الشباب والعنفوان الذي يعطيه عمرا أقل بل بسبب روحه المرحة والبسيطة وشخصيته اللامبالية ومزاحه خفيف الظل.. تنحنح معتز قليلا قبل يعقب

((تصغرني بعدة سنوات أنتَ، لكن بكل صراحة لم تعد يافعا، من في مثل سنك يملكون وظائف تدر عليهم رواتب محترمة، عملك كموظف في خدمة العملاء هنا لا يناسب رجلا ثلاثيني لا من الناحية المالية ولا من الأمان الوظيفي، عندما كنت مثلك موظف خدمة عملاء لم يكن يكفي راتبي إلا ثمن السجائر والمواصلات، ولو لم أترقَ هنا وأصبح قائد فريق براتب مضاعف لكنت تركت هذا العمل وبحثت عن غيره))

تراخى قصي في جلسته وقلب عينيه للأعلى.. كيف لو يعرف معتز بأن راتبه الشهري الذي يتقاضاه من عمله في هذه الشركة يدفعه فقط ثمنا لرسوم ناديه الرياضي الذي لم يعد يذهب له أكثر من مرة أسبوعيا وقد أصبح يحب ممارسة الرياضة في البيت حيث هناك صالة ضخمة مجهزة له!

امسك معتز كتفه وهو يتابع بجدية بالغة

((لماذا لا تؤمن على نفسك وتبحث عن عمل أخر؟ ما هي شهادتك؟ اذكر بأني قرأت في سيرتك الذاتية بانك خريج هندسة من جامعة في الخارج، نعم أتذكر هذا جيدا فقد لفتني امر دراستك في الخارج))

ظهر شيء من الارتباك على قصي وهو يجيبه بأول ما خطر على ذهنه

((نعم معك حق، سبق ودرست هندسة إنشاءات في الخارج عندما كنت اسكن هناك مع عائلتي، لكن هي جامعة بسيطة وليست حتى ذات صيت عالي، لا يغرنك اسمها الإنجليزي))

تشدق معتز ببساطة ((نعم بالتأكيد وهل أناس بسيطين من أمثالنا يمكن أن يلتحقوا بتلك الجامعات الإنجليزية دون أن تملك عائلته ثروة طائلة أو يملك هو عقلا منفردا يتيح له منحة!))

تنهد قصي ببؤس وقال

((لقد تخرجت قبل عشر أو تسع ولكن لم اعمل ولو ليوم واحد في شهادتي، ولهذا لا أظن بأني قادر على إيجاد عمل فيها))

هز معتز راسها متفهما لكلام قصي الذي استقام واقفا من مكانه وهو يحمل حقيبة ظهره ويلوح له بالسلام..

خرج قصي من قاعة العمل وعن الممر لمح مشرفته شيرين ولم ينسىَ رشقها بتلك النظرات الساخطة وهو يتجاوزها..

وقفت شيرين تنظر لظهره وهو يغادر هذا القسم من المبنى ثم طالعت معتز الذي كان يسير نحوها لتقول بانزعاج

((انظر له كيف يرشقني بنظرات تحمل كره العالم كلما رآني!))

عقب معتز على كلامها

((لقد تغير قصي، كان في الماضي شخصا فكاهيا وحليما يتقبل أي مزحة أو حتى سوء معاملة ببشاشة وصدر رحب متسامح لكن الآن بات شخصا كئيبا))

ضيقت شيرين عينيها بشك ثم قالت مستغربة

((تتحدث كثيرًا عن قصي يا معتز.. هل هو الموظف الوحيد الحزين في قسمنا هذا؟ أنتَ حتى لا تحفظ حتى أسماء الباقيين!))

لف الارتباك معتز وهو يحاول التبرير

((الأمر ليس هكذا، لكن هو الموظف الوحيد الذي أتعبني بإهماله وعدم مبالاته منذ أن عملت هنا، ولفتني كثيرًا أن اعرف سر تغيره مؤخرا))

أجابته شيرين بإيجاز ووضوح

((سر تغيره هو نقلي له لمكان أخر أكثر صعوبة وانشغالا))

قال معتز لها وقد أثر عليه بؤس وحزن قصي

((معك حق.. ربما هذا هو السبب.. شيرين أعديه لمكانه الأصلي، حرام عليك لقد نال عقوبته كاملة بل وأكثر))

شعت عينا شيرين بالغل لترفض رفضا قاطعا مشوبا بالسخرية

((لا أريد ولن افعل.. بسببه تلقيت توبيخا من رئيس القسم.. سيبقى هناك لمدة أطول.. وليدع جزيرة الواق واق التي فضلّ الذهاب إليها ولو على حساب طرده من هنا أن تنفعه))

=============================

كان مُؤيد يناظر بامتعاض طلة زوجته الآسرة وهو يراها ترتدي فستانا نبيذيا أنيقا بحمّالتين رفيعتين وبطبقات ثلاث مقصوصة بشكل عرضيّ تعلو إحداهما الأخرى وحزام ذهبي حت صدرها محدّدا إيّاها بفتنة مهلكة..

فقال بعبوسه وملامحه المشدودة كالوتر

((هل سترتدين هذا الثوب الضيق الخليع في حفل الزفاف؟))

حادت رتيل بنظراتها بعيدا عنه وهي تمسك العباءة

((نعم، ما المشكلة؟ لن اخلع العباءة إلا بمجرد أن يغادر ابن عمك العريس قاعة النساء))

هتف بها بغضب متقد وهو يمسكها من كتفيها ويديرها ليناظر ظهرا المكشوف

((أنا لن اسمح لك بارتداء شيء كهذا حتى أمام النساء))

هتفت به بحنق واضح

((تتحدث وكأن ثوبي شبه عاري!))

تأجج غضب مُؤيد فصرخ بها منبها

((انظري لانعكاس ظهرك للمرآة، مكشوف للغاية))

ابتسمت بدلال تغيظه بادعاء البراءة ثم قالت

((لا ليس مكشوف الظهر كثيرًا))

ثم عقدت حاجبيها فجأة تقول بتحذير

((وإياك أن تحاول دفعي لأبدله، منذ ساعات وانا أتجهز))

لم تكن قد أكملت كلامها وهي تشعر به يقترب منها بغضب مستعر يلمع في عينيه ويمسك شعرها المرفوع بمحاولة فكه فصرخت به بهلع وهي تضرب يده وتبعدها عن شعرها

((ماذا تفعل؟ اترك شعري.. اتركه..))

ابتعد مُؤيد عنها مزمجرا بسخط

((أطلقي العنان لشعرك الطويل ليخفي شيئا من ظهرك المكشوف))

تشدقت بسخرية ثم هتفت به بضيق وانفعال

((هل تعرف كم من الوقت قضيته في تصفيفه!))

كاد مُؤيد أن يسحق أسنانه وهو يرمقها بغيظ.. بل أوشك أن يشد شعرها ويقتلعه ليخفي ظهرها المكشوف وبانت رغبته هذه جلية في عينيه.. فحاصرها بخيارين

((يا أن تبدلي الآن هذا الثوب بأخر أكثر حشمة أو تخفي الجزء المكشوف من ظهرك بشعرك))

ضيقت عينيها المشتعلتين بنار الغضب وكادت هي الأخرى أن تقتله في هذه اللحظة لكن انفرجت ملامحها فجأة وقالت بلامبالاة وهي تتوجه لخزانة ملابسها

((عندي وشاح ملائم تماما لهذا الثوب سأرتديه فوق كتفي وسيغطي ظهريا))

ظهر شيء من الرضا على وجه مُؤيد إلا أنه قال بتهديد شرس

((وإياك أن تخلعي هذا الوشاح هناك، هل فهمتِ؟))

رسمت رتيل ابتسامة متشنجة لتؤكد

((رغم أنه لا خطأ في ثوبي هذا أمام النساء ورغم أنك رجل متزمت ورجعي لكن لا بأس سأفعل كما تريد..))

ردد مُؤيد بخشونة وجدية

((رتيل انعتيني بما شأتِ، لكن مجددا أحذرك من التحرر من هذا الوشاح))

فاجأته وهي تميل رأسها برقة تتلاعب بنظراتها ما بين استعطاف وتدلل هامسة

((على الأقل قل بأنك تغار عليّ من حسد وعيون النسوة هناك لذلك تريد مني إبقاء الوشاح على كتفيّ.. جمّل أوامرك المتخلفة ولو ظاهريا واكذب عليّ))

ظل على تجهمه وهو يقول بجدية تلف كلماته متجاهلا سخريتها

((لن أكون موجودا هناك لكن أثق بأنك لن تخالفي ما قلته، رغم كل سيئاتك إلا أني أثق بأنك زوجة مطيعة وصالحة وستلتزمين بأوامري))

شحب وجهها قليلا وتمنت لو لا يلاحظ مُؤيد الاختلاف الذي طرأ على تقاسيمها وهي تبتلع غصة مسننة ثم تقول وهي ترفع ذقنها بصوتٍ مخنوق

((مُؤيد.. استرخي قليلا.. طالما قلت لي أن استر ظهري ولا اظهر منه شيء فلن افعل حتى لو كان سيقلل من جمال الثوب.. منذ متى وانا أخالف ما تأمرني به!))

أكد مُؤيد على كلامها باطمئنان وثقة يحسد عليها

((نعم أنا اعرف، أفضل شيء في حياتي امتلاكي زوجة مثلك أستطيع استئمانها على بيتي وأولادي وكلي ثقة بان قدمها لن تخطو خارج البيت إلا بعلمي وستحفظ أمانتي))

حاولت رتيل أن تمتلك أعصابها وهي تحث نفسها ألا تتأثر من الكلام الذي سمعته منه.. ولتخفف شيء من تأنيب ضميرها ذكرت نفسها بتسكعه مع تلك النسوة تحت رداء الزمالة والعمل!

حثها مُؤيد وهو يناولها العباءة

((هيا ارتدي العباءة والحجاب فوق هذا الثوب المقيت ولنخرج الآن قبل أن نتأخر))

=============================

بدأ حفل زفاف وليد وشيرين صدح صوت الموسيقى صاخبا بأغاني حماسيّة تليق بحفلات الزفاف.. لكن حتما لم تكن الأغاني حماسية بشكل كافي لتبدو العروس بهذا الشكل.. مر بعض الوقت حتى تم عرض بوفيه العشاء في حفل الزفاف فتساءلت رتيل والفضول يقفز من عينيها

((لماذا لم يأتي زوجك للحفل يا نورين؟))

هزت نورين كتفها مجيبة

((لا أدري، أنه كتوم بشأن وليد لكن يبدو أنه لا يحبه أبدًا.. ولولا والدته لما طلب مني أن أرافقها))

ظهر شيء من التردد على رتيل وهي تقول بخبث متأصل فيها غير قادرة على الكتمان

((هل تعرفين بان هذا المدعو وليد هو من كان يجب أن يتزوجك!))

امتقع وجه نورين مغمغمه

((نعم اعرف وحمد الله أنه لم يفعل، كنت أظن أنه معترض على الزواج من اجل زوجته لكن اتضح بأن يضمر في عقله قصة أخرى))

هزت رتيل وجهها لتبوح

((كلنا صدمنا بخبر طلاقه من جُمان، لا أدري أين ذهب بالحب والهيام الذي كان يظهره لها أمامنا، كان يقول بانه يعشقها ويحبها وبان الله أبدله بخير من تلك المدعوة شيرين، وبعد كل هذه السنين يطلقها من اجل شيرين لا من أجل عدم إنجابها.. الرجال في قمة الحقارة))

عقبت نورين باستياء

((بصراحة لست مهتمة أن اعرف شيئا عن حياته العاطفية، فقط احمد الله باني لم يكن من نصيبي، حتى شكله فهو غير مريح رغم حسن مظهره))

قالت رتيل بنبرة تحمل رنة سخرية

((معك حق، أنه مكروه في كل هذه القرية لتجبره وعجرفته.. أكثر من مُؤيد))

ثم سرعان ما اتسعت عيناها وهي تهتف لابنها بردع

((فهد لن يطير الطعام من أمامك، امضغ الطعام بفمك أكثر من مرة قبل ابتلاعه))

قال فهد الذي كان يقوم بتعبئة طبقه بمختلف الأصناف

((أمي أنا أريد التهام كل الأصناف المعروضة))

حثته رتيل بتأنيب

((قال والدك بانه لن يستعجلنا الرحيل مثل العادة، لا داعي للاستعجال يا فهد))

تطلع فهد لامه يقول بحنق

((قد يغير رأيه وأنا عليّ أن اكل كل شيء هنا))

تنهدت رتيل بيأس من صغيرها ثم تطلعت لنورين مبررة

((ولداي الاثنين يظنان طعام البوفيه قادم من الفضاء ومختلف عن طعام المنزل! فلا تظني بهما السوء لمجرد انهما يريدا تجربة كل شيء كالمشردين))

هزت نورين رأسها بتفهم

((لا تقلقي يا رتيل))

.

.

أذعن وليد الذي كان جالسا بجانب شيرين لأمر قلبه والتفت يناظرها.. لم يراها جيدا منذ أن خرجت من صالون التجميل..

بدأ يحدق ويتشرب بنظره كل تقسيم من وجهها.. حتى وصل لعينيها الخضراوين المكحلتين البهيتين..

التفتت شيرين بعد أن ارتدت الذهب في الحفل تسأله بعفوية وشيء من التوجس

((لماذا تناظرني بهذا الشكل؟ هل أبدو جميلة؟ لقد اكتفيت الليلة بوضع لمسات بسيطة فوق وجهي من الكحل وأحمر الشفاه))

رد بصوت أجش

((هذا الكحل الذي يليق على عينيك العربيتين هو أكثر من كافٍ بالنسبة لي وثَمِلٌ أنا بسحره))

أمسك ذقنها حتى لا تحد بنظراتها المضطربة عنه لكنها نفضت يده قائلة

((نعم اعرف، لطالما أحببت الكحل العربي عليّ))

ناظر وليد بخفر حركة عنقها الأبيض كلما ابتلعت ريقها توترا ثم أمرها بهدوء

((ابتسمي قليلا، أنتِ أول عروس تبدو متجهمة في حفل زفافها رغم أنها ستتزوج برجل هو مطمع لكثير من النساء ومن هن أفضل منها))

هاجت خضرة عينا شيرين غضبا كاره وهي تقول ببغض

((ما كنت لأتزوجك وأعطيك فرصة الانتقام مني والتشفي لولا والد سهر))

رفع حاجبيه يقول بعبث ولم تدري شيرين بأنه كان يختبر ردة فعلها ويقيمها

((إذا كنت تزوجت مني من اجل والد سهر فتخيلي أن يتم هذا الزواج دون أن أتبرع لوالدها؟))

همست له بعدوانية

((لا تمزح في أمر كهذا، والا سأقلب الزفاف عليك))

زمّ شفتيه بحنق واضح منها لكنها تمادت وهي تضيف

((اليوم ليست ليلتك يا عريس، فأنتَ تتذكر اتفاقنا بانك بعدم الاقتراب مني قبل عملية والد سهر.. سأخبر سهر أن تبشر والدها في الغد))

التزم وليد الصمت وهو يناظرها بوجه خالي التعابير قبل أن يقول بنبرة فاترة قليلا

((سنرى الليلة يا شيرين))

جحرته بعينيها ليقول بابتسامة جانبية

((لا تناظريني هكذا! أنا هكذا.. مميز دائما بكل شيء واملك في جعبتي الكثير بما يذهل من يتعامل معي))

حركت حاجبيها وهي تقترب منه بجرأة ووجهها مقابلا لوجهه لتهمس وعيناها تتحديان عينيه

((إذن لا تدع تميزك هذا يغرك يا وليد))

مال ناحية خدها يلثمه بشفتيه قبل أن يميل أكثر ويهمس قرب أذنها

((لا تقلقي فتميزي لم يغرني قط بل يزيدني ثقة))

لامست ظاهر يده هادرة بسخط

((هيا اذهب إلى قاعة الرجال، طال بقاؤك هنا))

ناظر عينيها طالبا

((لن اذهب قبل أن اخذ قبلة.. ولو صغيرة))

فعلت المثل وهي تميل بشفتيها لخده تلثمه بسطحية هامسة

((بما أني سأعيش معك عمرا طويلا فمن الآن سأجبر نفسي ع قربك))

ثم ابتسمت له رغم تشنج ابتسامتها وهي ترمش بإغراء مفتعل

((هيا اذهب الآن، سأشتاق لك يا حبيبي.. راضي الآن؟))

كان يعرف بأن وقت هنا طال وعليه المغادرة وتلقي التهاني مع الرجال في القاعة الأخرى.. لكن كل شيء يجبره على البقاء هنا..

أفلتت عيناه من سيطرته فهامتا بحرارة مشتعلة من وجهها لعنقها لفتحة فستانها ثم لامست فتنة ورشاقة قدها الذي أظهرته قصة فستان زفافها الأبيض المثيرة والأنيقة..

جف حلقه وهو يفكر بأنه الليلة.. سيذهلها حقا!

وقف من مكانه للمغادر لعله يسيطر على موجة رغبته فيها التي ضربته بشكل الآن بعنف..

ساعات.. فلينتظر فقط ساعات وستكون له.. الليلة..

سيثمل.. سيغرق فيها..

.

.

بمجرد أن انتهى حفل الزفاف قامت سهر بتوديع صديقتها التي استقلت السيارة تحثها

((قد تستغربين كلامي، لكن لمست حبه لك، صحيح أن ما قام به في الماضي تجاهك لا يغتفر، لكن عليك أن تحاولي النسيان وتجاوز ما حدث بما أنك اخترت الزواج منه، حاولي الانسجام معه والإنجاب))

قالت لها شيرين بصوتٍ خافت وكئيب

((للأسف هذا ما سأفعله، لا لشيء إلا لشح الفرص والخيارات المتاحة أمامي.. رغم أني..))

رفعت سهر حاجبيها لتحثها على الإكمال فأكملت شيرين باستسلام

((رغم أني أواجه صعوبة في تقبّل وليد بعدما أنهيته من حياتي في الماضي، حتى وهو الآن يحاول أن يكون أقل سوءً من قبل، لكن لسبب أو لأخر لا أحبذ فكرة التعايش معه للمرة الثانية.. لكن سأحاول التشبث بأي يشيء يصل للراحة أو إلى جزء من السعادة))

ابتسمت سهر وهي تلوح لها بكفها تقول بعاطفة

((إلى اللقاء يا عروس، لا اصدق أنك تزوجتِ حقا))

بالكاد منعت شيرين نفسها من البكاء وهي تشدد على عناقها ثم تبادلها الوداع..

أسرعت سهر الخطى نحو أمها التي كانت تنتظرها في السيارة.. جلست خلف المقود وكانت تريد تشغيل المحرك عندما أمسكت أمها مرفقها تقول باستياء

((شيرين خُطبت ثم فسخن ثم خطبت ثم تزوجت وأنتِ لا زلت تنتظرين قصي ذاك المحتال ليتمنن علينا))

ابتلعت سهر الغصات التي نكأت حنجرتها من أمر قصي ثم تمتمت

((أمي أرجوك لا تفسدي عليّ فرحتي بصديقتي))

ضغطت تمارا أكثر على مرفق ابنتها فأوشكت الأخرى أن تطلق آهة توجع بينما تهدر فيها بخفوت وغيظ

((سأسكت وادعك تفرحين بخيبتك، انه حتى لم يعرفنا على عائلته، ووالدك بارد بخصوص هذا الموضوع بشكل لا يطاق، دائما يخبرني أن اصبر وأثق بقصي.. يا رب رحماك ما سر ثقته هذه وبروده تجاه قصي))

قالت سهر بجفاء

((أمي لأصارحك فأنا لا اتحدت مع قصي أبدًا ولا أرد على اتصالاته، أخبرته أن يُعجل بالحفل أو سيكون فسخ كل ما بيننا هو الحل الوحيد.. صدقيني اقتنعت بكلامك وبدأت اخذ الموضوع بجدية أكبر من السابق))

حررت تمارا مرفق ابنتها أخيرا وهي تقول بقهر مكتوم

((أحسنتِ.. فحتى الأعمى يدرك بأنه لا يعاني من أي ضائقة مالية، إنه فقط محتال يريد الاستمتاع برفقة فتاة جميلة مثلك تشبه دمية الباربي وبمجرد أن ينتهي منك سينهي كل شيء، ولولا الأمل البسيط في داخلي بانه يحبك والا لكنت أنهيت كل شيء بينكما))

بدأت سهر في قيادة سيارتها وعمّ الصمت بينهما إلا من صوت المحرك عندما قالت والدتها بغتة باستغراب يلفه الفضول

((لماذا لم تبدُ شيرين سعيدة؟ عشيرة هذا المحامي مرموقة ووضع عريسها الاجتماعي والمالي ممتاز))

تمتمت لها سهر التي كانت تشعر بقلق عارم على شيرين

((دعي صديقتي في حالها يا أمي، تمنى لها فقط أن تسير الأمور في هذا الزواج على نحو جيد..))

=============================

بمجرد أن أنهت شيرين من حمامها الحار حتى دلفت لغرفة النوم وهي تلف شعرها الأسود بمنشفة صغيرة..

كانت تجلس بين حقائبها تحاول تفريغ البعض منها وإخراج منامة مريحة بعد هذه الليلة المتعبة عندما داهمها صوت وليد الخشن

((هل انتهيت من الاستحمام؟))

حانت نظرة من شيرين ناحية وليد الذي بدا وانه قد أنهى الاستحمام في الحمام الأخر.. ثم انتهبت على نظراته المتفحصة لمفاتنا التي يظهرها مئزر الحمام القصير هذا.. فتنحنحت قبل أن تخبره بصوتٍ واجم

((عليك أن تختار النوم في مكان أخر في المنزل، فأنتَ تتذكر اتفاقنا! وغدا في الصباح علينا البدء في أول تدابير موضوع التبرع لوالد سهر))

وضع وليد يديه في جيبي بنطاله القطني وتقدم للداخل قائلا

((بخصوص هذا الموضوع فقد طرأ بعض التغيرات))

انقبض قلب شيرين لما يمهد به لها فكلامه لا يريحها.. ابتلعت ريقها قبل أن تسأله

((ماذا حدث؟ إياك أن تقول بأنك ستتراجع!))

تحدث وليد بنبرة عادية وكأنه يعلن عن شيء بسيط اعتيادي

((تحليلاتي لم تطابق المعايير المطلوبة ولن أقدر على التبرع له من الأساس))

امتقع وجه شيرين وكأنه أصابها بمقتل! فسألته بصوتٍ مرتجف ممتعض

((وليد هل تظن مزاحك مضحك؟ هل ترى أن الظرف مناسب لمزاحك بعد حفل زفاف طويل ومرهق؟))

أجابها وليد مستدعيا كل قدرته التمثيلية ليدعي بحزن

((أنا لا امزح لكن تحليلاتي غير متطابقة مع والد سهر ولا يمكنني أن أتبرع له رغم رغبتي الحقيقية في ذلك))

همست شيرين بتشكك وكأنها ترفض مواجهة حقيقة بأنه خدعها بكل سهولة ودون أن يرف له جفن

((ولكن ماذا عن التقارير الطبية التي رأيتها أنا وسهر وتأكدنا من صحتها))

زمّ وليد شفتيه يقول ببساطة

((إنها صحيحة بالفعل، لكنها تعود لرجل أخر، استطعت بطرقي الخاصة أن أزور الاسم وادعي بأنها لي))

هدرت من بين أسنانها بكلمات تقطر قهرا

((إذن تعترف بدم بارد الآن بأنك خدعتني!))

قال وليد وعينيه تفيضان بالتجبر والسلطة

((ليس تماما، فأنا أمضيت وقت طويل ومجهد في البحث عن أقارب سهر خاصة أن معظمهم يعيشون في الخارج، وطلبت منهم أن يجروا فحوصات معينة فانطبقت التحليلات على رجل واحد فطلبت منه أن يتبرع لوالد سهر وهو وافق مقابل بعض الخدمات مني.. بالنهاية وبالنسبة لوالد سهر أن يجد متبرع ولن يهمه هويته))

عقدت حاجبيها بقهر دفنته خلف أسوار مقلتيها اللتين تسلحتا بالعنفوان وهي ترفع ذقنها متسائلة بسذاجة

((حسنا.. معك حق.. إذن متى سيتبرع ذاك الشخص لوالد سهر؟))

زمّ وليد شفتيه مفكرا ثم قال وهو يقترب منها أكثر

((هنا المشكلة.. لقد تراجع في أخر اللحظات، قائلا بانه لم يعد بحاجة لخدماتي وخائف من الخوض في غمار هذه العملية الجراحية رغم أنه لا يوجد ما يثير القلق فيها))

تجمدت شيرين وهي لا تزال على صدمتها وحدقتيها تهتزان بينما تتساءل

((ما الذي تقصده؟ لا يوجد متبرع الآن لوالد سهر؟))

هز وليد كتفيه يجيبها وهو يشرف فوقها بثقة

((لا أريد الحكم من الآن، لا زلت قادرا على ابتزاز ذاك الرجل لإجباره على التبرع، سأحاول حقا أن تتم عملية التبرع لكن لا أعدك بذلك..))

انتفضت شيرين واقفة في مكانها لتصرخ به في جنون

((أيها الحقير منذ متى ومثل هكذا عمليات تتم بالإجبار أو الابتزاز أو استغلال حاجة الناس! أليس عندك ذرة خوف من الله أن ترتد أعمَالك عليك؟))

لم يتحرك فيه شيء بل وبكل بساطة واستفزاز تقدم منها وهو لا يزال يضع يديه في جيبه بينما تسمرت عيناه على عظام ترقوتها الفاتنة والتجويف اللذيذ بين عظمتيها ليقول

((لندخل في صلب الموضوع الأهم، بما أن العملية لن تتم الآن وسنكون بحاجة أن ننتظر أكثر.. أسبوع.. شهر.. شهرين.. أو ربما لا تحدث من الأساس.. فعلينا إلغاء فكرة "تأجيل علاقتنا الزوجية لما بعد العملية الجراحية" فأنا لست مستعدا للانتظار أكثر من ذلك!))

أخفضت شيرين وجهها وهي تشعر بألمٍ شديد في حلقها ثم ردت ساخرة

((هل هذا ما يشغل كل تفكيرك به؟ وهل تظن أساسا باني سأبقى معك بعد أن عرفت بخدعتك؟))

ثم تمتمت بخفوت كمن تحدث نفسها

((من الجيد أني لم أخبر والديّ سهر! سيكون أمرا فظيعا إعطاءهم أملا كاذبا مقابل لا شيء))

رفع حاجبيه يسألها بتشكيك واضح وبنبرة متلاعبة

((أستطلبين الطلاق في نفس يوم زفافنا؟ هل تعرفين ماذا سيتحدث الناس عنا؟ اقصد عنك أنتِ؟))

شمخت شيرين بذقنها تدّعي القوة وهي تقول بصوتٍ خانها فخرج مضطربا

((في كل الأحوال لم يتبقَ شيء لم يتحدث به الناس عني بسببك، الآن سأحزم أغراضي وأغادر من هنا وإذا كان فيك الخير أخبر من يسأل عن سبب طلاقنا باننا لم نتفق ولا تقرب صوب سمعتي..))

صدرت عنه ضحكة ذاهلة لا تحمل أي مرح.. ثم هز رأسه غير مصدقًا قبل أن يرفع وجهه يقول بنبرة جليدية قاسية

((أنتِ حقا مجنونة يا شيرين، قلت لك قد أستطيع جعل الرجل يوافق للتبرع، هو كان موافقا على التبرع وكان سيتم كل شيء، لكن نيتك السوداء هي ما حالت دون موافقته))

استدارت تواجهه وقد تجلدت مقلتيها لتقول بفتور

((أنا لن أثق بك مجددا أو أتأمل خيرا منك، لقد كنت تظن بأنك لو أخبرتني بعد الزواج ووضعتني تحت الأمر الواقع فأنا لن اطلب الطلاق، لكن الآن سأثبت لك زيف أوهامك، أنا لم اعد املك في هذه الدنيا ما اخسره أيها الدنيء))

لم يجب عليها بل مضى خطوتين نحو الباب يغلقه ثم أدار القفل وعلى صوت تكته قفزت نبضة في قلب شيرين.. لكنها بقيت صامدة ونظراتها لا تنحني بإظهار ما يعتمل داخلها اللحظة..

تباطأت نظرات وليد التي بدأت تحدق بجسدها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها.. ولم يجبها.. كانت نظرات عينيه في هذه اللحظة محتدمة.. مظلمة.. وراغبة.. ونهمة لتذوق حقه الذي تركه بملء أرادته في الماضي من أنوثتها الرقراقة بعد أن صُدم برسائل خطتها لرجل أخر.. غيره..

دقت الطبول بينهما لتعرف أنها أطلقت الأسد من عرينه أو هي من دخلت إليه بسذاجة.. المهم أن التمزق الى أشلاء بين أنيابه واحد.. فازدردت ريقها قبل أن تقول

((ما الذي تفكر في فعله؟))

وعندما لم يجبها تغلبت على الخوف الرهيب الذي بدأ ينتشر داخلها بشق الأنفس لتظهر اللامبالاة والبرود

((غادر يا وليد أريد أن أبدل ملابسي قبل أن أرحل))

ارتسمت على شفتيه ابتسامة أسد جائع يتسلى بافتراس ضحيته على مهل وببطء جعل لعابه يسيل عليها..

لكنه تحكم بنفسه وهو يجيبها ساخرا بواقعية

((إلى أين ستذهبين يا كحيلة العينين؟ وهل عندك مأوى أخر باستثناء بيت سهر؟ لن يكون من اللائق بعدما أرحتها هي وعائلتها من حملك الثقيل أن تعودي لهم بعد منتصف الليل كمفاجأة غير سارة! عدت لهم أول مرة مطلقة من الرائد بعد أيام والآن تريدين أيضًا الطلاق مني والعودة لهم فقط بعد أيام من زواجك؟ اخجلي على نفسك ولا تثقلي عليهم أكثر من ذلك.. كم من سنة وأنتِ جالسة عندهم؟ منذ وفاة أبيك صحيح؟))

دمعة قهر بالغ أوشكت أن تغدر بشيرين فلم تمهل نفسها الغرق بشعور الذل والعجز لتهاجمه

((بسببك أنتَ اضطررت أن اترك منزلنا القديم وأجاره المنهك واسكن عند سهر لادخر راتبي من أجل القضايا التي حرضت موكلك على رفعها عليّ ظلما وقهرا))

كان الاثنين يحدقان ببعض عن قرب شديد بينما يضيف وليد وشيء من بواقي ألم مبرح يطل من عينيه

((كان هذا جزءً من انتقامي لك، والذي بالمناسبة أفكر بأن ينتهي الآن ولا أتمادى بها كما كنت أخطط، هل تعرفين لماذا؟ لأني أنهكت من لعبة الانتقام هذه.. آنى لي ولك أن نحظى بالسلام ونكمل بقية حياتنا بحب ووئام بعد أن اكتشف كلانا أنه لن يستطيع العيش دون الأخر))

وجدت نفسها ودون أي تفكير مسبق تقول بمقت شديد وهي تنظر في عينيه بتحدٍ

((ابتعد عني أنتِ وأحلامك وظنونك الواهمة فأنا سأغادر، حتى لو اضطررت للنوم للشارع فلن أبالي.. لن ابقَ هنا.. سأرفع قضية خلع عليك وأتخلص منك دون أن يكون لدي عدة بما أنك لم تلمسني))

قال وملامحه تزداد قتامة ورعبا

((إذن سأفعل ما قد يقتضي عليك عدة بل ويصعب حصولك على هذا الطلاق يا كحيلة العينين))

تصاعدت خفقات قلبها بخوف عنيف وتسارعت أنفاسها رغمًا عنها وهي تحاول خنق الخوف منه ومما قد يفعله في هذه اللحظة وبينما يمد كفه لشعرها يجر خصله الى فمه بعنف يقبله وهو يهمس بثمالة العشق

((الليلة أنتِ حقي، سيحدث الآن ما كان يجب أن يحدث قبل سنوات))

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...